أخذ الأطفال إلى المجالس الحسينية فرصة تربوية ثمينة

المجالس الحسينية مدرسة إيمانية وأخلاقية وتربوية متكاملة، تتجسد فيها معاني الإيمان، والولاء، والتضحية، والصبر، والرحمة، والإصلاح. ومن هنا حرص المؤمنون عبر الأجيال على اصطحاب أبنائهم إلى هذه المجالس منذ نعومة أظفارهم، إيمانًا منهم بأنّ الشخصية المؤمنة لا تُبنى بالكلمات المجردة وحدها، وإنّما تُصاغ أيضًا من خلال البيئة التي ينشأ فيها الطفل، والمشاهد التي يراها، والمشاعر التي يعيشها، والقيم التي يتشربها بصورة عملية. ولا يقتصر أثر هذه المجالس على الجانب المعرفي، بل يمتد إلى بناء الوجدان الإنسان، فالطفل عندما يسمع قصة الإمام الحسين عليه السلام، ويرى مشاعر الحزن والمحبة التي يبديها المؤمنون تجاه أهل البيت عليهم السلام، تتشكل في نفسه علاقة عاطفية صادقة مع رموز الدين، فينشأ وهو يحمل قيم الرحمة، والوفاء، والعدل، ونصرة المظلوم، والاستعداد للتضحية من أجل المبادئ. وهذه التربية الوجدانية كثيرًا ما تكون أعمق أثرًا من الدروس النظرية، لأنها تنفذ إلى القلب قبل العقل.
ومن هنا فإنّ أخذ الأطفال إلى المجالس الحسينية ليس مجرد عادة اجتماعية أو تقليد ورثته الأجيال، بل هو استثمار تربوي بعيد المدى، يهدف إلى صناعة جيل يعرف دينه، ويعتز بهويته، ويرتبط بأئمته عليهم السلام ارتباطًا واعيًا ومحبًا.
وفي هذه المقال نسلط الضوء على الأبعاد التربوية الكامنة في اصطحاب الأطفال إلى المجالس الحسينية، ونبين كيف يمكن لهذه المجالس أن تكون وسيلة فعالة في غرس العقيدة، وتنمية الأخلاق، وتعزيز الهوية الدينية، وبناء الشخصية المؤمنة للأطفال.

أهمية اصطحاب الأطفال للمجالس الحسينية

من أهم الاحتياجات النفسية لدى الطفل أن يشعر بأنّه ينتمي إلى أسرة، وإلى مجتمع، وإلى منظومة من القيم والمبادئ. فالطفل الذي يفتقد هذا الشعور يكون أكثر عرضة للتأثر بالأفكار المنحرفة أو الثقافات الدخيلة؛ لأنّه يبحث عن أي جماعة تمنحه الإحساس بالقبول والانتماء. وتؤدي المجالس الحسينية دورًا مهمًا في بناء هذا الشعور منذ السنوات الأولى من العمر؛ إذ يرى الطفل أنّه جزء من مجتمع كبير يجتمع على حب الإمام الحسين عليه السلام، واحترام القيم الإسلامية، وإحياء الشعائر الدينية. ويشاهد مختلف الفئات العمرية وهي تشارك في المجلس بروح واحدة، فيدرك أنّ هذا الانتماء ليس أمرًا فرديًا، بل هو هوية جماعية يعيشها المجتمع كله.
ولم تعد التربية الحديثة تنظر إلى النجاح على أنّه مرتبط بالذكاء العقلي وحده، بل تؤكد أهمية الذكاء العاطفي، وهو قدرة الإنسان على فهم مشاعره، وضبط انفعالاته، والتعاطف مع الآخرين، وبناء العلاقات الإنسانية السليمة. فعندما يسمع الطفل قصة عطش أطفال الإمام الحسين عليه السلام، أو يتعرف إلى صبر السيدة زينب عليها السلام، أو يستمع إلى مواقف الوفاء والإيثار التي جسدها أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، فإنّه لا يكتسب معلومات تاريخية فحسب، بل يعيش حالة وجدانية تدفعه إلى الإحساس بآلام الآخرين، والتعاطف مع المظلومين، وكراهية الظلم والعدوان.

بناء الشخصية وتنمية المهارات

من أهم ما يكتسبه الطفل في المجالس الحسينية هو شعوره بالانتماء إلى دينه وتراثه. فهو يرى حب الناس للإمام الحسين عليه السلام، ويسمع سيرته، ويتعرف إلى مبادئه، فينشأ وهو يدرك أن هناك شخصيات عظيمة تستحق المحبة والاقتداء. وهذا الانتماء لا يقوم على الحفظ المجرد للمعلومات، وإنّما يتكون من خلال المشاعر والتجارب المتكررة؛ ولذلك فإنّ الطفل الذي يعتاد حضور المجالس منذ صغره يكون أكثر ارتباطًا بقيم الإسلام، وأكثر اعتزازًا بهويته الدينية، وأقدر على مواجهة محاولات طمس الهوية أو إضعافها. وفي هذا يقول أميرالمؤمنين عليه السلام: « الْعِلْمُ مِنَ الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ»(1).
إنّ القصص التي يسمعها الطفل في المجالس الحسينية ليست مجرد أحداث تاريخية، وإنّما هي دروس أخلاقية حية. فعندما يسمع عن صدق الإمام الحسين عليه السلام، ووفاء أبي الفضل العباس عليه السلام، وشجاعة علي الأكبر، وصبر السيدة زينب عليها السلام، ورحمة الإمام الحسين بالأطفال، يتعلم أنّ الصدق فضيلة، والوفاء خلق، والشجاعة قيمة، والصبر طريق إلى النجاح. وتتميز هذه التربية بأنّها ترتبط بشخصيات يحبها الطفل ويحترمها، فيكون تأثيرها أعمق من مجرد الأوامر المباشرة التي يتلقها من الآخرين.
وهناك مهارات يكتشفها الطفل بحضوره في المجالس الحسينية، مثل مهارة التواصل الاجتماعي، ففي المجلس الحسيني يلتقي الطفل بأطفال آخرين من أعمار مختلفة، ويتعرف إلى أشخاص يكبرونه سنًا، ويتعلم آداب السلام، واحترام الكبار، والتعامل بلطف مع الآخرين. وهذه العلاقات الاجتماعية توسّع مداركه، وتكسبه مهارات الحوار، وتعلمه التعاون، وتساعده على تكوين الصداقات المبنية على القيم المشتركة. 

تعليم الصبر والقدرة على مواجهة الصعوبات

إنّ الحياة لا تخلو من المشكلات والابتلاءات؛ ولذلك يحتاج الطفل منذ صغره إلى تعلم مهارة الصبر والثبات وعدم الاستسلام عند مواجهة التحديات. وتؤكد الدراسات التربوية أنّ الأطفال الذين يكتسبون هذه المهارة مبكرًا يكونون أكثر قدرة على النجاح في الدراسة والعمل والحياة الاجتماعية. وتُعد واقعة كربلاء من أعظم المدارس التي تعلّم الإنسان معنى الصبر والثبات وسائر القيم السامية. فالطفل عندما يسمع كيف واجه الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه أشد المحن بإيمان ويقين، يدرك أنّ قوة الإنسان لا تكمن في خلو حياته من المصاعب، وإنما في حسن التعامل معها.
ويتعلم الطفل من هذه المواقف أنّ المؤمن لا يفقد الأمل أمام الشدائد، ولا ينهزم نفسيًا عند أول عقبة، بل يواجهها بالإيمان، والصبر، والثقة بالله تعالى، والعمل بما يستطيع.
كما أنّ المشاركة في المجالس نفسها تعلم الطفل بعض صور الانضباط والصبر، فهو ينتظر دوره، ويلتزم بآداب المجلس، ويحترم النظام، ويؤجل بعض رغباته مراعاةً للآخرين، وهذه الممارسات اليومية تسهم في تنمية القدرة على ضبط النفس والتحكم في الانفعالات.
ومع مرور الوقت تتحول هذه الخبرات إلى صفات راسخة، فيصبح الطفل أكثر هدوءًا عند مواجهة المشكلات، وأقدر على تحمل المسؤولية، وأكثر استعدادًا لمواصلة السعي رغم العقبات.

منع الآثار السلبية المحتملة

من أهم الجوانب التي ينبغي الاهتمام بها هي إدارة التعب والإرهاق الناتج عن طول المجلس، والتخفيف من خوف الطفل من الأصوات المرتفعة، وشرح المفاهيم الحسينية بما يتناسب مع مرحلته العمرية.

إدارة الإرهاق والتعب

يختلف الطفل عن البالغ في قدرته على الجلوس لفترات طويلة أو تحمل الأجواء المزدحمة؛ ولذلك فإنّ إرهاقه داخل المجلس قد يجعله يربط المجالس الحسينية بمشاعر التعب والضيق، بدلًا من مشاعر الراحة والسكينة؛ لذا من الضروري على الوالدين أن يهتموا إلى بعض الأمور، منها: اختيار المجلس المناسب، ومراعاة قدرة الطفل الجسدية، وتجنب أماكن الازدحام الشديد.

خوف الطفل من الأصوات العالية

تتميز بعض المجالس الحسينية بارتفاع صوت مكبّرات الصوت أو اللطم الجماعي أو الهتافات، وقد تكون هذه الأجواء مألوفة للكبار، لكنها قد تثير الخوف أو الارتباك عند بعض الأطفال، ولا سيما في السنوات الأولى من العمر؛ ولذلك ينبغي التعامل مع هذا الأمر بحكمة وتدرج. 

تقديم المفاهيم بصورة يناسب عمر الطفل

من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يُقدَّم للطفل الخطاب نفسه الموجه للكبار، بما يحمله من تفاصيل تاريخية معقدة أو أوصاف مؤلمة قد لا يستطيع استيعابها. 
ينبغي أن يتعلم الطفل أن الإمام الحسين عليه السلام كان يحب الله، ويدافع عن الحق، ويساعد المظلومين، ويعامل الأطفال بالرحمة، قبل أن يتعرف إلى التفاصيل الدقيقة للمعركة. فالقيم هي الرسالة الأساسية التي ينبغي أن تصل إلى الطفل. 
ولا حاجة إلى نقل جميع مشاهد القتال أو القتل أو التعذيب للأطفال الصغار؛ لأنّ خيالهم الواسع قد يحول هذه الصور إلى مصدر للخوف والقلق. إنّ القصة من أفضل وسائل التربية؛ ولهذا ينبغي الاستفادة من القصص التي تبرز محبة الإمام الحسين عليه السلام للأطفال، ورأفته بأهل بيته، وشجاعة أصحابه، ومواقف الوفاء والتعاون، لأن هذه النماذج أقرب إلى عالم الطفل وأكثر تأثيرًا في وجدانه. 

الخاتمة

إنّ الاستثمار الحقيقي في المجالس الحسينية لا يكون في كثرة الحضور فحسب، وإنّما في جودة الأثر الذي تتركه في نفوس الأجيال الناشئة. فإذا نجحنا في أن نجعل الطفل يرى في الإمام الحسين عليه السلام قدوةً للصدق، والعدل، والرحمة، والإصلاح، وأن يترجم هذه القيم إلى سلوك يومي في أسرته ومدرسته ومجتمعه، فإننا نكون قد حققنا المقصد الأسمى من التربية الحسينية، وأسهمنا في إعداد جيل يحمل رسالة كربلاء بعقله وأخلاقه وسلوكه، ويجعل من المجالس الحسينية مدرسةً دائمةً لبناء الإنسان وصناعة المستقبل. كما تقع على عاتق الخطباء والقائمين على المجالس مسؤولية توفير بيئة تربوية آمنة وجاذبة للأطفال، تجمع بين أصالة الرسالة الحسينية ومتطلبات التربية المعاصرة، حتى يشعر الطفل بأنّ المجلس مكان للمحبة والطمأنينة والتعلم، لا مجرد مناسبة عابرة.

 

1) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 1 / الصفحة: 224 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة