تعاليم من الإمام الرضا عليه السلام في كيفية الحياة العائلية

إن المتأمل في حياة الإمام الرضا عليه السلام يلاحظ أنّه لم يكن يكتفي بالكلام والوعظ النظري، وإنّما كان يجسد تعاليم الإسلام في حياته اليومية. فقد كان يعامل أهل بيته وخدمه بأعلى درجات الرحمة والتواضع، ويجلس معهم على مائدة واحدة، ويؤكد على كرامة الإنسان مهما كان موقعه الاجتماعي، ويحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب، ويربط بين حسن المعاملة داخل المنزل وبين رضا الله تعالى. وبذلك قدم نموذجًا عمليًا للأسرة المؤمنة التي تقوم على المودة والرحمة، لا على التسلط والعنف أو الأنانية. 
وتكتسب تعاليم الإمام الرضا عليه السلام في الحياة العائلية أهمية خاصة في عصرنا الحاضر، حيث تواجه الأسرة تحديات كبيرة نتيجة تسارع وتيرة الحياة، والانشغال المفرط بالأعمال، وتأثير وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وازدياد النزاعات الأسرية، وضعف الحوار بين أفراد العائلة، فضلاً عن انتشار بعض المفاهيم الدخيلة التي أضعفت الروابط الأسرية وأثرت في استقرار البيوت. وفي خضم هذه التحديات تبقى كلمات الإمام الرضا عليه السلام منارة تهدي إلى بناء أسرة متماسكة، تقوم على الاحترام، والتفاهم، والإحسان، وتحمل المسؤولية، وتقديم المصلحة المشتركة على الأهواء الشخصية.
وآخر يوم من شهر صفر الخير، هو يوم استشهاد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، فقررنا أن نقدم لكم مقالا حول تعاليمه عليه السلام في كيفية الحياة العائلية.

حسن السلوك مع العائلة

إنَّ الإسلام لم يجعل الإيمان مجرد اعتقادٍ يُكنُّه الإنسان في قلبه، ولا مجرد شعائر يؤديها في المسجد أو في مواسم العبادة، بل أراد أن يتحول الإيمان إلى سلوكٍ يومي ينعكس على تعامل الإنسان مع من حوله، وأولى الناس بهذا السلوك هم أفراد أسرته. فمن السهل أن يُظهر الإنسان حسن أخلاقه أمام الغرباء أو الأصدقاء، لكن المقياس الحقيقي للأخلاق والإيمان يظهر داخل البيت، حيث تزول المظاهر والتكلفات، وتبرز حقيقة الشخصية في التعامل مع الزوجة والأبناء والوالدين وسائر أفراد العائلة. وقد قال الإمام الرضا عليه السلام نقلا عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «أَحْسَنُ النَّاسِ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ، وَأَنَا أَلْطَفُكُمْ بِأَهْلِي.»(1).
فالإمام عليه السلام لم يقل إنّ أفضل الناس أكثرهم صلاة أو صيامًا، مع أهمية هاتين العبادتين، وإنّما ركز على الأخلاق؛ لأنّ العبادة الحقيقية تُثمر حسن التعامل مع الناس، ولا سيما مع العائلة.
 قد يتسائل البعض: لماذا صارت الأسرة معيارا للإيمان؟
يمكن الجواب: لأنّ أفراد الأسرة هم أكثر الناس احتكاكًا بالإنسان، فهم يشاهدونه في أوقات الراحة والتعب، وفي لحظات الغضب والسرور، ويعرفون حقيقة أخلاقه بعيدًا عن المجاملات الاجتماعية؛ ولهذا فإنّ المؤمن الحقيقي هو الذي يحافظ على لسانه داخل بيته كما يحافظ عليه خارجه، ويبتسم لزوجته كما يبتسم للناس، ويعامل أبناءه بالرحمة كما يعامل الضيوف بالإكرام. وفي هذا المجال أيضا قال الإمام الرضا عليه السلام نقلا عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «أَقْرَبُكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا، وَخَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ.»(2).

التزيّن للزوجة

من الأخطاء الشائعة أن يُظن أن التزين مطلوب من المرأة وحدها، بينما تُعفي بعض الأعراف الرجل من هذه المسؤولية. غير أن تعاليم أهل البيت عليهم السلام ترفض هذا الفهم، وتقرر أن الزينة مسؤولية مشتركة. وقد روي عن الحسن بن جهم أنّه قال: «رَأَيْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ اخْتَضَبَ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، اخْتَضَبْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنَّ التَّهْيِئَةَ مِمَّا يَزِيدُ فِي عِفَّةِ النِّسَاءِ، وَلَقَدْ تَرَكَ النِّسَاءُ الْعِفَّةَ بِتَرْكِ أَزْوَاجِهِنَّ التَّهْيِئَةَ. ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَرَاهَا عَلَى مَا تَرَاكَ عَلَيْهِ إِذَا كُنْتَ عَلَى غَيْرِ تَهْيِئَةٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهُوَ ذَاكَ. ثُمَّ قَالَ: مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ التَّنَظُّفُ، وَالتَّطَيُّبُ، وَحَلْقُ الشَّعْرِ، وَكَثْرَةُ الطَّرُوقَةِ.»(3). 
إنّ هذه الكلمات تكشف فهمًا عميقًا للطبيعة الإنسانية؛ فالزوجة كما تحب أن تُرى جميلة في عين زوجها، فإنّها أيضًا ترغب في أن ترى زوجها حسن الهيئة، ونظيف الثياب، وطيب الرائحة، ومهتمًا بنفسه. 
وحين يختار الزوج لباسًا حسنًا، أو يعتني بنظافته، أو يتطيب قبل دخوله إلى منزله، فإنّه يبعث برسالة غير منطوقة إلى زوجته مفادها: أنت تستحقين أن أظهر أمامك بأفضل صورة. وكذلك عندما تستقبل الزوجة زوجها بأبهى هيئة، فإنّها تعبر عن اهتمامها به وتقديرها لمكانته في قلبها. وهذه الرسائل اليومية، وإن بدت بسيطة، إلا أنّها تتراكم مع الزمن لتبني رصيدًا كبيرًا من المحبة والمودة. إن كثيرًا من الكلمات قد تُنسى، وأمّا الشعور بالتقدير والاهتمام فيبقى راسخًا في النفس؛ لذا نرى أنّ الإمام الباقر عليه السلام يشير إلى هذا الجانب، ويقول: «النِّسَاءُ يُحِبِبْنَ أَنْ يَرَيْنَ الرَّجُلَ فِي مِثْلِ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ أَنْ يَرَى فِيهِ النِّسَاءَ مِنَ الزِّينَةِ»(4).
الزوجة الصالحة، أفضل رأس مال في الحياة
لقد نظر الإسلام إلى الزوج الصالح والزوجة الصالحة بوصفهما أعظم ثروة يملكها الإنسان بعد الإيمان بالله تعالى؛ لأنّهما السند عند الشدائد، والأنيس عند الوحشة، والشريك في تحمل أعباء الحياة، والمربي الأول للأبناء، والحافظ لكرامة الأسرة واستقرارها. ولهذا لم يكن غريبًا أن تكثر النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام في بيان فضل الزوج الصالح، وأن تجعل حسن الاختيار أساسًا لبناء بيتٍ تسوده السكينة والمودة والرحمة. وقد قال الإمام الرضا عليه السلام: «مَا أَفَادَ عَبْدٌ فَائِدَةً خَيْرًا مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِذَا رَآهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ.»(5).
والحياة لا تخلو من الابتلاءات، فقد يمر الإنسان بأزمات مالية، أو مشكلات صحية، أو ضغوط نفسية، أو خسائر مختلفة. وفي مثل هذه المواقف تظهر قيمة الزوجة الصالحة، فهي لا تزيد الهم همًا، ولا تحمّل شريك حياتها فوق طاقته، بل تكون مصدر قوة وأمل، فتواسي زوجها، وتشجعه، وتصبر معه في النوائب، وتذكر بالله تعالى. 

مديرية المشاعر، أساس التحكم بالأسرة

الغضب في ذاته ليس مذمومًا دائمًا، فقد يغضب الإنسان إذا انتهكت حرمة من حرمات الله، أو إذا رأى ظلمًا يقع على مظلوم. كما أن المحبة والرضا نعمتان عظيمتان، لكنهما قد تتحولان إلى سبب للانحراف إذا دفعتا الإنسان إلى تبرير الباطل أو التغاضي عن الظلم. ولهذا يؤكد الإمام الرضا عليه السلام أن المؤمن هو الذي يقود مشاعره، لا الذي تقوده مشاعره. فقد قال الإمام الرضا عليه السلام: «الْمُؤْمِنُ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ عَنْ حَقٍّ، وَإِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ، وَإِذَا قَدَرَ لَمْ يَأْخُذْ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ.»(6). 
وتشير التجارب الأسرية إلى أنّ معظم الخلافات الزوجية لا تبدأ بسبب مشكلات كبيرة، وإنّما بسبب انفعالات غير منضبطة. فقد يبدأ الأمر بنقاش بسيط، ثم يرتفع الصوت، وتتسارع الكلمات، ويخرج الإنسان عن حدود العدل، فيتهم، ويهين، ويجرح، وربما يتخذ قرارات يندم عليها بعد زوال الغضب. 
وهنا تتجلى حكمة الإمام الرضا عليه السلام، فالغضب لا يصبح خطرًا؛ لأنّه شعور، بل لأنّه قد يدفع الإنسان إلى تجاوز الحق. فالزوج المؤمن إذا غضب لا ينسى فضل زوجته، ولا يظلمها، ولا يهين كرامتها، ولا يستخدم كلمات جارحة تبقى آثارها سنوات طويلة. وكذلك الزوجة المؤمنة لا تجعل الغضب سببًا للطعن في شخصية زوجها أو التقليل من شأنه، وإنّما تضبط لسانها حتى تعود الأمور إلى طبيعتها. 

أثر ضبط الانفعال على الأبناء

الأطفال يتعلمون كيفية التعامل مع المشاعر من خلال والديهم. فإذا رأوا الأب والأم يختلفان باحترام، ويتحكمان في غضبهما، تعلموا أن الخلاف أمر طبيعي، وأنّ المهم هو أسلوب التعامل معه. وأمّا إذا شاهدوا الصراخ والإهانة والعنف فإنّهم يكتسبون هذه السلوكيات، ويكررونها في مستقبلهم؛ ولهذا فإنّ إدارة المشاعر ليست خدمة للزوجين فقط، بل هي استثمار تربوي للأبناء.


1) وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد: 12 / الصفحة: 153 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
2) وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد: 12 / الصفحة: 153 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
3) وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد: 20 / الصفحة: 246 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
4) مكارم الأخلاق / الشيخ رضي الدين الطبرسي / المجلد: 1 / الصفحة: 80 / الطبع: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت.
5) مرآة العقول / العلامة المجلسي / المجلد: 20 / الصفحة: 15 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
6) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 78 / الصفحة: 352 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.

 

التعليقات

Loading...

محتوى ذو صلة