كيف نقيم مجلس عزاء حسيني منزلياً بطريقة بسيطة وقليلة التكلفة؟

إنّ إقامة مجالس عزاء سيد الشهداء عليه السلام تحمل في ذاتها أجراً عظيماً يشبه أجر الجهاد، ففي هذه المجالس يبذل الإنسان من ماله من أجل أن تبقى راية العزاء مرفوعة، وتستمرّ مجالس ذكر الإمام الحسين عليه السلام؛ لأنّ إقامة مراسم العزاء والإنفاق في سبيل إحياء ذكره تُعدّ من مظاهر تعظيم الإسلام والشريعة، وكلّ أمر يكون سبباً في بقاء الإسلام واستمراره يُعدّ من الأمور ذات القيمة الكبيرة.
وكانت إقامة المجالس الحسينية المنزلية للإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام منذ القدم زينةً للبيوت في شهري محرّم وصفر. ومع ذلك، فإنّ هذه المجالس لم تكن مقتصرة على هذين الشهرين فقط، بل كانت تُقام أحياناً طوال أيام السنة، أو في يوم محدّد من كل أسبوع أو شهر لسنوات طويلة. وقد كان اهتمام الأجيال السابقة بهذه المجالس المنزلية كبيراً إلى درجة أنّ بعضهم كان يؤثر ترك السفر أو تأجيل بعض الزيارات والولائم والطعام، حتى لا يُحرم من بركة إقامة مجلس العزاء في بيته.

الإمام الصادق (عليه السلام) مُحيي سُنّة مجالس العزاء الحسيني

إنّ إقامة المجالس الحسينية المنزلية تضرب بجذورها في عمق تاريخ عزاء سيد الشهداء عليه السلام. فقد حظيت مراسم العزاء على الإمام الحسين عليه السلام عبر تاريخ الإسلام باهتمام أهل البيت عليهم السلام وكبار علماء الدين، ولم يقتصر الأمر على البكاء والحزن، بل كانت أمور أخرى كإقامة مجالس العزاء، وإطعام الناس، ولبس السواد في أيام مصاب الإمام الحسين عليه السلام من الأعمال المستحبّة عند أهل البيت عليهم السلام.
وقد ورد أنّ الإمام الصادق عليه السلام كان يقيم مجالس العزاء، كما جاء في الرواية:

«دَخَلَ جَعْفَرُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى أَبِي عَبْدِاللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَرَّبَهُ، وَأَدْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا جَعْفَرُ، قَالَ: لَبَّيْكَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ الشِّعْرَ فِي الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَتُجِيدُ، فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ. فَقَالَ: قُلْ، فَأَنْشَدَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَمَنْ حَوْلَهُ حَتَّى صَارَتْ لَهُ الدُّمُوعُ عَلَى وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ.(1)
كما ورد في رواية أخرى:
«لمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام لَبِسْنَ نِسَاءَ بَنِي هَاشِمٍ السَّوَادَ والْمُسُوحَ، وكُنَّ لَا يَشْتَكِينَ مِنْ حَرٍّ ولَا بَرْدٍ، وكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام يَعْمَلُ لَهُنَّ الطَّعَامَ لِلْمَأْتَمِ.»(2).

إنّ اجتماع الشيعة حول ذكر أهل البيت عليهم السلام يبعث السرور في قلوبهم، ويحرصون على رعاية هذه المجالس والاهتمام بها. كما ورد في رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
عن الإمام الصّادق عليه السلام ـ لِفُضَيلٍ ـ: تَجلِسونَ وتُحَدِّثونَ؟ قالَ: نَعَم، جُعِلتُ فِداكَ. قالَ: إنَّ تلكَ المَجالِسَ اُحِبُّها، فأحْيوا أمْرَنا يا فُضيلُ، فَرَحِمَ اللّه ُ مَن أحْيا أمْرَنا. يا فُضَيلُ، مَن ذَكَرَنا أو ذُكِرْنا عندَهُ، فَخرَجَ مِن عَينِهِ مِثلُ جَناحِ الذُّبابِ غفَرَ اللّه ُ له ذُنوبَهُ، ولَو كانَ أكثرَ مِن زَبَدِ البحرِ.(3).
وبناءً على ذلك، فإنّ إقامة مجالس العزاء والروضات المنزلية هي من السنن التي أوصى بها الأئمة الأطهار عليهم السلام. ولكن مع الأسف، فإنّ بعض الأشخاص في هذه الأيام يحرمون أنفسهم من بركات هذه المجالس بسبب أعذار مختلفة، مثل الضغوط الاقتصادية ومشكلات الحياة، في حين أنّ أبسط المجالس وأقلّها تكلفة وأكثرها إخلاصاً في أيام العزاء هي هذه المجالس المنزلية.
إنّ هذه المجالس هي التي ينبغي أن نسمح لها بأن تعود كما كانت في الماضي، فتمسك بأيدينا وتكون سبباً في تفريج همومنا وحلّ مشكلاتنا. ولكن كيف يمكن إقامة مجلس العزاء منزلي بسيط وقليل التكلفة رغم وجود الظروف المالية الصعبة؟

أقيموا المجالس بما يتناسب مع ظروفكم المادية

لا تسمحوا للمشكلات المالية أن تكون سبباً لترك إقامة مجالس العزاء. يقول آية الله القاضي رحمه الله:
«لا تُقصِّروا في إقامة العزاء وزيارة حضرة سيد الشهداء (عليه السلام)، وأقيموا المجالس الأسبوعية، ولو كانت بحضور شخصين أو ثلاثة؛ فإنّها سببٌ لتيسير الأمور وانفراجها، وإن لم يتيسّر إقامتها أسبوعياً، فلا تتركوا العشرة الأولى من شهر محرّم.»


ليس من الضروري إعداد ضيافة خاصة ومكلّفة، فحتى تقديم الشاي والسكر يكفي لاستقبال ضيوف أبي عبد الله الحسين عليه السلام. فالمهم هو صدق النية وإقامة مجلس بسيط بعيد عن التكلّف.

قدّموا ضيافة بسيطة وقليلة التكلفة

عند إعداد الضيافة، تجنّبوا مقارنة أنفسكم بالآخرين، فليس تقديم الأطعمة الباهظة أو توزيع النذور بطريقة تحمل مظاهر الترف والبذخ شرطاً لقبول مجلس العزاء، فما يهمّ هو إخلاص النية وليس مظهر المجلس وزخرفته.
ولضيافة محبّي أبي عبد الله الحسين عليه السلام، ليس من الضروريّ تقديم الطعام دائماً، بل يمكنكم لتقليل تكاليف الروضة المنزلية اختيار وقت مناسب لإقامة المجلس لا يحتاج إلى تقديم وجبة رئيسية.
فالخبز والجبن، أو نوع واحد من الفاكهة، أو الشوربة، أو الحلوى، أو المهلبية، أو بعض الحلويات، وغيرها من الخيارات التي تكون أقلّ تكلفة، يمكن أن تكون مناسبة لضيافة الحاضرين. كما يمكن الاكتفاء بتقديم الشاي مع التمر أو الشاي مع السكر.

اجعلوا النذر لأفراد عائلتكم

إنّ إطعام المعزّين وزوّار الإمام الحسين عليه السلام له قيمة وأهمية كبيرة عند الله تعالى، ولم يرد أنّ هذا الإطعام يجب أن يُقدّم إلى أشخاص معيّنين فقط؛ ولذلك، فإنّ شراء ربّ الأسرة حاجات المنزل بنية أهل البيت عليهم السلام، وذكر الزوجة لأسماء أهل البيت عليهم السلام أثناء إعداد الطعام وتجهيزه بنيّتهم، يجعلهم جميعاً ينالون ثواب النذر، وتتناول الأسرة من طعام مبارك أُعدّ بنية أهل البيت عليهم السلام.

ويمكنكم أيضا للاستفادة من بركات الروضة المنزلية أن تخصّصوا كل ليلة وقتاً محدداً لقراءة زيارة عاشوراء أو حديث الكساء مع أفراد الأسرة، وتحافظوا بذلك على حضور ذكر أهل البيت عليهم السلام وإحيائه في بيوتكم.

لا تقلقوا بشأن حضور الخطيب أو الرادود

إنّ توفير الرادود أو الخطيب الحسيني يُعدّ جزءاً آخر من الاستعدادات لإقامة مجلس العزاء على سيد الشهداء عليه السلام في المنزل، وهو أمر يظنّ بعض الناس أنّه صعب ومكلّف.
ولتسهيل عملية التنسيق، يكفي أن يتمّ الاتفاق قبل يومين من إقامة المجلس إذا كان مجلساً واحداً فقط، وأمّا المجالس المتعددة مثل: مجالس العشرة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة من شهر محرّم، فمن الأفضل التنسيق قبل الشهر.
ولكن إذا لم تجدوا رادوداً أو خطيباً، فاجمعوا أفراد الأسرة من النساء والأطفال حولكم، وأقيموا مجلس العزاء بأنفسكم؛ فقد ورد في رواية عن مسمع:
عَنْ مِسْمَعِ بْنِ عَبْدِالْمَلِكِ كِرْدِينٍ الْبَصْرِيِّ «قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مِسْمَعُ، أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، أَمَا تَأْتِي قَبْرَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ قُلْتُ: لَا، أَنَا رَجُلٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعِنْدَنَا مَنْ يَتَّبِعُ هَوَى هَذَا الْخَلِيفَةِ، وَعَدُوُّنَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْقَبَائِلِ مِنَ النُّصَّابِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَسْتُ آمَنُهُمْ أَنْ يَرْفَعُوا حَالِي عِنْدَ وَلَدِ سُلَيْمَانَ فَيُمَثِّلُونَ بِي. قَالَ لِي: أَفَمَا تَذْكُرُ مَا صَنَعَ بِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَجْزَعُ؟ قُلْتُ: إِي وَاللَّهِ وَأَسْتَعْبِرُ لِذَلِكَ، حَتَّى يَرَى أَهْلِي أَثَرَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَأَمْتَنِعَ مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَبِينَ ذَلِكَ فِي وَجْهِي. قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ دَمْعَتَكَ، أَمَا إِنَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُعَدُّونَ مِنْ أَهْلِ الْجَزَعِ لَنَا، وَالَّذِينََ يَفْرَحُونَ لِفَرَحِنَا، وَيَحْزَنُونَ لِحُزْنِنَا، وَيَخَافُونَ لِخَوْفِنَا، وَيَأْمَنُونَ إِذَا أَمِنَّا، أَمَا إِنَّكَ سَتَرَى عِنْدَ مَوْتِكَ حُضُورَ آبَائِي لَكَ وَوَصِيَّتَهُمْ مَلَكَ الْمَوْتِ بِكَ، وَمَا يُلَقُّونَكَ بِهِ مِنَ الْبِشَارَةِ أَفْضَلُ، وَلِمَلَكِ الْمَوْتِ أَرَقُّ عَلَيْكَ وَأَشَدُّ رَحْمَةً لَكَ مِنَ الْأُمِّ الشَّفِيقَةِ عَلَى وَلَدِهَا. قَالَ: ثُمَّ اسْتَعْبَرَ، وَاسْتَعْبَرْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى خَلْقِهِ بِالرَّحْمَةِ، وَخَصَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ بِالرَّحْمَةِ. يَا مِسْمَعُ، إِنَّ الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ لَتَبْكِي مُنْذُ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحْمَةً لَنَا، وَمَا بَكَى لَنَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَكْثَرُ، وَمَا رَقَأَتْ دُمُوعُ الْمَلَائِكَةِ مُنْذُ قُتِلْنَا، وَمَا بَكَى أَحَدٌ رَحْمَةً لَنَا، وَلِمَا لَقِينَا إِلَّا رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ الدَّمْعَةُ مِنْ عَيْنِهِ، فَإِذَا سَالَتْ دُمُوعُهُ عَلَى خَدِّهِ، فَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ دُمُوعِهِ سَقَطَتْ فِي جَهَنَّمَ لَأَطْفَأَتْ حَرَّهَا.»(4).

 

1.    وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد: 20 / الصفحة: 154 /  ط الإسلامية  
2.    المحاسن / البرقي ابو جعفر / المجلد: 2 / الصفحة: 420  
3.    وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد: 14 / الصفحه: 501
4.       كامل الزيارات / ابن قولويه القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 108   / ط مكتبة الصدوق    
 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة