الإنسان بطبيعته يغفل عن أشياء لا يشاهدها أو لا يذكرها فترة طويلة من الزمن. حتى الأشياء التي كانت في فترة من الزمن أشياء وأمور مهمة له، حينما يتخطى الشخص، الفترة الزمنية لذلك الأمر، ينساه بالمرة. أو أنّه يمكن أن يلهو الإنسان بأشياء أخرى، وينسي الشيء الذي كان يريده. وهذا ليس بالأمر العجيب؛ فنقرأ في قضية النبي موسى عليه السلام والخضر عليه السلام: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ... قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾(1). 
لكن عندما نلقي نظرة في القضية المهدوية واهتمام الشيعة مدى التاريخ بهذه القضية، نرى أنّ الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف والقضية المهدوية وإقامة دولة العدل، لم تترك مدى التاريخ في أذهان الأمة المسلمة خصوصا الشيعة الموالين لأهل البيت عليهم السلام، ولم يأت عليه غبار النسيان. فبينما شهد التاريخ اندثار الكثير من الحركات والأفكار والشخصيات بمرور الزمن، بقيت عقيدة المهدوية حيّة ومتجددة في نفوس المؤمنين، محافظة على تأثيرها الفكري والتربوي والاجتماعي، ومستمرة في تشكيل جزء مهم من الهوية الدينية والثقافية للأمة. 
فيأتي هذا السؤال المهم إلى الأذهان، وهو: كيف حافظت الأمة المؤمنة على قضية الإمام المهدي عليه السلام عبر القرون الطويلة ورغم الغيبة الكبرى؟

الغيبة لا تعني عدم الوعي

الغيبة تعني عدم الظهور العلني للإمام وعدم تمكّن الناس من الوصول إليه بصورة مباشرة، لكنها لا تعني انتهاء دوره الرسالي أو انعدام حضوره المعنوي والتربوي. فالإنسان المؤمن عندما يعتقد بأنّ إمام زمانه حيّ يرزق، ومطّلع بإذن الله على أحوال الأمة، ويقود المسيرة الإلهية نحو تحقيق الوعد الإلهي، فإنّ هذا الاعتقاد يتحول إلى عنصر فاعل في بناء شخصيته وسلوكه، ويمنحه شعوراً دائماً بالمسؤولية والانتماء إلى المشروع الإلهي الكبير. فقد روي عن أبي خالد الكابلي قال: «سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا﴾(2)، فَقَالَ: يَا أَبَا خَالِدٍ، النُّورُ وَاللَّهِ الْأَئِمَّةُ عليهم السلام. يَا أَبَا خَالِدٍ، لَنُورُ الْإِمَامِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْوَرُ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ بِالنَّهَارِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُنَوِّرُونَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَحْجُبُ اللَّهُ نُورَهُمْ عَمَّنْ يَشَاءُ، فَتُظْلِمُ قُلُوبُهُمْ، وَيَغْشَاهُمْ بِهَا»(3)

تأكيدات أهل البيت عليهم السلام

يمكن لنا أن نقول إنّ أهمّ سبب لعدم نسيان الإمام المهدي عليه السلام والقضية المهدوية مدى التاريخ من الذاكرة الأمة الإسلامية هي التأكيدات الكثيرة مدى التاريخ من المعصومين عليهم السلام حول القضية المهدوية. فحينما نراجع الروايات الشريفة نرى أنّ جميع الأئمة المعصومين من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإمام العسكري عليه السلام تحدثوا حول الإمام المهدي عليه السلام، وبشّروا الناس والمؤمنين بإقامة الحكومة العادلة في الأرض على يديه المباركتين. فإذا لم نقل إنّ هذه القضية هي القضية الوحيدة التي تحدث عنها الأئمة بأجمعهم، لكن قلّما يوجد موضوع تحدث عنها الأئمة المعصومين بأجمعهم.
فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقوم القائم الحق منا، وذلك حين يأذن الله عزوجل له. ومن تبعه نجا، ومن تخلف عنه هلك الله الله عباد الله. فأتوه -ولو على الثلج- فإنّه خليفة الله عزوجل وخليفتي»(4).
وروي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: «للقائم منا غيبة أمدها طويل كأنّي بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى، فلا يجدونه ألا فمن ثبت منهم على دينه لم يقس قلبه لطول أمد غيبة إمامه ،فهو معي في درجتي يوم القيامة»(5).
وصولا إلى الإمام العسكري عليه السلام حيث قال: «كأنّي بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف مني. أمّا إنّ المقر بالأئمة بعد رسول الله المنكر لولدي كمن أقر بجميع أنبياء الله ورسله، ثم أنكر نبوة محمد رسول الله والمنكر لرسول الله كمن أنكر جميع الانبياء؛ لأنّ طاعة آخرنا كطاعة أولنا والمنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا. أمّا إن لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلا من عصمه الله عزوجل»(6).

دور الأدعية في عدم نسيان الإمام المهدي

لا تقتصر وظيفة الأدعية والزيارات في الإسلام على الجانب التعبدي فحسب، بل تؤدي دوراً معرفياً وتربوياً وثقافياً مهماً. جاءت الأدعية والزيارات؛ لتكون جسراً دائماً يربط المؤمن بإمامه الغائب، فلا يشعر بانقطاع العلاقة معه بسبب عدم رؤيته. ومن خلال التكرار المستمر لهذه النصوص بقيت شخصية الإمام وقضيته حاضرتين في الوعي الفردي والجماعي للشيعة على امتداد العصور.
مثل دعاء الندبة الذي يقرء في كل يوم جمعة وفي الأيام الخاصة. فيذكّرنا بالإمام المهدي عليه السلام في كلّ يوم جمعة ويمنعنا من نسيان إمام زماننا في ضخم الأشغال اليومية. ويتميز دعاء الندبة بأنّه يوقظ مشاعر الشوق والحنين إلى الإمام من خلال عباراته المؤثرة التي تعبّر عن ألم الفراق، وتطلع المؤمن إلى اللقاء بإمامه.
ومثل دعاء العهد الذي هو دعاء تجديد البيعة مع الإمام المهدي عليه السلام. الذي يقول الإمام الصادق عليه السلام حوله: «مَن دَعا إلَى اللَّهِ تَعالى‌ أربَعينَ صَباحاً بِهذَا العَهدِ كانَ مِن أنصارِ قائِمِنا عليه السلام، فَإِن ماتَ قَبلَهُ أخرَجَهُ اللَّهُ تَعالى‌ مِن قَبرِهِ، وأَعطاهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ ألفَ حَسَنَةٍ، ومَحا عَنهُ ألفَ سَيِّئَةٍ»(7). فهذا الدعاء يقوم على فكرة تجديد العهد والبيعة للإمام كل يوم، حيث يعلن المؤمن استعداده لنصرة الإمام والانضواء تحت رايته متى أذن الله تعالى بظهوره. ومن خلال هذا التكرار اليومي تتجدد العلاقة بين المؤمن وإمامه بصورة مستمرة، فلا تتحول الغيبة إلى حالة من النسيان.

المجالس الحسينية

إنّ فهم العلاقة بين المجالس الحسينية والإمام المهدي عليه السلام يبدأ من فهم العلاقة بين ثورة الإمام الحسين عليه السلام وحركة الإمام المهدي المنتظر عليه السلام. فالإمام الحسين عليه السلام خرج لإحياء الدين ومواجهة الانحراف والظلم وإقامة العدل والقسط، فضحّى بنفسه وأهل بيته وأصحابه من أجل حفظ الرسالة الإسلامية. أمّا الإمام المهدي فهو الموعود بإكمال مسيرة الإصلاح وإقامة دولة العدل الإلهي التي تتحقق فيها أهداف الأنبياء والأوصياء؛ ولهذا نقرأ في دعاء الندبة: «أَيْنَ الطَّالِبُ بدَمِ المَقْتُولِ بِكَرْبَلاَء»(8)
وقد ساهمت المجالس الحسينية عبر التاريخ في نقل الثقافة المهدوية من جيل إلى جيل. ففي كثير من المجتمعات الشيعية كان المنبر الحسيني وسيلة رئيسة للتعريف بالإمام المهدي وشرح عقيدة الانتظار وفلسفة الغيبة وواجبات المؤمنين في عصر الغيب،. لكن لا يقتصر أثر المجالس الحسينية على الجانب الفكري والثقافي، بل تمتلك بعداً عاطفياً عميقاً يسهم في تعزيز العلاقة بالإمام المهدي. فالمؤمن الذي يعيش مشاعر الحب والولاء للإمام الحسين وأهل البيت عليهم السلام، ينمو في قلبه تلقائياً الحب للإمام المهدي عليه السلام بوصفه الامتداد الشرعي لهذه السلسلة المباركة من الأئمة عليهم السلام.
وفي هذا الخصوص يقول الإمام الصادق عليه السلام لفضيل: «تجلسون وتحدّثون؟ قال: نعم، جعلت فداك. قال: إن تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا»(9)
إنّ بقاء قضية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف حيّة في وجدان الأمة عبر قرون الغيبة الطويلة لم يكن أمراً عفوياً أو نتيجة عامل واحد، بل كان ثمرة منظومة متكاملة من الوسائل العقدية والتربوية والثقافية التي حافظت على حضور الإمام في الوعي الإسلامي، ومنعت أن تتحول الغيبة إلى حالة من النسيان أو الانقطاع.


1) سورة الكهف / الآية: 61 و63.
2) سورة التغابن / الآية: 8.
3) الكافي / لمحمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 1 / الصفحة: 195 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
4) بحار الأنوار / للعلامة المجلسي / المجلد: 51 / الصفحة: 65 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
5) بحار الأنوار / للعلامة المجلسي / المجلد: 51 / الصفحة: 109 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
6) بحار الأنوار / للعلامة المجلسي / المجلد: 51 / الصفحة: 160 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
7) بحار الأنوار / للعلامة المجلسي / المجلد: 53 / الصفحة: 95 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
8) مفاتيح الجنان / للشيخ عباس القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 641 / الطبع: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية – طهران.
9) قرب الإسناد / لأبي العباس الحميري / المجلد: 1 / الصفحة: 36 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة