في كل عام، تتجه أنظار العالم إلى المسيرة الأربعينية، حيث يمضي ملايين المؤمنين نحو كربلاء في واحدة من أكبر التجمعات الدينية في التاريخ. وقد يتبادر إلى الذهن سؤالٌ جوهري: هل تمثل هذه الزيارة مجرد إحياء لذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، أم أنها تؤدي دوراً أعمق في بناء شخصية المؤمن وإعداده للمستقبل؟
إن التأمل في نصوص أهل البيت عليهم السلام يكشف أن الإمام الحسين عليه السلام والإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يجتمعان في مشروعٍ واحد، هو مشروع إقامة الدين والعدل الإلهي. وإذا كان الإمام الحسين عليه السلام قد حفظ الإسلام بدمه، فإن الإمام المهدي عليه السلام هو الذي سيحقق أهداف تلك النهضة على المستوى العالمي، ولهذا لم يكن ارتباط الشيعة بالإمام الحسين عليه السلام ارتباطاً تاريخياً فحسب، بل هو ارتباط بالمستقبل أيضاً.
ومن هنا يمكن النظر إلى زيارة الأربعين بوصفها مدرسةً سنويةً لتربية الإنسان المؤمن، وإعداده ليكون من الممهدين لدولة الإمام المهدي عليه السلام، لا بمعنى أن مجرد المشاركة فيها تجعل الإنسان من أنصاره، بل لأنها تغرس فيه كثيراً من الصفات التي وصفتها الروايات لأصحاب الإمام المنتظر.
الإمام المهدي... الامتداد الطبيعي لنهضة الإمام الحسين
إن أول ما ينبغي الالتفات إليه هو أن العلاقة بين الإمام الحسين والإمام المهدي عليهما السلام ليست علاقة نسبٍ فحسب، بل هي علاقة رسالة ومشروع إلهي واحد.
وقد أشارت النصوص المأثورة إلى هذا الارتباط في أكثر من موضع.
كما جاء في زيارة عاشوراء: «فَاسْأَلُ اللهَ الَّذي كْرَمَ مَقامَكَ وَاكْرَمَني انْ يَرْزُقَني طَلَبَ ثارِكَ مَعَ امام مَنْصُور مِنْ اهْلِ بَيْتِ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسلّم...» (1).
هذه الفقرة تكشف أن قضية الإمام الحسين عليه السلام ستستمر بعد البكاء عليه و إحياء ذكراه، وتمتد إلى المشاركة في المشروع الذي سيقيم العدل الإلهي على يد الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
وورد أيضاً في الزيارة الناحية: « فَلَئِن أخَّرَتنِي الدُّهورُ، وعاقَني عَن نَصرِكَ المَقدورُ، ولَم أكُن لِمَن حارَبَكَ مُحارِبا ، ولِمَن نَصَبَ لَكَ العَداوَةَ مُناصِبا، فَلَأَندُبَنَّكَ صَباحا ومَساءً، ولَأَبكِيَنَّ عَلَيكَ بَدَلَ الدُّموعِ دَما...» (2).
إن هذا الحزن المتواصل من الإمام المهدي على جده الحسين عليه السلام يدل على أن عاشوراء ليست حادثة من الماضي، بل هي قضية حاضرة في وجدان الإمام، وأن مشروعه العالمي يقوم على إحياء المبادئ التي استشهد الإمام الحسين عليه السلام من أجلها.
فعندما يظهر الإمام المهدي عليه السلام ويؤسس دولة العدل الإلهي، فإنّ أولى الشعارات التي يرفعها ترتبط بالإمام الحسين عليه السلام. فقد ورد في الروايات أنّ من شعارات أنصاره: «يالثارات الحسين» (3).
ومن المهم أن يُبيَّن هنا أن طلب الثأر لا يُراد به الانتقام الشخصي، بل إزالة آثار الظلم، وإقامة العدل، وإحياء الدين الذي ضحى الإمام الحسين عليه السلام لأجله.
لماذا جعلت الروايات زيارة الأربعين علامةً للمؤمن؟
من أبرز النصوص في هذا الباب ما روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام حيث قال « علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى و خمسين، و زيارة الأربعين، و التختّم باليمين، و تعفير الجبين، و الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم » (4).
إن هذه الرواية تدعو إلى التساؤل: لماذا اختص الإمام العسكري عليه السلام زيارة الأربعين بالذكر دون كثير من المستحبات الأخرى؟
يبدو أن السر يكمن في أن الأربعين ليست مجرد زيارة، بل تجربة إيمانية متكاملة يعيشها المؤمن، فيتحمل المشقة، ويقدم الخدمة، ويتنازل عن راحته، ويتساوى مع الملايين في طريق واحد، فيتربى عملياً على قيم الإيمان.
ولهذا أصبحت الأربعين علامةً ظاهرة على الانتماء الحقيقي لمدرسة أهل البيت عليهم السلام.
أصحاب الإمام المهدي... صناعة إلهية لا شعارات عاطفية
عندما تصف الروايات أصحاب الإمام المهدي عليه السلام، فإنها لا تتحدث عن أناس تميزوا بمجرد حبهم للإمام، وإنما عن رجال ونساء بلغوا مستوىً عالياً من الإيمان، واليقين، والانضباط، والطاعة، والتضحية.
لقد ورد في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام في بيان عصر الظهور أنه قال: « لَمْ يَبْقَ مُؤْمِنٌ إِلَّا صَارَ قَلْبُهُ أَشَدَّ مِنْ زُبَرِ الْحَدِيدِ، وَ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَ لَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ مَيِّتٌ إِلَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْفَرْحَةُ» (5).
وفي رواية أخرى:
وعندما يصف رسول الله صلى الله عليه وآله حالات الظهور فيقول: «فَيَخْرُجُ النُّجَبَاءُ مِنْ مِصْرَ، وَ الْأَبْدَالُ مِنَ الشَّامِ، وَ عَصَائِبُ الْعِرَاقِ رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ لُيُوثٌ بِالنَّهَارِ كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ زُبَرُ الْحَدِيدِ، فُيَبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ» (6).
إن هذه الصفات لم تتكون في لحظة، وإنما هي ثمرة تربية طويلة للنفس، ومجاهدة مستمرة، وإعداد روحي وأخلاقي.
وهنا يبرز السؤال: أين يتدرب المؤمن على هذه الصفات؟
إن من أبرز ميادين هذا التدريب العملي زيارة الأربعين.
الأربعين... تدريب عملي على صفات أصحاب الإمام
أولًا: الإيثار
لا يوجد مشهد يجسد الإيثار كما تجسده مواكب الأربعين. فالمؤمنون يتسابقون إلى خدمة الزائرين، ويقدمون أموالهم، وأوقاتهم، وجهودهم، ابتغاء مرضاة الله، دون انتظار جزاء أو شكر.
وهذه الروح هي التي يحتاجها مشروع الإمام المهدي عليه السلام، لأن دولة العدل لا تُبنى بالأفراد الذين يبحثون عن مصالحهم الخاصة، وإنما بالذين يقدمون الآخرين على أنفسهم.
ثانياً: الصبر والثبات
المشي الطويل، وتحمل الحر أو البرد، والزحام، والإرهاق، ليست مجرد مشاق بدنية، بل هي مدرسة للصبر.
وقد أكدت الروايات أن أصحاب الإمام المهدي عليه السلام من أهل الصبر والثبات، لأنهم يحملون مسؤولية إقامة العدل في مواجهة التحديات.
ومن هنا، فإن الأربعين تعوّد الإنسان على الصبر العملي، لا الصبر النظري.
ثالثاً: الطاعة والانضباط
المسيرة الأربعينية، رغم ضخامتها، تقوم على التعاون، واحترام النظام، ومراعاة حقوق الآخرين. وهذه الأخلاق تمثل تدريباً على الطاعة الواعية والانضباط، وهما من أبرز صفات أصحاب الإمام كما تصفهم الروايات.
فالطاعة في المجتمع المهدوي ليست خضوعاً قسرياً، بل ثمرة معرفة بالإمام، وثقة بحكمته، واستعداد لتقديم المصلحة العامة.
رابعاً: خدمة الناس
تحولت خدمة زوار الإمام الحسين عليه السلام إلى ثقافة عامة، يتنافس فيها الجميع، من غير تمييز بين غني وفقير، أو عربي وأعجمي.
وهذه الروح تمثل أحد أهم أسس المجتمع المهدوي؛ فالإمام لا يريد مجتمعاً يكثر فيه المتفرجون، وإنما يريد أمة تتسابق إلى البذل والعطاء وخدمة الناس.
قال الإمام الصادق عليه السلام: «احرصوا على قضاء حوائج المؤمنين ، وإدخال السرور عليهم ، ودفع المكروه عنهم ، فانه ليس من الاعمال عند الله عزوجل بعد الايمان أفضل من إدخال السرور على المؤمنين» (7).
خامساً: الوحدة
من أعظم مشاهد الأربعين اجتماع المؤمنين من عشرات الدول، بمختلف لغاتهم وألوانهم، تحت راية الإمام الحسين عليه السلام.
إن هذه الصورة تقدم نموذجاً حياً للأمة التي ستجتمع تحت راية الإمام المهدي عليه السلام، حيث تزول الفوارق الضيقة، ويكون المعيار هو الإيمان والولاء لله ورسوله وأهل البيت عليهم السلام.
من زائرٍ إلى منتظر
إن القيمة الحقيقية لزيارة الأربعين لا تُقاس بانتهاء مراسمها، بل بما تغرسه في شخصية المؤمن من وعيٍ، وإخلاصٍ، وثباتٍ، وما تؤسسه فيه من استعدادٍ دائم للسير على نهج الإمام الحسين عليه السلام والتمهيد لدولة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
فالزائر الذي يعود محافظاً على صلاته، ملتزماً بأخلاقه، حريصاً على خدمة الناس، ملازماً للدعاء بتعجيل الفرج، ساعياً إلى معرفة إمام زمانه، يكون قد نقل روح الأربعين من موسم مؤقت إلى منهج حياة.
ولهذا أكدت روايات الانتظار أن المنتظر الحقيقي هو الذي يعمل ويثبت ويتهيأ.
وقد ورد عن رسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال: «أَفْضَلُ أَعْمَالَ امَّتِي انتِظارِ الْفَرَج» (8).
ونذكر هنا فقرة من دعاء العهد: «اللّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَنْصارِهِ وَأَعْوانِهِ وَالذَّابِّينَ عَنْهُ وَالمُسارِعِينَ إِلَيْهِ فِي قَضاء حَوائِجِهِ وَالمُمْتَثِلِينَ لاَوامِرِهِ وَالمُحامِينَ عَنْهُ وَالسَّابِقِينَ إِلى إِرادَتِهِ وَالمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ» (9).
إن الانتظار في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليس حالة سلبية، بل مشروع إصلاح للنفس والمجتمع، حتى يكون المؤمن مستعداً لنصرة الإمام متى أذن الله بظهوره.
الخاتمة
إن زيارة الأربعين ليست خاتمة موسم عاشوراء، بل بداية مرحلة جديدة في حياة المؤمن. فمن سار إلى الإمام الحسين عليه السلام بقلبه قبل قدميه، وعاد من كربلاء وهو يحمل قيم الإيثار، والصبر، والطاعة، وخدمة الناس، والوحدة، فقد خطا خطوة حقيقية في طريق التمهيد للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ومن هنا، فإن أفضل ما يمكن أن يقدمه المؤمن لإمام زمانه بعد انتهاء موسم الأربعين، ليس مجرد الاحتفاظ بذكريات الرحلة، وإنما تحويل دروسها إلى سلوك دائم، ليكون من الذين يصدق عليهم أنهم مهدوا لدولة العدل الإلهي بأخلاقهم و أعمالهم، وبإصلاح أنفسهم بانتظارهم لظهور إمامهم.
1. المزار الكبير / الشيخ أبو عبد الله المشهدي / المجلّد : 1 / الصفحة : 482.
2. المزار الكبير / الشيخ أبو عبد الله المشهدي / المجلّد : 1 / الصفحة : 501.
3. النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب / الشيخ حسين الطبرسي النوري / المجلّد : 2 / الصفحة : 526.
4. الإقبال بالأعمال الحسنة / السيد بن طاووس / المجلّد : 3 / الصفحة : 100 / ط الحديثة.
5. كتاب الغيبة للنعماني / محمد بن إبراهيم النعماني / المجلّد : 1 / الصفحة : 310.
6. الإختصاص / الشيخ المفيد / المجلّد : 1 / الصفحة : 208.
7. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 74 / الصفحة : 313 / / ط مؤسسة الوفاء.
8. عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق / المجلّد 1 / الصفحة : 39 / ط الاعلمي.
9. مفاتيح الجنان/ الشيخ عباس القمي / المجلّد : 1 / الصفحة : 646.



