هل لبس العباءة السوداء مكروهة شرعاً؟ 

تُعدّ العباءة السوداء من أبرز مظاهر الحجاب في المجتمعات الإسلامية، ولا سيّما في أوساط أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، حتى أصبحت رمزاً للعفاف والوقار والالتزام بالحجاب الشرعي. ومع ذلك يثار بين الحين والآخر سؤال يتكرر على ألسنة الكثيرين: هل لبس العباءة السوداء مكروهة شرعاً؟ ويستند أصحاب هذه الشبهة إلى بعض الروايات التي ورد فيها ذمّ لباس السواد أو كراهته؛ ليخلصوا إلى أن ارتداء المرأة للعباءة السوداء أمر غير مرغوب فيه شرعاً.
غير أن البحث العلمي والفقهي لا يقف عند ظاهر الروايات، بل يقتضي دراسة أسانيدها، وفهم دلالاتها، والجمع بينها وبين القرآن الكريم وسيرة أهل البيت عليهم السلام، وآراء فقهاء الإمامية. وعند القيام بهذه الدراسة يتبين أن كثيراً مما يُستدل به على كراهة العباءة السوداء لا ينهض دليلاً على ذلك، بل إنّ العباءة السوداء أصبحت من أوضح مصاديق الستر الكامل الذي دعا إليه الإسلام.
وفي هذه المقال نسلط الضوء على منشأ هذه الشبهة، ونناقش الروايات الواردة في المقام، ونعرض آراء الفقهاء، ونبيّن فتوى السيد السيستاني ؛ لنصل إلى الحكم الشرعي الصحيح وفق مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

منشأ شبهة كراهة العباءة السوداء

يرجع منشأ هذه الشبهة إلى وجود عدد من الروايات التي ورد فيها التعبير بكراهة لبس السواد، فتصور بعض الناس أن الحكم يشمل جميع أنواع اللباس الأسود، ومنها عباءة المرأة إلا أنّ هذا الاستنتاج غير دقيق؛ لأنّ البحث الفقهي لا يعتمد على رواية منفردة أو ظاهر لفظٍ مجرد، وإنّما يعتمد على دراسة السند والدلالة، والنظر في سائر النصوص الشرعية، ثم ملاحظة فتاوى الفقهاء الذين استنبطوا الأحكام من مجموع الأدلة.
وبناء عليه، لم يذهب فقهاء الإمامية إلى القول بكراهة العباءة السوداء للنساء، بل اعتبروا أن تلك الروايات -على فرض تماميتها- لا تدل على هذا المعنى.

دراسة سندية للروايات المتعلقة بلباس السواد

الطائفة الأولى: الروايات الدالة على كراهة السواد في الصلاة
منها ما رواه الكليني:
«لَا تُصَلِّ فِي ثَوْبٍ أَسْوَدَ، فَأَمَّا الْخُفُّ أَوِ الْكِسَاءُ أَوِ الْعِمَامَةُ فَلَا بَأْسَ.»(1).
إلا أن هذه الطائفة من الروايات لا تخلو من ضعف في أسانيدها، ولذلك قرر عدد من المحققين أنها لا تصلح للاستدلال على حكم شرعي ملزم أو حتى على إثبات الكراهة العامة.
الطائفة الثانية: الروايات الدالة على كراهة السواد مطلقًا
ومنها ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام:
« لَا تَلْبَسُوا السَّوَادَ؛ فَإِنَّهُ لِبَاسُ فِرْعَوْنَ.»(2).
وكذلك الرواية المروية عن الإمام الصادق عليه السلام:
«يُكْرَهُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: الْخُفِّ، والْعِمَامَةِ، والْكِسَاءِ.»(3).
إلا أن هذه الروايات أيضًا إما مرسلة أو مرفوعة، فهي تعاني من ضعف في السند، شأنها شأن روايات الطائفة الأولى، ولذلك لم يعتمد عليها الفقهاء في إثبات كراهة العباءة السوداء.

هل الأسود لباس أعداء الدين؟

قد يقال إنّ الروايات وصفت السواد بأنه لباس فرعون، فهل يعني ذلك حرمة لبسه؟
الجواب: إنّنا نلتزم بمضمون الروايات في حدود مدلولها الصحيح، فنقول: إذا أصبح لباس معين شعاراً مختصًا بأعداء الدين بحيث يعدّ لابسه متشبّهاً بهم، فلا يجوز التشبه بهم.
كما لو اختص لباس معين بطائفة معادية للإسلام، فإنّ التشبه بها يكون غير جائز.
وأمّا اللون الأسود فلم يثبت في أي عصر على أنّه أصبح شعاراً مختصاً بأعداء الدين، بل على العكس، فقد أصبح في المجتمعات الإسلامية لباساً للعفاف والوقار؛ ولهذا قال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة: (انّه يكره الصلاة في الثياب السود عدا العمامة والخف والكساء وهو ثوب من صوف ومنه العباء.)(4).
وهذا يدل على أن العباءة نفسها كانت مستثناة عند كثير من الفقهاء.

هل توجد رواية تدل على كراهة العباءة السوداء للنساء؟

بعد مراجعة الروايات الواردة في أبواب اللباس، لا توجد رواية معتبرة تنص على كراهة العباءة السوداء الخاصة بالنساء.
وجميع الروايات التي يستند إليها القائلون بالكراهة لا تتحدث عن عباءة المرأة أصلًا، وإنّما تتناول عنوان لباس السواد بصورة عامة، مع ضعف أسانيدها، فضلاً عن وجود مستثنيات فيها.
وعليه، فلا يوجد دليل معتبر يدل على كراهة العباءة السوداء للمرأة.

كراهة اللباس الأسود هل تختص بالرجال أم تشمل النساء أيضًا؟

حتى لو سلّمنا بوجود أصل للكراهة في بعض الموارد، فإنّ مورد أكثر الروايات هو لباس الرجال، ولا سيما في الصلاة، ولا يوجد فيها تصريح بشمول الحكم للنساء أو لعباءتهن، بل إنّ طبيعة لباس المرأة تختلف عن لباس الرجل؛ لأنّ الغاية الأساسية في لباس المرأة هي الستر الكامل، وكل ما كان أقرب إلى تحقيق هذه الغاية كان أولى بالاختيار.

ما حكم لبس عباءة غير اللون الأسود في مجتمع كمجتمعنا؟

في كثير من المجتمعات المحافظة أصبح اللون الأسود هو اللون المتعارف للعباءة الشرعية؛ لما يتميز به من كونه أبعد عن لفت الأنظار.
وأمّا الألوان الأخرى، كالأبيض أو الأحمر أو الأصفر أو الأخضر، فإنّها تكون أكثر جذباً للنظر، وهو ما يتنافى مع الغاية الأساسية من الحجاب، وهي الستر وصيانة المرأة عن مظاهر الزينة أمام الأجانب.
ومن هنا يرى عدد من العلماء أنّ العباءة السوداء تحقق المطلوب من الحجاب بصورة أفضل في مثل هذه المجتمعات.

آراء الفقهاء في حكم العباءة السوداء

لم يفتِ فقهاء الإمامية بكراهة العباءة السوداء للنساء، بل أكد كثير منهم أن العباءة السوداء هي أكمل أفراد الحجاب في المجتمعات الإسلامية.
وقد استندوا في ذلك إلى أمور متعددة، منها:
ضعف الروايات المستدل بها على الكراهة.
عدم وجود نص خاص في عباءة المرأة.
كون اللون الأسود أبعد عن إثارة الانتباه.
تحقق الستر الكامل به أكثر من غيره.
ولهذا أصبحت العباءة السوداء شعاراً للحجاب الشرعي في أغلب المجتمعات الشيعية.

فتوى السيد السيستاني بشأن العباءة السوداء

السؤال: أنا مقتنع بان حجاب المرأة هو واجب شرعي، ولكن هناك مِن الاصدقاء مَن يقول إنّها عبودية وإساءة للمراة، ولم يرد الحجاب في القرآن الكريم بدلالة على غطاء الرأس، وانّما ورد في معاني اخرى تختلف عن هذا المفهوم.
فما هو رأي سماحتكم بذلك؟

الجواب: الحجاب فريضة شرعية ذكرت في القرآن الكريم (سورة النور: آية:٣١ وسورة الاحزاب: آية:٥٩) وهو من بديهيات التاريخ الاسلامي حيث كانت نساء النبي صلى الله عليه واله وسائر النساء المؤمنات يواظبن عليها، كما هو واضح لمن اطلع على سيرة المسلمين منذ العصر الاول، بل هي من الفرائض المشتركة بين الأديان الالهية، حتى أنّ المجتمعات المسيحية كانت تراعي ذلك على العموم الى عصر قريب ولا تزال صور مريم عليها السلام عندهم متضمنة لحجابها. والحكمة من فرضها ضمان العفاف في المجتمع بسلامة الاجواء الاجتماعية عن عناصر الاغراء من المرأة للرجل الاجنبي؛ لأنّ من شأن الاغراء -بحسب سنن الحياة- أن يكون لأجل جذب الرجل للعلاقة الخاصة، فإذا لم تجز تلك العلاقة كان من الطبيعي تحريم مظاهر الإغراء، فهذه الفريضة تقي المجتمع عن منافيات العفاف وأضرار العلائق غير المشروعة وقد علم ان المرأة بطبيعتها هي الأكثر تضرراً من الممارسات اللاأخلاقية ومن المشهود في المجتمعات التي لا تتقيد بالحجاب ما يؤدي اليه عدم مراعاته من المفاسد الاخلاقية. وبعد، فالحجاب موافق لفطرة المرأة، فإنّها جبلت على الحياء عن الظهور أمام الرجال الاجانب بمظهر الاغراء، وتشعر بالحزازة فيه.
فعلى الإنسان أن يلتفت إلى مبادئ الأمور وغاياتها ومضاعفاتها، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
السؤال: ما هو الواجب ستره على المراة؟
الجواب: يجب على المرأة أن تستر شعرها وما عدا الوجه والكفين من بدنها عن غير الزوج والمحارم من البالغين مطلقاً، بل الأحوط لزوماً أن تتستر عن غير البالغ أيضاً إذا كان مميزاً وأمكن أن يترتب على نظره إليها ثوران الشهوة فيه، وأمّا الوجه والكفان فيجوز لها ابداؤها إلاّ مع خوف الوقوع في الحرام أو كونه بداعي ايقاع الرجل في النظر المحرم فيحرم الابداء حينئذٍ حتى بالنسبة الى المحارم. هذا في غير المرأة المسنة التي لا ترجو النكاح، وأمّا هي فيجوز لها إبداء شعرها وذراعها ونحوهما مما لا يستره الخمار والجلباب عادة ـ من دون ان تتبرج بزينة.

الخاتمة

بعد استعراض الروايات الواردة في المقام، ودراسة أسانيدها ودلالاتها، ومناقشة كلمات فقهاء الإمامية وآرائهم، يتبين أنّ القول بكراهة العباءة السوداء للنساء لا يستند إلى دليلٍ معتبر يمكن الاعتماد عليه في مقام الفتوى.
فالروايات التي استُدل بها على الكراهة إمّا ضعيفة السند، أو واردة في موارد خاصة، أو لا تدل على شمول الحكم لعباءة المرأة، بل إنّ بعض الفقهاء استثنى العباءة من مورد الكراهة. كما أنّه لا توجد رواية معتبرة تنص على كراهة العباءة السوداء للنساء.
ومن هنا أصبحت العباءة السوداء في المجتمعات الإسلامية من أبرز مصاديق الستر الشرعي؛ لما توفره من سترٍ أكمل، ووقارٍ أكثر، وابتعادٍ عن لفت الأنظار، وهو ما ينسجم مع الغاية التي أرادها الشارع المقدس من تشريع الحجاب وصيانة عفاف المرأة.

 

1. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد: 3 / الصفحة: 403 / ط الاسلامية.
2. من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلّد: 1 / الصفحة: 251.
3. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد: 3 / الصفحة: 403 / ط الاسلامية.
4. الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة / الشيخ يوسف البحراني / المجلّد: 7 / الصفحة: 116.

 


 

التعليقات

Loading...

محتوى ذو صلة