لم تكن غيبة الإمام المهديّ عليه السلام حدثاً مفاجئاً في التاريخ الإسلامي، ولا أمراً طارئاً أُلقي على شيعة أهل البيت عليهم السلام من غير تمهيد سابق، بل عندما نراجع الروايات المروية عن أهل البيت عليهم السلام، تكشف النصوص المروية عنهم عليهم السلام عن مشروع تربوي طويل الأمد، امتدّ عبر قرنين ونصف تقريباً، وهو يهدف إلى إعداد الجماعة المؤمنة نفسياً وفكرياً وعملياً لاستقبال مرحلة استثنائية يغيب فيها الإمام المعصوم عليه السلام عن الأنظار، مع بقاء إمامته وحجّيته وضرورة الارتباط به.
وتنبع أهمية هذا الموضوع من أنّ الغيبة الكبرى مثّلت تحوّلاً عميقاً في بنية العلاقة بين الإمام وأتباعه؛ إذ انتقلت الأمة من مرحلة الحضور المباشر، حيث يمكن الرجوع إلى الإمام وسؤاله والأخذ عنه بلا واسطة، إلى مرحلة الاحتجاب التي تقتضي نوعا عميقا من الإيمان والطاعة والالتزام. ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: كيف نجح الأئمة عليهم السلام في تهيئة شيعتهم لهذه النقلة التاريخية الحساسة بحيث لا تؤدي الغيبة إلى الاضطراب العقائدي أو الانقسام الاجتماعي أو الانقطاع عن خط الإمامة؟
فلنراجع الروايات المروية عن أئمة أهل البيت عليهم، ونفهم القضية بدقة أكثر.
التمهيد العقائدي للغيبة
لقد مهّد أئمة أهل البيت عليهم السلام المؤمنين في زمانهم لغيبة طويلة الأمد لا يرون فيها إمام زمانهم. وأهمّ التمهيدات لهم هو التمهيد العقائدي للغيبة، من أهم أساليب التمهيد العقائدي التي اعتمدها أهل البيت عليهم السلام ربط غيبة الإمام المهدي بسنن الله السابقة في الأنبياء، حتى لا تبدو الغيبة أمراً مستغرباً ولهذا يقول الإمام الصادق عليه السلام لأبي بصير: «إِنَّ سُنَنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام بِمَا وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الْغَيْبَاتِ حَادِثَةٌ فِي الْقَائِمِ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَالْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ ... هُوَ الْخَامِسُ مِنْ وُلْدِ ابْنِي مُوسَى ذَلِكَ ابْنُ سَيِّدَةِ الْإِمَاءِ يَغِيبُ غَيْبَةً يَرْتَابُ فِيهَا الْمُبْطِلُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا» (1). فالإمام الصادق عليه السلام يبيّن لنا في هذه الرواية، أمرين عقائديين لعصر الغيبة: الأمر أول أنّه ستحدث غيبة لصاحب العصر والزمان عليه السلام، وأنّ هذه الغيبة ليست بأمر مستحدث، بل إنّها سنة من سنن الله تعالى وقعت في الأمم السابقة. والأمر الثاني إنّ هذه الغيبة، تسبب بإضلال أناس كثيرين عن دين الحق والعقائد الصحيحة، فيجب على الشيعة أن يهيئوا أنفسهم لهذه الغيبة.
وأيضا هناك روايات كثيرة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام، تخبر المؤمنين بوقوع الغيبة وأنّ هذه الغيبة تسبب بإضلال الناس. فقد روى الإمام الصادق عليه السلام عن جده النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي. اسْمُهُ اسْمِي، وكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي أَشْبَهُ النَّاسِ بِي خَلْقاً وخُلْقاً. تَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ وحَيْرَةٌ حَتَّى تَضِلَّ الْخَلْقُ عَنْ أَدْيَانِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقْبِلُ كَالشِّهَابِ الثَّاقِبِ، فَيَمْلَؤُهَا قِسْطاً وعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وجَوْراً» (2). فهذه الرواية وأمثالها تبيّن للشيعة مدى خطورة غيبة الإمام المهدي عليه السلام، وإنّه يجب على المؤمنين أن يتهيئوا لهذا الأمر الخطير.
وأيضا من وسائل التمهيد العقائدي تعليم الشيعة أنّ الحكمة الإلهية قد تخفى على الناس زمناً، ثم تنكشف بعد ذلك؛ ولهذا نرى أنّ هناك الكثير من الروايات عن المعصومين عليهم السلام تبيّن لنا حكمة غيبة صاحب العصر والزمان أرواحنا له الفداء. على سبيل المثال، قال الإمام الصادق عليه السلام للصيقل حول ظهور صاحب العصر والزمان: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، لَا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُغَرْبَلُوا، لَا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُمَحَّصُوا، لَا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُمَيَّزُوا» (3).
الروايات المخبرة عن الغيبة
إنّ الإنسان إذا علم مسبقا بواقعة عظيمة ستحدث له يوما ما، سيمهّد نفسه لهذه الواقعة حتى لا يتفاجأ بها وتزلّ أقدامه عند حدوث الواقعة. وأيّ واقعة أخطر وأكبر للشيعة والموالين لأئمة أهل البيت عليهم السلام من وقوع الغيبة الكبرى وعدم رؤية الإمام المعصوم؟ لهذا نرى أنّ جميع الأئمة من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام قد أخبروا بحدوث الغيبة الكبرى، وأنّ هذه الغيبة، أمر خطير على الشيعة، ويجب على الشيعة أن يمهّدوا أنفسهم لهذه الواقعة.
فقد روى الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ بَشِيراً لَيَغِيبَنَّ الْقَائِمُ مِنْ وُلْدِي بِعَهْدٍ مَعْهُودٍ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى يَقُولَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا لِلَّهِ فِي آلِ مُحَمَّدٍ حَاجَةٌ، وَيَشُكُّ آخَرُونَ فِي وِلَادَتِهِ. فَمَنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ فَلْيَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ، وَلَا يَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ إِلَيْهِ سَبِيلًا بِشَكِّه،ِ فَيُزِيلَهُ عَنْ مِلَّتِي وَيُخْرِجَهُ مِنْ دِينِي، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ قَبْلُ» (4).
وقد روى علي بن جعفر عن أخيه الإمام الكاظم عليه السلام: «إِذَا فُقِدَ الْخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أَدْيَانِكُمْ، لَا يُزِيلُكُمْ عَنْهَا أَحَدٌ. يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ إِنَّمَا هِيَ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ امْتَحَنَ بِهَا خَلْقَهُ لَوْ عَلِمَ آبَاؤُكُمْ وأَجْدَادُكُمْ دِيناً أَصَحَّ مِنْ هَذَا لَاتَّبَعُوهُ» (5).
تربية الشيعة على الصبر
لقد علم الأئمة عليهم السلام أنّ التحدي الأكبر في عصر الغيبة لن يكون غياب الإمام فحسب، بل طول أمد الغيبة، وتأخر تحقق الوعد الإلهي، وما يرافق ذلك من ضغوط نفسية واجتماعية وسياسية قد تدفع بعض الناس إلى اليأس أو الشك أو الانحراف، حتى قال الإمام الحسين عليه السلام: «لَهُ غَيْبَةٌ يَرْتَدُّ فِيهَا أَقْوَامٌ، ويَثْبُتُ فِيهَا عَلَى الدِّينِ آخَرُونَ، فَيُؤْذَوْنَ، ويُقَالُ لَهُمْ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (6). وقال الإمام الصادق عليه السلام للمنصور بن يونس: «يَا مَنْصُورُ، إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَأْتِيكُمْ إِلَّا بَعْدَ إِيَاسٍ، وَلَا وَاللَّهِ حَتَّى تُمَيَّزُوا، وَلَا وَاللَّهِ حَتَّى تُمَحَّصُوا، وَلَا وَاللَّهِ حَتَّى يَشْقَى مَنْ يَشْقَى، وَيَسْعَدَ مَنْ يَسْعَدُ» (7). وكان الهدف من هذا الإخبار أن لا يصاب المؤمن بالإحباط إذا طال الانتظار، بل يدرك أنّ طول الغيبة جزء من الامتحان الإلهي.
وبناء عليه، جاءت كلماتهم وتوجيهاتهم؛ لتصنع مجتمعاً يتعامل مع الصبر بوصفه عبادةً وجهاداً وثباتاً على الحق، لا مجرد احتمالٍ للشدائد. وفي هذا الشأن قال الإمام الحسين عليه السلام: «أَمَا إِنَّ الصَّابِرَ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الْأَذَى وَالتَّكْذِيبِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ» (8).
مواجهة الشبهات قبل حدوثها
لقد أدرك الأئمة المعصومون عليهم السلام بعلمهم الإلهي أنّ الغيبة الطويلة للإمام المهدي عليه السلام سيولّد شبهات في أذهن الناس في أمور مختلفة. منها حول تولده عليه السلام أو حياته أو أنّ البرنامج الإلهي باق على حاله. وقد تنبؤوا بهذه الشبهات قبل حدوثها؛ كي لا يقع الشيعة في ظلال دامس من الشبهات.
وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «إِذَا دَارَتِ الْفَلَكُ، وَقَالَ النَّاسُ: مَاتَ الْقَائِمُ أَوْ هَلَكَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ، وَقَالَ الطَّالِبُ: أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ؟ وَقَدْ بُلِيَتْ عِظَامُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ فَارْجُوهُ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ، فَأْتُوهُ وَلَوْ حَبْواً عَلَى الثَّلْجِ» (9).
1) كمال الدين / الشيخ الصدوق / المجلد: 2 / الصفحة: 345 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
2) كمال الدين / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 287 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
3) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 1 / الصفحة: 370 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
4) كمال الدين / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 51 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
5) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 1 / الصفحة: 336 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
6) كمال الدين / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 317 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
7) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 1 / الصفحة: 370 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
8) كمال الدين / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 317 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
9) كمال الدين / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 326 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.



