الجواب من الشيخ محمد السند: آزر الذي تذكره سورة الأنعام ومريم وغيرهما من السور لم يكن والداً لإبراهيم عليه السلام ، وإن أطلق عليه في حواره معه « يا أبت » ، والقرينة على ذلك : أوّلاً : كما ذكر العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه في تفسيره : إنّ إبراهيم عليه السلام في آخر دعائه بمكّة قريب أواخر عمره الشريف أيّ بعدما هاجر إلى الأرض المقدّسة ، وولد له الأولاد ، واسكن إسماعيل وهاجر مكّة قال : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) (1) ، مع إنّ إبراهيم لما وعد أباه آزر بالمغفرة أيّ الاستغفار تبرّأ منه بعد ذلك ، لما تبين له أنّه عدوّ لله ، فلا يعود ويستغفر له في آخر عمره ، ممّا يدلّ على أنّ الوالد أخصّ من الأب في الاستعمال ، وهو يغاير آزر. (2) ثانياً : قوله تعالى : ( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (3) ، فاطلق ولد يعقوب على إسماعيل الأبوة مع أنّه عمّهم. وقد ورد في الحديث : « الآباء ثلاثة : أبٌ ولَّدك ، وأبٌ زوَّجك ، وأبٌ علّمك » . (4) الهوامش 1. إبراهيم : 41. 2. راجع : الميزان في تفسير القرآن « للطباطبائي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 155 ـ 169 / الناشر : مؤسسة إسماعيليان / الطبعة : 5. راجع : الميزان في تفسير القرآن « للطباطبائي » / المجلّد : 14 / الصفحة : 57 / الناشر : مؤسسة إسماعيليان / الطبعة : 5. 3. البقرة : 133. 4. الغدير في الكتاب والسنّة والأدب « للأميني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 650 / الناشر : مركز الغدير للدراسات الإسلامية / الطبعة : 1.
الجواب من الشيخ محمد السند: بالنسبة إلى الآية فعمومها عام شامل للأصلاب والأرحام التي انتقلوا فيها ، والتقلب أيّ الانتقال فيها وأنّهم كانوا من الساجدين ، مضافاً إلى ما استفيض في الزيارات والروايات كونهم أنوار في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة لم تنجّسهم الجاهليّة بأنجاسها ، ولم تلبسهم من مدلهمات ثيابها. وأمّا كون أمّهات الأئمّة أمّهات أولاد كنّ في بلاد الشرك ، فلا يستلزم كونهنّ مشركات حين حملهنّ بالأئمّة عليهم السلام ، ولا يخفى أنّ المراد من طهارة الأرحام هو خصوص النساء والأمّهات التي انتقلت نطفهم فيها ، لا آباء الأمّهات.
الجواب من السيّد مرتضى المهري: لم نجد الآية مورداً لاستشهاده عليه السلام في شيء من خطبه في نهج البلاغة ، ولكن خطبه سلام الله عليه لا تنحصر بما في النهج ، وعلى تقدير ورود ذلك في شيء من تلك الموارد ، فهو من باب التنزل والمجاراة مع الخصم ، وإلّا فمن حارب الإمام المنصوب من قبل الله تعالى على لسان نبيّه صلّى الله عليه وآله ، فهو باغٍ خارج عن الدين ، تجب مقاتلته وقتله ، ولا يعد من المسلمين فكيف بالمؤمنين. ثمّ إنّ الآية عامّة تشمل جميع المسلمين ، وللإيمان والإسلام مراتب ؛ فالإسلام بمعنى التسليم الظاهري للمجتمع الإسلامي ، هو أوّل درجة للدخول في الدين الحنيف ، وبه يحقن دمه ، ويعتبر رجلاً كسائر المسلمين ، وهناك إسلام بمعنى خاص يراد به التسليم لأمر الله تعالى . والمؤمن أيضاً ببعض درجاته يشمل كلّ المسلمين ، وهو الظاهر من أكثر الآيات التي ورد فيها هذا التعبير ، وببعض مراتبه لا ينطبق على الجميع ؛ قال تعالى : ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) [ الحجرات : 14 ] . وهناك مراتب عالية منه بعد ذلك . والحاصل : إنّ المراد بالمؤمنين في الآية كلّ المسلمين كما هو ظاهر هذا التعبير في أكثر الآيات المشتملة عليه.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: إنّ الشيعة الإماميّة يذكرون الخمس والزكاة في كتبهم الفقهيّة ورسالاتهم العمليّة على نسق واحد ، فهما واجبان شرعيّان ذكرهما الله سبحانه في كتابه الكريم وقد أكّد على الزكاة كثيراً. ولكنّنا ـ الشيعة الإماميّة ـ تبعاً للرسول الكريم الذي حصر الزكاة في تسعة أصناف : « الذهب ، الفضّة ، الإبل ، البقر ، الغنم ، الحنطة ، الشعير ، التمر ، الزبيب » ، فجعل وجوب الزكاة على هذه الأصناف فقط وجعل الزكاة مستحبّة في غيرها ، لذا فإنّ دائرة وجوب الزكاة ضيّقة عندنا ، لا أنّنا لا نهتمّ ولا نصرّ عليها. نعم ، الخمس دائرته واسعة ، لأنّه في كلّ غنيمة حصل عليها الإنسان من عمله أو حيازته أو تجارته أو غير ذلك. أمّا ابناء السُنّة فليس عندهم الخمس إلّا في غنيمة الحرب خلافاً لإطلاق الآية القرآنيّة : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) [ الأنفال : 41 ] . وعندهم الزكاة في كلّ شيء خلافاً لما روي عن الرسول مستفيضاً ، إنّما جعل رسول الله صلّى الله عليه وآله الزكاة في تسعة أصناف « الحنطة ، الشعير ، التمر ، الزبيب ، الذهب ، الفضّة ، الإبل ، البقر ، الغنم » وعفا عمّا سوى ذلك ، فالزكاة دائرتها واسعة عند أهل السُنّة والخمس دائرته ضيقة عند أهل السُنّة ، خلافاً للقرآن والسُنّة. أمّا عند شيعة الإماميّة فالعكس هو الصحيح ، أنّ الزكاة دائرتها ضيّقة والخمس دائرته واسعة تبعاً للنصّ القرآني وسُنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: أمّا الآية الاولى فهي أحد أدلّة وجوب الخمس في كلّ غنيمة ، أيّ من كلّ ما حصل عليه الإنسان سواء كان من أرباح تجارته أو غنيمة الحرب ، فهي عامة لكلّ ربح حصل عليه الإنسان في سنته وزاد عن المؤنة. أمّا الآية الثانية فهي آمرة بأخذ الزكاة الواجبة على الأصناف التسعة « الحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والبقر والغنم والدينار الذهبي والدرهم الفضّي » ، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قد خصّص الزكاة وهي الصدقة الواجبة بالأصناف التسعة وعفا عمّا سوى ذلك حسب النصوص النبويّة الكثيرة المقيّدة للآية القرآنيّة. إذن الخمس يجب على كلّ الأرباح الزائدة عن مؤنة السنة ، أمّا الزكاة فهي واجبة على الأصناف التسعة فقط بشروط ذكرها الفقهاء مثل كون الذهب والفضّة مجمداً من دون عمل ، وكون الأنعام « الإبل والبقر والغنم » ليست عاملة وترعى من نبات الأرض ، فهي غير داخلة في العمل والصرف عليها من أموال المالك. أمّا الحنطة والشعير والتمر والزبيب فهو إن وصل إلى ما يقارب « 847 » كيلو بالزراعة ففيه الزكاة. إذن ما يجب عليه الخمس غير ما يجب عليه الزكاة فلا نسخ أصلاً. والخمس هو 20 % ، والزكاة في الذهب والفضة 5/2 % ، والزكاة في الغلاّت 10/1 أو نصف العشر ، والزكاة في الأنعام مثلاً كلّ أربعين شاة ، شاة واحدة. وننصحكم بأنّ الحكم الشرعي يُستخرج من الكتاب الكريم والسُنّة النبويّة ، أمّا الاعتماد على الكتاب فقط ـ مع أنّ السنّة النبويّة شارحة للكتاب ومفسّرة له ومخصّصة للكتاب ـ لا يكون صحيحاً دائماً.
من سماحة الشيخ محمّد السند النسخ في الشرائع الإلهية ليس في أصول الدين والمعتقدات بل الأصول الكلية ثابتة ، نعم تزداد المعارف الاعتقادية من شريعة لأخرى ، لا أن يكون هناك حذف ونسخ في الاعتقادات . وأمّا الفروع فأركانها أيضاً ليس فيها نسخ ، وإن تغيرت صورة وأجزاء الفعل من شريعة لأخرى ، فالنسخ يقع في تفاصيل الفروع . هذا من جهة النسخ ، وأمّا من جهة رسالة المسيح عليه السلام فهو وإن كان من اُولي العزم ، إلا أنّ تفسير العزم في الرسل محتمل لعدة معاني : أحدها : أن تكون رسالته عامة كما هو المروي عن أهل البيت عليهم السلام . أو ثانيها : إنّ العزم بمعنى شدة العزيمة على تحمل أعباء الرسالة ، كما روي ذلك أيضاً في عيسى عليه السلام أنّهم عهد اليهم في محمّد والأوصياء من بعده والمهدي وسيرته ، فأجمع عزمهم على الإقرار بذلك . وقد يستظهر ذلك من قوله تعالى : { وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } (آل عمران/49). وعلى أية حال ففي كلمات علماء الطائفة أنّه صلى الله عليه وآله لم يكن متعبّداً بشريعة من قبله ؛ لأنّه لم يكن تابعاً لهم ، بل هم قد أخذ عليهم المواثيق لخاتم الأنبياء كما في قوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران/81). وفي الخطبة القاصعة لأمير المؤمنين ما يوضح ذلك قال عليه السلام يصف النبي صلى الله عليه وآله : « ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل أثر اُمّه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري » . وذيل كلامه ظاهر في ما قبل البعثة والإنذار بدين الإسلام.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: أ ـ ليس أصل تعدّد الزوجات معلّقاً على خوف عدم القسط في اليتامى بل إنّ نكاح النساء غير اليتامى معلق على خوف عدم القسط في نكاح اليتامى ، إذ إنّ الأقوياء من الرجال كانوا يتزوّجون النساء اليتامى طمعاً في أموالهم ، يأكلونها ثمّ لا يعدلون فيهنّ ، وربما يطلقوهن بعد أكل مالهنّ فلا يرغب بهنّ أحد ، وقد نهى القرآن عن هذه الحالة فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) [ النساء : 10 ] . فاشفق المسلمون على أنفسهم وخافوا خوفاً شديداً حتّى أخرجوا اليتامى من ديارهم خوفاً من الإبتلاء بأموالهم والتفريط فيها. وقد سأل المسلمون النبي صلّى الله عليه وآله عن هذه الحالة الحرجة فنزلت آية : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ ... ) [ البقرة : 220 ] ، فأجاز لهم أن يؤوهم ويمسكوهم اصلاحاً لشأنهم ، ويخالطوهم فإنّهم إخوانهم ، ففرّج عنهم. إذا اتّضح ما تقدّم ، فإنّ معنى الآية ـ والله أعلم ـ : اتّقوا أمر اليتامى ولا تبدّلوا خبيث أموالكم بطيب أموالهم ، أي لا تعطوهم مالكم الروئ وتأخذوا مالهم الطيّب ، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتّى إنّكم إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمات ، فانكحوا نساء غيرهن. وأمّا نكاح النساء فهو جائز مثنى وثلاث ورباع سواء كان من اليتيمات مع عدم خوف عدم القسط فيهنّ أو من غيرهنّ مع خوف عدم القسط فيهنّ. ب ـ إنّ آية النساء رقم « 3 » يوجد في ذيلها : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) ، ومعنى ذلك أنّ الخوف من عدم العدل بين الزوجات المتعددات يوجب عدم جواز التعدّد وهذا الأمر صحيح ، لأنّ العدل المراد هنا هو إعطاء حقوق الزوجات من مسكن ولباس وطعام حسب ما فرضه الله للزوجات وهذا أمر ممكن ومقدور عليه ، فإن خاف الزوج من عدم هذا العدل بأن لا يوصل إلى الزوجات ما يلزمهنّ من طعام وكساء ومسكن فلا يجوز له تعدّد الزوجات ، وأمّا إذا تمكّن من ذلك ولم يخف من عدم العدل بهذا المعنى فالتعدّد له جائز. وهذا أمّا يسمّى بالعدل التقريبي العملي الذي لا يوجد فيه ظلم للزوجات ولا تقصير في حقوقهنّ ولا يميل كلّ الميل إلى واحدة ويذر الأخريات معلقات. وأمّا الآية القائلة : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ... ) [ النساء : 129 ] ، فهي بمعنى أنّ العدل الحقيقي بين النساء وهو اتّخاذ حالة الوسط حقيقة ممّا لا يستطاع للإنسان تحقيقه ولو حرص عليه ، فالمنفي هو العدل الحقيقي في هذه الآية ، خصوصاً تعلّق القلب بالنساء ، فإنّه ليس اختياريّاً فلا يتمكّن أن يحبّ الزوجات بحدّ سواء فهو غير قادر على ذلك ، لأنّه ليس اختياريّاً له. أمّا العدل الممكن الذي اُشير إليه في آية رقم « 3 » وهو ممكن فهو العدل التقريبي ، فإذا أعطى الزوجات حقوقهن الشرعيّة من غير تطرّف فهو قد عدل بينهنّ ، فيجوز له أن يتزوّج الثانية والثالثة والرابعة. والخلاصة : إنّ الآية : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ) لا تنفي مطلق العدل حتّى ينتج بانضمامه إلى قوله تعالى : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) إلغاء تعداد الزواج في الإسلام كما قيل ، وذلك لأنّ ذيل الآية يدلّ على أنّ المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي بينما المشرّع لجواز تعدّد الزوجات هو العدل التقريبي : « اعطاء حقوق الزوجات من مسكن وطعام ولباس » ، وهو ممكن ، فلا تنافي بين الآيتين أصلاً ، وذيل الآية هو : ( فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ... ) [ النساء : 129 ] ، فإنّ هذا الذيل جاء بعد : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) مباشرة ، فمعنى الآية هو : 1 ـ إنّ العدل الحقيقي بين الزوجات غير ممكن. 2 ـ الواجب في العدل بين الزوجات هو التقريبي ، أيّ عدم الميل كل الميل الى إحدى الزوجات فيذر الأخرى مثل المعلقة ، لا هي ذات زوج فتستفيد من زوجها ولا هي أرملة ، فتتزوّج وتذهب لشأنها. ج ـ إنّ الله لا يحبّ الظلم ، ولكن معنى الظلم هو التعدّي على حقوق الآخرين أو أموالهم. ولكنّ الله سبحانه وهو الأعلم بمصالح العباد هو الذي قرر أنّ الزوج له حقّ أن يتزوّج بأكثر من زوجة بشرط أن يعطي حقّ الزوجة من المأكل والملبس والمسكن ، والمعاشرة بالمعروف ، والمبيت ليلة من أربع ليال عندها ، وغيرها من حقوق الزوجيّة ، ونفترض أنّ الزوج قد قام بهذه الحقوق كاملة ، ولكنّه يحتاج إلى زوجة ثانية ، يقوم بحقوقها أيضاً ًكاملة ، فلا ظلم ولا تعدّي على حقوق الزوجة الأولى ولا الثانية أصلاً. نعم المرأة الأولى قد لا ترضى بزواج الزوج ثانية ، وقد لا ترضى بزواجه ثانية حتّى إذا كانت هي قد ماتت أيضاً ، إلّا إنّ عدم رضاها ليس هو ميزان ظلمها. خذ إليك هذا المثال : إذا كان زيد الأجنبي لا يرضى بزواج عمرو من هند أو لم ترضَ اُخت عمرو بزواج عمرو من هند ، وقد تزوّج عمرو بهند على كتاب الله وسنّة الرسول فهل يكون هذا الزواج ظلماً لزيد ؟!! أو ظلماً للأخت ؟!! طبعاً لا يكون ظلماً ، لأنّه ليس فيه أيّ تعدّي على زيد أو على الاُخت أصلاً ، فكذلك زواج الزوج بزوجة ثانية إذا كان قد أعطى حقوق الزوجة الاُولى فهو ليس ظالماً لها ، وإن لم ترضَ بهذا الزواج الثاني. د ـ إن حكم الشارع بجواز تعدد الزوجات حكم عام ليس مختصّاً بحالة معيّنة. نعم قد تفرق بعض الحالات التي تستوجب الزواج الثاني للرجل ، مثل الحروب التي تقضى على الرجال وتبقى النساء بحاجة إلى زواج مع قلّة الرجال ، وقد يكون الرجل بحاجة إلى زوجة ثانية لقوّة شهوته الجنسيّة بحيث لا تكفيه الواحدة ، إلّا أنّ هذه الحالات هي بعض حكمة الحكم الشرعي. وأمّا علّة الحكم التي بسببها قد شُرّع الحكم فلا يعرفها إلّا الله الذي شرّع الزواج الثاني والثالث والرابع ، لأنّه هو الذي خلق هذا البشر وهو العالم بما يحتاج إليه هذا البشر من أحكام قد شرّعها له وأوجب عليه تطبيقها. هـ ـ نعم المرأة في حالات معيّنة قد تحتاج إلى أكثر من رجل ، وهذا أمر ممكن بوجود زوجها وأولادها وإخوتها وأبيها وأعمامها وأخوالها فليس احتياج أكثر من رجل معناه لا بديّة أنّها تحتاج إلى أكثر من زوج في وقت واحد. ثمّ إنّ احتياجها إلى الزوج ليس معناه أنّ زوجها إذا تزوّج زوجات أخرى ـ أربعة ـ ، فهو ربع رجل بل حتّى وإن تزوّج زوجات أربع ، فهو رجل كامل يجب عليه تلبية احتياجاتها بالمعروف.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: إنّ هذا السؤال ـ وفروعه ـ ينصب على قضيّة واحدة رئيسية هي لماذا لم يكن للمرأة حقّ طلاق نفسها من الرجل إذا تزوّج الرجل بامرأة ثانية ؟ و إنّ الإسلام جعل الطلاق بيد الرجل فله الحقّ أن يتخلّص من زوجته ، سواء كانت صالحة أم لا ، ولكن الإسلام جعل للمرأة الحقّ في طلاق نفسها من زوجها في موارد متعددة : 1 ـ إذا اشترطت هي أن تكون وكيلة عن الزوج ـ بحيث لا يتمكّن الزوج من اسقاط هذه الوكالة ـ في طلاق نفسها في موارد محدّدة كسجنه خمسة سنين أو أكثر ، أو في صورة إدمانه على المخدّرات أو شرب الخمر ، أو في حالة زواجه من امرأة ثانية ، أو في حالة سوء أخلاقه. كما يجوز للمرأة أن تجعل نفسها وكيلة في طلاقها من زوجها متى أرادت في تكون الزوج وكيلة في هذا العمل إن اشترطت ذلك في عقد الزواج فتتمكّن المرأة من الإنفصال ، ولكن بهذا الشرط في ضمن العقد. 2 ـ إن لم تشترط المرأة ذلك في متن العقد فتتمكّن أن تبذل للزوج مقداراً من المال ـ إن كرهت الإقامة معه ـ على أن يطلقها ، فإنّ وافق الزوج يتمكّن أن يطلقها ويأخذ المال المبذول. 3 ـ إن كرهت الزوجة الزوج ولم يوافق على أخذ المال من أجل الطلاق إلا أنّ حياة الزوجة أصبحت عذاباً بسبب سوء معاملة الزوج معها بحيث لا تتمكّن من الحياة مع زوجها لسوء المعاملة ، فإنّ السيد السيستاني حفظه الله تعالى يقول بأنّ : الولي له الحقّ في طلاق هذه المرأة. وأمّا إذا كان الزوج باذلاً المؤنة لزوجته ، ولم يقصّر في حقّها من الناحية الشرعيّة ولم تشترط المرأة أن تكون وكيلة في طلاق نفسها عند زواجه ثانية ، وقد تزوّج ثانياً ، فلا يحقّ للمرأة أن تطلق نفسها في هذه الحالة. أقول لصاحب السؤال : لماذا لم تحتاطوا من أوّل الأمر في اختيار الزوج الصالح لبناتكم ؟ ثمّ لمإذا لم تشترطوا أن تكون الزوجة وكيلة في طلاق نفسها في حالات خاصّة أو مطلقاً من أجل تحسب أن تحتاج المرأة إلى الإنفصال ؟ فهذه تقصيراتكم ، ثمّ تجعلون اللوم على الشرع المقدّس ، فإنّ الشارع المقدّس والفقهاء جعلوا للمرأة مخرجاً من هذه الحالات التعيسة ، ولكنّكم لا تشاورون مع العلماء والفقهاء فتقعون في المشكلة ، أبعدكم الله عن المشاكل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: أخي الكريم : إذا نظرت إلى أحوال المرأة في المجتمع الإنساني في أدواره المختلفة قبل الإسلام تجد عدّة اُمور : الأوّل : إنّ المجتمع البشري كان ينظر إلى المرأة بأنّها حيوانة ، أو أنّها إنسان ضعيف الإنسانيّة منحطّاً لا يؤمن شرّه وفساده. الثاني : كانوا يرونها خارجة عن هيكل المجتمع ، ولكنّها من شرائط المجتمع كالمسكن الذي لا بدّ منه للأفراد ، فهي كالأسير المسترق تابعة للمجتمع ينتفع بعملها ولا يؤمن كيدها. الثالث : كانوا يرون حرمانها في عامة الحقوق إلّا الحقوق التي ترجع إلى انتفاع الرجال القيّمين عليها. الرابع : المعاملة معها هي معاملة القوي مع الضعيف ، فهي لا تقدر على الاستقلال في أمرها. إذاً المرأة قبل الإسلام محبوسة في سجن الذلّة والهوان ، وعادت ألفاظ المرأة تساوي الضعف والذلّة والهوان وكأنّها ألفاظ مرادفة لها. وقد كانت الاُمم السابقة تعتبر المرأة ملكاً تباع وتقرض وتعار للخدمة وللجنس ، بل يؤكل لحمها إذا احتيج إليه فهي كالحيوان مائة بالمائة. وعندما جاء الإسلام : جاء بما يخالف النظرة السابقة للمرأة فقال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) [ الحجرات : 13 ] ، فجعل المرأة كالرجل مشتركة في مادّتها وعنصرها ، ولا فضل لأحد على أحد إلّا بالتقوى . ثمّ قال تعالى : ( أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ) [ آل عمران : 195 ] ، فصرّح بأنّ السعي غير خائب للمرأة كالرجل والعمل غير مضيّع عند الله ، فليس من الصحيح أن يقال : إنّ سيئات المرأة عليها وحسناتها للرجال ، بل حسناتها لها وسيّئاتها عليها كالرجال تماماً. فلكل من الرجل والمرأة ما عمل ، ولا كرامة إلّا بالتقوى ، ومن التقوى الأخلاق الفاضلة والعلم النافع والعقل الرزين ، والخلق الحسن والصبر والحلم والإيمان بدرجاته. ثمّ قال القرآن : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [ النحل : 97 ] . وقوله تعالى : ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) [ النساء : 124 ] . وقد ذم القرآن النظرة السيّئة إلى المرأة ، قال : ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) [ النحل : 58 ـ 59 ] . وقد بالغ القرآن في التشديد على دفن النساء ، فقال : ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) [ التكوير : 8 ـ 9 ] . إذاً المرأة تساوي الرجل في تدبير شؤون الحياة بالإرادة والعمل ، فلها أن تستقلّ بإرادتها ولها أن تستقل بالعمل وتمتلك نتاجها ، كما أنّ ذلك مباحٌ للرجال بلا فرق أصلاً ، ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) [ البقرة : 286 ] . نعم قرّر الإسلام بشأن المرأة خصلتين : احداهما : أنّها بمنزلة الحرث في تكوّن النوع الإنساني ونمائه ، فهي تمتاز عن الرجال بهذه الخصلة ، إذ يعتمد عليها بقاء النوع الإنساني. والأخرى : أنّ وجودها مبني على لطافة البنية ورقّة الشعور وهذا يؤثّر في أحوالها ووظائفها الإجتماعيّة. إذا الآية القرآنيّة القائلة : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) [ البقرة : 228 ] ، فهي لها حقوق وعليها وظائف ، ولا بدّ من أن تأخذ حقوقها وتؤدّي واجباتها كإنسانة ، فهي مساوية للرجل من هذه الناحية ، إذ الرجل أيضاً عليه واجبات وله حقوق ، فوظائفها الإجتماعيّة قد تختلف عن وظائف الرجل من ناحية لطافة البنية ورقّة الشعور والعاطفة ، إلّا أنّها مساوية له في الإنسانيّة والعمل في المجتمع وهي مستقلّة في عملها ، وفي تملّك نتيجة عملها. نعم ، المرأة لا تتولّى القضاء ولا الحكومة ، ولا تتولّى القتال بمعنى المقارعة ، ولكنّها تشترك في حضور القتال والإعانة عليه بالمداواة وشبه ذلك. فالآية القرآنيّة تصرّح بالتساوي بين الرجل والمرأة في عين تقدير الاختلاف بينهم ، فكلّ واحد خُلق لشيء ، فإذا نال كلّ من الرجل والمرأة حقوقهما فلا يزاحم حقّ الرجل المرأة ، ولا يزاحم حقّ المرأة الرجل ، فقد وصلنا إلى العدل الاجتماعي ، فالتساوي في الحقوق بمعنى : أن يصل كلّ ذي حقّ إلى حقّه ، وليس معناه : أنّ الأعمال واحدة في كل شيء ، فتوجد أعمال يشترك فيها الرجال والنساء مثل تدبير شؤون الحياة بالإرادة والعمل والاستقلال وتملّك الحاجات والنتاج الذي ينتجه كلّ من الرجل والمرأة ، وهناك أعمال مختصّة بالنساء كتربية الأولاد ـ الحضانة ـ وهناك أعمال مختصّة بالرجال كالقضاء والحرب بمعنى المقارعة. وهذا هو المعروف الذي تقتضيه الفطرة الإنسانيّة في أمر الوظائف والحقوق الاجتماعيّة بين الأفراد. إذاً ، ليس معنى الآية : إنّ الرجال أفضل من النساء عند الله تعالى ، بل هم متساوون ولا فضل لأحد على أحد إلّا بالتقوى والعلم ، فقد تكون امرأة اتقى من كثير من الرجال وأعلم من كثير من الرجال أيضاً. نعم ، المرأة يجب عليها أن تطيع زوجها في ما يرجع إلى الإستمتاع فقط وفي أمر السكن بمعنى أنّه إذا أراد السكن في مكان معيّن فعليها الاستجابة له واتّباعه في أمر السكن ، كما يجب عليها أن تطيعه في عدم خروجها من البيت إلّا بإذنه ، فهذه ثلاثة أمور تجب إطاعة الزوجة زوجها فيها. وحينئذ فلو أراد منها أن تبيع له السيكاير فلا يجب الاطاعة ولو أراد منها أن تحوك له لباساً فلا يجب عليها الإطاعة ، وهكذا كما لا يجب على الزوجة العمل في البيت من قبيل غسل الملابس ، وطهي الطعام إذا لم يكن قد اشترط عليها ذلك أو كان أمراً متعارفاً مركوزاً في المجتمع بحيث يكون شرطاً ضمنيّاً بُني عليه العقد ، وذلك لأنّ الزوجة إنّما تؤخذ للإستمتاع لا للخدمة ، فلو كان مجتمعاً معيناً لا يجعل المرأة مُعِدّة للطعام إلى الزوج ارتكازاً بني عليه العقد ، فلا يجب عليها اعداد الطعام للزوج. والسلام.
الجواب من الشيخ علي الكوراني: الإنسان معرض للضعف وغلبة الشيطان والهوى والشهوة .. لكن عليه أن يقاوم ويتغلب على هواه وشيطانه. وأهمّ الأمور إذا ابتلي بمعصية أن لا تجرّه معصيته لربّه إلى ترك صلاته ، وقطع رابطته مع ربّه عزّ وجلّ. أنصحك أيّها العزيز أن تنتفض على نفسك الأمّارة ، وتبتعد عن أسباب المعصية وتترك التلفزيون كلّيّاً مدّة .. حتّى تطمئنّ أنّك قد طهرت من آثار المرض .. ولا تعدّ إلى تلك القنوات الفاسدة المفسدة ، واهتمّ بالزواج إن كنت أعزب ، وبتحسين علاقتك مع زوجتك إن كنت متزوّجاً. أعانك الله وإيّانا على أنفسنا ونصرك الله وإيّانا على أهوائنا وشهواتنا.
الجواب: من سماحة الشيخ محمّد السند لا عجب في طروّ الضعف على الإنسان فقد خلق الإنسان من الضعف كما في الكتاب المجيد : { وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا } (النساء/28). وكذلك الهلع والجزع ونحوها ، إلا أنّ اللازم على المؤمن التحلي والتمسك بالصبر والاستقامة بقدر الاستطاعة ، وأن يعاجل نفسه بالتوبة والإنابة كلما حصل له الزلل أو الخطيئة ، ويجب أن لا يقنط من رحمة الله تعالى فإنّه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون ، كما يجب أن لا يغتر بحلم الله وإمهاله فيتمادى في المعصية والطغيان ، فإنّ حالة الخوف من الزلل والرجاء للعفو والمغفرة هي صراط التكامل للطبيعة الإنسانية ، ومن أكبر الغفلات والزلاّت هو اليأس من رحمة البارى ومغفرته وتصوير الشيطان أنّ التوبة لا جدوى فيها ، وأنّها مع تكرار الخطيئة بمثابة اللعب والاستهزاء بمقام الباري تعالى ، والحال أنّ معاودة الخطيئة هي اللعب والاستهزاء ، لا الرجوع والتوبة إلى الباري تعالى مهما بلغت كرّات الخطيئة ، فاللازم عدم سدّ باب التوبة والإنابة ، فإنّه من أبلغ صفات الأنبياء أنّهم توابون أوّابون وإن لم يكن ذلك منهم عن ارتكاب معصية ، ثمّ أنه لا بدّ من الالتفات أن تكامل المؤمن لا يحصل دفعة بل بالتدريج كما في وصية النبي صلى الله عليه وآله : يا علي ! هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، وأن المنبتّ لأظهر أبقى ، ولا طريق قطع . أي أنّ طريق التكامل طويل والمسرع بحدّة لا يبقى دابة البدن وقواه ولا يطوى ذلك الطريق ، فالرفق في تربية الإنسان لنفسه أمر ضروري لبلوغ الغايات .
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: في البداية أحيي فيك الرغبة الصادقة في الدراسة الدينيّة التي قلّ الراغبون بها في هذه الأيّام مع الأسف الشديد ، مع أنّها ـ في الجملة ـ مطلوبة من كلّ مسلم حتّى يعرف معالم دينه ويسير على هدىً من أمره ، فيأتي بما يريده الشارع المقدّس ويترك ما حرّمه و نهى عنه ، ولذا ورد في رواية معتبرة إنّ الإمام الصادق عليه السلام سئل عن قول الله تعالى : ( قُلْ فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) [ الأنعام : 149 ] ؟ فقال عليه السلام : « إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالما ؟ فإن قال : نعم ، قال له : أفلا عملت بما علمت ؟ وإن قال : كنت جاهلاً ، قال له : أفلا تعلَّمت حتّى تعمل ؟ فيخصمه ، وذلك الحجّة البالغة » (1) . ثمّ إنّ ما طرحته في رسالتك تارةً تريد به الاطّلاع على مناهج الدراسة الحوزويّة المقرّرة في الحوزات العلميّة المعروفة لغرض الانتماء إليها ودراسة تلك المناهج .. ، واُخرى تريد معرفة المنهج الدراسي المناسب لك باعتبارك غير متفرّغ للدراسة التخصّصية ، وباعتبار أنّ هدفك من الدراسة هو تحصيل الثقافة الدينيّة بمعناها الواسع. وطبعاً الجواب مختلف جدّاً ، إن كان المقصود الأوّل ، فالمناهج الدراسيّة في الحوزة معروفة تبدأ بالمقدّمات ، ثمّ السطوح ، ثمّ بحث الخارج ، وهي تحتاج إلى اُمور : 1 ـ تفرغ كامل ، أيّ عدم الانشغال بأيّ أمر آخر سواها. 2 ـ استعداد ذهني جيّد ، باعتبار أنّها دراسة معمّقة ودقيقة يكون استيعابها والاستفادة منها موقوفاً على قابليّة جيّدة وذكاء عال. 3 ـ الرغبة الصادقة والاندفاع الذاتي في الدراسة ، النابع من معرفة أهميّتها والنتائج المهمّة المترتّبة عليها. 4 ـ الانتماء إلى إحدى الحوزات المعترف بها والدراسة فيها ، فلا يكفي أن يقرأ الطالب المناهج المقرّرة بنفسه ، أو يعتمد على سماع الدروس المسجّلة على الكاسيت أو نحو ذلك. هذه أهمّ الاُمور التي لا بدّ من توفّرها في هذا المجال ، فإن كانت الشروط متوفّرة فيك ، فأهلاً وسهلاً بك في هذه الجامعة الدينيّة ، وستعرف تفاصيل أكثر عن سير الدراسة والمناهج والأساتذة وغير ذلك من الاُمور إذا عزمت على الانتماء إليها. وأمّا إذا كان مقصودك هو الثاني ، فتحديد المنهج المناسب يرتبط بمعرفة بعض الاُمور المتعلّقة بك ، مثل الساعات التي تتفرّغ فيها للدراسة ، ومقدار ما تملكه من معلومات دينيّة وغير ذلك ، ولذا فأنا أقترح أن تراجع أحد طلّاب الحوزة المعتمدين والموثوقين للاستنارة برأيه في هذا المجال ، وإذا بقي عندكم سؤال فنحن في خدمة إخواننا المؤمنين. الهوامش 1. كتاب الأمالي ـ الشيخ المفيد ـ / الصفحة : 228 / الناشر : جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة.
الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: لقد كان في أصحاب الأئمّة عليهم السلام في عصر حضورهم أفراد متميّزون قد أرجع الأئمّة الشيعة إليهم لأخذ معالم الدين ومسائل الحلال والحرام حتّى كان عصر الغيبة ، فأرجع إمام العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف الشيعة إلى علماء الطائفة الذين تتوفّر فيهم المواصفات المعيّنة من قبله ، تماماً كالذي فعله آباؤه الطاهرون ، فنحن نحتاج إلى الفقهاء المجتهدين لأخذ معالم الدين ومسائل الحلال والحرام منهم كذلك ، وهم أيضاً يقومون بنشر المذهب في أصوله وفروعه ، ويحمونه من تحريفه وإدخال ما ليس منه فيه ، وعلى الأمّة الانقياد لهم في جميع الشؤون وعلى كلّ الأصعدة.
الجواب من الشيخ محمد السند: العلم اللدني المقوّم للعصمة عبارة عن علم حضوري ليس من سنخ الأفكار والمعاني الخطوريّة في القوّة المفكّرة أو العاقلة بل هو فيض إلهامي على القلب والروح يعاين به القلب الحقيقة أو آثارها عياناً ، نعم يلازم هذا الفيض ترجمته في القوّة المفكّرة والعاقلة إلى أفكار ومعانٍ صادقة مطابقة له ، يتأهّل بواسطته أيضاً للعلم بإرادات الله تعالى ومشيئاته ، كما في قوله تعالى في طالوت : ( وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ ... ) [ البقرة : 247 ] . فتأهّل طالوت ، لأنّ يخبر عن الله تعالى : ( إِنَّ اللَّـهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ ... ) [ البقرة : 249 ] . وكذلك في الخضر : ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) [ الكهف : 65 ] . فتأهل لأن يقول : ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ... ) ، ( فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا ... ) [ الكهف : 82 ] .