المرأة جليسة الدار أو فعالة في المجتمع؟
السيد حسين الهاشمي
منذ ساعتينيُحصر دورُ المرأة المسلمة، في نظر بعض الناس، بين كونها في الدار أو كونها في المجتمع. فهناك من يحصر دورها بالكامل في المنزل، ولا يمنحها حقَّ المشاركة في المجتمع والفعاليات الاجتماعية. وفي المقابل، ظهر فكرٌ آخر نشأ من الثقافة الغربية وانتقل إلى الثقافات الإسلامية، ولا سيما في المجتمعات العربية الإسلامية، يقوم على أن دور المرأة مساوق تمامًا لدور الرجل. فكما أن الرجل يخرج إلى المجتمع ويعمل ويشارك في مختلف الفعاليات الاجتماعية والثقافية والسياسية والعلمية وغيرها، يُفترض ـ بحسب هذا التصور ـ أن تترك المرأة بيتها أيضًا، وتخرج إلى المجتمع لتعمل وتكسب الأجور والأموال، وأن تشارك في شتى الفعاليات الاجتماعية والثقافية وغيرها، دون أن تُراعي بيتها وأبناءها بنفسها.
لذلك، من الضروري أن نُحدِّد ما هو دور المرأة الأساسي في حياتها، وما هو دورها الفرعي في المنظور الإسلامي، لكي تتمكّن المرأة المسلمة من مراعاة الأهم فالمهم، وتنظيم أنشطتها المختلفة بحسب درجات الأهمية. ولأجل فهم هذا الأمر فهمًا صحيحًا، لا بدّ من الرجوع إلى المصدرين الأساسيين للتعاليم الإسلامية، وهما القرآن الكريم والروايات الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وعن الأئمة المعصومين عليهم السلام.
ما هو الدور الأساسي للمرأة؟
المرأة تلعب دورًا مهمًا في الأسرة، وخاصة في المجتمع الإسلامي. الأسرة هي وحدة اجتماعية صغيرة، وهي أساس المجتمع. المرأة، كعضو في الأسرة، تلعب دورًا حاسمًا في بناء هذه الوحدة الاجتماعية. فالدور الأساسي والأولي للمرأة هي أسرتها وعائلتها.
يمكن أن يكون دور المرأة في الأسرة متنوعًا. يمكن أن تكون أمًا، زوجة، ابنة، أختًا، وعضوًا في الأسرة. ولكن في جميع هذه الأدوار، هناك نقطة مشتركة واحدة، وهي أن المرأة يجب أن تكون قادرة على استخدام قدراتها ومهاراتها لتحقيق مسؤولياتها على أفضل وجه. لهذا روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله : أيّ شيء خير للمرأة؟ فلم يجبه أحد منا. فذكرت ذلك لفاطمة عليها السّلام، فقالت: ما من شيء خير للمرأة من أن لا ترى رجلاً ولا يراها ، فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وآله، فقال: صدقت إنها بضعة مني » (1).
وتُبيِّن هذه الرواية لنا أن دور المرأة في منزلها وبيتها، ومراعاتها لشؤون عائلتها، هو الدور الأساسي والأصيل للمرأة. فيجب على جميع النساء المسلمات أن يراقبن هذا الموضوع وهو أنّه مادام دورهن في العائلة مراقبة عائلتهن وتربية أولادهن، لم يكمل بصورة جيدة فلايجب عليهن أن يشاركن في باقي الفعاليات إذا كانت تمنعهن من هذا الدور الأساسي والمهم. وفي هذا يقول أميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته المشهورة: « وإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ ـ ولَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا ـ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ ولَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ » (2).
هل المرأة محذوفة من المجتمع؟
بعض الناس يرفضون بشدة فكرة دور المرأة في الأسرة ويقولون: « أنتم تريدون أن تحبسوا المرأة في المنزل، وتقيّدوها وتقيّدو حركتها في المجتمع، وتمنعوها من المشاركة في الحياة العامة والأنشطة. إنّ المرأة لم تخلق للطبخ أو الكنس أو مراعاة الأولاد فحسب. بل خلقت لغرض أعظم وأجلى وهي المشاركة في الفعاليات المختلفة والحركة إلى الأعلى والنمو في المجتمع الثقافي والوصول إلى الثقافات والعلوم المختلفة».
ولكن هذا ليس صحيحًا، فالغرض من الحديث عن دور المرأة في الأسرة ليس هو حبسها أو تقييد حركتها. الإسلام لم يقل هذا أبداً. فعندما يقول القرآن: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (3)، يعني أن المؤمنين والمؤمنات جميعًا شركاء في الحفاظ على النظام الاجتماعي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لم يستثنِ الإسلام المرأة من هذا الدور. ولهذا بالضبط يحكي الله تعالى عن أجر العاملين من الرجال والنساء حيث يقول: ﴿ وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (4).
نحن أيضًا لا يمكن أن نستثني المرأة من هذا الدور. مسؤولية إدارة المجتمع الإسلامي وتقدمه تقع على عاتق الجميع، رجالًا ونساءً، كل واحد حسب قدراته ومهاراته. هذا يعني أن المرأة لها دور مهم في المجتمع، ويمكنها المشاركة في جميع الأنشطة والحياة العامة، ولكن مع الحفاظ على القيم الإسلامية والاجتماعية. نحن لا نريد أن نقيد حركة المرأة أو نحبسها في المنزل، ولكننا نريد أن نعزز دورها في المجتمع بشكل إيجابي وبناء. ولهذا نرى أنّ فاطمة الزهراء سلام الله عليها وهي التي قالت (خير للمرأة أن لا يراها الرجال)، كانت تعلّم الأحكام الشرعية للنساء وكانت تقضي بينهن. فقد روي: « قالت فاطمة عليها السلام وقد اختصم إليها امرأتان، فتنازعتا في شئ من أمر الدين: إحديهما معاندة، والأخرى مؤمنة، ففتحت على المؤمنة حجتها، فاستظهرت على المعاندة، ففرحت فرحا شديدا. فقالت فاطمة عليها السلام: إن فرح الملائكة باستظهارك عليها أشد من فرحك، وإن حزن الشيطان ومردته بحزنها عنك أشد من حزنها » (5).
هل يحقّ للمرأة أن تتخلى عن أسرتها؟
ليس البحث في ما إذا كانت المرأة تستطيع أن تتحمّل مسؤولية خارج إطار البيت أم لا ـ فهي تستطيع ذلك قطعًا، ولا شكّ في هذا، والنظرة الإسلامية لا تنفيه إطلاقًا. وإنما البحث في ما إذا كان يحقّ للمرأة، من أجل كلّ ما قد يُتصوَّر لها خارج محيط الأسرة من أمور مرغوبة وجذّابة وجميلة، أن تُضيّع دورها داخل الأسرة ودور الأمومة ودور الزوجية؟ هل يحقّ لها ذلك أم لا؟ يجب أن نركّز على هذا الدور. في هذا المجال نقول: « إنّ أهمّ دور يمكن للمرأة، مهما بلغ مستواها من العلم والثقافة والمعرفة والبحث والروحانية، أن تؤدّيه، هو الدور الذي تؤدّيه بوصفها أمًّا وبوصفها زوجة. فهذا أهمّ من جميع أعمالها الأخرى. وهذا هو العمل الذي لا يستطيع أحد غير المرأة أن يقوم به. ولنفرض أنّ لهذه المرأة مسؤولية مهمّة أخرى. لكن ينبغي لها أن تعتبر هذه المسؤولية هي مسؤوليتها الأولى والرئيسة. إنّ بقاء النوع البشري ونموّ وازدهار الاستعدادات الكامنة في الإنسان متوقّف على ذلك؛ وحفظ الصحّة النفسية للمجتمع متوقّف على ذلك؛ والسكن والطمأنينة في مواجهة القلق والاضطراب وعدم الاستقرار والتقلّبات متوقّفة على ذلك. لا ينبغي أن ننسى هذا. وليس من الفنّ في شيء أن تقلّد المرأة عملاً رجوليًا؛ كلا، إنّ للمرأة عملاً أنثويًا خاصًا، وقيمته تفوق قيمة أيّ عمل رجولي. لهذا قال أميرالمؤمنين عليه السلام: « جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ » (6).
المرأة شرف وافتخار
اليوم أيادٍ شديدةُ الريبة أو أياد مزوّرة، أطلقت في العالم موجةً مضادّةً للقيم الإسلامية العميقة وهي موجودة في كلّ مكان، وفي المجتمعات العربية الإسلامية أيضًا تُرى للأسف في بعض الزوايا. وهؤلاء يريدون أن يُجبروا المرأة على أن تصبح رجلاً ويعدّون منقصةً في شأن المرأة أن يقوم الرجل ببعض الأعمال ولا تقوم بها المرأة. فهل هذا انتقاص؟ إنّ النظرة إلى هذه المسألة نظرة خاطئة. يعيبون علينا لماذا تقولون: « المرأة امرأة ولها واجباتها، والرجل رجل وله واجباته. لكن إذا تأملتم في خلق الله وتعقلتم بعقولكم بدقة نفهم أن هذا القول، هو القول الصحيح من جانب الشريعة الإسلامية ومن جانب العقلي والعقلائي. أيُّ افتخارٍ للمرأة أن تصبح رجلا وتعمل أعمال الرجال؟ إنّ افتخار المرأة هو أن تكون امرأة؛ امرأةً كاملة، وأنثى كاملة. وإذا نظرنا في مقام تقويم القيم العليا، فإنّ هذه القيمة، أي كون المرأة امرأةً كاملة، ليست دون كون الرجل رجلاً كاملاً، بل هي في بعض الموارد قطعًا أعلى وأسمى. فلماذا نُضيّع هذ القيمة وهذا الدور العظيم لأغراض واهية وتوهمات باطلة؟
فأين أنتم وقول الإمام الصادق عليه السلام: « ما من امرأة تسقي زوجها شربة من ماء إلا كان خيرا لها من عبادة سنة صيام نهارها وقيام ليلها ويبنى الله لها بكل شربة تسقي زوجها مدينة في الجنة وغفر لها ستين خطيئة » (7).
1) مستدرك الوسائل (للمحدث الشيخ حسين النوري) / المجلد: 14 / الصفحة: 289 / الناشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم / الطبعة: 2.
2) نهج البلاغة (للسيد شريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 405 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
3) سورة التوبة / الآية: 71.
4) سورة التوبة / الآية: 72.
5) تفسير الإمام العسكري (منسوب إلى الإمام العسكري) / المجلد: 1 / الصفحة: مدرسة الإمام المهدي – قم / الطبعة: 1.
6) نهج البلاغة (للسيد شريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 494 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
7) وسائل الشيعة (للشيخ حرّ العاملي) / المجلد: 20 / الصفحة: 172 / الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت / الطبعة: 1.







التعلیقات