مزرعة الشيخ العمري؛ بستان الشيعة في المدينة المنورّة

إن زيارة المدينة النبوية، إلى جانب المسجد النبوي والبقيع، تضمّ أيضًا معالم أقلّ شهرة تجمع بين التاريخ والروحانية في آن واحد. ومن أهمّها «مزرعة الشيخ العمري»؛ وهي بستان نخيل هادئ في منطقة النخاولة، تحوّل عبر السنين إلى مركز للالتقاء وذكر أهل البيت عليهم السلام، وارتبط اسمه بالوقف والخدمة وثبات شيعة المدينة. وإذا أردت أن تعيش المدينة تجربة أعمق وأكثر تميّزًا، فهذه المقالة دليلٌ للتعرّف إلى مزرعة العمري، ودعوةٌ لإدراج زيارتها ضمن برنامج السفر.

الموقع الجغرافي وخصائص منطقة النخاولة

يقع مسجد أو حسينية «الشيخ العمري» في منطقة شيعة المدينة، المعروفة باسم النخاولة. ويقع هذا المسجد عند طرف المدينة، في الجهة الغربية من المسجد النبوي صلى الله عليه وآله، وفي نهاية شارع الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
وقد عُرفت المدينة لدى الشيعة دائمًا بغربتها وحزنها الممزوج بالألم، غير أنّه في هذه المنطقة، وهي حيّ الشيعة في المدينة، يمكن رؤية بستان نخل يُنسب إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وتفوح من جدرانه وأجوائه رائحة أهل البيت. واشتهرت هذه المنطقة باسم النخاولة لأن أجداد سكانها كانوا يعملون في تلقيح النخيل، ووفقًا لمعتقد قديم فإن نخيل المدينة لا يثمر إلا على أيدي الشيعة.

الخلفية التاريخية ودور الحسينية في حياة الشيعة

تقع الحسينية أو مسجد الشيعة وسط بستانٍ وارف وظليل يُعرف بـ «مزرعة الشيخ العمري»، ويضم في وسطه بئر ماءٍ غزيرة. ويعتقد البعض أن بئر الماء ونخيل هذا البستان الجميل هي إرثٌ باقٍ من زمن الإمام علي والإمام الحسن (عليهما السلام)، توارثته أجيال شيعة المدينة المنورة (صلى الله عليه وآله) حتى يومنا هذا. وقد أوقف هذا المكان المرحوم آية الله الشيخ محمد العمري ـ وهو عالم دين مجاهد والأب الروحي لشيعة المملكة العربية السعودية، الذي سكن المدينة منذ نشأته وتولى رعاية شؤون الشيعة فيها ـ وقفاً للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).
كانت حسينية الشيخ العمري السابقة تقع بالقرب من المسجد النبوي (صلى الله عليه وآله)، وكان قد بناها بيده قرب المسجد ومقبرة البقيع وعمل على رعايتها، ولكن عندما هدم الوهابيون هذا المكان بذريعة شقّ طريقٍ، انتقل الشيخ العمري للسكن في أطراف المدينة بجوار بساتين النخيل. واليوم، تقصد مجموعات من الشيعة القادمين من دول مختلفة كإيران والعراق ولبنان هذه الحسينية خلال فترة إقامتهم في المدينة، ويمضون فيها ساعاتٍ في تلاوة الأدعية بعيداً عن أي عوائق أو مضايقات. ففي داخل هذا المسجد تُستخدم التربة للصلاة، ويصدح في أذانه «أشهد أن علياً ولي الله»، وتُقرأ فيه دعاء الفرج، بحيث لا يشعر الشيعة والزوار عند دخولهم إليه بأي غربة.

نَسَبُه وخلفيّته العائلية

ينحدر الفقيد آية الله الشيخ محمد العمري من إحدى الأسر الشيعية المعروفة في المدينة المنورة، ويعود نسبه إلى محمد بن عثمان بن سعيد العمري، النائب الخاص الثاني للإمام صاحب الزمان (عجّل الله فرجه). وتنتسب هذه الأسرة إلى قبيلة الخزرج؛ وهي إحدى أهم قبائل المدينة التي استقبلت الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بصدور رحبة عند هجرته. وكان جده، الشيخ علي العمري، إماماً وقائداً لشيعة المدينة وحارساً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وإلى جانب نشاطاته الدينية والعلمية، كان يمارس الزراعة أيضاً؛ ولهذا السبب اشتهرت عائلته بلقب «النخيليّين» (أصحاب النخيل).

بداية مسيرته العلمية

في عام 1349 هجري، وبأمرٍ من والده، توجه الشيخ العمري إلى النجف الأشرف ضمن قافلة للحج لمواصلة تحصيل العلوم الدينية. وتابع دروسه الحوزوية في النجف حتى نال مراتب علمية رفيعة. بعد ذلك، زار خلال مسيرته العلمية مراكز علمية شيعية أخرى، منها قم ومشهد، حيث نهل من علم كبار علمائها في تلك الحوزات. وقد ساهمت هذه الفترة في صقل شخصيته العلمية وتقويتها، وأعدّته للقيام بأدوار أعظم في المستقبل.

العودة إلى المدينة والمسؤولية الدينية

بعد وفاة السيد أبي الحسن الأصفهاني وانتقال المرجعية إلى آية الله الحكيم، طُلب من المرحوم العمري العودة إلى المدينة المنورة ليتولى رعاية شؤون الشيعة فيها. في ذلك الوقت، كان شيعة المدينة يرزحون تحت ضغوط سياسية واجتماعية هائلة؛ إذ كانت الحكومات المتعاقبة ـ لا سيما في العهد العثماني ومن ثم العهد السعودي ـ تسعى إلى تقليص الوجود الشيعي في المدينة، بل وحتى إزاحته تماماً. وقد هاجر الكثير من الشيعة في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية إلى إيران والعراق وتركيا والشام. وفي ظل هذه الظروف الصعبة، عمل آية الله العمري بصمود وصبر وحكمة على حفظ الهوية الشيعية في المدينة، وحال دون الانهيار الكامل للمجتمع الشيعي في هذه المدينة المقدسة.

الوضع الاجتماعي لشيعة المدينة

في عهده، كان معظم شيعة المدينة يعملون في المزارع أو في مهن بسيطة كالعِمالة وبيع اللحوم. ومع مرور الوقت، نال أبناؤهم تحصيلاً علمياً عالياً، وتبوأوا مكانة أفضل في الوظائف الحكومية والتدريس وغيرها من الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية. أما من الناحية السكانية، فقد كانت المدينة في الماضي موطناً لجماعات شيعية معروفة مثل “السادة الحسينيين” و"الجعافرة" و"النخيليين"، وكان عدد أهل السنة فيها قليلاً، ولكن بمرور الزمن تغير هذا التوازن، واضطر الشيعة تدريجياً لمغادرة المدينة تحت وطأة الضغوط.

قصة الزيارة وشراء البستان

تُعدّ رحلة الراحل الشيخ العمري إلى مشهد المقدسة برفقة والدته من المحطات الشهيرة في حياته؛ فبعد زيارة العتبات المقدسة في العراق، طلبت منه والدته أن يأخذها لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد. توجها نحو إيران وخراسان، لكنهما واجها ضائقة مالية في مشهد ونفد ما لديهما من مال. في ذلك الزمان، لم تكن هناك بنوك ولا بطاقات مصرفية، ولم تكن هناك وسيلة لتحويل الأموال فوراً. فتوجه الشيخ في حرم الإمام الرضا (عليه السلام) بإخلاص وتوسل، وطلب من الإمام ثلاثة أمور: طول العمر، والتوفيق لخدمة الناس، وتأمين نفقات السفر.
وفي الحرم نفسه، تعرّف إليه شخص وطلب منه إيصال أمانة إلى المدينة المنورة. سلمه ذلك الرجل مبلغاً من المال وكيساً من الأحجار، وقال له إن المال لنفقات السفر وما تبقى منه فهو له، وأما الأحجار فليبعها في المدينة. وعندما وصل الشيخ العمري إلى المدينة وباع حجرًا واحدًا في السوق، اكتشف أن تلك الأحجار ثمينة جداً. ومن خلال ذلك، استطاع تأمين دخلٍ مكنه من شراء جزء من الأرض التي تقوم عليها الحسينية اليوم. ولاحقاً، وبتوفيقٍ آخر وبتفويض بستانٍ من قِبل آية الله الحكيم، آلت إليه الولاية الكاملة على ذلك المكان.

وقف البستان وتأسيس الحسينية

أوقف المرحوم العمري ذلك البستان للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ليُصرف ريعه على الزوار والفقراء والمحتاجين من الشيعة. وقد تحول هذا البستان، الذي تبلغ مساحته اليوم نحو 8 هكتارات، تدريجياً إلى المركز الرئيسي لتجمع شيعة المدينة. وقبل ذلك، كانت هناك حسينية قريبة من المسجد النبوي ومسجد بلال تُدعى «المحسينية»، كان يعتلي منبرها خطباء إيرانيون مشهورون مثل المرحوم الفلسفي والمرحوم الكافي. ولكن بعد انتصار الثورة الإسلامية وتصاعد الضغوط على الشيعة، قامت السلطات بهدم العديد من حسينيات ومساجد الشيعة.

إقامة الصلاة وتوسعة الحسينية

مع هدم تلك الأماكن، أصبح شيعة المدينة بحاجة إلى مكان لإقامة صلاة الجماعة. بدأ المرحوم العمري في البداية بإقامة صلاة الجماعة في قبو منزله، وعندما ازداد عدد المصلين، أصبحت الصلاة تُقام في أقبية منازل أخرى من محبي أهل البيت (عليهم السلام). ثم بُنيت قاعة في بستانه بشكل سري، ومنذ ذلك الحين، وبخاصة لصلاة المغرب التي تشهد حضوراً أكبر، تحول ذلك المكان إلى مقر ثابت للصلاة وتجمع الشيعة. لاحقاً، خضعت هذه الحسينية للتوسعة والتجديد عدة مرات، وقد تكفل متبرعون إيرانيون بتغطية الكثير من تكاليف إنشائها.

الضغوط، السجن، والحكم بالإعدام

عاش المرحوم العمري 105 سنوات في المجموع، وقضى حوالي 45 عاماً منها في السجن. طوال تلك السنوات، سعى جاهداً للحفاظ على عقائد الهوية الشيعية في المدينة المنورة؛ في حين كانت الحكومة السعودية تسعى بكل قوتها إلى إضعاف معتقدات الشيعة وتلقينهم التعاليم الوهابية منذ الطفولة وحتى نهاية دراستهم. ورغم هذه الضغوط، لم يضعف عزمه، ووقف مراراً في وجه الظلم.

النجاة من الإعدام ثلاث مرات

حُكِم عليه بالإعدام ثلاث مرات. في المرة الأولى، حين اقتادوه لتنفيذ الحكم ووضعوا حبل المشنقة حول عنقه، انهارت منصة الإعدام ونجا بأعجوبة. وفي المرة الثانية، حُكم عليه بالإعدام بتهمة أخرى، وعندما أُلقي الحبل على عنقه، توسل بالسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وبعد سحب المقعد، انقطع الحبل، فأُغمي عليه ودخل في غيبوبة لأكثر من عشرين يوماً، لكنه نجا من الموت. أما في المرة الثالثة، فقد لقي قاضي القضية ومأمورو التنفيذ حتفهم في حادث غريب وهم في طريقهم لتنفيذ الحكم، فنجا هو مرة أخرى من الموت.

خاتمة: مزرعة العمري واحة الروح والوفاء

تُعدّ مزرعة الشيخ العمري ملاذاً روحياً ومركزاً نابضاً للهوية الشيعية في المدينة المنورة. فهي ليست مجرد بستان نخيل، بل شاهدٌ على الصمود والوفاء لنهج أهل البيت (عليهم السلام). زيارتها تمنح الزائر شعوراً عميقاً بالألفة والسكينة، وتتيح فرصة للتأمل في تاريخٍ من التضحية، مما يجعلها محطةً لا غنى عنها في رحلة الإيمان بالمدينة.
 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة