أعمال الوالدين الطريقة المثلى لتربية الأطفال
السيد حسين الهاشمي
منذ ساعتينتربية الأطفال بشكل صحيح وديني كانت منذ القدم مصدر توتر لجميع الآباء والأمهات الذين يرغبون في أن يكون أطفالهم أولادًا صالحين، ويعيشون حياة طيبة ودينية. فنرى الآباء والأمهات يسعون جاهدين للتعرف على أفضل وأبسط الطرق لتربية الأطفال بطريقة دينية.
وفي ظلّ التوترات الاجتماعية والثقافية والتغييرات التي تشهدها العديد من المجتمعات، خاصة المجتمعات الإسلامية والدينية، تبرز أهمية العثور على الطريق الأمثل والأفضل لتربية الأطفال تربية دينية صحيحة بشكل مضاعف. فالأطفال في جميع المجتمعات عبر التاريخ، وخاصة في عصرنا الحالي، إذا لم يتربوا بشكل صحيح ولم تُرسخ التربية الإسلامية والدينية في ضمائرهم، فمن المحتمل بل من المؤكد أنهم سيتجهون إلى الاعتقادات الفاسدة والمجتمعات والفرق المنحرفة عقائديًا وعمليًا. لذلك، تكتسب أهمية العثور على الطرق الأمثل للتربية الإسلامية والدينية وضوحًا أكبر.
حينما نراجع إلى أنواع طرق التربية الدينية، نرى أنّ التربية من طريق الأعمال والأفعال للوالدين، أهم وأقوى طريقة للتربية الدينية. لهذا قررنا أن نكتب لكم حول التربية الدينية للأطفال عن طريق أفعال الوالدين.
دور عمل الوالدين في الرتبية الدينية
التربية الدينية للأطفال هي جزء أساسي من تكوين الشخصية الإسلامية الصحيحة، وتلعب أعمال وأفعال الوالدين دورًا كبيرًا في هذه العملية. الدين الإسلامي يحث على تعليم الأطفال القيم والمبادئ الإسلامية الصحيحة منذ الصغر. فقد قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (1).
لهذا يأتي دور الآباء في تربية الأطفال. بصورة جدية. وقد أكّد القرآن الكريم على المحافطة ووقاية الأطفال عن الأفعال السيئة التي تنتج الدخول إلى النار حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (2). وأهم الطرق لوقاية الأطفال من عذاب النار هي التربية الدينية الصحيحة الراسخة من خلال أفعال الوالدين. فيجب على الوالدين أن يكونا قدوة حسنة لأبنائهم من خلال التزامهم بتعاليم الدين الإسلامي. عندما يرى الأطفال والديهم ملتزمين بالصلاة والصيام وآداب الإسلام، فإنهم يميلون إلى تقليدهم.
الأطفال يتعلمون من خلال الملاحظة والتقليد. عندما يرون والديهم يقومون بأفعال معينة، فإنهم يميلون إلى تقليدهم. هذا يعني أن سلوك الوالدين له تأثير كبير على سلوك الأطفال. إذا كان الوالدان يتصرفان بشكل إيجابي، فإن الأطفال سيتعلمون هذه السلوكيات وسيطبقونها في حياتهم. وهذا هو السرّ في قول الإمام الصادق عليه السلام: « كونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم، وكونوا زينا ولا تكونوا شينا » (3).
أهمية تربية الأطفال عن طريق أفعال الوالدين
التربية الدينية للأطفال من خلال أفعال الوالدين، ذو أهمية فائقة. فلنراجع بعض الأهميات لهذا النوع من التربية الدينية.
الأول: تعلم السلوكيات الإيجابية
تعلم السلوكيات الإيجابية هو جزء أساسي من تربية الأطفال. عندما يرون الأطفال والديهم يتصرفون بشكل إيجابي، فإنهم يميلون إلى تقليدهم وتعلم هذه السلوكيات. مثل التعاون والمشاركة. عندما يشارك الوالدان في الأنشطة الاجتماعية أو الأعمال المنزلية، فإن الأطفال سيتعلمون قيمة المشاركة والمساهمة.
وكالصدق والأمانة. إذا كان الوالدان صادقين في تعاملاتهم، فإن الأطفال سيتعلمون أهمية الصدق. وعندما يتصرف الوالدان بأمانة في معاملاتهم، فإن الأطفال سيتعلمون قيمة الثقة. لهذا قال الإمام الصادق عليه السلام: «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية» (4).
وكالتحمل والصبر. إذا كان الوالدان يتحملون الضغوط والصعوبات، فإن الأطفال سيتعلمون كيفية التعامل مع التحديات. وعندما يتصرف الوالدان بصبر في مواجهة المشكلات، فإن الأطفال سيتعلمون قيمة الصبر.
الثاني: التأثير على الشخصية
تأثير أفعال الوالدين على شخصية الأطفال هو موضوع مهم في علم النفس وعلم التربية. الأطفال يتعلمون من والديهم ويطورون شخصيتهم بناءً على السلوكيات التي يرونها. يمكننا أن نذكر لكم بعض النقاط الأساسية لهذا التأثير.
بناء الثقة بالنفس: إذا كان الوالدان يشجعان أطفالهم ويدعمانهم، فإن ذلك يساهم في بناء ثقة الأطفال بأنفسهم. وأيضا عندما يعترف الوالدان بإنجازات أطفالهم، فإن ذلك يعزز من شعورهم بالقدرة والكفاءة..
تطوير القيم الإسلامية والأخلاق النبوية: الوالدان يمكنهم تعليم أطفالهم القيم والأخلاق من خلال سلوكهم وأفعالهم. وكذلك من خلال التدريب على السلوكيات الإيجابية، يمكن للوالدين أن يساهموا في تطوير شخصية أطفالهم. وقد روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: « إِذَا وَعَدْتُمُ الصِّبْيَانَ فَفُوا لَهُمْ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّكُمُ الَّذِينَ تَرْزُقُونَهُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَيْسَ يَغْضَبُ لِشَيْءٍ كَغَضَبِهِ لِلنِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ » (5).
التأثير على العواطف: إذا كان الوالدان يتحكمون في عواطفهم بشكل صحيح، فإن الأطفال سيتعلمون كيفية التحكم في عواطفهم. عندما يظهر الوالدان التعاطف مع الآخرين، فإن الأطفال سيتعلمون أهمية التعاطف والرحمة.
الثالث: التفاعل الاجتماعي: التفاعل الاجتماعي للأطفال يتأثر بشكل كبير بأفعال الوالدين وسلوكهم. الأطفال يتعلمون من والديهم كيفية التفاعل مع الآخرين، وكيفية بناء العلاقات الاجتماعية الصحية.
الولدان هم النموذج الأمثل للتفاعل الاجتماعي. فعندما يتواصل الوالدان مع الآخرين بشكل محترم ومتفاهم، فإن الأطفال يتعلمون كيفية التفاعل مع الناس. إذا كان الوالدان يحترمان الآخرين، فإن الأطفال سيتعلمون أهمية الاحترام في التفاعل الاجتماعي.
وأيضا يمكن للوالدين أن يعلّموا أطفالهم القواعد الاجتماعية الحاكمة على المجتمع من خلال أفعالهم. الوالدان يمكنهم تعليم الأطفال قواعد السلوك الاجتماعي، مثل احترام الآخرين وعدم التعدي على حقوقهم من خلال أفعالهم. عندما يوضح الوالدان للأطفال سبب أهمية هذه القواعد، فإنهم يساعدون على تعزيز الفهم.
عمل الوالدين في مقابل الأطفال ليس رياء
يفهم بعض الوالدين أهمية تربية الأطفال من خلال أفعالهم ولاينكروها بل يعتبروها أحد أفضل الطرق للتربية الدينية. لكن يوجد في أذهانهم مانع عن العمل في مقابل أطفالهم. هذا المانع ليس شيئا غير الرياء. فإنهم يتوهمون أنّ أعمال الخير إذا كان في مقابل الأطفال وكان الطفل أو شخص آخر يرى هذا العمل ويتعلمه من الفاعل، فبهذا يصير العمل، ريائيا ولن يتقبل الله هذا العمل. لأنّ الله تعالى قال في كتابه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ (6). وقد روى الإمام الصادق عليه السلام عن جده النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَخْبُثُ فِيهِ سَرَائِرُهُمْ وَ تَحْسُنُ فِيهِ عَلَانِيَتُهُمْ طَمَعاً فِي الدُّنْيَا لَا يُرِيدُونَ بِهِ مَا عِنْدَ رَبِّهِمْ يَكُونُ دِينُهُمْ رِيَاءً» (7).
لكنّ هذا ليس صحيحا. لأنّ الوالد أو الوالدة حينما يصلّي أو يصوم أو يتصدق أو يعمل باقي أعمال الخير في مرأى ومسمع من طفله، فغرضه الأصلي والأساسي هو العمل قربة إلى الله تعالى وتعبدا لله تعالى. وبهذا الهدف والقصد والنية الأساسية، تكون عبادته صحيحة وغير ريائية. لكن يوجد غرض ضمني وفرعي في ذيل الغرض الأساسي، وهو تعلّم الطفل وتربيته. وهذا الغرض الفرعي والضمني لايجعل العمل رياء. وقد سأل عبيد عن الإمام الصادق عليه السلام: «الرجل يدخل في الصلاة فيجود صلاته ويحسنها، رجاء أن يستجر بعض من يراه إلى هواه. قال عليه السلام: ليس هذا من الرياء» (8).
الأعمال التي تُبعد الأطفال عن الدين
هناك بعض الممارسات التي قد تؤدي إلى نفور الأطفال من الدين والتديّن، وتجعل الشريعة الإسلامية في نظرهم منهجًا غير عقلاني. ومن أبرز هذه الممارسات التصرفات المتناقضة؛ فإذا كان الوالدان يتصرفان على نحو يتعارض مع ما يعلّمانه لأطفالهم، فإن ذلك قد يسبب شعور الأطفال بالارتباك ويزرع في نفوسهم عدم الثقة بالدين. كما أن عدم التزام الوالدين بالسلوكيات الدينية قد يدفع الأطفال إلى التشكيك في أهمية الدين وجدواه في الحياة.
ومنها الضغط والإجبار الكثير. الضغط على الأطفال لأداء الأعمال الدينية بدون تفسير أو فهم يمكن أن يجعلهم يشعرون بأن الدين عبء عليهم ويبعدهم عنه. عدم تشجيع ودعم الأطفال في أداء الأعمال الدينية يمكن أن يقلل من حماسهم لمواصلة ذلك. فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ. قَالَ قُلْتُ: كَيْفَ يُعِينُهُ عَلَى بِرِّهِ؟ قَالَ: يَقْبَلُ مَيْسُورَهُ ويَتَجَاوَزُ عَنْ مَعْسُورِهِ وَلَا يُرْهِقُهُ وَلَا يَخْرَقُ بِهِ » (9).
هذه كانت جملة من الأمور المرتبطة بتربية الأطفال عن طريق أفعال الوالدين. أتمنى أنكم استفدتم منها.
1) سورة طه / الآية: 132.
2) سورة التحريم / الآية: 6.
3) وسائل الشيعة (للشيخ حرّ العاملي) / المجلد: 1 / الصفحة: 56 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – بيروت / الطبعة: 2.
4) وسائل الشيعة (للشيخ حرّ العاملي) / المجلد: 1 / الصفحة: 56 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – بيروت / الطبعة: 2.
5) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 6 / الصفحة: 50 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
6) سورة ماعون / الآية: 4 و 5 و 6.
7) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 2 / الصفحة: 296 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
8) وسائل الشيعة (للشيخ حرّ العاملي) / المجلد: 1 / الصفحة: 56 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – بيروت / الطبعة: 2.
9) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 6 / الصفحة: 50 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.








التعلیقات