حين يبلغ الابن سنّ التكليف، لا يكون التحدّي الحقيقي في معرفة الحكم الشرعي فحسب، بل في كيفيّة غرس هذا الحكم في قلبه قبل سلوكه.
فالصيام، بوصفه فريضة إلهيّة عظيمة، قد يتحوّل عند بعض المراهقين إلى عبء ثقيل، لا لأنّه صعب في ذاته، بل لأنّ طريقة تقديمه كانت قاسية أو غير واعية.
هذا المقال موجّه لكلّ أبٍ وأمّ يبحثان عن طريقٍ هادئ، حكيم، ومحبّب، يساعد ابنهما على تقبّل الصيام بوصفه عبادة، لا عقوبة، وقربةً إلى الله لا اختبارًا شاقًّا.

 

مع بلوغ الابن… يبدأ التحدّي الحقيقي

 

عند وصول الابن إلى سنّ التكليف، يواجه الوالدان إحدى القضايا المهمّة، وهي مدى تقبّل الابن لأداء الواجبات الدينيّة والالتزام بها. ويُعدّ الصيام في شهر رمضان من أبرز هذه الفرائض، إلا أنّ بعض المراهقين قد يمتنعون عنه لأسباب مختلفة.
في مثل هذه الحالات، ينبغي على الوالدين اعتماد أسلوب واعٍ وتشجيعي، يساعد الابن على فهم هذه الفريضة الإلهيّة وتقبّلها عن قناعة.

 

حبّ الصيام فطرة عند الأطفال

 

غالبية الأطفال يُقبلون على الصيام بدافعٍ فطري. حتى أولئك الذين لم يبلغوا سنّ التكليف بعد، نراهم يطلبون بحماس من والديهم أن يوقظوهم للسحور ليصوموا مثلهم.
كما أنّ المراهقين الذين يصومون للمرّة الأولى غالبًا ما يعيشون حالة من الحماس والشوق لهذه التجربة الجديدة.

 

حين يكون الرفض أعمق من الظاهر

 

أمّا المراهقون الذين مرّت عدّة سنوات على بلوغهم سنّ التكليف، ومع ذلك يرفضون الصيام، فغالبًا ما تكون وراء هذا الرفض أسباب أعمق.
في هذه الحالة، من الأفضل أن يلجأ الوالدان إلى الاستعانة بمستشار ديني أو أخصائي نفسي، للبحث في أسباب النفور الحقيقيّة، وتشخيص المشكلة تمهيدًا لمعالجتها.

 

كيف نحبّب الصيام إلى المراهق؟

 

إذا كان الابن المراهق غير راغب في الصيام، يمكن للوالدين خلق أجواء محبّبة تشجّعه على ذلك.
يُعدّ التشجيع بالكلمة الطيّبة من أنجح الوسائل، كما أنّ إعداد الأطعمة التي يحبّها للسحور والإفطار يساهم في زيادة دافعيته.
ويمكن للأب أيضًا أن يحوّل إيقاظ الابن للسحور إلى تجربة ممتعة، من خلال المزاح أو اللعب أو المداعبة اللطيفة، ليصبح وقت السحور لحظة دافئة ومحبّبة في ذاكرته.

 

قوّة القصّة في صناعة الدافع

 

قراءة القصص التي تتحدّث عن أشخاص صاموا في ظروف صعبة تُعدّ وسيلة مؤثّرة في التحفيز : ذكريات أطفال اضطرّوا، بسبب مرض أحد الوالدين، إلى إعداد السحور بأنفسهم والصيام وحدهم.
مثل هذه القصص تزرع في الطفل روح التعاطف، وتوقظ فيه دافعًا داخليًا أقوى للصيام.

 

ابني يصوم… لكنه متكاسل عن الصلاة!

 

أحيانًا لا يواجه المراهق مشكلة في الصيام نفسه، لكنه يكون متهاونًا في أداء الصلاة، فيصوم دون أن يلتزم بها.
في هذه الحالة، يكون لأسلوب تعامل الوالدين دور بالغ الأهميّة؛ فاتباع أساليب مثل التوبيخ، أو الإهانة، أو التهديد، أو حرمان الابن من بعض رغباته، قد يؤدّي إلى نتائج عكسيّة ويزيد من نفوره بدل إصلاحه.

 

التربية الدينيّة… فنّ اللطف لا العنف

 

يمكن تشبيه التربية الدينيّة بهبوب ريشةٍ في الهواء؛ فرميُها فجأة لا يُحدِث حركة، أمّا إذا وُجِّهت بلطفٍ ودقّة في المسار الصحيح، فإنّها تحلّق.
وكذلك في تربية الأبناء، على الوالدين أن يعثروا على الطريق الذي يجعل المراهق يُقبل على الصلاة والعبادة بشكل طبيعي، دون ضغط أو إكراه.

 

الرسالة… أسلوب تربويّ هادئ ومؤثّر

 

من الأساليب الفعّالة في هذا المجال كتابة رسالة إلى الابن.
فالنصيحة المباشرة، أو اللوم أمام الآخرين، غالبًا لا تُحقّق النتيجة المرجوّة، بينما الرسائل غير المباشرة، كرسالة مليئة بالمحبّة والاهتمام، يكون أثرها أعمق وأبقى في النفس.

 

القدوة الصالحة تصنع الرغبة في العبادة

 

كما أنّ تعريف المراهق بنماذج دينيّة إيجابيّة يترك أثرًا بالغًا في نفسه؛ مثل اللقاء بأشخاص ذوي روحانيّة عالية، أو زيارة قبور الشهداء، أو قراءة سِيَر شخصيّات ملهمة .
فهذه النماذج تُسهم في تعزيز دافعيته نحو الصلاة والعبادة، وتفتح أمامه آفاقًا جديدة للفهم والاقتداء.

 

ابتعدوا عن الإكراه… فالنتيجة قد تكون عكسيّة


أهمّ ما ينبغي مراعاته في التعامل مع الأبناء هو اجتناب أسلوب الإكراه والتوبيخ.
فاللجوء إلى الطرق التسلّطيّة، أو إثارة الشعور بالذنب، قد يؤدّي إلى نتائج عكسيّة، ويزرع النفور بدل القبول، ويُبعد الابن عن أداء هذه الفريضة بدل أن يُقرّبه منها.

 

دراسة أسباب امتناع الابن عن الصيام

 

قبل الإقدام على أي خطوة، ينبغي على الوالدين البحث في الأسباب الحقيقيّة لامتناع الابن عن الصيام. ومن أبرز هذه الأسباب المحتملة:
الضعف الجسدي أو المشكلات الصحيّة: فبعض المراهقين لم يعتادوا بعدُ بدنيًا على التغيّرات التي يفرضها الصيام.
الخوف من الجوع والعطش: إذ يقلق بعضهم من عدم قدرتهم على تحمّل ساعات طويلة دون طعام أو شراب.
عدم الفهم الصحيح لمعنى الصيام: فقد لا يكون لدى الابن إدراك واضح لفلسفة الصيام وأهميّته الروحيّة والتربويّة.
تأثير الأصدقاء والبيئة الاجتماعيّة: فإذا كان أغلب أصدقائه لا يصومون، فقد يفقد هو أيضًا الحافز والدافع للصيام.

 

غياب القدوة الصالحة داخل الأسرة


إنّ عدم وجود نموذج مناسب داخل الأسرة يُعدّ من العوامل المؤثّرة في امتناع الابن عن الصيام؛ فإذا كان الوالدان لا يصومان بحماس، أو يتحدّثان عن الصيام بوصفه مشقّة وتعبًا، فمن الطبيعي أن يفقد الابن الرغبة في أدائه.

 

أساليب مناسبة لتشجيع الابن على الصيام

 

بعد التعرّف على أسباب امتناع الابن، يمكن للوالدين اعتماد مجموعة من الأساليب التربويّة لتحفيزه على الصيام:

 

الحوار الهادئ والتوعية الواعية

 

ينبغي على الوالدين التحدّث مع الابن في أجواء ودّية وصادقة حول فلسفة الصيام وآثاره الإيجابيّة.
فالصيام ليس مجرّد تكليف إلهي، بل هو فرصة للنموّ الروحي، وتعزيز ضبط النفس، والشعور بمعاناة المحتاجين.
كما أنّ رواية قصص عن صيام أهل البيت عليهم السلام، والشخصيّات الإسلاميّة العظيمة، تسهم في إثارة الدافع الداخلي لدى الابن.

 

البدء التدريجي ومراعاة قدرة الابن

 

إذا لم يكن الابن مهيّأً جسديًا بعدُ للصيام الكامل، يمكن البدء بالصيام التدريجي أو بنصف يوم.
فمثلًا، يمكن اقتراح الصيام إلى الظهر أو العصر في البداية، ثمّ زيادة المدّة تدريجيًا حتّى يعتاد الصيام الكامل وفق قدرته واستعداده.

 

خلق أجواء روحانيّة داخل الأسرة

 

يُعدّ الجوّ الأسري من أهمّ العوامل المؤثّرة في سلوك الأبناء.
فإذا اجتمعت الأسرة على برامج روحيّة، كالدعاء والمناجاة قبل الإفطار، وإعداد موائد إفطار دافئة يسودها الأُنس، والمشاركة الجماعيّة في السحور، فإنّ هذا الجوّ الإيماني يشجّع الابن على الصيام ويقرّبه منه.

 

التشجيع وتعزيز الدوافع الداخليّة

 

يمكن للتشجيع المعنوي، بل وأحيانًا المادّي، أن يُسهم في تعزيز دافعيّة الابن.
فعلى سبيل المثال، يمكن تخصيص هديّة بسيطة تقديرًا لالتزامه بالصيام، أو الثناء عليه بوصفه شخصًا ناضجًا ومسؤولًا، ممّا يعزّز ثقته بنفسه ويُرسّخ السلوك الإيجابي لديه.

 

القدوة العمليّة للوالدين

 

عادةً ما يتّخذ الأبناء سلوك الوالدين قدوةً لهم. فإذا كان الوالدان يصومان بحماس ورضا، ولا يُبالغان في تصوير مشقّة الصيام، فإنّ احتمال إقبال الابن على هذه العبادة بدافعٍ داخلي يكون أكبر.

 

تجنّب الإكراه والتوبيخ

 

أهمّ مبدأ في التعامل مع الأبناء هو الابتعاد عن الإكراه واللوم.
فالأساليب القسريّة، وإثارة الشعور بالذنب، قد تؤدّي إلى نتائج عكسيّة، وتُضعف رغبة الابن في أداء هذه الفريضة بدل تعزيزها.

 

حلول عمليّة لتسهيل الصيام على الابن

 

إلى جانب الأساليب التربويّة، توجد إجراءات عمليّة تساعد المراهق على الصيام بشكل أسهل، منها:
تنظيم ساعات النوم ليلًا بما يضمن له طاقة كافية خلال النهار.
تناول أطعمة مغذّية وشرب كمّيّة كافية من الماء في وقت السحور.
تجنّب الأنشطة الشاقّة والتعرّض المفرط للحرارة.
إعداد برامج ترفيهيّة ومفيدة خلال النهار، لتقليل تركيزه على الجوع والعطش.


خلاصة تربويّة

 

يُعدّ الصيام من أهمّ الواجبات الدينيّة التي تؤدّي دورًا مؤثّرًا في التربية الروحيّة وبناء شخصيّة المراهقين.
غير أنّ تقبّله والالتزام به، ولا سيّما في السنوات الأولى من سنّ التكليف، قد يرافقه بعض التحدّيات. وهنا يأتي دور الوالدين في دعم الابن بالصبر، والتشجيع، وتقديم القدوة الحسنة، وتهيئة أجواء روحانيّة داخل الأسرة.
إنّ اعتماد الأسلوب التوعوي والتدرّج في التربية، مع الابتعاد عن الإكراه والتوبيخ، يُعدّ من أنجح السبل لمرافقة المراهق في طريقه نحو الالتزام بهذه الفريضة المباركة.

 

أسئلة وأجوبة 

 

1.    هل يجب إجبار الابن المراهق على الصيام إذا امتنع عنه؟
الإجبار قد يُنتج صيامًا شكليًا، لكنّه نادرًا ما يصنع إيمانًا حقيقيًا. الأفضل هو فهم سبب الامتناع، ثمّ معالجته بالحوار، والتدرّج، وبناء الدافع الداخلي، مع الحفاظ على مكانة الحكم الشرعي دون تحويله إلى أداة ضغط.

 

2.    كيف أفرّق بين العذر الحقيقي والكسل؟
يُميَّز ذلك من خلال الملاحظة والحوار. فالعذر الصحيّ غالبًا ما يظهر في التعب الواضح أو الشكوى الجسديّة المستمرّة، بينما الكسل يرتبط بنمط حياة غير منظّم أو تأثّر بالبيئة. وفي كلتا الحالتين، يحتاج الابن إلى توجيه لا إلى اتهام.

 

3.    ما دور الأمّ تحديدًا في تشجيع الابن على الصيام؟
تلعب الأمّ دورًا محوريًا من خلال خلق الأجواء العاطفيّة الدافئة، وتنظيم السحور والإفطار، والتشجيع بالكلمة الحنونة، وربط الصيام بالحبّ والاهتمام، لا بالأوامر الجافّة.

 

4.    كيف نُصحّح نظرة الابن إلى الصيام إذا كان يراه مجرّد حرمان؟

يكون ذلك عبر ربط الصيام بمعانيه العميقة: القرب من الله، الإحساس بالفقراء، قوّة الإرادة، والسموّ الروحي. القصص، والتجارب الواقعيّة، والمشاركة الأسريّة، كلّها أدوات فعّالة لتغيير هذه النظرة.
 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة