دروس ثمينة من دعاء عرفة

دعاءُ عرفة من أعظم النصوص العبادية والمعرفية التي تركها لنا الإمام الحسين بن علي عليه السلام، إذ لم يكن مجرّد كلمات تُتلى في يوم عرفة، بل مدرسةً متكاملةً في التوحيد، والمعرفة، والأخلاق، والتربية الروحية. ففي هذا الدعاء تتجلّى أسمى معاني العبودية والخضوع لله تعالى، وتمتزج حرارة المناجاة بعمق الفكر، لتصنع من الإنسان المؤمن شخصيةً واعيةً لربّها، ولموقعها في هذه الحياة، ولمسؤوليتها تجاه نفسها ومجتمعها.
إنّ المتأمّل في فقرات دعاء عرفة يجد أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد رسم فيه منهجاً متكاملاً لبناء الإنسان المؤمن؛ فهو يبدأ بتعريف الإنسان بنعم الله التي لا تُحصى، ليغرس في النفس روح الشكر والاعتراف بالفضل الإلهي، ثمّ ينتقل إلى بيان ضعف الإنسان وفقره وحاجته المطلقة إلى خالقه، فيتحطّم بذلك غرور النفس وكبرياؤها، ويحلّ محلّهما التواضع والخشوع. كما أنّ الدعاء يكشف عن عمق العلاقة بين المعرفة والعبادة، فكلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله تعالى ازداد حبّاً له وخضوعاً بين يديه، ولذلك جاءت كلمات الإمام الحسين عليه السلام مملوءةً بالتأملات العقائدية والمعاني التوحيدية الرفيعة.
لهذا يمكننا أن نقول إنّ دعاء عرفة دعاءٌ جامعٌ لحياة الإنسان، وفيه دروسٌ كثيرة لكلّ إنسانٍ متأمّلٍ وعاقل. ومن هنا، يجدر بنا أن نتحدّث عن بعض الدروس التي يمكننا أن نتعلّمها من الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة. غير أنّ النكتة الجديرة بالأهميّة هي أنّ الدروس التربوية والمعارف الموجودة في هذا الدعاء كثيرةٌ جدًّا، ولا يمكن الإحاطة بها جميعًا؛ لذلك سنقتصر على ذكر بعض الدروس التربوية الواردة في هذا الدعاء العظيم.

شكر الله على نعمه وآلائه

إنّ من أعظم الحقائق التي يدركها الإنسان في حياته أنّه غارقٌ في نعم الله تعالى وآلائه التي لا تُعدّ ولا تُحصى، فكلّ ما يحيط به من مظاهر الوجود هو أثرٌ من آثار الرحمة الإلهية والفيض الربّاني. فالإنسان يعيش بنعمة الحياة، ويتقلّب في نعم الصحة والأمن والرزق والعقل والهداية، بل إنّ أنفاسه التي تتردّد في صدره هي من أعظم العطايا الإلهية التي يغفل عنها كثير من الناس. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ (1). ليبيّن عجز الإنسان عن الإحاطة بجميع النعم الإلهية، فضلاً عن القدرة على أداء حقّ شكرها. 
وإلى هذا أشار الإمام الحسين عليه السلام في بداية دعاء عرفة حينما يحمد الله سبحانه وتعالى بقوله: « الحَمدُ للَّهِ الَّذي لَيسَ لِقَضائِهِ دافِعٌ، ولا لِعَطائِهِ مانِعٌ، ولا كَصُنعِهِ صُنعُ صانِعٍ، وهُوَ الجَوادُ الواسِعُ، فَطَرَ أجناسَ البَدائِعِ، وأَتقَنَ بِحِكمَتِهِ الصَّنائِعَ، لا يَخفى‌ عَلَيهِ الطَّلائِعُ، ولا تَضيعُ عِندَهُ الوَدائِعُ، أتى‌ بِالكِتابِ الجامِعِ، وبِشَرعِ الإِسلامِ النّورِ السّاطِعِ، وهُوَ لِلخَليقَةِ صانِعٌ، وهُوَ المُستَعانُ عَلَى الفَجائِعِ، جازي كُلِّ صانِعٍ، ورائِشُ كُلِّ قانِعٍ، وراحِمُ كُلِّ ضارِعٍ‌، ومُنزِلُ المَنافِعِ وَالكِتابِ الجامِعِ بِالنّورِ السّاطِعِ، وهُوَ لِلدَّعَواتِ سامِعٌ، ولِلدَّرَجاتِ رافِعٌ، ولِلكُرُباتِ دافِعٌ، ولِلجَبابِرَةِ قامِعٌ، وراحِمُ عَبرَةِ كُلِّ ضارِعٍ، ودافِعُ ضَرعَةِ كُلِّ ضارِعٍ، فَلا إلهَ غَيرُهُ، ولا شَي‌ءَ يَعدِلُهُ، ولَيسَ كَمِثلِهِ شَي‌ءٌ، وهُوَ السَّميعُ البَصيرُ، اللَّطيفُ الخَبيرُ، وهُوَ عَلى‌ كُلِّ شَي‌ءٍ قَديرٌ.... فَلَكَ الْحَمْدُ دآئِماً وَلَكَ الشُّکْرُ واصِباً اَبَداً» (2).
وفي زمن كثرت فيه مظاهر الترف والانشغال بالماديات، أصبح كثير من الناس يعيشون حالة الغفلة عن المنعم الحقيقي، فلا يتذكّرون الله إلا عند الشدائد والمصائب، بينما يغفلون عنه عند الرخاء وسعة العيش. ومن هنا تظهر الحاجة الملحّة إلى إحياء ثقافة الشكر في النفوس، وربط الإنسان بخالقه من خلال التأمل الدائم في النعم الإلهية وآثارها. من السنن الإلهية الثابتة أنّ النعم تدوم بالشكر وتزول بالكفران. فالإنسان الشاكر يعيش حالة البركة والطمأنينة، لأنّه يرى كلّ ما عنده عطيةً إلهية تستحق الحمد. وإلى هذا أشار الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: « مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ اشْكُرْ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ، وَأَنْعِمْ عَلَى مَنْ شَكَرَكَ، فَإِنَّهُ لَا زَوَالَ لِلنَّعْمَاءِ إِذَا شُكِرَتْ، وَلَا بَقَاءَ لَهَا إِذَا كُفِرَتْ الشُّكْرُ زِيَادَةٌ فِي النِّعَمِ وَأَمَانٌ مِنَ الْغِيَرِ » (3).

خشية الله واليقين 

خشية الله تعالى واليقين به من أعظم المقامات الإيمانية التي يسمو بها الإنسان في سيره نحو الكمال الروحي والأخلاقي، فهما أساس صلاح القلب، ومنبع الاستقامة في السلوك والعمل. وإذا كانت العبادة الظاهرية تعبّر عن طاعة الجوارح، فإنّ الخشية واليقين يمثّلان روح الإيمان وحقيقته الباطنية، لأنّهما يرتبطان مباشرةً بمعرفة الله تعالى، واستحضار عظمته، والثقة المطلقة بوعده وحكمته وتدبيره.
فالخشية ليست مجرّد خوف عابر، بل هي حالة قلبية تنشأ من معرفة العبد بعظمة الله وجلاله، وإدراكه لعظيم نعمته وعدله وقدرته، فيمتزج في قلبه الحبّ بالخوف، والرجاء بالتعظيم، فيعيش مراقباً لله تعالى في السرّ والعلن. أمّا اليقين فهو أعلى مراتب الإيمان، إذ يصل الإنسان إلى درجة من الثبات والثقة بالله بحيث لا تزعزعه الشبهات، ولا تهزّه الفتن، بل يبقى مطمئناً إلى وعد الله تعالى، راضياً بقضائه، مؤمناً بحكمته في جميع الأحوال. وإلى هذا قد صرّح الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة حيث قال عليه السلام: « اَللّهُمَّ اجْعَلْني اَخْشاكَ کَانّي أَراكَ وَاَسْعِدْني بِتَقويكَ وَلا تُشْقِني بِمَعْصِيتِكَ وَخِرْلي في قَضآئِكَ وَبارِكْ لي في قَدَرِكَ حَتّي لا احِبَّ تَعْجيلَ ما اَخَّرْتَ وَلا تَاْخيرَ ما عَجَّلْتَ اَللّهُمَّ اجْعَلْ غِناي في نَفْسي وَالْيقينَ في قَلْبي وَالاْخْلاصَ في عَمَلي وَالنُّورَ في بَصَري وَالْبَصيرَةَ في ديني » (4).
وفي زمن كثرت فيه المغريات، واضطربت فيه المفاهيم، وضعفت فيه الصلة بالله تعالى عند كثير من الناس، أصبحت الحاجة ماسّة إلى إحياء معاني الخشية واليقين في النفوس، لأنّهما الحصن الحقيقي الذي يحفظ الإنسان من الانحراف والضياع، ويمنحه القدرة على مواجهة تحديات الحياة بثباتٍ وإيمان.

الأمان من البلايا وكربات الدنيا والآخرة

إنّ الإنسان في هذه الحياة الدنيا معرّضٌ لأنواع البلايا والمحن والكربات، فلا تكاد تخلو حياة أحدٍ من الهموم والشدائد والابتلاءات، لأنّ الدنيا دار امتحان واختبار، وليست دار راحةٍ وخلود. فالمرض، والفقر، والخوف، وفقد الأحبة، وتقلب الأحوال، وضيق المعيشة، وسائر المصائب، كلّها مظاهر يواجهها الإنسان بدرجات متفاوتة طوال مسيرته في الحياة. ثمّ إنّ كربات الآخرة وأهوالها أعظم وأشدّ، حيث يقف الإنسان بين يدي الله تعالى للحساب والجزاء، فيحتاج إلى الأمن والنجاة من عذاب الله وسخطه.
وهذا الأمان من أنواع البلايا والمشاكل المادية والمعنوية لن يتحقق إلا بإرادة الله تعالى والطلب من الله أن يوفقنا للإستدامة في طريقه ويجعلنا آمنين من البلايا والعذاب. وهذا ما يعلّمنا إياه الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة حيث قال: « صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَعِنِّي عَلى بَوائِقِ الدُّهُورِ وَصُرُوفِ اللَّيالِي وَالأيَّامِ وَنَجِّنِي مِنْ أَهْوالِ الدُّنْيا وَكُرُباتِ الآخرةِ وَاكْفِنِي شَرَّ مايَعْمَلُ الظَّالِمُونَ فِي الأَرْضِ ، اللّهُمَّ ما أَخافُ فَاكْفِنِي وَما أَحْذَرُ فَقِنِي وَفِي نَفْسِي وَدِينِي فَاحْرُسْنِي وَفِي سَفَرِي فَاحْفَظْنِي وَفِي أَهْلِي وَمالِي فَاخْلُفْنِي وَفِيما رَزَقْتَنِي فَبارِكْ لِي وَفِي نَفْسِي فَذَلِّلْنِي وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ فَعَظِّمْنِي وَمِنْ شَرِّ الجِنِّ وَالاِنْسِ فَسَلِّمْنِي وَبِذُنُوبِي فَلا تَفْضَحْنِي وَبِسَرِيرَتِي فَلا تُخْزِنِّي وَبِعَمَلِي فَلا تَبْتَلِنِي وَنِعَمَكَ فَلا تَسْلُبْنِي وَإِلى غَيْرِكَ فَلا تَكِلْنِي » (5).

الاستعاثة بالله واللجوء إليه

يعيش الإنسان في هذه الحياة بين حالات الضعف والقوة، واليسر والعسر، والطمأنينة والخوف، وهو مهما بلغ من القدرة والعلم والمال يبقى محتاجاً إلى من يمدّه بالعون والرعاية والهداية. فالإنسان بطبيعته محدود القوة، عاجز عن دفع كثير من الأخطار والشدائد بنفسه، ولذلك فإنّه يبحث دائماً عمّن يلجأ إليه في أوقات الأزمات والمحن. ومن هنا كانت الاستعاثة بالله تعالى واللجوء إليه من أعظم مظاهر العبودية وأصدق معاني الإيمان، لأنّها تعبّر عن اعتراف الإنسان بفقره المطلق إلى خالقه، وإدراكه أنّ الله تعالى هو الملجأ الحقيقي الذي لا يخيب من قصده، ولا يضيع من احتمى بجنابه.
وهكذا نقرء في دعاء عرفة:« وَإِلى غَيْرِكَ فَلا تَكِلْنِي إِلهِي إِلى مَنْ تَكِلُنِي إِلى قَرِيبٍ فَيَقْطَعُنِي أَمْ إِلى بَعِيدٍ فَيَتَجَهَّمُنِي أَمْ إِلى المُسْتَضْعِفِينَ لِي وَأَنْتَ رَبِّي وَمَلِيكُ أَمْرِي؟ أَشْكُو إِلَيْكَ غُرْبَتِي وَبُعْدَ دارِي وَهَوانِي عَلى مَنْ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي ، إِلهِي فَلا تُحْلِلْ عَلَيَّ غَضَبَك فَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَضِبْتَ عَلَيَّ فَلا أُبالِي سُبْحانَكَ غَيْرَ أَنَّ عافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي » (6). 


هذا كان بعضُ الدروس التي يمكننا أن نتعلّمها من دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام.


1) سورة النحل / الآية: 18.
2) مفاتيح الجنان / للشيخ عباس القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 345 / الطبع: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية – طهران.
3) الكافي / للشيخ الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 94 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
4) مفاتيح الجنان / للشيخ عباس القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 348 / الطبع: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية – طهران.
5) مفاتيح الجنان / للشيخ عباس القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 348 / الطبع: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية – طهران.
6) مفاتيح الجنان / للشيخ عباس القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 349 / الطبع: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية – طهران.


 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة