يُعدّ سؤال «لماذا لا يظهر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف رغم انتشار الظلم في العالم؟» من أكثر الأسئلة تداولًا في الأوساط الإسلامية، بل ومن أكثر الشبهات التي تُثار حول عقيدة الإمام المهدي في عصر الغيبة. فكثير من الناس يظنون أن مجرد انتشار الظلم والجور كافٍ لوقوع الظهور، فإذا رأوا ما يمر به العالم من حروب، واضطهاد، وفساد، واستبداد، تساءلوا: لماذا لم يظهر الإمام إلى الآن؟
ويرجع منشأ هذا التساؤل إلى فهم غير دقيق لبعض الروايات، ولا سيما ما ورد فيها أن الإمام المهدي عليه السلام: «يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلماً وجوراً» (1)، حيث تصور البعض أن امتلاء الأرض ظلماً هو العلة الوحيدة لظهوره، مع أن الروايات وكلمات علماء الإمامية ترسم صورة أوسع وأعمق من ذلك.
وفي هذه المقالة نحاول أن نجيب عن هذا السؤال من خلال النصوص الشرعية، وبيان الحكمة الإلهية في الغيبة، وبيان حقيقة العلاقة بين انتشار الظلم وظهور الإمام المهدي عليه السلام.
هل امتلاء الأرض ظلماً هو السبب المباشر للظهور؟
من الأخطاء الشائعة تفسير الروايات التي تصف عصر الظهور بأنها تجعل امتلاء الأرض ظلماً وجوراً شرطًا وحيدًا لقيام الإمام المهدي عليه السلام.
فالحديث الشريف يصف الواقع الذي يسبق الظهور، ولا يصرح بأن الظلم وحده هو العلة التي يتوقف عليها الظهور. ولذلك فإن القول بأن الإمام يجب أن يظهر بمجرد انتشار الظلم يحتاج إلى دليل مستقل، ولا يكفي الاستناد إلى هذه الروايات وحدها.
بل إن الواقع يدل على أن الظلم درجات، فقد يظن الإنسان أن عصره بلغ غاية الجور، بينما قد تمر البشرية بمراحل أشد قسوة واضطراب، ولهذا لا يمكن الجزم بأن الظلم قد بلغ الحد الذي تشير إليه الروايات.
ومن جهة أخرى، فإن الروايات نفسها تذكر علامات حتمية تسبق الظهور كما جاء عن الإمام الصادق عليه السلام: « قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ خَمْسُ عَلَامَاتٍ مَحْتُومَاتٍ: الْيَمَانِيُّ، وَ السُّفْيَانِيُّ، وَ الصَّيْحَةُ، وَ قَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ، وَ الْخَسْفُ بِالْبَيْدَاءِ» (2)، مما يدل على أن تحقق الظهور مرتبط بمنظومة من السنن الإلهية والعلامات، لا بعامل واحد فقط.
الظهور مرتبط أولًا بالإذن الإلهي
تؤكد النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام أن ظهور الإمام المهدي ليس قرارًا بشريًا، وإنما هو أمر إلهي خالص.
ففي التوقيع الشريف الصادر إلى السفير الرابع، جاء التصريح بأن الغيبة الكبرى قد وقعت، «فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ » (3)، وهو نص يبين أن العامل الحاسم في توقيت الظهور هو الإرادة الإلهية، لا مجرد رغبة الناس أو ازدياد الظلم.
وهذا ينسجم مع السنن الإلهية في بعث الأنبياء وإقامة الحجج؛ فلم يكن أي نبي يباشر رسالته متى شاء، وإنما كان يتحرك بأمر الله تعالى وفي الوقت الذي تقتضيه الحكمة الإلهية.
ومن هنا فإن انتظار المؤمن لظهور الإمام لا يعني استعجال الأمر أو محاولة تحديد زمانه، وإنما يعني التسليم لحكمة الله تعالى، مع الاستعداد الدائم لنصرته.
لماذا اقتضت الحكمة الإلهية استمرار الغيبة؟
بينت الروايات وكلمات العلماء مجموعة من الحكم التي تساعد على فهم جانب من فلسفة الغيبة، وإن بقيت حقيقتها الكاملة من أسرار الله تعالى.
فمن أهم هذه الحكم:
أولًا: الحفاظ على الإمام
تعرض الأئمة عليهم السلام، ولا سيما الإمامان الهادي والعسكري عليهما السلام، لرقابة شديدة من السلطة العباسية، التي كانت تعلم بالروايات المبشرة بقيام المهدي، ولذلك سعت إلى القضاء عليه قبل أن يبدأ مشروعه العالمي.
ولهذا ورد في جواب الإمام الصادق عليه السلام لزرارة عندما سأله عن سبب الغيبة: « إن للقائم غيبة قبل أن يقوم ، قلت: ولِمَ؟ قال : إنّه يخاف ، وأومأ بيده إلى بطنه ، يعني : القتل» (4)، كما صرح الشيخ الطوسي بأن المانع من الظهور هو الخوف على النفس إذا لم تتوفر الظروف المناسبة.
ثانياً: الامتحان والتمحيص
جرت سنة الله تعالى على امتحان عباده وتمحيص إيمانهم، وكانت غيبة الإمام من أعظم ميادين هذا الامتحان، ليميز الله المؤمن الصادق ممن يتزلزل عند طول الغيبة.
عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَ التَّنْوِيهَ أَمَا وَ اللَّهِ لَيَغِيبَنَّ إِمَامُكُمْ سِنِيناً مِنْ دَهْرِكُمْ، وَ لَتُمَحَّصُنَّ حَتَّى يُقَالَ مَاتَ قُتِلَ هَلَكَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ، وَ لَتَدْمَعَنَّ عَلَيْهِ عُيُونُ الْمُؤْمِنِينَ، وَ لَتُكْفَؤُنَ كَمَا تُكْفَأُ السُّفُنُ فِي أَمْوَاجِ الْبَحْرِ، فَلَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُ، وَ كَتَبَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانَ، وَ أَيَّدَهُ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَ لَتُرْفَعَنَّ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً لَا يُدْرَى أَيٌّ مِنْ أَيٍّ. قَالَ: فَبَكَيْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: فَكَيْفَ نَصْنَعُ. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى شَمْسٍ دَاخِلَةٍ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تَرَى هَذِهِ الشَّمْسَ، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَأَمْرُنَا أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ» (5). ولهذا أكدت الروايات أن زمن الغيبة زمن ثبات ويقين، وأن النجاة فيه تكون لمن ثبت على الإيمان والولاية ولم يستسلم للشكوك.
ثالثاً: ألا تكون في عنقه بيعة لظالم
ومن الحكم التي صرحت بها الروايات أن الإمام يغيب حتى لا تكون في عنقه بيعة لأي سلطان جائر، فيظهر يوم ظهوره حرًّا من كل التزام سياسي، ليقيم دولة العدل الإلهي دون أن يكون مرتبطًا بأي نظام من أنظمة الظلم.
رابعاً: الغيبة من أسرار الله
ومهما أدرك الإنسان من الحكم، تبقى الغيبة في جانب منها سرًا من أسرار الله تعالى، كما دلت عليه النصوص، فلا يصح أن يتوهم الإنسان أنه أحاط بجميع عللها وأبعادها.
هل يمكن أن يكون الناس سببًا في تأخر الظهور؟
من أهم ما ينبغي الالتفات إليه أن الروايات لا تحمل المسؤولية دائماً للعوامل الخارجية، بل توجه الأنظار أيضًا إلى مسؤولية الأمة نفسها.
فقد أشار عدد من العلماء إلى أن عدم اكتمال الاستعداد الإيماني والاجتماعي لنصرة الإمام يمثل أحد أسباب استمرار الغيبة، وعبر المحقق نصير الدين الطوسي عن ذلك بكلمته المشهورة: « و وجوده لطف، و تصرّفه لطف آخر، و غيبته منّا » (6)، أي إن وجود الإمام في نفسه لطف إلهي، أما عدم تمكنه من الظهور وممارسة دوره فمرتبط بعدم تهيؤ الناس للقيام بواجباتهم.
وهذا المعنى تؤيده السنن القرآنية التي تربط التغيير بتغيير الإنسان لنفسه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ (7).
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا تأخر الظهور؟ بل: ماذا قدمنا نحن لنكون من الممهدين له؟
مهمة الإمام ليست إصلاح مدينة أو دولة
قد يتصور البعض أن الإمام لو ظهر اليوم لأمكنه معالجة الأزمات التي تعصف ببعض البلدان، لكن الروايات تبين أن مهمة الإمام المهدي عليه السلام أعظم من ذلك بكثير.
إنه صاحب المشروع العالمي لإقامة العدل الشامل، وإتمام الحجة على البشرية، بعد أن تختبر الإنسانية مختلف النظم والأفكار، وتثبت عجزها عن تحقيق العدالة الكاملة.
ولهذا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أن هذا الأمر لا يكون حتى تتولى جميع الاتجاهات زمام الحكم، فلا يبقى أحد يقول: لو أُعطينا الفرصة لأقمنا العدل، ثم يقوم القائم بالحق والعدل، فتقوم الحجة على الجميع. واليك نص الرواية: «مَا يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى لَا يَبْقَى صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَ قَدْ وُلُّوا عَلَى النَّاسِ، حَتَّى لَا يَقُولَ قَائِلٌ إِنَّا لَوْ وُلِّينَا لَعَدَلْنَا، ثُمَّ يَقُومُ الْقَائِمُ بِالْحَقِّ وَ الْعَدْلِ» (8).
فالإمام لا يأتي ليجرب مشروعاً جديداً بين مشاريع البشر، بل ليقيم المشروع الإلهي بعد أن تنتهي الحجج على الإنسانية.
واجبات المؤمن في زمن الغيبة
إذا كان موعد الظهور بيد الله تعالى، فإن وظيفة المؤمن ليست الانشغال بتحديد زمانه، ولا اليأس من تأخره، وإنما العمل على التهيؤ له.
فالانتظار في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليس موقفاً سلبياً، بل هو بناء للنفس، وإصلاح للمجتمع، والالتزام بالدين، والثبات على الولاية، والإكثار من الدعاء بتعجيل الفرج، كما أوصى الإمام المهدي عليه السلام في توقيعه الشريف، مبيناً أن الدعاء بتعجيل الفرج هو فرج للمؤمنين أنفسهم.
الخاتمة
إن السؤال: «لماذا لا يظهر الإمام المهدي رغم انتشار الظلم؟» ينطلق في كثير من الأحيان من تصور غير دقيق لمعنى الظهور وشروطه.
فالروايات لا تجعل كثرة الظلم السبب الوحيد لقيام الإمام، وإنما تبين أن الظهور جزء من مشروع إلهي كبير، تحكمه الحكمة الإلهية، والإذن الرباني، وتحققه مجموعة من السنن والعلامات، إضافة إلى اكتمال الظروف التي تهيئ البشرية لاستقبال دولة العدل العالمية.
ومن هنا، فإن المؤمن لا ينبغي أن يقف عند حدود التساؤل عن موعد الظهور، بل يجعل همه الأكبر أن يكون ممن يستحقون نصرته إذا أذن الله تعالى بقيامه. فالتمهيد الحقيقي يبدأ بإصلاح النفس، وترسيخ الإيمان، والالتزام بمنهج أهل البيت عليهم السلام، حتى إذا أشرق فجر الظهور كان المنتظر قد أعد نفسه ليكون من جنود الحق، لا من المتفرجين على أحداثه.
1. الإحتجاج / أبو منصور الطبرسي / المجلّد : 1 / الصفحة : 88.
2. كمال الدين و تمام النعمة / الشيخ الصدوق / المجلّد : 2 / الصفحة : 650.
3. كمال الدين و تمام النعمة / الشيخ الصدوق / المجلّد : 2 / الصفحة : 516.
4. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 1 / الصفحة : 338 / ط الاسلامية.
5. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 1 / الصفحة : 336 / ط الاسلامية.
6. تجريد الاعتقاد / الخواجة نصير الدين الطوسي / المجلّد : 1 / الصفحه : 221.
7. سورة الرعد : الآية 11.
8. كتاب الغيبة للنعماني / المجلّد : 1 / الصفحة : 274 / النعماني، محمد بن إبراهيم



