خُطبةِ السيدةِ أُمِّ كُلثوم (عليها السلام) في الكوفة؛ المفهوم والمعنى

تُعَدُّ خُطبةُ السيدةِ أُمِّ كُلثوم (عليها السلام) من أكثر الخُطب تأثيرًا التي أُلقيت بعد واقعة عاشوراء. فقد أدركت سلام الله عليها بدقّة ظروف المرحلة، ونفسيات المخاطبين، والأجواء التي كانت تهيمن على المجتمع الكوفي، فألقت خُطبةً قصيرةً في ألفاظها، عظيمةً في مضامينها ورسائلها الإيقاظية، خُطبةً امتازت رغم إيجازها بقوة الإقناع وعمق التأثير.
ومن أبرز أسباب خلود هذه الخُطبة فصاحتُها وبلاغتُها. فقد استخدمت السيدة أُمُّ كُلثوم (عليها السلام) ألفاظًا ومفاهيم مألوفةً ومناسبةً لثقافة جمهورها، فاستطاعت أن تُوصل رسالتها بأوضح صورةٍ وأبلغها، كما اعتمدت في خطابها أساليبَ متنوعةً للإقناع، مثل التأكيد، والتكرار، والقَسَم، وإثارة العواطف، والترغيب والترهيب؛ وهي أساليب تدفع المخاطب إلى التأمل، والندم، وإعادة النظر في مواقفه وسلوكه.
ومن السمات البارزة لهذه الخُطبة أيضًا دقةُ اختيار الألفاظ بما يناسب المقام، والتنوعُ في التعابير للتعبير عن المعنى الواحد، والاستفادةُ من الأسلوب الإيقاعي والسجع، إلى جانب توظيف التشبيهات والتمثيلات المتنوعة لتقريب المعاني وإيضاحها، كما أنّ الاستخدام البارع للمحسنات البلاغية في علوم المعاني والبيان والبديع قد أضفى على الخُطبة جمالًا في اللفظ وعمقًا في المعنى، حتى غدت نموذجًا متميزًا للبلاغة الإسلامية، ينقل رسالة عاشوراء إلى مخاطبي ذلك العصر، وإلى الأجيال اللاحقة، بالقوة والتأثير نفسيهما.

خُطبُ أهلِ البيت (عليهم السلام) في الكوفة

تُعَدُّ خُطبُ أهلِ البيت (عليهم السلام) في الكوفة من أبرز الأحداث التي وقعت بعد فاجعة عاشوراء، أثناء سبي أهل بيت الإمام الحسين (عليه السلام). ووفقًا لما نقلته المصادر التاريخية، فقد ألقى كلٌّ من السيدة زينب الكبرى (عليها السلام)، والسيدة فاطمة الصغرى (عليها السلام)، والسيدة أُمِّ كُلثوم (عليها السلام) بنت الإمام علي (عليه السلام)، والإمام السجاد (عليه السلام) خُطبًا في أهل الكوفة بعد دخول سبايا كربلاء إلى المدينة.

نصّ خطبة أم كلثوم في الكوفة

خطبت أم كلثوم بنت علي عليه السلام بعد واقعة الطف في مجلس ابن زياد من وراء كلتها رافعة صوتها بالبكاء، فقالت:

يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، سُوءًا لَكُمْ، مَا لَكُمْ خَذَلْتُمْ حُسَيْنًا، وَقَتَلْتُمُوهُ، وَانْتَهَبْتُمْ أَمْوَالَه،ُ وَوَرِثْتُمُوهُ وَسَبَيْتُمْ نِسَاءَهُ، وَنَكَبْتُمُوهُ؟! فَتَبًّا لَكُمْ وَسُحْقًا.

وَيْلَكُمْ، أَتَدْرُونَ أَيَّ دَاهِيَةٍ دَهَتْكُمْ؟ وَأَيَّ وِزْرٍ عَلَى ظُهُورِكُمْ حَمَلْتُمْ؟ وَأَيَّ دِمَاءٍ سَفَكْتُمُوهَا؟ وَأَيَّ كَرِيمَةٍ اهْتَضَمْتُمُوهَا؟ وَأَيَّ صِبْيَةٍ سَلَبْتُمُوهَا؟ وَأَيَّ أَمْوَالٍ نَهَبْتُمُوهَا؟ قَتَلْتُمْ خَيْرَ رِجَالٍ بَعْدَ النَّبِيِّ  (صلى الله عليه وآله وسلم)، وَنُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قُلُوبِكُمْ، أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ وَحِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ.

ثُمَّ قَالَتْ:

 

قَتَلْتُمْ أَخِي صَبْرًا فَوَيْلٌ لِأُمِّكُمْ
سَتُجْزَوْنَ نَارًا حَرُّهَا يَتَوَقَّدُ
سَفَكْتُمْ دِمَاءً حَرَّمَ اللَّهُ سَفْكَهَا
وَحَرَّمَهَا الْقُرْآنُ ثُمَّ مُحَمَّدٌ
أَلَا فَابْشِرُوا بِالنَّارِ إِنَّكُمْ غَدًا
لَفِي قَعْرِ نَارٍ حَرُّهَا يَتَصَعَّدُ
وَإِنِّي لَأَبْكِي فِي حَيَاتِي عَلَى أَخِي
عَلَى خَيْرِ مَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ سَيُولَدُ
بِدَمْعٍ غَزِيرٍ مُسْتَهَلٍّ مُكَفْكَفٍ
عَلَى الْخَدِّ مِنِّي دَائِبٌ لَيْسَ يَحمُدُ
(1)

 

قال الراوي: فضج الناس بالبكاء والنحيب والنوح، ونشر النساء شعورهن، وحثين التراب على رؤوسهن، وخمش وجوههن، ولطمن خدودهن، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال ونتفوا لحاهم، فلم ير باكية وباك أكثر من ذلك اليوم.

الهدفُ من إلقاءِ الخُطبة

كان من أهمِّ الإجراءات التي اتخذها أهلُ بيت الإمام الحسين (عليه السلام) لكشف الوجه القبيح للحكم الأموي، وإيقاظ الضمير الغافل لدى أهل الكوفة، وإثارة مشاعرهم، إلقاءُ خُطبٍ قويةٍ ومليئةٍ بالحقائق. وقد تركت هذه الخُطب أثرًا بالغًا في نفوس الكوفيين، حتى إنّهم أظهروا الندم على ما اقترفته أيديهم، وانفجروا بالبكاء والعزاء على الإمام الحسين (عليه السلام) وعلى مظلومية أهل بيته (عليهم السلام).
ومن الطبيعي أن يكون إلقاءُ الخُطبة في تلك الظروف القاسية من الأسر أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى السيدة أم كلثوم (عليها السلام). فقد كانت ترزح تحت وطأة المصائب العظيمة والآلام الموجعة، وقد زادت مشقةُ السفر ومعاناتُه من ثقل تلك المحنة، كما أنّها كانت تقف أمام جمعٍ من الأجانب، وفي مقدمتهم أولئك الذين تلطخت أيديهم بدماء أخيها وأحبائها. والأشدُّ إيلامًا من ذلك كله أنّ رؤوس الشهداء المقطوعة كانت مرفوعةً على الرماح أمام ناظريها، وهو مشهدٌ كفيلٌ بأن يسلب القدرة على الكلام من أيِّ خطيب، فضلًا عنها.
ومع ذلك، كانت السيدة أم كلثوم (عليها السلام) ترى نفسها مسؤولةً أمام دماء الشهداء، وكانت على يقينٍ بأن سكوتها وعدم تبليغها رسالة نهضة أخيها الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة سيمنح السلطة الحاكمة الفرصة لتسخير جميع إمكاناتها من أجل إخماد شعلة تلك الثورة؛ لذلك نهضت ببلاغتها العلوية وبيانها الفصيح، لتُبيّن جذور النهضة الحسينية، وتكشف جرائم حكم يزيد وظلمه واستبداده، وتوقظ الناس على حقيقة ما حدث.

شخصيةُ السيدةِ أُمِّ كُلثوم (عليها السلام)

يذكر السيدُ ابنُ طاووس أن السيدة أُمَّ كُلثوم (عليها السلام) هي الأختُ لأبٍ للإمام الحسين (عليه السلام) وللسيدة زينب الكبرى (عليها السلام). وقد شاركتهما مصائب كربلاء، وكانت إلى جانبهما في تلك المحنة العظيمة، كما استُشهد زوجها في سبيل الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). وكانت امرأةً صابرة، مطيعةً لله تعالى ولإمامها، عُرفت بفصاحتها وبلاغتها، وألقت خُطبًا في الكوفة والشام وغيرها.
وكانت (عليها السلام) مثالًا للحياء والعفة. فعندما أُدخل السبايا إلى المدينة ومعهم رؤوس الشهداء، طلبت من شمر أن يسلك طريقًا يجعل الرؤوس تتقدم قافلة السبايا، حتى يقلَّ نظر الناس إلى النساء. ولا تتوفر معلومات دقيقة عن سنة وفاتها أو موضع دفنها، إلا أنّه يوجد في مقبرة باب الصغير في الشام (سوريا الحالية)، إلى جوار مرقد السيدة سكينة (عليها السلام) بنت الإمام الحسين (عليه السلام)، قبرٌ يُنسب إلى أُمِّ كُلثوم بنت الإمام علي (عليه السلام).
وقد تناول الباحثون مسألةَ موضع دفن أُمِّ كُلثوم بالتدقيق. فأُمُّ كُلثوم الكبرى، ابنة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، تُوفيت في المدينة المنورة في حياة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، في اليوم نفسه الذي تُوفي فيه ابنها زيد بن عمر، ودُفنت في البقيع؛ ولذلك يمكن الجزم بأن أُمَّ كُلثوم المدفونة في باب الصغير ليست هي هذه السيدة، ولا السيدة زينب الكبرى (عليها السلام). ومن ثمَّ يُحتمل أن تكون من بنات الإمام علي (عليه السلام) من غير السيدة فاطمة (عليها السلام). ومن بين بناته توجد أُمَّا كُلثوم أُخريان؛ إحداهما نفيسة زوجة عبد الله الأصغر بن عقيل، والأخرى زينب زوجة محمد بن عقيل، ويُحتمل أن يكون هذا المرقد لإحداهما.
ومما لا شك فيه أنّ هذه السيدة كانت حاضرةً في واقعة كربلاء إلى جانب أختها السيدة زينب (عليها السلام)، وألقت في مجلسي ابن زياد ويزيد خُطبًا بليغةً وقويةً، وقد حفظت المصادر التاريخية نصوصها وأشارت إليها.

تحريمُ الصدقةِ على أهلِ البيت (عليهم السلام)

كانت السيدةُ أُمُّ كُلثوم (عليها السلام) عالمةً بأحكام الشريعة، وحتى في أشدِّ الظروف قسوةً، حين كان أهلُ بيت النبي (صلى الله عليه وآله) يعانون الجوع والعطش، لم ترضَ بقبول الصدقة. فقد روى مسلم الجصاص:

قال صار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم أم كلثوم، وقالت: يا أهل الكوفة! إنّ الصدقة علينا حرام. وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم، وترمي به إلى الأرض. قال كل ذلك، والناس يبكون على ما أصابهم.
ويكشف هذا الموقف عن عمق فهمها للدين، وشدة التزامها بأحكامه حتى في أصعب الظروف، كما أنّه كان درسًا بليغًا للمجتمع الإسلامي؛ ليُدرك من هم الذين قتلهم، ومن هم الذين ساقهم إلى الأسر؛ وهم أهلُ بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله).

الأسئلة الشائعة

1. لماذا تُعدّ خطبة السيدة أم كلثوم (عليها السلام) في الكوفة من أبرز الخطب بعد عاشوراء؟
لأنّها جمعت بين البلاغة وقوة الحجة وعمق التأثير، كما راعت ظروف المجتمع الكوفي ونفسيات المخاطبين، فنجحت في إيقاظ ضمائرهم وكشف حقيقة الجريمة التي ارتُكبت بحق الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته.

 

2. ما الهدف من خطب أهل البيت (عليهم السلام) بعد واقعة كربلاء؟
كان الهدف فضح ظلم الحكم الأموي، وبيان حقيقة نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإحياء وعي الأمة، حتى لا تُحرَّف أحداث عاشوراء أو تُطمس رسالتها. وقد أثّرت هذه الخطب في أهل الكوفة، فأظهر كثير منهم الندم والبكاء.

 

3. ما أبرز صفات السيدة أم كلثوم (عليها السلام)؟
عُرفت بالصبر، والبلاغة، والعفة، والحياء، والثبات على المبادئ. كما كانت عالمةً بأحكام الدين، وشاركت في تبليغ رسالة عاشوراء بخطبها في الكوفة والشام، إلى جانب السيدة زينب (عليها السلام) والإمام السجاد (عليه السلام).


4. ماذا نتعلّم من موقف السيدة أم كلثوم (عليها السلام) في رفض الصدقة؟
نتعلّم أهمية الالتزام بأحكام الشريعة في جميع الظروف، وأن حفظ الهوية الدينية والمبادئ لا يسقط في أوقات الشدة. كما كان موقفها رسالةً للمسلمين تُذكّرهم بأن الذين سُبوا هم أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهؤلاء أصحاب المنزلة الرفيعة والمكانة السامية في الإسلام.

 

1.    اللهوف على قتلى الطفوف / السيد ابن طاووس / الصفحة: 199 

 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة