هل حَضَرَت فاطمة الزهراء سلام الله عليها في كربلاء؟
حين يذكر المؤمن واقعة كربلاء، فإنّ أول ما يخطر في ذهنه هو الإمام الحسين عليه السلام، ثم أهل بيته وأصحابه، ثم السيدة زينب عليها السلام التي حملت رسالة النهضة بعد الشهادة. ولكن يبقى سؤالٌ يطرحه المحبون في مجالس العزاء، وتردده القصائد والمراثي: هل كانت فاطمة الزهراء عليها السلام حاضرة في كربلاء؟ إنّ هذا السؤال لا يبحث عن حضورٍ تاريخي أو جسدي، فالتاريخ الإسلامي يثبت أنّ فاطمة الزهراء عليها السلام انتقلت إلى جوار ربها بعد رحيل أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله، قبل واقعة كربلاء بسنوات طويلة. ولكن السؤال الذي يطرحه العاشقون والمحبون لأئمة أهل البيت عليهم السلام هو سؤال آخر: هل يمكن للأم أن تغيب عن ولدها في أعظم مصائبه؟ وهل يمكن لسيدة نساء العالمين عليها السلام أن تكون بعيدة عن سيد شباب أهل الجنة، وهو يودع الدنيا مظلوماً عطشاناً؟
ومن هنا نشأت في الوجدان الشيعي قراءة روحية ترى أنّ الزهراء عليها السلام كانت حاضرة في كربلاء حضوراً يليق بعالم الأرواح، وأنّها كانت شاهدة على مصيبة ولدها، وأّن الله سبحانه أكرمها بأن ترى ما حدث على الحسين عليه السلام؛ لتكون تلك الفاجعة امتداداً لمظلومية بيت النبوة عليهم السلام منذ الأيام الأولى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله.
قراءة روحية وليست تاريخية
إنّ هذه القراءة والفكرة، ليست قراءة تاريخية بقدر ما هي قراءة قلبية، تشكل جزءاً من ثقافة العزاء، ومن اللغة التي يخاطب بها المؤمنون أهل البيت عليهم السلام في مواسم الحزن. لقد بدأت كربلاء منذ اللحظة التي كُسر فيها قلب مولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام؛ لأنّ الظلم الذي وقع عليها هو ذاته الذي انتهى إلى قتل ولده الإمام الحسين عليه السلام، فالذين منعوا أميرالمؤمنين عليا عليه السلام من حقه، ومزقوا قلب فاطمة الزهراء سلام الله عليها، هم الذين مهّدوا الطريق لقيام الحكم الأموي الذي انتهى بجريمة عاشوراء؛ ولهذا كان الأئمة عليهم السلام يؤكدون أنّ مصائبهم سلسلة واحدة، وأنّ كل حلقة منها تؤدي إلى الأخرى. وبناء عليه، نرى أنّ زينب الكبرى سلام الله عليها تنعى أخيها الإمام الحسين عليه السلام بعد استشهاده، وتقول: «بِأَبِي مَنْ أَضْحَى مُعَسْكَرُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ نَهْبًا»(1). والحال أنّ واقعة الطف الأليمة وقعت في يوم الجمعة، فيوم الإثنين هو يوم السقيفة وغصب خلافة أميرالمؤمنين عليه السلام.
ولهذا فإنّ المؤمن حين يقف عند قبر الحسين عليه السلام، لا يستطيع أن يفصل بينه وبين أمه. فهو يذكر الزهراء كلما رأى طفلاً عطشاناً، وكلما سمع صوت زينب عليها السلام وهي تنادي أخاها، وكلما تخيل الرضيع بين يدي أبيه، لأنّ قلب الأم حاضر في كل تلك المشاهد.
الزهراء سلام الله عليها شاهدة على الخلق
إنّ من أهم معتقدات الشيعة أنّ الأئمة المعصومين عليهم السلام، شاهدين على الخلق حتى بعد وفاتهم ةاستشهادهم. فإنهم وإن استشهدوا بظاهر الحال وانتقلوا من هذه الدنيا، إلا أنهم حاضرون وشاهدون على أعمال الخلق بأجمعهم. وهذا نصّ ما قاله الله تبارك وتعالى في كتابه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾(2)، فهي سلام الله عليها حية ترزق عند الله تعالى.
وأيضا قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾(3). وقد قال سماعة حول الآية الشريفة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾(4)، الإمام الصادق عليه السلام: «نَزَلَتْ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ خَاصَّةً، فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنْهُمْ إِمَامٌ مِنَّا شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ شَاهِدٌ عَلَيْنَا.»(5).
فكيف يمكن أن تكون فاطمة الزهراء سلام الله عليها حاضرة وشاهدة على أعمال الخلق، ولا تشهد مقتل ولدها الإمام الحسين عليه السلام بواقعة الطف الأليمة؟
حضور فاطمة الزهراء عند مصرع الحسين عليه السلام
هذا السؤال يتكرر كثيراً في المراثي، ويجيب الخطباء بلغة الوجدان لا بلغة المؤرخين، فيقولون: كيف يمكن لأم أن تغيب عن ولدها في آخر لحظاته؟ إنّهم لا يقصدون حضوراً مادياً يراه الناس، وإنّما يقصدون أنّ الله سبحانه أكرم الزهراء عليها السلام بأن تشهد تلك اللحظات، وأن تكون روحها المباركة حاضرة عند ولدها.
فحين سقط الحسين عليه السلام على رمضاء كربلاء، ولم يبق معه ناصر ولا معين، وحين تكاثرت عليه السيوف والرماح، وحين علت أصوات الأعداء، فحينها السماء كلها كانت تبكي، وأنّ الملائكة كانت تضج بالبكاء، وأنّ قلب السيدة الزهراء عليها السلام كان أقرب القلوب إلى ولدها.
وإنّ هذا المشهد يترك في النفس إحساساً عجيباً، فالحسين الذي طالما احتمى بحضن أمه صغيراً، أصبح في آخر لحظاته بلا معين من البشر، ولكن أمه في عالم الغيب لم تكن بعيدة عنه. فإنّ الزهراء سلام الله عليها بكت على مصاب ولدها في حياتها. فقد روي: «أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ بِقَتْلِ وَلَدِهَا الْحُسَيْنِ، وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الْمِحَنِ، بَكَتْ فَاطِمَةُ بُكَاءً شَدِيدًا، وَقَالَتْ: يَا أَبَتِ، مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فِي زَمَانٍ خَالٍ مِنِّي وَمِنْكِ وَمِنْ عَلِيٍّ. فَاشْتَدَّ بُكَاؤُهَا، وَقَالَتْ: يَا أَبَتِ، فَمَنْ يَبْكِي عَلَيْهِ؟ وَمَنْ يَلْتَزِمُ بِإِقَامَةِ الْعَزَاءِ لَهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: يَا فَاطِمَةُ، إِنَّ نِسَاءَ أُمَّتِي يَبْكِينَ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ بَيْتِي، وَرِجَالَهُمْ يَبْكُونَ عَلَى رِجَالِ أَهْلِ بَيْتِي، وَيُجَدِّدُونَ الْعَزَاءَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، فِي كُلِّ سَنَةٍ. فَإِذَا كَانَتِ الْقِيَامَةُ، تَشْفَعِينَ أَنْتِ لِلنِّسَاءِ، وَأَنَا أَشْفَعُ لِلرِّجَالِ، وَكُلُّ مَنْ بَكَى مِنْهُمْ عَلَى مُصَابِ الْحُسَيْنِ أَخَذْنَا بِيَدِهِ وَأَدْخَلْنَاهُ الْجَنَّةَ. يَا فَاطِمَةُ، كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا عَيْنًا بَكَتْ عَلَى مُصَابِ الْحُسَيْنِ، فَإِنَّهَا ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ.»(6).
حضورها عليها السلام في المذبح الحسيني
من أكثر المشاهد تأثيراً في الأدب الحسيني ما يعرف بمشهد المذبح الحسيني، حيث سقط الإمام الحسين عليه السلام على الأرض، وأحاط به الأعداء من كل جانب. وقد صورت القصائد هذا المشهد، وكأنّ السيدة الزهراء عليها السلام تنظر إلى ولدها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. يقول بعض الرواديد في مراثيهم إنّ الزهراء تنادي: « ولدي حسين... من يمسح التراب عن وجهك؟ ومن يضم جسدك بعد أن تقطعت أوصاله؟»، وهذه العبارات ليست نقلاً تاريخياً، وإنّما هي لغة الحزن التي يحاول المؤمن من خلالها أن يعبر عن عمق المصيبة. وفي بعض المجالس يقال إن السيدة الزهراء جاءت إلى القتيل بعد شهادته، وجعلت تضم جسده الشريف، وتبكيه تعبيراً عن أنّ الأم لا ينقطع حنانها حتى بعد مفارقة الدنيا.
وهذه الصور الأدبية لا يراد بها إثبات حادثة، وإنما يراد بها تقريب حجم الفاجعة إلى القلوب.
ولو تصفحنا هذه المصيبة عند الشعراء الشيعة، فإنّنا نجد عند الشاعر دعبل الخزاعي في تائيته الشهيرة في رثاء أهل البيت عليهم السلام والتفجع لمقاتلهم، وما جرى عليهم، التي أنشدها في حضرة الامام الرضا عليه السلام ، نجده يستحضر ذكر فاطمة الزهراء عليها السلام ويوجه خطابه إليها بقوله:
أفاطم لو خلت الحسين مجدلا
وقد مات عطشانا بشط فرات
إذن للطمت الخد فاطم عنده
وأجريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي
نجوم سماوات بأرض فلاة(7)
بين الحقيقة التاريخية والحقيقة الوجدانية
من المهم التفريق بين نوعين من الخطاب، فالخطاب التاريخي يعتمد على الروايات والأسانيد، ولا يستطيع أن يثبت حضور الزهراء عليها السلام في كربلاء حضوراً مادياً. وأمّا الخطاب الوجداني فيتحدث بلغة الحب، ويرسم صوراً يستلهمها من مقام الزهراء ومن منزلتها عند الله، دون أن يقصد تحويلها إلى حقائق تاريخية ملزمة.
وهذا اللون من الأدب موجود في كثير من المراثي والقصائد، وهو يعبر عن مشاعر المؤمنين أكثر مما يعبر عن الوقائع التاريخية.
1) زينب الكبرى / الشيخ جعفر النقدي / المجلد: 1 / الصفحة: 110 / الطبع: منشورات مكتبة المفيد – قم.
2) سورة آل عمران / الآية: 169.
3) سورة التوبة / الآية: 105.
4) سورة النساء / الآية: 41.
5) مرآة العقول / العلامة المجلسي / المجلد: 2 / الصفحة: 338 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
6) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 44 / الصفحة: 293 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
7) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 45 / الصفحة: 257 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.






