المحبة والصداقة الأبوية سبيل للتربية الدينية


الأب هو الركن الأساسي في توجيه الأبناء نحو منظومة القيم والمعتقدات التي تحكم نظرتهم إلى الحياة والوجود. وهو الذي يراه الطفل ويشاهد ويراقب تصرفاته وأعماله كي يتعلم منها الخصوصيات والأمور الجيدة والسيئة. لكنّ التحوّلات الاجتماعية والثقافية المتسارعة في العصر الحديث، ولا سيما في مرحلة المراهقة، أدّت إلى تراجعٍ ملحوظ في مرجعية الوالدين التربوية، وبرزت بدائل متعدّدة لهذه المرجعية، في مقدّمتها جماعة الأقران ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. وقد أفرز هذا الواقع تساؤلات عميقة حول أسباب ضعف تأثير الأب في أبنائه، وحول الكيفية التي يمكن من خلالها استعادة دوره التربوي، لا سيما في المجال الديني والقيمي. لهذا نرى أنّ المراهق يُولي آراء أصدقائه وزملائه أهمية تفوق آراء والديه، حتى وإن كانت هذه الآراء تفتقر إلى العمق أو الرشد. وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا يفقد الأب ـ رغم مكانته الطبيعية ـ قدرته على التأثير في ابنه المراهق؟ وهل يعود ذلك إلى ضعف في الخطاب التربوي، أم إلى خلل في العلاقة العاطفية بين الأب والابن؟
تشير التجارب التربوية، كما تؤكّدها النصوص الدينية والتحليلات النفسية، إلى أنّ التأثير التربوي لا يتحقّق بالقوة أو الأوامر أو الوعظ المجرد، بل ينبع أساساً من العلاقة العاطفية العميقة التي تربط الابن بوالده. إنّ غياب العلاقة الوجدانية المتينة بين الأب وولده يؤدّي إلى فراغٍ عاطفي يبحث المراهق عن ملئه خارج الأسرة، وغالباً ما يجده في الأصدقاء، فيتحوّل هؤلاء إلى المرجعية الأولى في التفكير والسلوك، بينما ينزلق الأب إلى موقع الصديق الثاني أو الهامشي، بعد أن كان من المفترض أن يكون المرجع الأول والقدوة الأولى. وهذا التحوّل لا يقتصر أثره على الجانب السلوكي فحسب، بل يمتدّ ليشمل البعد الديني، حيث يضعف ارتباط الابن بدين الأسرة وقيمها، نتيجة ضعف ارتباطه العاطفي بالأب الذي يمثّل حامل هذه القيم.


المراهقة والصداقة


المراهقة هي المرحلة الانتقالية بين الطفولة والرشد، وتتميّز بجملة من التحوّلات الجسدية، والانفعالية، والعقلية، والاجتماعية. وتتّسم هذه المرحلة بحساسية مفرطة تجاه العلاقات، ولا سيّما العلاقات ذات الطابع العاطفي، إذ يبحث المراهق عمّن يمنحه القبول، والتقدير، والفهم.
الصداقة في أصلها علاقة تقوم على المودّة، والمشاركة الوجدانية، والتقارب النفسي. غير أنّ مفهوم الصداقة يختلف باختلاف السياق؛ فالصداقة بين الأقران تقوم غالباً على الندية والتشابه، بينما تختلف جذرياً عن العلاقة التربوية بين الأب والابن. وعليه، فإنّ استخدام مصطلح الصداقة في العلاقة بين الأب وابنه يحتاج إلى دقّة مفهومية، إذ لا يُقصد بها إلغاء الفوارق الطبيعية في الموقع والمسؤولية، بل يُراد منها تحقيق القرب العاطفي والتواصل الإنساني الذي يفتح باب التأثير التربوي. فالصداقة التربوية لا تعني التخلّي عن الدور القيادي، بل تعني ممارسة هذا الدور من خلال الحبّ، والاحتواء، والحكمة، لا من خلال القهر أو التسلّط. فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « والله إني لاصانع بعض ولدي واجلسه على فخذي وأنكز له المخ  وأكسر له السكر وإن الحق لغيره من ولدي، ولكن مخالفة عليه منه ومن غيره، لا يصنعوا به ما فعل بيوسف وإخوته وما أنزل الله سورة إلا أمثالا لكن لا يجد بعضنا بعضا كما حسد يوسف إخوته، وبغوا عليه » (1).


مكانة الأب في منظومة التربوية الدينية


يحتلّ الأب في المنظور الإسلامي موقعاً محورياً في البناء التربوي للأسرة، إذ لا يقتصر دوره على توفير الحاجات المادية أو الإشراف الإداري على شؤون البيت، بل يتعدّى ذلك ليشمل المسؤولية المباشرة عن توجيه الأبناء توجيهاً دينياً وأخلاقياً، وصياغة وعيهم القيمي، وتشكيل هويتهم الإيمانية.
وحينما نراجع القرآن الكريم نرى أنّه يأمر جميع الآباء والأزواج بتربية أبنائهم حيث قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (2). وأيضا يحكي عن أنبيائه العظام عليهم السلام بوصفهم آباءاً ويصوّر الله تبارك وتعالى لنا كيفية تصرفهم مع أبنائهم. فقد حكى قول نبي الله ابراهيم ويعقوب عليهما السلام مع أولاده: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ (3). وحكى قول النبي نوح عليه السلام مع إبنه الظال وهو في الأواني الأخيرة من عمره: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ ﴾ (4). وأيضا قصّ علينا مواعيظ لقمان لإبنه بصورة جميلة حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ (5).
وجميع هذه الأمور والمواعظ لا تترسخ في قلب الأولاد إلا إذا كان الأب صديقا مع إبنه ويعتبره الإبن صديقا حميما له.


المحبة الأبوية وتديّن الأبناء


تشير الدراسات التربوية والنفسية إلى أنّ الإنسان يتقبّل القيم والأفكار ممّن يحبّهم ويثق بهم، ويرفضها إذا صدرت عن مصدر يفتقد القرب العاطفي، ولو كان يمتلك السلطة أو الشرعية الشكلية. ومن هذا المنطلق، تُعدّ المحبة الأبوية الشرط الأساس لفاعلية الخطاب الديني داخل الأسرة، إذ تفتح المحبة باب التأثير، بينما يغلقه الإكراه أو الجفاء. وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « أكثروا من قبلة أولادكم، فان لكم بكل قبلة درجة في الجنة مابين كل درجة خمسمائة عام » (6).
لا يتشكّل التديّن لدى الأبناء، ولا سيّما في مرحلة المراهقة، بوصفه منظومة أوامر ونواهٍ مجرّدة، بل بوصفه انعكاساً للعلاقة التي يعيشونها مع الوالد، وبالأخصّ الأب. فالأب الذي يمارس الدين في إطار من الرحمة، والصدق، والتواضع، ويُظهر محبته لأبنائه، يقدّم لهم نموذجاً جاذباً للدين، يجعل الالتزام به أمراً مرغوباً ومعبّراً عن الانتماء. تتشكّل الصورة الذهنية عن الدين لدى الطفل والمراهق من خلال التجربة اليومية، لا من خلال الخطاب النظري فقط. فإذا اقترنت التجربة الدينية بالمحبة، والاحتواء، والعدل، تشكّلت صورة إيجابية عن الدين بوصفه مصدراً للطمأنينة والمعنى. أمّا إذا ارتبط الدين بالقسوة، أو التوبيخ، أو الإهمال العاطفي، فإنّ هذه الصورة تتشوّه، حتى وإن بقيت بعض المظاهر الدينية حاضرة شكلياً. ولهذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « من كان عنده صبي فليتصاب له » (7).


التفاعل المشترك بين الأب والولد


يُقصد بالتفاعل المشترك مجموع الأنشطة التي يشارك فيها الأب ابنه مشاركة فعلية، سواء كانت أنشطة ترفيهية، أو رياضية، أو تعليمية، بما يتيح للطرفين اختبار علاقة قائمة على التعاون والتواصل غير الرسمي. ويتميّز هذا النوع من التفاعل بكونه يخفّف من التوتّر المرتبط بالعلاقة السلطوية التقليدية، ويفتح مجالاً للتقارب دون إلغاء الفوارق التربوية.
المشاركة في نشاط رياضي، أو لعبة فكرية، أو اهتمام تقني، تتيح للأب أن يعبّر عن دعمه واحترامه لقدرات ابنه، وأن يقدّم القيم الدينية والأخلاقية في سياق سلوكي واقعي، بعيداً عن المباشرة التي قد تُفهم على أنّها تدخّل أو وصاية.
يُسهم التفاعل المشترك في إشباع الحاجة العاطفية لدى المراهق، وهي حاجة غالباً ما تُهمَل في التصوّرات التقليدية لدور الأب. فالمراهق، رغم سعيه للاستقلال، يظلّ بحاجة إلى الشعور بالقبول والانتماء، ويجد في الأنشطة المشتركة فرصة للتواصل العاطفي غير المعلَن، الذي لا يفرض عليه الإفصاح أو المواجهة.
لكن في ظلّ هيمنة الوسائط الرقمية وتغيّر أنماط الترفيه، يواجه الأب تحدّياً إضافياً يتمثّل في مواكبة اهتمامات المراهق دون الذوبان فيها أو فقدان الدور التربوي. وهنا، لا يُطلب من الأب أن يُجيد كلّ ما يُجيده الابن، بل أن يُظهر استعداداً صادقاً للمشاركة، وأن يحوّل هذه المشاركة إلى فرصة للتقارب، لا إلى ساحة للصراع أو الإدانة.

هذه جملة من الأمور التي تخطر بالبال حول صداقة الأب مع أولاده. إذا كانت لكم تجربة حول هذا الموضوع، أكتبوا لنا في التعليقات.

 


1) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 74 / الصفحة: 78 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
2) سورة التحريم / الآية: 6.
3) سورة البقرة / الآية: 132.
4) سورة هود / الآية: 42.
5) سورة لقمان / الآية: 13 و 16 إلى 19.
6) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 104 / الصفحة: 92 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة