العلاج بالطهي
في نهاية يومٍ مزدحم، قد يبدو طلب الطعام الجاهز أو تناول الطعام في المطعم الخيار الأسرع والأسهل لسدّ الجوع. لكن الأطعمة الجاهزة وأطعمة المطاعم تحتوي على كميات كبيرة من السكر والملح والدهون غير الصحية والسعرات الحرارية، وكلها يمكن أن تؤثر سلبًا في الدماغ والمزاج. فالإفراط في تناولها قد يؤدي إلى الشعور بالتعب وسرعة الانفعال، كما يزيد من أعراض الاكتئاب والتوتر والقلق.
ليس من الغريب الحديث عن فوائد الطهي في المنزل. فكثير من الناس يؤيدون هذا الأمر ويشجعون عليه، لأنه يوفّر في النفقات، ويساعد على تحسين صحتنا، كما يطوّر مهاراتنا في إعداد الطعام.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الفوائد الكثيرة، يرى بعض الأشخاص أن الطهي عملٌ مُرهق. وهذا الرأي مفهوم إلى حدٍّ ما؛ لأن الطهي يتطلّب الذهاب إلى المتجر لشراء المكوّنات، وغسل الأواني المتسخة، وترتيب المطبخ بعد الفوضى، وأحيانًا قد يحترق الطعام أيضًا. لذلك يُعدّ الطهي من الأنشطة التي يحبّها بعض الناس كثيرًا، بينما يكرهها آخرون.
وبغضّ النظر عن الفئة التي تنتمين إليها، فقد أثبتت الدراسات أن الطهي يدعم الصحة النفسية. وإذا بدا لكِ هذا الأمر غريبًا أو غير متوقّع، فننصحكِ بقراءة مقال اليوم حتى نهايته لتتعرّفي إلى أهم فوائد الطهي لنفسكِ.
1. يساعد على اتباع نظام غذائي يعزّز صحة الدماغ
هل تعلمين أن بعض الأطعمة يمكن أن تعزّز قدراتكِ المعرفية ؟ فقد أظهرت دراسة أُجريت عام 2014 وجود علاقة بين ضعف الصحة النفسية واتباع الأنظمة الغذائية غير الصحية. وفي المقابل، فإن الالتزام بنظام غذائي متوازن خالٍ من الأطعمة المُصنَّعة يمكن أن يكون له تأثير إيجابي في الذاكرة، كما يدعم الأداء السليم للناقلات العصبية.
ومن النماذج الغذائية التي تعود بفوائد كبيرة على الصحة النفسية النظام الغذائي المتوسطي. فهذا النظام يركّز على تناول الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والأسماك والدهون الصحية مثل زيت الزيتون، ويُوصي بالتقليل قدر الإمكان من استهلاك اللحوم الحمراء. لذلك فإن إعداد الطعام في المنزل يساعدكِ على التحكم بشكل أفضل في جودة نظامكِ الغذائي، مما ينعكس إيجابًا على صحة الجسد والنفس معًا.
وقد ورد في تراثنا الروائي ما يسلّط الضوء على أثر الغذاء في صحة الإنسان الجسدية والنفسية. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: « المِعدَةُ بَيتُ كُلِّ داءٍ ، والحِميَةُ رَأسُ كُلِّ دَواءٍ » (1). ويبيّن هذا الحديث الشريف أنّ كثيرًا من المشكلات الصحية تنشأ من نمط التغذية غير السليم، وأنّ الاعتدال وحسن اختيار الطعام هما أساس الوقاية والعلاج. وعندما تحرص المرأة على إعداد طعامٍ صحي ومتوازن في بيتها، فإنها لا تحافظ على سلامة الجسد فحسب، بل تضع أساسًا لصفاء الذهن واستقرار النفس، انسجامًا مع التوجيهات النبوية الحكيمة.
2 . يعزّز العلاقات الاجتماعية
كم مرة صادفتِ وصفة طعام ذُكرت مقاديرها لشخص واحد فقط ؟ الحقيقة أن ذلك نادر الحدوث؛ فالغالب أن الطعام يُشارك مع الآخرين، والطهي غالبًا ما يكون فرصة للتواصل مع الناس.
إن الوحدة تُعدّ من أكبر المخاطر التي تهدد صحة الإنسان الجسدية والنفسية؛ إذ يكون الأشخاص الذين يعيشون في عزلة أكثر عرضة للإصابة بمشكلات الصحة النفسية وبالخرف مقارنة بغيرهم. قد يكون الطهي لنفسكِ نشاطًا مهدئًا ومريحًا، لكن عندما تطهين للآخرين فإنه يضيف فائدة أخرى، وهي تقوية ارتباطكِ بالمجتمع من حولكِ.
كما أن الطهي يشكّل مناسبة يمكن من خلالها جمع أفراد العائلة والأصدقاء حول مائدة واحدة. وحتى عندما تتبادلين الحديث مع البائع في متجر المواد الغذائية، فإنكِ بذلك توسّعين دائرة علاقاتكِ الاجتماعية. لذلك، عندما نتحدث عن الطهي نجد أنه يفتح أبوابًا كثيرة للتفاعل والتواصل الاجتماعي.
ويُذكَر في الروايات الشريفة ما يؤكّد العمق الروحي للأعمال اليومية التي نقوم بها داخل بيوتنا. فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: « خدمة العيال فهو كفارة للكباير، و يطفي غضب الرب، ومهور الحور العين، وتزيد في الحسنات والدرجات» (2). ويُشير هذا الحديث إلى أنّ العناية بالأسرة ـ ومنها إعداد الطعام لهم ـ ليست مجرّد مهمة منزلية، بل عملٌ يحمل قيمة عبادية كبيرة، ويمنح المرأة إحساسًا بالمعنى والرضا الداخلي. وهكذا يتكامل البُعد الروحي مع الفوائد النفسية والاجتماعية للطهي، فيتحوّل هذا العمل البسيط إلى مصدر قربٍ من الله تعالى وإشاعة الدفء في الأسرة.
3. يعزّز تقدير الذات
عندما تضعف صحتنا النفسية، تتأثر نظرتنا إلى أنفسنا مباشرة. ويمكن لمهارة الطهي أن تعزّز تقدير الذات بشكل ملحوظ، حتى لو اقتصرت هذه المهارة على إعداد أطباق بسيطة. وتشير الأبحاث إلى أن تقدير الذات والثقة بالنفس يتحسّنان من خلال الطهي، لأن قدرتكِ على صنع شيء ملموس يبعث الفرح في نفسكِ وفي نفوس الآخرين يمنحكِ شعورًا بالإنجاز والسعادة.
4. يقوّي الإبداع
أظهرت دراسة حديثة أنّ إدراج الأنشطة الإبداعية في روتين الحياة اليومية يمكن أن يحسّن المزاج والرفاهية بشكل واضح. وفي دراسة أخرى، اعتُبر الطهي نشاطًا إبداعيًا قادرًا على تعزيز الحالة المزاجية.
وحتى عند اتباع الوصفات، فإن الطهي في المنزل يساعدكِ على تنمية روح الإبداع لديكِ؛ إذ يمكنكِ تعديل المكوّنات بحرية لتجربة نكهات جديدة ورؤية النتائج. وكلما طهوتِ أكثر، ازدادت الطرق التي تكتشفينها لدمج المكوّنات وابتكار أطباق جديدة.
5. يساعد في علاج القلق والاكتئاب
إن فوائد الطهي للصحة النفسية كبيرة إلى حدّ أنّ بعض المعالجين اليوم ينصحون بالالتحاق بدروس الطهي كوسيلة للمساعدة في علاج الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD).
ويرى علماء النفس أن للطهي خاصية علاجية، لأنه يشبه نوعًا من العلاج يُسمّى « التنشيط السلوكي ». ويهدف هذا الأسلوب إلى تشجيع الإنسان على التفاعل بنشاط مع البيئة من حوله، ليصبح للحياة معنى ومتعة أكبر، مما يساعد على تقليل الاكتئاب عبر زيادة الأفعال الهادفة.
يساعد الطهي الأشخاص على التركيز في مهمة واحدة، وهذا يمنحهم شعورًا بالقوة والسيطرة، وهو شعور قد يفتقدونه في تفاصيل حياتهم اليومية خارج المطبخ.
6. شكل من أشكال التأمّل
عندما تطهين، فأنتِ بحاجة إلى التركيز المستمر، وتحضير المكوّنات، وتذوّق الطعام، ومراقبة عملية الطهي. كل ذلك يبعد ذهنكِ عن الأفكار السلبية ويمنعكِ من الانشغال بأمور لا ينبغي التفكير فيها. ولهذا يشبه الطهي نوعًا من التأمّل، لكنه تأمّل ينتهي بنتيجة لذيذة.
إن الطهي في المنزل يُعدّ شكلًا من أشكال العناية بالنفس؛ فهو يعزّز الهدوء، ويقوّي الإبداع، ويحسّن المزاج، وفي الوقت نفسه يتيح لكِ أن تختتمي يومكِ بوجبة صحية وشهية تُهديها لنفسكِ.
كيف نبدأ بالطهي؟
ربما تكونين قد اقتنعتِ، بعد وصولكِ إلى هذا الجزء من المقال، بأن الطهي مفيد جدًّا للصحة النفسية، لكن قد لا يكون لديكِ أي فكرة عن كيفية البدء بهذه التجربة الممتعة والإبداعية. في هذه الحالة يمكنكِ تجربة الاقتراحات التالية:
فكّري في أطعمتكِ المفضّلة. قد تحبين أطباقًا تبدو صعبة التحضير، مثل السوشي. لا بأس بذلك؛ يمكنكِ الاستفادة من هذه الأطباق لاستلهام أفكار لطهي أشياء أخرى قد ترغبين بها. فعلى سبيل المثال، بدلًا من إعداد السوشي، جرّبي شوي السمك في الفرن.
سجّلي في دورة لتعلّم الطهي. فالالتحاق بمثل هذه الدورات يضعكِ بين أشخاص يكتسبون الخبرة ويعزّزون ثقتهم بأنفسهم تمامًا مثلكِ، مما يقلّل شعوركِ بالتوتر. وإذا كان من الصعب عليكِ الذهاب وحدكِ، فاطلبي من إحدى صديقاتكِ أن ترافقكِ.
استعيني بالمقرّبين منكِ. يمكنكِ طلب المساعدة من أحد أفراد العائلة أو من صديقة لتعليمكِ بعض الحيل والأساسيات في الطهي، مما يجعل بداية الطريق أسهل عليكِ. كما أن طلب العون من الآخرين يعزّز تفاعلكِ الاجتماعي، وهو أمر يمنحكِ قدرًا من الطمأنينة عند مواجهة المواقف الصعبة.
الكلمة الأخيرة
أفضل وسيلة لتحسين الصحة النفسية هي أن تحرصي، قدر الإمكان، على إعداد طعامكِ بنفسكِ. ولا يهم كيف تبدئين رحلتكِ مع الطهي؛ الأهمّ ألا تدعي قلّة الثقة بالنفس تُخيفكِ أو تمنعكِ من خوض هذه التجربة النافعة.
إن الطهي في المنزل لا يعني بالضرورة إعداد أطباق صعبة أو اتباع وصفات معقّدة. فأساس النظام الغذائي الصحي هو الاقتراب من الطبيعة، أي اختيار الأطعمة الطازجة والصحية مثل الخضروات بدلًا من الأطعمة المُصنَّعة. لذلك لستِ بحاجة إلى قضاء ساعات طويلة في المطبخ لتطبيق تعليمات معقّدة؛ فهناك العديد من الأطباق البسيطة والمفيدة التي يمكنكِ تحضيرها في وقت قصير.
1. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد : 62 / الصفحة : 290 / ط مؤسسة الوفاء
2. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 101 / الصفحة: 132 / ط دار الاحیاء التراث.

