النساء القابلات والواضعات للحمل في الشريعة الإسلامية


للنساء دورٌ محوريٌّ في حياة الإنسان، وفي مختلف مجالاتها. وقد أولى الإسلامُ المرأةَ مكانةً ساميةً في جميع مراحل حياتها. ومن بين القضايا التي تناولتها الشريعة الإسلامية بعمقٍ ودقّةٍ، قضيةُ القابلاتِ والنساءِ الحواملِ اللاتي يضعن حملهن. بدرجة أنّ الله تعالى حكى في كتابه الشريف حكاية وضع حمل السيدة مريم بنت عمران عليها السلام حيث قال: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا. فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ﴾(1). وأيضا حكى الله تعالى عن حال بعض الأمهات: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ (2).
اليوم الخامس من شهر مايو، هو اليوم العالمي للقابلات. يوم القابلة العالمي أُنشئ خصيصًا لزيادة الوعي العام حول دور القابلات في تحسين صحة الأمهات والأطفال، وأيضًا لتشجيع هذه المهنة. يعود أصل هذا اليوم إلى عام 2011، حين اعتمد الاتحاد الدولي للقابلات هذه المناسبة بهدف رفع مستوى الوعي بأهمية الدور الذي تؤدّيه القابلات. وجاء هذا القرار في فترة كانت فيها معدلات وفيات الأمهات والمواليد مرتفعة في عدد من البلدان، مما جعل الحاجة ماسّة لإبراز قيمة الخدمات التي تقدّمها القابلات ودورهنّ الحيوي في تحسين صحة الأمهات والأطفال.
لذلك قرّرنا أن نكتب لكم عن الروايات المروية عن المعصومين عليهم السلام حول القابلات، وكذلك حول النساء الحوامل؛ إذ إنّ عملَ القابلاتِ يدورُ حولهنّ.


القابلات في روايات المعصومين عليهم السلام


لم تَرِد رواياتٌ خاصة تذكر فضلَ القابلاتِ بالاسم عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام، غير أنّ هناك أحاديث عامّة تتحدث عن عظمةِ خدمةِ المرضى ورعايةِ المحتاجين للعلاج. وهذه الروايات تشمل القابلات أيضًا، لأنهنّ يُعَدَدْنَ من أبرز العاملات في مجال التمريض. فمساندةُ النساء الحوامل عند الوضع، وتسهيلُ عملية الولادة بما تحمله من صعوبات، تُعدّ من أهمّ الوظائف التمريضية وأعظمها أثرًا.فقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « مَن قامَ عَلى مَريضٍ يَوماً ولَيلَةً، بَعَثَهُ اللّه‏ تَعالى مَعَ إبراهيمَ الخَليلِ عليه‏السلام، فَجازَ عَلَى الصِّراطِ كَالبَرقِ اللاّمِعِ » (3). والقابلات يدخلن أيضًا ضمن هذا الإطار؛ إذ يقفن إلى جانب النساء الحوامل ويقدّمن لهنّ الدعم الجسدي والنفسي معًا. وتتجلّى أهمية دورهنّ بشكل أوضح في المناطق المحرومة من الخدمات الطبية الحديثة، حيث تُضطر القابلة إلى التنقّل بين أماكن متعددة
وفي هذا السياق ، يمكننا أيضًا أن نطبق ما ورد في روايةٍ أخرى عن النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على القابلات، حيث قال: « مَنْ سَعیٰ لِمَرِيضٍ فِي حَاجَةٍ قَضَاهَا أوْ لَمْ يقْضِهَا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصارِ: بِأَبي أنتَ واُمّي يا رَسولَ اللّه‏، فَإِن كانَ المَريضُ مِن أهلِ بَيتِه، أوَ لَيسَ ذلِكَ أعظَمَ أجراً إذا سَعى في حاجَةِ أهلِ بَيتِهِ؟ قالَ عليه السلام: نَعَم » (4). فإنّ كثيرًا من القابلات، بل جميعهنّ، يسعين في قضاء حوائج النساء الحوامل.
وهناك رواية وحكاية جميلى حول عمل القابلات والممرضات بشكل عام وهي رواية مرازم بن حكيم. يقول مرازم: « زامَلتُ مُحَمَّدَ بنَ مُصادِفٍ، فَلَمّا دَخَلنَا المَدينَةَ اعتَلَلتُ، فَكانَ يَمضي إلَى المَسجِدِ ويَدَعُني وَحدي، فَشَكَوتُ ذلِكَ إلى مُصادِفٍ، فَأَخبَرَ بِهِ أباعَبدِاللّه عليه السّلام فَأَرسَلَ إلَيهِ: قُعودُكَ عِندَهُ أفضَلُ مِن صَلاتِكَ فِي المَسجِدِ » (5).


أهمية مقام القابلة في الإسلام


إنّ مهنةَ القبالةِ مهمّةٌ جدًّا، والأمرُ الذي يدلّ على أهميّةِ هذه المهنةِ أنّ القابلاتِ اللواتي ساعدنَ أمهاتِ الأئمّةِ على وضعِ الحملِ لم يَكُنَّ من النساءِ العاديّات. فقد روى الإمام الصادق عليه السلام في ولادة السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها: « إن خديجة عليها رضوان الله لما تزوج بها رسول الله هجرتها نسوة مكة ، فكن لا يدخلن عليها ولا يسلمن عليها ولا يتركن امرأة تدخل عليها ، فاستوحشت خديجة من ذلك ، فلما حملت بفاطمة صارت تحدثها في بطنها وتصبرها ... فلم تزل خديجة على ذلك إلى أن حضرت ولادتها ، فوجهت إلى نساء قريش ونساء بني هاشم يجئن ويلين منها ما تلي النساء من النساء ، فأرسلن إليها عصيتينا ولم تقبل قولنا ، وتزوجت محمدا يتيم أبي طالب فقيرا لا مال له ، فلسنا نجئ ولا نلي من أمرك شيئا ، فاغتمت خديجة لذلك ، فبينا هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة طوال كأنهن من نساء بني هاشم ، ففزعت منهن ، فقالت لها إحداهن : لا تحزني يا خديجة ، فإنا رسل ربك إليك ، ونحن أخواتك : أنا سارة ، وهذه آسية بنت مزاحم ، وهي رفيقتك في الجنة ، وهذه مريم بنت عمران ، وهذه صفراء بنت شعيب ، بعثنا الله تعالى إليك لنلي من أمرك ما تلي النساء من النساء ، فجلست واحدة عن يمينها ، والاخرى عن يسارها ، والثالثة من بين يديها ، والرابعة من خلفها ، فوضعت خديجة فاطمة طاهرة مطهرة » (6).
وورد حول ولادة صاحب العصر والزمان إن السيدة حكيمة عليها السلام كانت الشخص الوحيدة المشرفة بالحضور في حين مولد الإمام المهدي عليه السلام (7).


القبالةُ ممدوحةٌ لا مذمومةٌ


هناك رواية تدلّ على منع تزويج من القابلة. فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « لا يتزوج المرأة التي قبلته ولا ابنتها » (8). لهذا يعتقد البعض أن مهنة القبالة من المهن المبغوضة في الشريعة الإسلامية، لكن هذا الاعتقادَ ليس صحيحًا؛ بل إنّ الفهمَ الصحيحَ من هذه الروايات أنّ القابلةَ تُصبحُ للطفلِ الذي جاءت به كالأمّ، وهذا فضلٌ عظيمٌ للقابلاتِ وليس بمنقصةٍ.


ثواب وضع الحمل في الروايات


في سير الكلام عن القابلات وعملية وضع الحمل، من الجميل أن نستعرض بعض الروايات المروية عن المعصومين عليهم السلام حول وضع الحمل وثواب التي تحصل عليه المرأة الحاملة في هذه العملية الخطيرة. 
فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « أن رسول الله صلى‌ الله ‌عليه‌ وآله قال : أيما امرأة دفعت من بيت زوجها شيئا من موضع إلى موضع تريد به صلاحا نظر الله إليها ، ومن نظرالله إليه لم يعذبه ، فقالت أم سلمة : يا رسول الله ـ صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ـ ، ذهب الرجال بكل خير فأي شيء للنساء المساكين؟ فقال عليه‌ السلام : بلى إذا حملت المرأة كانت بمنزلة الصائم القائم المجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، فإذا وضعت كان لها من الاجر ما لا يدري أحد ما هو لعظمه » (9). وأيضا روي عنه عليه السلام: « الْمَرْأَةُ إِذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا لَمْ يَنْشُرْ لَهَا دِيوَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (10).
وهناك رواية طويلة عن الإمام الصادق عليه السلام حول حكاية النبي آدم عليه السلام والسيدة حواء وفيها: « فقالت حواء : أسألك يا رب أن تعطيني كما أعطيت آدم ، فقال الرب تعالى : اني وهبتك الحياء والرحمة والانس ، وكتبت لك من ثواب الاغتسال والولادة ما لو رأيتيه من الثواب الدائم والنعيم المقيم والملك الكبير لقرت عينك ، يا حواء أيما امرأة ماتت في ولادتها حشرتها مع الشهداء، يا حواء أيما امرأة أخذها الطلق إلا كتبت لها أجر شهيد، فان سلمت وولدت غفرت لها ذنوبها، ولو كانت مثل زبد البحر ورمل البر وورق الشجر، وان ماتت صارت شهيدة، وحضرتها الملائكة عند قبض روحها وبشروها بالجنة، وتزف إلى بعلها في الآخرة، وتفضل على الحور العين بسبعين، فقالت حواء: حسبي ما أعطيت » (11).
وهناك رواية عجيبة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حول وضع الحمل: « النفاس خير لهن من عبادة سبعين سنة ، صيام نهارها وقيام ليلها » (12).

 

1) سورة مريم / الآية: 22 و 23.
2) سورة الاحقاف / الآية: 15.
3) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 81 / الصفحة: 225 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
4) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 81 / الصفحة: 217 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
5) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 4 / الصفحة: 545 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
6) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 16 / الصفحة: 80 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
7) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 426 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
8) وسائل الشيعة (للشيخ حرّ العاملي) / المجلد: 20 / الصفحة: 502 / الناشر: مؤسسة آل البيت – قم / الطبعة: 1.
9) وسائل الشيعة (للشيخ حرّ العاملي) / المجلد: 21 / الصفحة: 451 / الناشر: مؤسسة آل البيت – قم / الطبعة: 1.
10) من لا يحضره الفقيه (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 139 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
11) مستدرك الوسائل (المحدث النوري) / المجلد: 15 / الصفحة: 214 / الناشر: مؤسسة آل البيت – قم / الطبعة: 1.
12) مستدرك الوسائل (المحدث النوري) / المجلد: 2 / الصفحة: 50 / الناشر: مؤسسة آل البيت – قم / الطبعة: 1.
 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة