الصناعات اليدوية للأنبياء عليهم السلام
كثير من الأنبياء عليهم السلام كان عملهم وطريق عيشهم، من الحرف اليدوية وصناعة الأمور المختلفة بأيديهم. وهذا يذكّرنا مدى أهمية هذه الحرف للمجتمع وأيضا عند الله تبارك وتعالى.
العمل اليدوي والإنتاج الحرفي من أقدم الأنشطة التي مارسها الإنسان منذ بداية وجوده على الأرض، وقد أسهمت الصناعات اليدوية في بناء الحضارات وتلبية حاجات المجتمعات وتحقيق الاكتفاء المعيشي للأفراد والأسر. ومن هنا جاء الاهتمام العالمي بهذه المهن والحرف من خلال تخصيص يوم عالمي للصناعات اليدوية، تكريماً لأصحاب المهارات والحرفيين الذين يسهمون بجهودهم وإبداعاتهم في خدمة المجتمع والحفاظ على التراث الإنساني ونقل الخبرات بين الأجيال. وقد سمي يوم العاشر من شهر يونيو، يوم العالمي للصناعات اليدوية لتكريم هذه الحرفة ومعرفة ما يتطلب من المجتمع حيالهم.
إن استحضار النماذج النبوية في اليوم العالمي للصناعات اليدوية يمنح هذه المناسبة بعداً أخلاقياً وتربوياً عميقاً، إذ يؤكد أن العمل المنتج ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو عبادة وقيمة إنسانية ورسالة حضارية. فالأنبياء عليهم السلام أرادوا أن يربطوا بين الإيمان والعمل، وبين العبادة والإنتاج، وأن يرسخوا في المجتمع ثقافة احترام الحرف والمهن وعدم النظر إليها نظرة دونية، لأن شرف الإنسان لا يُقاس بنوع المهنة التي يمارسها، وإنما بإخلاصه وإتقانه وأمانته فيما يعمل.

النبي داوود عليه السلام وصناعة الدروع
من المهن التي اشتهر بها النبي داوود عليه السلام صناعة الدروع، وهي حرفة يدوية دقيقة تتطلب مهارة عالية وخبرة كبيرة، حتى أصبحت مثالاً يُحتذى به في إتقان العمل والإبداع فيه ألا وهي صنع الدروع.
لقد قال الله تعالى في كتابه الحكيم حول النبي داوود عليه السلام: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ (1). وتدل هذه الآية على أن الله سبحانه وتعالى سهّل لداوود التعامل مع الحديد، وألهمه كيفية تشكيله وصناعة الدروع المحكمة التي توفر الحماية للمقاتلين وتخفف عنهم أعباء الحرب.
قال الشيخ الطبرسي رحمة الله عليه حول هذه الآيات: « (وألنا له الحديد) فصار في يده كالشمع، يعمل به ما شاء من غير أن يدخله النار، ولا أن يضربه بالمطرقة، عن قتادة (أن اعمل سابغات) أي: قلنا له اعمل من الحديد دروعا تامات. وإنما ألان الله تعالى الحديد لداود، لأنه أحب أن يأكل من كسب يده، فالآن الحديد له، وعلمه صنعة الدرع، وكان أول من اتخذها، وكان يبيعها ويأكل من ثمنها، ويطعم عياله، ويتصدق منه. وروي عن الصادق عليه السلام قال: إن الله أوحى إلى داود عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: نِعْمَ الْعَبْدُ أَنْتَ إِلَّا أَنَّكَ تَأْكُلُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ! فَبَكَى دَاوُدُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَأَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْحَدِيدَ، وَكَانَ يَعْمَلُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْعًا فَيَبِيعُهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَعَمِلَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ دِرْعًا، فَبَاعَهَا بِثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ أَلْفًا، فَاسْتَغْنَى عَنْ بَيْتِ الْمَالِ. » (2).
ومن اللافت للنظر أن داوود عليه السلام، رغم ما آتاه الله من ملك عظيم وسلطان واسع، لم يعتمد على ما في بيت المال أو على ما يقدمه الناس له، بل كان يأكل من كسب يده. وقد ورد في الأحاديث الشريفة أن داوود عليه السلام كان يعمل بيده ويعيش من نتاج عمله، ليكون نموذجاً عملياً في الاعتماد على النفس وكسب الرزق الحلال. وهذا يبين أن العمل لا ينتقص من مكانة الإنسان مهما علا شأنه، بل يزيده شرفاً وكرامة.

النبي نوح عليه السلام والنجارة
النبي نوح عليه السلام من الأنبياء أولى العظم وهو الذي أمضى قروناً يدعو قومه إلى عبادة الله تعالى وترك عبادة الأصنام، متحملاً في سبيل ذلك صنوف الأذى والسخرية والتكذيب. ومن الجوانب المضيئة في حياة هذا النبي العظيم ارتباطه بأحد أهم الأعمال اليدوية، وهي مهنة النجارة.
لقد أمر الله تعالى نبيه نوحاً عليه السلام بعد أن يئس من إيمان قومه أن يصنع سفينة عظيمة استعداداً للطوفان الذي سيحل بالمكذبين، فقال الله تعالى: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴾ (3). وتحمل هذه الآية دلالة واضحة على أن نوحاً عليه السلام باشر بنفسه عملية بناء السفينة، مستعيناً بما وهبه الله من علم وإرشاد وتوفيق، فكانت النجارة والعمل اليدوي جزءاً من تنفيذ أمر إلهي عظيم وإنجاز مشروع غير مسبوق في زمانه.
وقد روى اسماعيل الجعفي عن الإمام الباقر عليه السلام: « إِنَّ نُوحاً عليه السلام لَمَّا غَرَسَ النَّوَى مَرَّ عَلَيْهِ قَوْمُهُ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيَسْخَرُونَ وَيَقُولُونَ قَدْ قَعَدَ غَرَّاسا.ً حَتَّى إِذَا طَالَ النَّخْلُ وَكَانَ جَبَّاراً طُوَالًا قَطَعَهُ ثُمَّ نَحَتَهُ فَقَالُوا قَدْ قَعَدَ نَجَّاراً. ثُمَّ أَلَّفَهُ فَجَعَلَهُ سَفِينَةً فَمَرُّوا عَلَيْهِ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيَسْخَرُونَ وَيَقُولُونَ قَدْ قَعَدَ مَلَّاحاً فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا » (4).
وتبرز في قصة نوح عليه السلام والنجارة أهمية الجمع بين الإيمان والعمل. فمع أن الله تعالى قادر على إنقاذ نبيه ومن آمن معه بوسائل خارقة، إلا أنه أمره بالعمل والأخذ بالأسباب وبذل الجهد في صناعة السفينة. وهذا يعلّم الإنسان أن التوكل الحقيقي لا يعني ترك العمل، بل يعني الجمع بين الثقة بالله والسعي الجاد لتحقيق الأهداف.

النبي إدريس عليه السلام والخياطة
النبي إدريس عليه السلام من الأنبياء الذين ذكر إسمهم في القرآن الكريم. لكن الكثير من المؤمنين لا يعلمون شيئا حوله عليه السلام. يكفي في بيان علوّ مقامه ما قاله الله تعالى حوله في القرآن: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا. وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾ (5). وقد عُرف إدريس عليه السلام بالحكمة والعلم والعبادة، كما ارتبط اسمه في التراث الإسلامي بإحدى أهم الحرف اليدوية التي عرفها الإنسان، وهي مهنة الخياطة وصناعة الملابس.
فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « مَا فِي الْأَعْمَالِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الزِّرَاعَةِ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا زَرَّاعًا، إِلَّا إِدْرِيسَ فَإِنَّهُ كَانَ خَيَّاطًا. » (6). وأيضا روى عبد الله بن أبان عن الإمام الصادق عليه السلام: « مَسْجِدُ السَّهْلَةِ مَوْضِعُ بَيْتِ إِدْرِيسَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي كَانَ يَخِيطُ فِيهِ. » (7).
إن مهنة الخياطة ليست مجرد عمل يدوي بسيط، بل هي فن يحتاج إلى الدقة والمهارة والصبر وحسن التقدير. فالخياط يختار المواد المناسبة، ويقيس الأبعاد بدقة، ثم يجمع الأجزاء المختلفة في صورة متناسقة تؤدي الغرض المطلوب. ومن الدروس المهمة التي نستفيدها من قصة إدريس عليه السلام والخياطة أن الإسلام يكرم جميع المهن النافعة، مهما بدت بسيطة في نظر بعض الناس. فالخياطة التي قد يراها البعض عملاً عادياً كانت سبباً في توفير الستر والراحة للناس، وهي حاجة أساسية من حاجات الحياة التي امتنّ الله بها على عباده. ولذلك فإن احترام أصحاب الحرف والمهن جزء من الثقافة الإسلامية التي أرساها الأنبياء عليهم السلام.
ومن الجوانب الحضارية المهمة في قصة إدريس عليه السلام أن التقدم الإنساني كثيراً ما يبدأ من تطوير المهارات العملية والصناعات البسيطة. فالخياطة أسهمت في تحسين مستوى المعيشة، وحفظ كرامة الإنسان، وتلبية حاجته إلى اللباس المناسب لمختلف الظروف. ومع مرور الزمن تطورت هذه الحرفة حتى أصبحت صناعة ضخمة توفر فرص العمل لملايين البشر حول العالم، وهو ما يبرز الأثر الكبير للحرف اليدوية في بناء الحضارات.
هذا كان عمل بعض الأنبياء الذين اختارهم الله تعالى لهداية البشرية.
1) سورة سبأ / الآية: 10 و 11.
2) مجمع البيان / الشيخ الطبرسي / المجلد: 8 / الصفحة: 200 / الطبع: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت.
3) سورة المؤمنون / الآية: 27.
4) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 8 / الصفحة: 283 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
5) سورة مريم / الآية: 56 و 57.
6) بحار الأنوار / العلامة محمد باقر المجلسي / المجلد: 103 / الصفحة: 69 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
7) بحار الأنوار / العلامة محمد باقر المجلسي / المجلد: 11 / الصفحة: 284 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.




