حجاب نساء أهل البيت عليهم السلام في الأسْر
يحتلّ موضوع حجاب نساء أهل البيت عليهم السلام في الأسْر والسبي مكانةً خاصةً في الدراسات المرتبطة بالنهضة الحسينية؛ لأنّه يكشف جانباً مهماً من أبعاد المظلومية التي تعرّض لها أهل البيت عليهم السلام بعد عاشوراء، كما يبرز في الوقت نفسه عظمة موقفهم في الدفاع عن القيم الإسلامية حتى في أحلك الظروف وأصعبها. فقد نقلت المصادر التاريخية والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام صوراً مؤلمة لما تعرّضت له النساء من سلبٍ للخُمُر والمقانع، وإدخالهنّ إلى المجالس والأسواق، وهي ممارسات لم تكن مجرد تصرفات فردية، بل كانت جزءاً من سياسةٍ هدفت إلى كسر إرادة أهل البيت عليهم السلام والنيل من مكانتهم في نفوس المسلمين.
غير أنّ هذه الأحداث لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها وصفاً لمعاناة تاريخية فحسب، وإنّما ينبغي النظر إليها باعتبارها شاهداً على مدى اهتمام الإسلام بصيانة المرأة وحفظ كرامتها، حتى إنّ أول ما كانت تطالب به نساء أهل البيت في محطات الأسر هو سترهنّ وحجابهنّ. فقد كانت كلمات السيدة زينب عليها السلام، والسيدة أم كلثوم عليها السلام، والإمام السجاد عليه السلام، تؤكد ضرورة مراعاة حرمة النساء، وتستنكر كل ما يمسّ عفتهنّ أو ينتقص من كرامتهنّ، الأمر الذي يعكس المكانة العظيمة التي يحتلها الحجاب في المنظومة الإسلامية، ويكشف أن الدفاع عنه كان جزءاً من رسالة أهل البيت عليهم السلام في مواجهة الظلم والانحراف. ومن جهة أخرى، فإنّ دراسة هذا الموضوع تسهم في تصحيح بعض التصورات السطحية التي قد تختزل الحجاب في كونه مظهراً خارجياً، بينما تكشف سيرة أهل البيت عليهم السلام أنّ الحجاب يمثل قيمةً إيمانيةً وأخلاقيةً وإنسانيةً ترتبط بحفظ الكرامة وصيانة الهوية والالتزام بأوامر الله تعالى.

نهب الخيام
هناك روايات وأخبار واردة في الكتب التاريخية، حول نهب خيام الأنصار وأهل البيت عليهم السلام بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام وصحبه عليهم السلام. وفي هذه الاخبار، هناك قسمان من الأخبار:
القسم الأول: ما ينقل أنّ ملابس النساء وحجابهن قد نهبت منهن، مثل ما روى الطبري في تاريخه: «ومال الناس عَلَى الورس والحلل والإبل وانتهبوها، ومال الناس عَلَى نساء الْحُسَيْن وثقله ومتاعه، فإنّ كَانَتِ المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حَتَّى تغلب عَلَيْهِ، فيذهب بِهِ منها.»(1).
القسم الثاني: ما ينقل لنا أنّ الأئمة عليهم السلام نقلوا لنا هتك حريم أهل البيت عليهم السلام، ولم يقولوا بأنّ الملابس والحجاب قد نزعت منهن، مثل ما روي عن الإمام الرضا عليه السلام: «إِنَّ الْمُحَرَّمَ شَهْرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ فِيهِ الْقِتَالَ، فَاسْتُحِلَّتْ فِيهِ دِمَاؤُنَا، وَهُتِكَتْ فِيهِ حُرْمَتُنَا، وَسُبِيَ فِيهِ ذَرَارِينَا وَنِسَاؤُنَا، وَأُضْرِمَتِ النِّيرَانُ فِي مُضَارِبِنَا، وَانْتُهِبَ مَا فِيهَا مِنْ ثِقْلِنَا، وَلَمْ تُرْعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حُرْمَةٌ فِي أَمْرِنَا.»(2).
وأيضا ما روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام: «أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَذْبُوحُ بِشَطِّ الْفُرَاتِ، عَنْ غَيْرِ دَخْلٍ عَلَى تِرَةٍ، أَنَا ابْنُ مَنِ انْتُهِكَ حَرِيمُهُ، وَسُلِبَ نَعِيمُهُ، وَانْتُهِبَ مَالُهُ، وَسُبِيَ عِيَالُهُ، أَنَا ابْنُ مَنْ قُتِلَ صَبْرًا، وَكَفَى بِذَلِكَ فَخْرًا.»(3).
ومن الواضح أنّ انتهاك الحريم، أعم من سلب الحجاب والثياب، فإنّ نفس الأسر، انتهاك للحرمة. والمرجح عندنا من هذين القسمين، هو القسم الثاني؛ لأنّه أولا مروي عن الأئمة الأطهار عليهم السلام والقسم الأول رواية تاريخية مروي عن أحد أبناء العامة. وأيضا إنّ روايات القسم الثاني كثيرة جدا والحال أنّ روايات القسم الأول، قليلة، فيمكننا القول إنّ النهب لم يقع بثياب النساء وحجابهن.
سلب المقانع والملاحف لا الثياب والحجاب
في الوهلة الثانية يمكننا أن نقول إنّ النهب وأخذ الملابس من أهل البيت عليهم السلام إن كان قد وقع واقعا، فإنّه كان في مجرد المقنعة التي تستر الوجه، لا جميع الملابس والحجاب. ونحن ندري أنّ كون وجه المرأة غير مستورة أمر جائز في الحالات العادية. وكيف ببنات الرسالة وهنّ في حالة ذعر وفرار من القتل والنهب والسبي؟!
يروى عن فاطمة بنت الحسين عليهما السلام أنّها قالت: «دَخَلَتِ الْغَاغَةُ عَلَيْنَا الْفُسْطَاطَ، وَأَنَا جَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ، وَفِي رِجْلَيَّ خَلْخَالَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَفُضُّ الْخَلْخَالَيْنِ مِنْ رِجْلَيَّ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ، يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟! فَقَالَ: كَيْفَ لَا أَبْكِي، وَأَنَا أَسْلُبُ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟! فَقُلْتُ: لَا تَسْلُبْنِي. قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَجِيءَ غَيْرِي فَيَأْخُذَهُ. قَالَتْ: وَانْتَهَبُوا مَا فِي الْأَبْنِيَةِ، حَتَّى كَانُوا يَنْزِعُونَ الْمَلَاحِفَ عَنْ ظُهُورِنَا.»(4).
ومن الواضح أنّ الملاحف ما يوضع فوق الحجاب؛ كي يتمّ الستر أكثر، وهذه المحالف والمقانع ما طلبن نساء أهل البيت عليهم السلام الرجوع إليهن، فقد روي: «وجاءَ عمرُبنُ سعدٍ، فصاحَ النِّساءُ في وجهِه، وبكَيْن، فقالَ لأصحابه: لا يَدخلْ أَحدٌ منكم بيوتَ هَؤلاءِ النِّسوةِ، ولا تَعَرَّضوا لهذا الغُلامِ المريضِ، وساَلتْه النِّسوةُ لِيسترجعَ ما أُخِذَ منهنَ؛ لِيتستّرنَ به، فقالَ: مَنْ أَخذَ من متاعِهنّ شيئاً، فليردَّه عليهنّ، فواللهِ ما ردَّ أَحدٌ منهم شيئاً.»(5). وهذا الطلب بنفسه يدلّ على مدى أهمية الحجاب والعفاف عند نساء أهل البيت عليهم السلام، فإنّهن لم يطلبن رجوع الحليّ والأسورة بل طلبن رجوع هذه الملاحف.
حجاب النساء في مجلس إبن زياد
لقد دخلت السيدة زينب عليها السلام مجلس ابن زياد وهي مثقلة بأحزانها، وقد فقدت أخاها الإمام الحسين عليه السلام، وأبناءها، وإخوتها، وأبناء إخوتها، وأصحابهم، ثم سُبيت مع نساء أهل البيت وأطفالهم، بعد أن سُلِبت خُمُرُهنّ ومقانعهنّ وما كان معهنّ من متاع. ومع كل هذه المصائب، لم تتخلَّ عن حيائها وعفتها، بل حرصت على أن تكون بعيدةً عن أنظار الرجال، وأن لا تجعل نفسها موضعاً للظهور أو لفت الأنظار، فقد روي حول مجلس إبن زياد: «وأُدخِلَ عيالُ الحسينِ على ابنِ زيادٍ، فدخلتْ زينبُ أُختُ الحسينِ في جُملتِهم مُتنكِّرةً وعليها أرذلُ ثيابها، فمَضَتْ حتّى جلستْ ناحيةً منَ القصرِ، وحفَّتْ بها إِماؤها، فَقالَ ابنُ زيادٍ: مَنْ هذه الّتي انحازتْ ناحيةً ومعَها نساؤها؟ فلم تجُبْه زينبُ، فأعادَ ثانية وثالثةً يَسألُ عنها، فقالَ له بعضُ إمائها: هذه زينبُ بنتُ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ.»(6).
إنّ التفاف نساء أهل البيت حولها يحمل دلالةً واضحة على حرصهن على مزيدٍ من الستر؛ إذ شكّل هذا الالتفاف حاجزاً يحول دون انكشافها أمام الحاضرين، في صورةٍ تعكس اهتمام أهل البيت عليهم السلام بصيانة الحجاب حتى في ظروف الأسر. فالمرأة المؤمنة لا تتخلى عن قيمها بسبب المحنة، بل تزداد تمسكاً بها كلما اشتدت الابتلاءات والامتحانات.
الحفاظ على العفاف والحجاب في طريق الأسر
رغم أن النساء أُجبرن على الخروج من كربلاء في ظروفٍ قاهرة، فإنّهن لم يسلّمن للأمر الواقع، بل حاولن بكل وسيلةٍ ممكنة المحافظة على سترهن. ومن أبرز الشواهد على هذا ما قالته أم كلثوم عليها السلام إلى شمر، فقد روي: «وَسَارَ الْقَوْمُ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ وَنِسَائِهِ وَالْأَسْرَى مِنْ رِجَالِهِ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ دِمَشْقَ، دَنَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ مِنْ شِمْرٍ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ. فَقَالَ: مَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: إِذَا دَخَلْتَ بِنَا الْبَلَدَ، فَاحْمِلْنَا فِي دَرْبٍ قَلِيلِ النَّظَّارَةِ، وَتَقَدَّمْ إِلَيْهِمْ أَنْ يُخْرِجُوا هَذِهِ الرُّؤُوسَ مِنْ بَيْنِ الْمَحَامِلِ، وَيُنَحُّونَا عَنْهَا، فَقَدْ خَزِينَا مِنْ كَثْرَةِ النَّظَرِ إِلَيْنَا، وَنَحْنُ فِي هَذِهِ الْحَالِ.»(7).
وأيضا ما قالته السيدة زينب سلام الله عليها ليزيد في مجلسه: «أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإِمَاءَكَ، وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا، قَدْ هُتِكَتْ سُتُورُهُنَّ، وَأُبْدِيَتْ وُجُوهُهُنَّ، تَحْدُو بِهِنَّ الْأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَيَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ الْمَنَاهِلِ وَالْمَنَاقِلِ، وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، وَالدَّنِيُّ وَالشَّرِيفُ؟!»(8).
1) تاريخ الأمم والملوك / محمد بن جرير الطبري / المجلد: 5 / الصفحة: 453 / الطبع: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت.
2) الأمالي / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 190 / الطبع: قسم الدراسات في مؤسسة البعثة – بيروت.
3) مناقب آل أبي طالب / إبن شهر آشوب / المجلد: 1 / الصفحة: 261 / الطبع: المكتبة الحيدرية – النجف الأشرف.
4) الأمالي / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 229 / الطبع: قسم الدراسات في مؤسسة البعثة – بيروت.
5) الإرشاد / الشيخ المفيد / المجلد: 2 / الصفحة: 113 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
6) الإرشاد / الشيخ المفيد / المجلد: 2 / الصفحة: 115 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
7) اللهوف في قتلى الطفوف / سيد بن طاووس / المجلد: 1 / الصفحة: 101 / الطبع: أنوار الهدى – قم.
8) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 45 / الصفحة: 134 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.





