إعطاء الصدقات إلى السادة والهاشميين

إنَّ من الأحكام الشرعية التي اختصَّ الله تعالى بها أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله أحكاماً تميِّزهم عن غيرهم، لا من باب الامتياز الدنيوي، وإنما حفاظاً على مقام الرسالة وصيانةً لمكانة من جعلهم الله امتداداً لها. ومن أشهر تلك الأحكام حرمة أخذ الصدقة الواجبة عليهم؛ إذ جعل الله لهم بدلاً عنها حقَّهم في الخمس.
ولعلَّ هذا الحكم لم يكن مجرد مسألة فقهية جامدة، بل تحوَّل عبر التاريخ إلى عنوانٍ يكشف هوية أهل البيت عليهم السلام، وشاهداً على انتسابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. ففي أحلك الظروف، وأشد ساعات الظلم والقهر، لم يتخلَّ أهل البيت عليهم السلام عن بيان هذا الحكم؛ لأنّه كان يحمل رسالةً عقديةً وتربويةً إلى الأمة، ويؤكد أنّ مقامهم الذي شرَّفه الله لا يتغير بتغيّر الأحوال، ولا تزول حرمته مهما اشتدت المحن. 
ومن أبلغ الشواهد على ذلك ما جرى عليهم في رحلة السبي بعد فاجعة كربلاء، حين سيق حرم رسول الله صلى الله عليه وآله من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى الشام، وهم يعانون الجوع والعطش والتعب، وقد فقدوا الأحبة والأبناء والأنصار. ومع كل تلك الآلام، بقيت الأحكام الإلهية حاضرة في سلوكهم، ولم تسمح لهم المصائب أن يتجاوزوا حدود الله تعالى.
ومن هنا قررنا أن نقدم لكم مقالا حول الصدقات وإعطائها إلى السادات المنسوبين إلى أهل البيت عليهم السلام.

قول السيدة أم كلثوم في الكوفة

من الجميل أن نذكّركم في هذا الشهر العظيم الذي وقع فيه المصائب الجليلة العظيمة من استشهاد سبط الرسول صلى الله عليه وآله وسبي حريمه ونسائه، ما حدث في الكوفة حينما وصل ركب السبايا إلى هذا البلد، فيروي مسلم الجصاص قائلا: « دَعَانِي ابْنُ زِيَادٍ لِإِصْلَاحِ دَارِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ... فَبَيْنَمَا أَنَا وَاقِفٌ، وَالنَّاسُ يَتَوَقَّعُونَ وُصُولَ السَّبَايَا وَالرُّؤوسِ، إِذْ قَدْ أَقْبَلَتْ نَحْوَ أَرْبَعِينَ شُقَّةً تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِينَ جَمَلًا، فِيهَا الْحَرَمُ وَالنِّسَاءُ وَأَوْلَادُ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، وَإِذَا بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى بَعِيرٍ بِغَيْرِ وِطَاءٍ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَبْكِي... قَالَ: صَارَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يُنَاوِلُونَ الْأَطْفَالَ الَّذِينَ عَلَى الْمَحَامِلِ بَعْضَ التَّمْرِ وَالْخُبْزِ وَالْجَوْزِ. فَصَاحَتْ بِهِمْ أُمُّ كُلْثُومٍ، وَقَالَتْ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْنَا حَرَامٌ. وَصَارَتْ تَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِي الْأَطْفَالِ وَأَفْوَاهِهِمْ، وَتَرْمِي بِهِ إِلَى الْأَرْضِ. قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ وَالنَّاسُ يَبْكُونَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ.»(1).
إنّ هذه الكلمات القليلة تحمل معاني كبيرة؛ فهي إعلانٌ لهوية السبايا، وتذكيرٌ بأنّ هؤلاء الأسرى ليسوا غرباء ولا خارجين على الدين كما حاولت السلطة الأموية أن تصوّرهم، بل هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله الذين نزل فيهم القرآن، وأذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً. لقد أرادت أم كلثوم عليها السلام أن تُسقط الدعاية الأموية بكلمة واحدة، وأن تعرّف الناس بمن يقفون أمامهم، وأن تبيّن أن الأسر لا يسلب الإنسان كرامته، ولا يغيّر الأحكام التي شرعها الله له.

أنواع الصدقة

الصدقة في الشريعة الإسلامية على قسمين: القسم الأول الصدقة الواجبة، وهي الزكاة بنوعيه، من زكاة المال وزكاة الفطرة، والخمس وردّ المظالم والكفارات والفدية. ففي بعض الروايات، أطلقت على هذه الواجبات الشرعية، بالصدقة، فهي صدقة واجبة. القسم الثاني الصدقة المستحبة والمندوبة، وهي الصدقات العادية التي ليست بواجبة على معطي الصدقة، بل يستحب إعطائها. 
والسؤال الأساسي هو أيّ أنواع الصدقة حرام على الهاشميين والسادة؟ للإجابة على هذا السؤال، فلنراجع الفتاوى الصادرة عن سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني دام ظله.

فتاوى السيد السيستاني حول الصدقات

سننقل لكم بعض المسائل التي بيّنها سماحة آية الله السيد السيستاني دام ظله.
قال سماحة السيد السيستاني دام ظله: «الصدقة وهي ممّا تواترت الروايات في الحثّ عليها والترغيب فيها، وقد روي أنّها دواء المريض، وبها يدفع البلاء وقد أبرم إبراماً، وبها يستنزل الرزق، وأنّها تقع في يد الربّ قبل أن تقع في يد العبد، وأنّها تخلف البركة، وبها يقضى الدين، وأنّها تزيد في المال، وأنّها تدفع ميتة السوء والداء والداهية والحرق والغرق والجذام والجنون إلى أن عدّ سبعين باباً من السوء، ويستحبّ التبكير بها فإنّه يدفع شرّ ذلك اليوم وفي أوّل الليل فإنّه يدفع شرّ الليل.


مسألة 1604: تحلّ صدقة الهاشميّ على الهاشميّ وعلى غيره حتّى زكاة المال وزكاة الفطرة، وأمّا صدقة غير الهاشميّ فإن كانت زكاة المال أو زكاة الفطرة فهي حرام على الهاشميّ ولا تحلّ للمتصدّق عليه، ولا تفرغ ذمّة المتصدّق بها عنها، وإن كانت غيرهما، فالصحيح جوازها له سواء أكانت واجبة كردّ المظالم والكفّارات وفدية الصوم أم مندوبة إلّا إذا كانت من قبيل ما يتعارف من دفع المال القليل لدفع البلاء ونحو ذلك، ممّا كان من مراسم الذلّ والهوان، فإنّ في جوازه إشكالاً، فلا يترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيه.»(2).


فالصدقة التي لا يمكن لغير الهاشمي أن يعطي للهاشمي، هي زكاة المال وزكاة الفطرة والصدقة القليلة التي تكون مذلة وهوانا للسيد الهاشمي، لكن بقية أنواع الصدقات، فيحلّ لغير الهاشمي أن يعطيها للهاشمي. فمن هنا نفهم أنّ فعل السيدة أم كلثوم كانت على هذا المناط. فإنّ إعطاء التمر والطعام القليل إلى أطفال آل البيت عليهم السلام كانت من الصدقة الحقيرة المهينة لهم.

روايات حرمة الصدقة على الهاشميين

هناك روايات كثيرة تدلّ على حرمة الصدقة على الهاشميين، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: « إِنَّ اللَّهَ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ، لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْنَا الصَّدَقَةَ أَنْزَلَ لَنَا الْخُمُسَ، وَالصَّدَقَةُ عَلَيْنَا حَرَامٌ، وَالْخُمُسُ لَنَا فَرِيضَةٌ.»(3). 
ويقول زكريا بن مالك الجعفي: «سألت عن أبي عبدالله عليه السلام عن قول الله عز وجلّ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾(4)، قَالَ: أَمَّا خُمُسُ اللَّهِ، فَلِلرَّسُولِ، يَضَعُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَنَا خُمُسُ الرَّسُولِ، وَلِقَرَابَتِهِ، وَخُمُسُ ذَوِي الْقُرْبَى، فَهُمْ أَقْرِبَاؤُهُ، وَالْيَتَامَى يَتَامَى أَهْلِ بَيْتِهِ، فَجَعَلَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْأَسْهُمِ فِيهِمْ. وَأَمَّا الْمَسَاكِينُ وَأَبْنَاءُ السَّبِيلِ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَلَا تَحِلُّ لَنَا، فَهُوَ لِلْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ.»(5).
وقد استدلّ الإمام الرضا عليه السلام بهذا الحكم الشرعي على المأمون العباسي حينما أراد أن يغلبه في مناظرة، فقد روي: «فَقَالَ الْمَأْمُونُ: مَنِ الْعِتْرَةُ الطَّاهِرَةُ؟ فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(6)، هُمْ الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تُخَلِّفُونِي فِيهِمَا، أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تُعَلِّمُوهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ. قَالَتِ الْعُلَمَاءُ: أَخْبِرْنَا يَا أَبَا الْحَسَنِ، عَنِ الْعِتْرَةِ، أَهُمُ الْآلُ أَمْ غَيْرُ الْآلِ؟ فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: هُمُ الْآلُ. فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ: فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يُؤْثَرُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أُمَّتِي آلِي، وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ يَقُولُونَ بِالْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ: آلُ مُحَمَّدٍ أُمَّتُهُ. فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَخْبِرُونِي، هَلْ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْآلِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَتَحْرُمُ عَلَى الْأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْآلِ وَالْأُمَّةِ. وَيْحَكُمْ! أَيْنَ يُذْهَبُ بِكُمْ؟ أَضَرَبْتُمْ عَنِ الذِّكْرِ صَفْحًا، أَمْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ؟»(7).
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «إِنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيَّ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا مَا قَدْ حَرَّمَهُ، وَإِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.»(8).


1) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 45 / الصفحة: 114 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
2) منهاج الصالحين / السيد علي السيستاني / المجلد: 2 / الصفحة: 486 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
3) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 96 / الصفحة: 202 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
4) سورة الأنفال / الآية: 41.
5) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 96 / الصفحة: 202 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
6) سورة الأحزاب / الآية: 33.
7) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 25 / الصفحة: 221 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
8) وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد: 6 / الصفحة: 186 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة