الأب حامل راية تربية الجيل العاشورائي
لتعريف الأبناء بالمعتقدات الدينية والقيم الحسينية وتبيينها إياهم، يؤدّي الأب دورًا بالغ الأهمية بوصفه السند والداعم والقدوة في السلوك، ولا سيّما بالنسبة إلى الأبناء الذكور. وإنّ مرافقة الأب لأبنائه في حضور الهيئات والمجالس الحسينية الخاصة بالإمام الحسين عليه السلام، تغرس في قلوبهم منذ الصغر محبة سيّد الشهداء وثقافة العزاء. وفيما يأتي مجموعة من الوسائل التي تُسهم في تعزيز هذا الدور التربوي القيّم.
قدوة الأب... قدوة عاشورائية
إذا كان الأب في حياته اليومية صاحب أخلاق وسلوك قويم، وفي الوقت نفسه يعرّف أبناءه بالإمام الحسين عليه السلام بوصفه القدوة العليا، فإنّ ذلك يعزّز تعلّقهم بالقيم الحسينية وارتباطهم بها. ووفقًا لنظرية التعلّم الاجتماعي (باندورا، 1977)، يكتسب الأطفال القيم والمعتقدات الدينية من خلال ملاحظة سلوك الوالدين والاقتداء بهما. كما تشير دراسات علم النفس الأسري إلى أنّ التزام الوالدين بالكسب الحلال والتحلّي بالصدق يزيد شعور الطفل بالثقة والأمان، وهذا الشعور يمهّد الطريق لتقبّل التعاليم الدينية.
الأعمال الخيرية إلى جانب مجالس العزاء
إنّ القيام بالأعمال الخيرية، مثل توزيع النذور والطعام المبارك بالتزامن مع إقامة مجالس الرثاء واللطم، يترك أثرًا تربويًا كبيرًا في نفوس الأبناء. وتشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أنّ مشاركة الأطفال في الأعمال الخيرية والأنشطة الجماعية تعزّز لديهم الشعور بقيمة الذات والانتماء إلى المجتمع (إريكسون، 1968). وهذه التجربة تجعلهم يدركون قيمة العمل الصالح، وتدفعهم إلى تقديم ثواب أعمالهم هديةً للإمام الحسين عليه السلام، مما يعمّق ارتباطهم العاطفي بثقافة عاشوراء، فالمشاركة الفاعلة في هذه الشعائر لا تنمّي الجانب الروحي لدى الأطفال فحسب، بل تُسهم أيضًا في تنمية إحساسهم بالمسؤولية الاجتماعية.
إسناد مسؤوليات صغيرة إلى الأبناء في الهيئة
إنّ تكليف الأطفال بمسؤوليات بسيطة داخل الهيئة الحسينية له أثر كبير في تنمية روح الخدمة والانتماء الديني لديهم. فالأعمال البسيطة، مثل تقديم أكواب الماء أو كتابة أسماء أصحاب النذور، بما يتناسب مع أعمارهم، تجعلهم يشعرون بأنّ لهم دورًا حقيقيًا في المجلس. وأمّا المراهقون فيمكن أن يتولّوا مهامًا مثل ترتيب الأحذية أو استقبال الضيوف، وهو ما يعزّز لديهم الثقة بالنفس وروح المسؤولية. ويرى علماء النفس التنموي أنّ المشاركة الفاعلة في الأنشطة الجماعية تُنمّي تقدير الذات والمهارات الاجتماعية لدى الأطفال، ويستطيع الأب أن يؤدّي دورًا أساسيًا في تحقيق ذلك (إريكسون، 1968).
تجربة حضور المجالس الدينية مع الوالدين
أظهرت الدراسات في علم اجتماع الدين أنّ الأطفال الذين يشاركون للمرة الأولى في المناسبات الدينية برفقة والديهم، يكونون أكثر اهتمامًا ومشاركةً في الحياة الدينية عندما يكبرون. فذكريات حضورهم هذه المجالس العائلية والإيمانية تترك في نفوسهم صورةً إيجابيةً راسخة، وتجعلهم يشعرون بأنهم ينتمون إلى جماعة ذات قيم سامية، كما تُسهم هذه التجربة الجماعية في تعزيز هويتهم الدينية وتنمية مهاراتهم الاجتماعية.
الاستمرار في حضور مجالس العزاء طوال العام
إنّ المواظبة على حضور الأطفال لمجالس العزاء، ولا سيّما في أيام عاشوراء، تساعدهم على التعرّف إلى أحداث كربلاء بصورة أشمل وأعمق. ومن منظور علماء النفس التنموي، فإنّ اختيار الهيئات التي تقدّم المحاضرات والمراثي بما يناسب أعمار الأطفال أمرٌ في غاية الأهمية؛ لأنّ المجالس الكبيرة والمزدحمة ليست دائمًا مناسبة لهم، وقد تؤدي إلى شعورهم بالتعب أو النفور، كما أنّ تجربة البكاء على الإمام الحسين عليه السلام في مرحلتي الطفولة والمراهقة تُسهم في تنمية التعاطف والإحساس بالمسؤولية الأخلاقية.
كيف نعرّف الأطفال بثقافة العزاء؟
١. تهيئة أجواء المنزل
قبل حلول شهر محرّم، تستطيع الأسرة أن تهيّئ أجواءً مناسبة لهذه المناسبة المباركة، من خلال إلباس المنزل السواد، وتعليق الرايات واللافتات الحسينية، وتشغيل اللطميات والأناشيد الخاصة بشهر محرّم. ويمكن أيضًا إشراك الأطفال في اختيار مكان تعليق الرايات أو اللافتات، حتى يشعروا بالمشاركة والانتماء.
٢. المجالس الحسينية المنزلية... تمهيدٌ لحضور الهيئة
يظنّ بعض الآباء والأمهات أنّ الأطفال لا ينبغي أن يحضروا مجالس العزاء، وأنّ الأفضل تأجيل ذلك حتى يكبروا، لكنّ المختصين يرون أنّ هذا الاعتقاد غير صحيح. ويقول مصطفى محمدي مكي، الخبير في علوم القرآن: «إذا لم يحضر الأطفال هذه المجالس، ولم يألفوا أجواءها وأصواتها، فسيكون من الصعب عليهم المشاركة فيها عندما يكبرون. وفي الحقيقة، فإنّ حضور الأطفال في الهيئات والمجالس الحسينية يُعدّ إعدادًا لهم لمرحلة المراهقة.»
في البداية، يمكن للأسرة أن تُعرّف الأطفال بأجواء العزاء من خلال إقامة مجالس حسينية منزلية صغيرة. ويمكن أن تتضمن هذه المجالس أناشيد ومدائح بسيطة، وقراءة مختصرة للمصيبة، واللطم. ومن المهم جدًا أن تُعرّف هذه المجالس الأطفال بشخصيات كربلاء، وأن تربط ذاكرتهم منذ الصغر بأحداثها الخالدة.
٣. اختيار المجلس المناسب للطفل
من أهم الأمور اختيار الهيئة أو المجلس الذي يناسب عمر الطفل واحتياجاته. وينبغي أن يراعي الوالدان المجلس الذي يشعر الطفل بالراحة في حضوره. فقد يكون المجلس المزدحم، مع ارتفاع أصوات مكبرات الصوت، مزعجًا لبعض الأطفال؛ لذلك من الأفضل اختيار المجالس التي تمتاز بأجواء أكثر هدوءًا وألفة، وتكون أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم.
٤. اصطحاب وسائل ترفيه للأطفال
لا ينبغي للوالدين أن يتوقعا من الطفل أن يجلس في مجلس العزاء ساعات طويلة بصمت كما يفعل الكبار. فإحضار بعض المأكولات الخفيفة، أو الألعاب، أو دفتر للرسم مع أقلام التلوين، يساعد الطفل على الانشغال بهدوء إذا شعر بالملل. فالطفل يبقى طفلًا حتى وهو في مجلس العزاء، ومن الطبيعي أن يحتاج أحيانًا إلى الحركة واللعب والمرح.
قدوات عاشورائية لكل مرحلة عمرية
إنّ واقعة عاشوراء زاخرة بالنماذج التربوية، بحيث يجد كلّ جيل فيها قدوة تناسب مرحلته العمرية.
الأطفال: الإمام علي الأصغر عليه السلام
يُعدّ علي الأصغر عليه السلام الطفل الرضيع للإمام الحسين عليه السلام، الذي استُشهد بسهم وهو بين يدي أبيه، قدوةً مؤثرة للأطفال، بل وحتى للرضّع؛ ولهذا يُحيي المؤمنون في كل عام أول جمعة من شهر محرّم مناسبة الرضيع الحسيني.
المراهقون: القاسم بن الحسن عليه السلام
يُعدّ القاسم بن الحسن عليه السلام، نجل الإمام الحسن عليه السلام، الذي استُشهد في كربلاء وهو في مقتبل عمره، نموذجًا للمراهقين في الغيرة والشجاعة وحبّ الولاية.
الشباب: علي الأكبر عليه السلام
وأمّا علي الأكبر عليه السلام، أكبر أبناء الإمام الحسين عليه السلام، الذي كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله خَلقًا وخُلقًا ومنطقًا، فقد قدّم روحه في ساحة القتال؛ ليكون قدوةً للشباب في الشهامة والغيرة والإيثار.
كبار السن: حبيب بن مظاهر
ويُجسّد حبيب بن مظاهر، الذي تجاوز الخامسة والسبعين من عمره، أروع صور الوفاء للإمام الحسين عليه السلام؛ إذ أثبت بإخلاصه وثباته أنّ كِبَر السن لا يمنع الإنسان من نصرة الحق، حتى نال شرف الشهادة في كربلاء.
دور الأسرة في نقل رسالة عاشوراء
ينبغي للأسرة أن تدرك أنّ شهر محرّم ليس مجرّد شهرٍ للعزاء، بل هو فرصة تربوية عظيمة.
ويرى علماء النفس أنّ من النعم التي يتميّز بها مجتمعنا وجود مواسم دينية تُحدث تغييرًا في نمط الحياة، وتوفّر فرصًا تربوية فريدة لبناء شخصية الأبناء.
ويؤكّد القرآن الكريم أنّ مسؤولية تربية الأبناء وحماية الأسرة مسؤوليةٌ إيمانية قبل أن تكون واجبًا اجتماعيًا، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾(1).
ويُعدّ الوالدان، من خلال سلوكهما وحضورهما في هذه الأيام، أهمّ قدوة للأطفال. فعندما يرى الطفل والديه يستيقظان من أجل المشاركة في عزاء الإمام الحسين عليه السلام، ويرتديان السواد، وتدمع أعينهما حزنًا عليه، فإنّ هذه المشاهد تترسّخ في ذاكرته، وتتحول مع مرور الزمن إلى جزء من هويته وشخصيته.
ومن المهم جدًا أن يتحلّى الوالدان بالصبر والرفق في هذه المسيرة التربوية. فلا ينبغي إجبار الأطفال على حضور مجالس لا يرغبون فيها، ولا توبيخهم إذا لم يستطيعوا الجلوس بهدوء طوال المجلس، فإنّ صبر الوالدين في تهيئة أبنائهم لحضور مجالس العزاء، ومراعاة احتياجاتهم أثناء المشاركة فيها، يترك أثرًا بالغًا في ترسيخ محبتهم لهذه المناسبة المباركة.
الخاتمة: محرّم... مدرسة لا تنتهي
عندما نشارك اليوم مع أزواجنا وأبنائنا في الهيئات والتكايا ومجالس العزاء لإحياء ذكرى سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، ينبغي أن ندرك أنّ هذه المشاركة ليست مجرد ممارسة لشعيرة دينية، بل هي رسالة تربوية عميقة. فشهر محرّم مدرسة كبرى، يتعلّم فيها أطفالنا وشبابنا معاني الإيثار، والوفاء، ومواجهة الظلم، والصبر، والشجاعة؛ لتبقى هذه القيم حيّة في نفوسهم، وتهديهم في مسيرة حياتهم.
1. سورة التحريم / الآية : 6





