كيف يساهم شهر محرّم في تعزيز الصحة النفسية للمجتمع؟

في الأوقات التي يحتاج فيها المجتمع إلى إضفاء معنى على الخسائر وإعادة تعريف مكانته، فإنّ الرجوع إلى نموذجٍ تاريخيٍّ كالإمام الحسين عليه السلام وأصحابه يمنح الناس توجهاً أخلاقياً وروحياً يضيء لهم الطريق.
وتُعدّ مراسم العزاء في محرّم وعاشوراء شكلاً من أشكال الحداد الجماعي، حيث يشارك الناس في مواكب العزاء، وإنشاد المراثي، ولطم الصدور، وإقامة مجالس العزاء. ولا تقتصر هذه المراسم على بُعدها العبادي والثقافي، بل تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً قوياً. ففي أوقات الأزمات وحالات القلق الجماعي، يمكن لمواكب العزاء أن تتحول إلى «ملاذاتٍ نفسيةٍ آمنة»، يجد فيها الناس فرصةً للعودة إلى الإيمان، وتعزيز المعنى، واستعادة القدرة على الصمود المجتمعي. وتشير التقارير الميدانية إلى أنّ إقامة مراسم عزاء محرّم والأنشطة المرتبطة بها، ومنها تنظيم مواكب العزاء المتنقلة في المناطق التي تعاني من أزماتٍ نفسية، وإحياء مراسم عاشوراء، وتوزيع التبرعات، يمكن أن تؤدي دوراً مؤثراً في إعادة الأمل والطمأنينة إلى نفوس الناس والاستقرار النفسي.

الحداد... علاجٌ نفسيٌّ جماعي

تُظهر الدراسات في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي أنّ المراسم والطقوس الجماعية تؤدي دوراً مهماً في إعادة إنتاج المعنى وتعزيز التماسك بين أفراد المجتمع. ووفقاً للنظريات الكلاسيكية، تُعدّ الطقوس عمليةً تُنظّم التعبير الانفعالي لدى الأفراد، وتوجّه سلوكهم، وتمنح التجربة الجماعية معنىً جديداً، وفي الوقت نفسه تُعزّز ارتباط الفرد بجماعته وثقافته. وانطلاقاً من هذا الفهم، فإنّ الطقوس الجماعية، مثل مراسم العزاء في محرّم، يمكن أن تمنح الناس شعوراً بـ«الاكتمال» و«المعنى» تجاه حدث المصيبة، وتساعدهم على الخروج من الاضطرابات النفسية، كما تعزّز لديهم الإحساس بالانتماء إلى الجماعة.

كيف تساهم الطقوس في ترميم المجتمع؟

يشير أحد علماء الاجتماع إلى أنّ كلّ طقسٍ يوفّر أرضيةً للترابط الاجتماعي يساهم، من خلال تلبية الحاجات النفسية والاجتماعية، في سدّ الفراغات الهويّاتية لدى الأفراد؛ ولذلك فإنّ هذه الطقوس لا تُضاعف الحزن، بل تضمن استمرارية الهوية الجماعية وتعزّز قدرة المجتمع على الصمود. وفي الواقع، ووفقاً لرؤية علماء الاجتماع المختصّين بدراسة الظواهر الاجتماعية، فإنّ إعادة البناء بعد انتهاء الأزمات تتمّ على الأسس الثقافية السابقة، وتُعدّ الطقوس من أهم وسائل هذا البناء؛ فهي تُضمد جراح النسيج الاجتماعي، وتُسهّل عملية التعبير عن المشاعر وضبطها.

لماذا تؤدي مراسم العزاء الدينية دوراً علاجياً؟

من المنظور النفسي، تساعد مراسم العزاء في شهر محرّم، من خلال تنشيط عددٍ من الآليات النفسية، على التخفيف من الأعباء الانفعالية واستعادة التوازن النفسي. ويشعر المشاركون في مجالس عزاء الإمام الحسين عليه السلام بتحسّن في حالتهم النفسية عبر عدة آليات، منها:

التنفيس الانفعالي

من خلال البكاء والتعبير بحرية عن الحزن والأسى، يصل الإنسان إلى نوعٍ من التفريغ الانفعالي، مما يخفّف الضغوط النفسية، ويُقلّل من المشاعر السلبية المتراكمة.

التخفيف من الشعور بالذنب وتعزيز الرجاء برحمة الله

إنّ المشاركة في هذه المجالس واستشعار الرجاء برحمة الله تعالى يساهمان في التخفيف من الشعور بالذنب غير المعالَج، ويحدّان من تفاقم الاكتئاب. فهذا الرجاء الروحي يمنح الإنسان يقيناً بأنّ ذنوبه قابلة للمغفرة، وأنّه لا حاجة للاستسلام للقلق واليأس.
قال الإمام الرضا عليه السلام لابن شبيب:
«يَا اِبْنَ شَبِيبٍ، إِنْ بَكَيْتَ عَلَى اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ، حَتَّى تَصِيرَ دُمُوعُكَ عَلَى خَدَّيْكَ غَفَرَ اَللَّهُ لَكَ كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتَهُ صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيراً.»(1)

الدعم الاجتماعي والشعور بالانتماء

يُعدّ الشعور بالوحدة من أبرز العوامل التي تؤدي إلى الاكتئاب، لكن المشاركة في مراسم العزاء في شهر محرّم مع جموعٍ غفيرة من المؤمنين تجعل الإنسان يشعر بأنّه عضو في «جماعةٍ متماسكة من المعزّين»، فيعيش أجواء الدعم والتعاطف الاجتماعي. وهذا الإحساس بالمساندة الجماعية يخفّف من الضغوط النفسية ويمنح الفرد شعوراً بالأمان والطمأنينة.

تعزيز الرصيد الروحي

إنّ ضعف الموارد الروحية يرتبط بزيادة الهشاشة النفسية، بينما تمتلك المراسم الحسينية، بما تحمله من معارف دينية وروحية غنية، قدرةً كبيرة على تزويد المعزّين برصيدٍ روحي جديد. وهذا التعزيز لمعنى الحياة يمنحهم قوةً أكبر في مواجهة اليأس والإحباط.

المقارنة الإيجابية وتعزيز الصبر

تُتيح قصائد الرثاء والأناشيد الحسينية للمعزّين فرصةً لمقارنة مصائبهم بمصيبة إمامهم الحسين عليه السلام، وهذه المقارنة المعرفية تُخفّف من تضخيم المشكلات الشخصية، وتُعينهم على تحمّلها بصبرٍ وثبات.

المعنى والغاية في الحياة

إنّ الشعور بالفراغ وفقدان الهدف من أبرز أسباب الاكتئاب، لكنّ العزاء لسيد الشهداء عليه السلام يهيّئ للإنسان فرصةً لربط حياته بتعاليم الإمام الحسين عليه السلام، فينظر إلى مستقبله بمنظورٍ أكثر معنىً وغاية، ويبتعد بذلك عن مشاعر الاكتئاب.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيًّا، إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ فِي السَّمَاءِ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ عَنْ يَمِينِ عَرْشِ اللَّهِ: مِصْبَاحُ هُدًى وَسَفِينَةُ نَجَاةٍ.»(2)
ويرى علماء النفس أيضاً أنّ الارتباط القلبي بالمصادر الروحية، وحضور المجالس الإيمانية، يساهمان في خفض مستويات التوتر والقلق بصورةٍ ملحوظة. فعندما يستند الإنسان إلى مصدرٍ يثق به ويطمئن إليه، ينخفض مستوى التوتر لديه، ويمكن للمواكب الحسينية أن تؤدي هذا الدور بوصفها ملاذاً روحياً آمناً. كما أنّ مجرد الحضور في مجالس العزاء والتواصل الروحي مع الله تعالى كفيلٌ بأن يبعث الطمأنينة في القلب.
وكما قال الله تعالى: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (3).
إضافةً إلى ذلك، فإنّ الرسائل المطمئنة التي تُتداول في هذه المجالس، كترسيخ الإيمان بأنّ الإنسان إذا سار في الطريق الصحيح فلن يبقى ما يدعو إلى الخوف أو القلق، تُسهم هي الأخرى في التخفيف من القلق العام.
وهكذا، ومن المنظور النفسي، تُعدّ مراسم العزاء الحسيني فرصةً للتنفيس الانفعالي، وتعزيز التعاطف والدعم الاجتماعي، وتقوية روح الرجاء، وإضفاء المعنى على الحياة، كما تُعيد إلى المجتمع شعوره بالقدرة على مواجهة التحديات والتحكم في مسار مستقبله.

محرّم في قلب المجتمع

وعلى مستوى المجتمع، يشارك المواطنون خلال شهر محرّم بفاعلية في أعمال الإغاثة، وتنظيم شؤون المواكب، وتقديم التبرعات الجماعية، مما يسهم في تعزيز حيوية الأحياء السكنية وزيادة استعدادها لمواجهة الأزمات والكوارث. كما أنّ الإمكانات المادية المرتبطة بإقامة التكايا والحسينيات الشعبية يمكن أن تُستثمر عند وقوع الأزمات بوصفها ملاجئ مؤقتة أو مراكز لتنسيق الجهود الشعبية.
ومن جهةٍ أخرى، تشير التقارير الإخبارية والميدانية إلى أنّ المواكب الدينية ومواكب العزاء تبادر وبصورةٍ تلقائية إلى الحضور في الأحياء والمراكز الحضرية خلال فترات الأزمات الوطنية، فتقيم مجالس العزاء، وتوزّع النذورات، وتعقد لقاءاتٍ معرفية، في محاولةٍ للتخفيف من القلق الجماعي. وقد طُرحت مبادرات تدعو إلى إرسال مواكب عزائية إلى الأحياء التي تعيش حالةً من القلق، لإحياء مراسم عاشوراء المتنقلة، وإجراء حواراتٍ ودّية مع السكان، بما يسهم في استعادة معنوياتهم. وتشبه هذه المبادرات ما تقوم به المواكب الحسينية في زيارة الأربعين، حيث تهيّئ أجواءً من التعاطف والأمل بين الفئات المتضررة.
وبوجهٍ عام، أثبتت التجارب التاريخية والتوثيقات الميدانية أنّ المواكب الشعبية في شهر محرّم لم تكن مجرد تجمعات دينية، بل شكّلت، إلى جانب دورها الإيماني، أرضيةً لتعزيز التضامن الاجتماعي، وإحياء قيم الإيثار، والصمود، والمطالبة بالعدالة، من خلال خدمة المحتاجين، ونشر الوعي، وترسيخ ثقافة المقاومة في المجتمع.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إنّ الاستفادة من الطاقات الروحية والجماعية التي تحملها الشعائر العاشورائية تمثل، في مرحلة ما بعد الأزمات، وسيلةً فعّالة للإسهام في ترميم الحالة النفسية والاجتماعية للمجتمع.

الأسئلة الشائعة

1. هل يُجدِّد إحياءُ مراسم عاشوراء الأحزان ويزيد الحالة النفسية سوءًا؟
لا، فالدراسات النفسية والاجتماعية تشير إلى أن الحزن الجماعي المنظَّم يساعد على التنفيس عن المشاعر، ويمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والدعم، مما يخفف الضغوط النفسية ويعزز التوازن الداخلي.

 

2. كيف يمكن لمجالس الإمام الحسين عليه السلام أن تساعد في مواجهة القلق والأزمات؟
تمنح هذه المجالس المؤمنين فرصةً للجوء إلى الله تعالى، واستلهام الصبر من سيرة الإمام الحسين عليه السلام، والتواصل مع المجتمع المؤمن، وهو ما يعزز الأمل، ويقوي القدرة على التحمّل، ويخفف من مشاعر الخوف والقلق.

 

3. هل تقتصر آثار مراسم محرّم على الجانب الديني فقط؟
كلا، فإلى جانب أثرها الإيماني والعبادي، تؤدي مراسم محرّم دورًا اجتماعيًا مهمًا؛ إذ تعزز روح التعاون والتكافل، وتشجع على خدمة الآخرين، وتقوي أواصر المحبة والتضامن بين أفراد المجتمع، خاصة في أوقات الأزمات.

 

4. ما الذي يجعل نهضة الإمام الحسين عليه السلام مصدرًا للأمل في الظروف الصعبة؟
لأنها تُعلِّم الإنسان أن المحن ليست نهاية الطريق، وأن الصبر والثبات والتمسك بالمبادئ قادرٌ على صناعة مستقبل أفضل؛ ولهذا تبقى عاشوراء مدرسةً متجددةً تبعث الأمل، وتقوي الإرادة، وتمنح المؤمن معنى أعمق للحياة.

 

1.    وسائل الشيعة / الشيخ الحر العاملي / المجلد: 14 / الصفحة: 502.
2.    عوالم العلوم / عبد الله البحراني الأصفهاني / المجلد: 15 / الصفحة:  58.
3.    سورة: الرعد / الآية: 28.
 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة