أزمة الثقة مع الخيانة الإلكترونية
الحياة الزوجية
منذ ساعتينإذا ألقيتِ نظرة على أروقة المحاكم، أو استمعتِ إلى بودكاستات مستشاري الأسرة، ستلاحظين أن جزءًا من طلبات الطلاق أو الخلافات الزوجية يعود إلى الخيانة الإلكترونية بين الزوجين.
على سبيل المثال، كانت امرأة تحكي بيأس كيف أصبح هاتف زوجها سببًا لأرقها. تقول: كنت أراه كل ليلة يدير ظهره لي، ويظل ضوء هاتفه الأزرق يسقط على وجهي بعد وقت طويل من نومي. في البداية كنت أواسي نفسي وأقول: لعلّه يقرأ رسائل العمل أو يشاهد مقاطع مضحكة. لكنني لاحقًا رأيت الرسائل… رموزًا تعبيرية مليئة بالحب، فضفضات منتصف الليل، وحوارات طويلة مع امرأة لم أسمع باسمها من قبل، ولم يلتقِ بها زوجي في العالم الواقعي أصلًا.
كان قلبها يخفق بقوة؛ وكانت تسأل: ما الفرق بين هذا وبين الخيانة الحقيقية؟ نعم، كانت تعيش تجربة «الخيانة الإلكترونية»؛ نوع من الخيانة لا يتضمن بالضرورة تواصلًا جسديًا، لكنه يترك جروحًا في القلب لا تقل عمقًا.
ولدى كثير من الأزواج، لا يقتصر الأذى على الأسرار الرقمية فقط؛ بل يتجاوز ذلك إلى انهيار الرابط العاطفي، حين يستثمر أحد الطرفين حميميته واهتمامه ومشاعره خارج إطار العلاقة الزوجية.
في الواقع، أصبحت الخيانة الإلكترونية واحدة من أكثر التحديات تعقيدًا في العلاقات الحديثة.
ما هي الخيانة الإلكترونية؟
بوجه عام، تحدث الخيانة الإلكترونية عندما يدخل أحد الزوجين، عبر الوسائل الرقمية، في علاقات خفية ذات طابع عاطفي أو رومانسي أو جنسي مع شخص خارج إطار العلاقة الزوجية. وقد يشمل هذا السلوك تبادل الرسائل النصية، والدردشة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومشاهدة الموارد الإباحية، والمكالمات المرئية.
وتتعدد المصطلحات المستخدمة لوصف هذه الظاهرة؛ مثل: الخيانة الرقمية، أو الخيانة السيبرانية، أو الخيانة الإلكترونية، أو الزنا الافتراضي. غير أن التجربة الجوهرية واحدة: انتهاك الثقة، وهو انتهاك يحدث غالبًا عبر بوابة التكنولوجيا، ويمكنه ـ تمامًا كحال الخيانة الجسدية ـ أن يهدم العلاقة الزوجية.
وقبل عصر التكنولوجيا، كانت هذه الأنواع من الخيانة العاطفية تظهر عادةً في صورة علاقات قريبة مع الآخرين تتجاوز حدّها الطبيعي؛ كإقامة علاقة شديدة الخصوصية مع زميل عمل تُشارك معه مشاعر وأفكارًا لا تُشارك عادةً إلا مع الشريك العاطفي، أو اللقاء سرًّا بحبيب قديم، أو إخفاء أجزاء من الحياة عن الشريك الحالي.
وهكذا، فإن كليشيه «الحياة المزدوجة» لا يزال قائمًا، لكن طريقة ظهوره وتجليه في القرن الحادي والعشرين تغيّرت بشكلٍ كامل.
حدودٌ ضبابيّة في العلاقات الرقمية
في زمنٍ لا يفصلنا فيه «الدايركت» على إنستغرام، وتطبيقات التعرّف، وغرف الدردشة الخاصة سوى نقرة واحدة، أصبحت الحدود بين الخيال والخيانة باهتة ومربِكة. فبالنسبة لبعض الناس، تُعدّ الحياة الإلكترونية «غير حقيقية»، وقد تبدو كأنها لعبة بلا مخاطر. لكن بالنسبة لآخرين، حتى الإعجاب ببعض الصور أو إخفاء الرسائل يمكن أن يُعدّ شكلًا من أشكال الخيانة العاطفية.
ويقول مختصّو الصحة النفسية والسلوكية: «لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي عمومًا طريقة تعارفنا وتفاعلنا مع الآخرين». ومع وجود الهواتف الذكية والمنصّات الاجتماعية، أصبح الانخراط في سلوكيات قد تقود إلى الخيانة الإلكترونية أمرًا في غاية السهولة؛ كالإعجاب بصورة علاقة قديمة، أو كتابة تعليق تحتها، أو التفاعل مع قصصها اليومية.
كما تشير ماريزا كوهين (Marisa T. Cohen)، الباحثة في شؤون العلاقات، إلى أن لكل شخص تعريفه الخاص للخيانة؛ بدءًا من إقامة تواصل مع الآخرين، وصولًا إلى قضاء الوقت مع شخص يراه الشريك تهديدًا، حتى لو كانت العلاقة أفلاطونية تمامًا (محبة بلا علاقة جنسية أو ميل جسدي).
جاذبيّة الخيانة الإلكترونية
تتعدّد أسباب الانجذاب إلى الخيانة الإلكترونية بقدر تعقيد التكنولوجيا نفسها. فبعض الأشخاص ينجذبون إليها لأنهم يرونها «أكثر أمانًا» من العلاقات الجسدية. وآخرون يبحثون عن التقدير، أو الإثارة، أو الهروب من الضغوط. بينما تكون هذه السلوكيات لدى فئة أخرى علامة على تجنّب تحديات الحميمية في الواقع.
وما يجمع هذه الدوافع كلّها هو التحايل على الحوار العميق حول العلاقة. فبدل مواجهة عدم الرضا، أو الشعور بالوحدة، أو الصراع، يلجأ أحد الزوجين إلى العالم الافتراضي. ومع مرور الوقت، لا يُنهك هذا الهروب السلامة النفسية للفرد فحسب، بل يُقوّض أيضًا استقرار العلاقة الزوجية نفسها.
نماذج من الخيانة الإلكترونية
يقول الدكتور بيتر كاناريس، المعالِج الزوجي والمتخصّص في الأداء الجنسي: إنّ الحميمية في العلاقة لا تقتصر على العلاقة الجنسية فقط. فالقرب العاطفي، ومشاركة المشاعر الشخصية، والحفاظ على علاقة سرّية ـ من دون أي تواصل جسدي ـ يمكن أن يُدمّر رابطة الثقة في العلاقة الأساسية.
ويؤكّد أن لكل علاقة حدودها الخاصة، لكن هناك نماذج شائعة من الخيانة الإلكترونية قد تشمل ما يلي:
إجراء مكالمات مرئية أو إرسال رسائل ذات طابع جنسي.
إخفاء حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي أو تطبيقات التعرّف.
مشاهدة المحتوى الإباحي.
الانضمام إلى مجموعات أو منتديات خاصة أُنشئت للعلاقات السرّية.
إعطاء الأولوية المستمرة للعلاقات الإلكترونية على حساب الشريك.
إرسال رسائل عاطفية أو جنسية إلى شخص خارج إطار العلاقة.
كتابة تعليقات عاطفية أو جنسية تحت المحتوى الإلكتروني لشخص آخر.
ويتابع هذا المعالِج الزوجي قائلًا: من الطبيعي أن تكون حدود الخيانة الإلكترونية غير واضحة، ولا توجد قاعدة قاطعة في هذا الشأن. لكن العلامة الأساسية التي أعتمد عليها في عملي السريري لتحديد تجاوز الخط هي: هل يتم إخفاء تلك العلاقة الإلكترونية ـ على أي منصة كانت ـ عن الشريك الأساسي أم لا؟
تأثير الخيانة الإلكترونية في الصحة النفسية
لا تقتصر أضرار الخيانة الإلكترونية على العلاقة الزوجية فحسب؛ بل تفرض أيضًا ضغطًا نفسيًا ثقيلًا على الطرفين. فالشريك الذي يتعرّض للخيانة يعاني غالبًا أعراضًا شبيهة بالصدمة النفسية. أمّا الطرف الذي ينخرط في الخيانة الإلكترونية، فإن مشاعر الذنب والعار لديه تتحوّل في الغالب إلى توتّر، أو انسحاب، أو إنكار. وفي نهاية المطاف، قد يقع الطرفان في دائرة من اللوم والدفاع عن النفس؛ دائرة تُدمّر الشعور بالأمان العاطفي داخل العلاقة.
وتشير دراسة نُشرت في مجلة Journal of Sex & Marital Therapy إلى أن الخيانة الإلكترونية تُثير استجابات انفعالية مشابهة لتلك التي تُحدثها الخيانة الجسدية، مثل الغضب، والحزن، والخوف من الهجران. إن الطابع الرقمي لهذا النوع من الخيانة لا يخفّف من حدّة الصدمة، بل غالبًا ما يزيدها تعقيدًا، لأنه يضيف عنصر «الغموض». فعلى عكس الخيانة الجسدية، يمكن للأدلّة الرقمية أن تبقى إلى الأبد؛ لقطات الشاشة، والرسائل، ومقاطع الفيديو… وكل ذلك يجعل تجاوز الأذى أصعب على الشريك المتضرّر.
تفكّك الروابط العاطفية بسبب الخيانة الإلكترونية
تُبنى العلاقات السليمة على الثقة، والحميمية العاطفية، والشعور بـ«نحن». والخيانة الإلكترونية تقوّض هذه الأسس الثلاثة جميعًا. فعندما يوجّه أحد الزوجين طاقته العاطفية أو الجنسية نحو شخص في الفضاء الإلكتروني، تُستنزف المشاعر والاهتمام من العلاقة الأساسية. ويشعر الشريك الآخر بأنه قد تمّ استبداله؛ حتى لو كان هذا «البديل» افتراضيًا فقط.
وهذا التحوّل العاطفي بالغ الخطورة، لأن التفاعلات الإلكترونية قادرة على محاكاة الذروات الدوبامينية (1) نفسها التي يخلقها القرب الواقعي. فالدماغ لا يميّز دائمًا بين إثارة رسالة رقمية وإثارة تواصل جسدي مباشر. ومن هنا، تُحَسّ الخيانة الإلكترونية بوصفها خيانة حقيقية ومهدِّدة للعلاقة بالقدر نفسه.
حماية العلاقة في العالم الرقمي
إن الوقاية من الخيانة الإلكترونية لا تعني المراقبة والتجسّس، بل تعني الحوار. فالأزواج الذين يتمتّعون بعلاقات أكثر استقرارًا في العصر الرقمي غالبًا ما يقومون بما يلي:
يضعون توقّعات واضحة بشأن السلوك والنشاط في الفضاء الإلكتروني.
يتحاورون بانتظام حول مشاعر الثقة ومستوى الحميمية بينهما.
يصنعون لحظات قُرب حقيقية تنافس المشتّتات الرقمية.
وبحسب درجة الارتياح لدى الطرفين، يتشاركون كلمات المرور أو يتّفقون بوضوح على حدود الخصوصية.
ومن المهم إدراك أن الحوارات المفتوحة والمستمرة حول الاستخدام الآمن والمحترم لوسائل التواصل الاجتماعي أكثر فاعلية من فرض قواعد صارمة بين الزوجين؛ فالتكنولوجيا في تغيّر دائم، أمّا القيم المشتركة فهي القادرة على حفظ استقرار العلاقة.
ترميم العلاقة بعد الخيانة الإلكترونية
إن التعافي بعد الخيانة الإلكترونية لا يتحقّق بمجرد حذف التطبيقات أو تغيير كلمات المرور، بل يتطلّب إعادة بناء الثقة؛ وهي عملية تحتاج عادةً إلى وقت، وصدق، وأحيانًا إلى مساعدة متخصّصة.
ويمكن للعلاج الزوجي أن يساعد الطرفين من خلال: إعادة بناء الحميمية، وخلق أنماط جديدة من التواصل والشعور بالأمان، وتوضيح الحدود، وتعريف ما الذي يُعدّ خيانة إلكترونية في نظر كلّ طرف، والتعامل مع المشكلات الجذرية، وفحص الاحتياجات غير المُلبّاة أو مصادر التوتّر في العلاقة، إضافة إلى ترميم التواصل وتعلّم التعبير عن الألم والمعاناة دون تصعيد الخلاف أو الوقوع في صراع.
ومع أن التكنولوجيا حديثة العهد، فإن مشاعر الأذى والخداع قديمة قِدَم العلاقات الإنسانية نفسها. فالتحدّي الحقيقي أمام الأزواج ليس في تصنيف الفعل ـ أكان إلكترونيًا أم واقعيًا ـ بل في مواجهة الضرر الذي أصاب أساس الثقة المشتركة. قد تكون التكنولوجيا قد أعادت رسم حدود العلاقات، لكن حاجة الإنسان العميقة إلى الثقة، والصدق، والأمان العاطفي لم تتغيّر.
1. الدوبامين هرمون السعادة.







التعلیقات