مشاجرات الوالدين أمام الأطفال: جرحٌ لا يُرى
السيد حسين الهاشمي
منذ 4 ساعاتالأسرة هي الخلية الأساسية في بناء المجتمع، ومصدر الأمان النفسي والعاطفي للأطفال الذين يستقون منها تصوّراتهم الأولى عن العالم والعلاقات الإنسانية. غير أن هذه البيئة، التي يفترض أن تكون حاضنة للطمأنينة، قد تتحول أحيانًا إلى ساحة نزاع وصراعات بين الوالدين، وهو مشهد قد يبدو للكبار عاديًا أو طبيعيًا في ظل ضغوط الحياة. لكنه يحمل آثارًا عميقة وملموسة في نفسية الطفل وسلوكه المستقبلي. فمشاهد الشجار المتكرر، وارتفاع الأصوات، وتبادل الإهانات، أو حتى الخلافات الهادئة، تثير لدى الطفل ارتباكًا داخليًا وشعورًا بالتهديد، إذ لا يمتلك الأدوات التي تمكّنه من فهم سياق الخلاف أو تفسير دوافعه. لذا، يفسر ما يراه غالبًا على أنه خطر مباشر يهدد استقرار عالمه الصغير.
إن عدم تعارك الوالدين أمام الأطفال لا يقتصر فقط على حماية الطفل من الخوف أو الارتباك اللحظي، بل يشمل أيضاً غرس قيم إيجابية في وعيه، مثل ثقافة الحوار الهادئ، واحترام الاختلاف، وإدارة النزاعات بطرق ناضجة. فحين يرى الطفل والديه يتعاملان مع مشكلاتهما بأسلوب حضاري، يتعزز لديه الشعور بأن المنزل مساحة آمنة، كما يتعلم بصورة غير مباشرة كيف يعالج مشكلاته المستقبلية دون اللجوء إلى العنف أو الانفعال. إضافة إلى ذلك، يسهم الابتعاد عن الخلافات العلنية في تعزيز استقرار العلاقة الزوجية نفسها، مما ينعكس إيجاباً على النمو العاطفي والسلوكي للطفل.
ولهذا الأمر، يزداد هذا الموضوع أهمية خصوصا في عصرنا الحالي.
تعريف الصراع الأسري
الصراع الأسري هو حالة من عدم الانسجام أو التوتر بين أفراد الأسرة، تنشأ نتيجة اختلاف في الآراء أو تضارب في المصالح أو سوء في التواصل. وقد يكون هذا الصراع عابراً وبسيطاً، أو متكرراً وعنيفاً، وفقاً لطبيعة العلاقة بين الأفراد وقدرتهم على إدارة الخلافات. ويُعد الصراع جزءاً طبيعياً في أي علاقة إنسانية، لكنه يتحوّل إلى مشكلة حقيقية عندما يتخذ أشكالاً مؤذية، مثل الصراخ، الشتائم، الاتهامات، أو حتى العنف الجسدي أو النفسي.
والصراع الأسري يبرز في ضمن العائلة والأسرة ويهدّد سلامة هذه المجموعة المهمة في المجتمع.
أسباب صراع الوالدين
لفهم جذور وأسباب النزاعات الأسرية لا بد من التعمق في الأسباب التي تقف خلف صراع الوالدين، وهي أسباب متشابكة ومتنوعة، تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسلوكية.
الأول: الضغوط الاقتصادية والمعيشية
المشكلات المادية أحد أبرز الأسباب التي تؤدي إلى توتر الحياة الزوجية. فالضغوط الاقتصادية، مثل تقليل الدخل والبطالة وغلاء الأسعار أو تراكم الديون، تُشعر الفرد بالعجز والتوتر، مما ينعكس على تعامله مع شريك الحياة. وعندما يشعر أحد الزوجين بأنه يتحمل عبئاً كبيراً أو لا يجد تقديراً لجهوده، تتولد النزاعات بسهولة.
الثاني: عدم التواصل بين الزوجين
التواصل الفعّال هو أساس العلاقة الصحية، وعندما يكون هذا التواصل ضعيفاً أو معدوماً، تكثر التأويلات وسوء الفهم. قد يعجز أحد الزوجين عن التعبير عن احتياجاته أو مشاعره بشكل واضح، أو قد يفسر الآخر كلامه بطريقة خاطئة، مما يؤدي إلى شجار يتصاعد سريعاً.
الثالث: اختلاف القيم والتوقعات
يدخل كلٌّ من الزوجين الحياة الزوجية مصحوباً بنمط تربوي وخلفية ثقافية وتجارب سابقة تختلف عن الآخر. هذا الاختلاف قد يظهر في طريقة تربية الأبناء أو أسلوب إدارة المنزل أو توزيع المسؤوليات أو مفهوم الحرية الشخصية أو التوقعات حول الأدوار الزوجية. عندما لا تكون هذه الاختلافات واضحة منذ البداية أو لا تكون محل قبول واحترام، تتحول إلى مصدر دائم للشجار والتوتر.
الرابع: الضغوط النفسية
قد يعاني أحد الزوجين أو كلاهما من ضغوط نفسية مثل القلق والاكتئاب والتوتر الدائم وضعف تقدير الذات. هذه الضغوط تجعل الفرد أكثر حساسية للنقد، وأقل قدرة على التحكم بانفعالاته، مما يزيد احتمالية الشجار. كما أن طبيعة الشخصية تلعب دوراً مهماً؛ فالشخص العصبي أو الانفعالي أكثر عرضة للدخول في صراعات متكررة مقارنة بالشخص الهادئ أو المتفهم.
تأثير نزاع الوالدين على الأطفال
هناك تأثيرات عديدة لنزاع الوالدين على الأطفال.
التأثيرات النفسية
تترك الخلافات الأسرية أثراً عميقاً على نفسية الطفل، خاصة عندما تكون حادة أو متكررة. من أبرز هذه التأثيرات هي القلق والخوف، الحزن والاكتئاب، الشعور بالذنب واضطراب المزاج.
وأيضا النزاع يؤدي إلى عدم الشعور بالأمان. فعندما يرى الطفل والديه يتشاجران، يشعر بأن عالمه الذي يفترض أن يكون الأكثر حماية أصبح مهدداً. ويشعر الطفل بالخوف والارتباك لأنه لا يملك القدرة على فهم أسباب النزاع. وكلما تكررت مشاهد الخلاف، زاد الشعور بالقلق وعدم الاستقرار.
التأثيرات السلوكية
تنعكس مشاهد النزاع أمام الأطفال على سلوكهم اليومي بشكل مباشر، لأن الطفل يتعلم من خلال الملاحظة والمحاكاة. مثل السلوك العدواني. فيلجأ إلى الصراخ أو الضرب عند مواجهة أي خلاف، مقلداً ما يراه في المنزل. ومثل الاعتزال. فيفضلون الجلوس وحدهم أو تجنب التفاعل مع الآخرين. ومثل المشاكل في الانضباط. التوتر الأسري قد يدفع الطفل إلى تحدي القواعد أو رفض الالتزام، تعبيراً عن معاناته الداخلية.
التأثيرات الاجتماعية
يتأثر الطفل اجتماعياً بدرجة كبيرة بسبب الشجار المتكرر بين الوالدين، إذ ينعكس جو المنزل على علاقاته الخارجية. جملة من التأثيرات الاجتماعية هي صعوبة تكوين صداقات والخوف من التواصل مع الآخرين والانسحاب من الأنشطة الاجتماعية وتراجع الثقة بالنفس وتوتر في العلاقات المدرسية.
غالباً ما يفتقد الطفل القادم من بيئة مضطربة إلى مهارات التواصل السليم، لأنه لا يرى نموذجاً إيجابياً داخل المنزل.
التأثيرات الدراسية
تؤدي البيئة الأسرية المتوترة إلى تشوش ذهن الطفل وضعف قدرته على التركيز، مما ينعكس مباشرة على أدائه الدراسي. وتتمثل أبرز مظاهر هذا التأثير في تراجع مستوى التحصيل الدراسي، وصعوبة التركيز، وعدم إكمال الواجبات المدرسية، وضعف الدافعية للتعلم، إضافة إلى ظهور مشكلات سلوكية داخل المدرسة.
الطفل الذي يعيش في خوف دائم يفتقد إلى الاستقرار الضروري للتعلم والاستيعاب.
آثار بعيدة المدى لنزاع الوالدين
الطفل بطبيعته كائن حساس، يلتقط الانفعالات ويخزنها في ذاكرته العاطفية، حتى لو لم يفهم خلفياتها أو تفاصيلها. لذا، فإن فهم الآثار بعيدة المدى لهذه الظاهرة يساعد على إدراك ضرورة حماية الأطفال من أجواء الصراع الأسري.
الاضطرابات النفسية في مرحلة المراهقة والبلوغ
قد يؤدي التعرض المتكرر لصراع الوالدين إلى ظهور مشكلات نفسية حادة عندما يكبر الطفل، أبرزها القلق المزمن. ينشأ القلق من الشعور المستمر بأن العالم غير آمن، وهو إحساس يكتسبه الطفل من منزل يعج بالصراعات. ومع الزمن، يتحول هذا القلق إلى نمط ثابت يصعب التخلص منه. ومثل اضطراب النوم. يتحول الخوف القديم إلى أرق أو كوابيس طويلة الأمد، مما يؤثر على الطاقة والتركيز والصحة العامة.
عدم بناء علاقات عاطفية ناجحة
من أكبر الآثار بعيدة المدى لمشاهدة صراع الوالدين هو تشوه مفهوم العلاقات الزوجية في ذهن الطفل. قد يتجنب الشخص البالغ العلاقات العاطفية خوفاً من تكرار تجربة الصراع التي عاشها. وقد يعتقد الفرد أن الخلاف والحدة جزء طبيعي من العلاقة، فيعيد إنتاج نفس النموذج لصراعات والديه.
التأثير على المسار الأكاديمي والمهني
قد تتراكم آثار الصراع الأسري لتؤثر على مستقبل الطفل المهني. يمتد تشتت الطفولة إلى مراحل لاحقة، فيضعف الأداء الدراسي والجامعي. وأيضا يفضل بعض الشباب تجنب التحديات خوفاً من الفشل، نتيجة انعدام الدعم العاطفي في طفولتهم. قد يواجه صعوبة في التعامل مع النقد، أو في بناء علاقات مهنية مستقرة.
دور الوالدين في حماية الطفل من آثار الخلاف
خطورة الخلافات الأسرية لا تكمن في وجودها بحدّ ذاته، بل في طريقة إدارتها ومدى ظهورها أمام الأطفال. إذ إنّ الطفل كائنٌ شديد الحساسية تجاه التغييرات الانفعالية داخل الأسرة. ومن هنا يتبيّن دور الوالدين في هذا الأمر.
إدارة الحوار بأساليب صحية
من أهم أدوار الوالدين حماية الطفل من الآثار السلبية للصراع عبر اعتماد أساليب حوار راقية عند حدوث أي خلاف. فبدلاً من رفع الصوت، أو استخدام الكلمات الجارحة، أو تبادل الاتهامات، يمكن للوالدين اللجوء إلى الحديث بصوت منخفض وواضح وتجنّب الانفعال اللحظي واحترام الطرف الآخر.
اختيار الوقت والمكان المناسب للنقاش
تجنّب النقاشات أمام الأطفال هو خطوة ضرورية للحد من آثار الخلاف. وذلك يشمل تأجيل الحديث إلى وقت يكون فيه الأطفال نائمين أو خارج المنزل والابتعاد إلى غرفة خاصة إذا كان النقاش ضرورياً وفورياً والحفاظ على استقرار الجو الأسري أمام الأطفال.
تعزيز الروابط العاطفية داخل الأسرة
العلاقة الدافئة بين الوالدين وأطفالهم تعمل كحاجز وقائي ضد أي توتر أسري. ومن أجل ذلك يمكن للوالدين تخصيص وقت يومي للتواصل مع الأطفال وتقديم الدعم العاطفي والسماع لمشكلاتهم والتعبير عن الحب والاهتمام بشكل مستمر.
هذه مجموعة من القضايا المرتبطة بالصراع الأسري من منظور الأطفال وسبل معالجته. نأمل أن تكونوا قد استفدتم منها.







التعلیقات