كيف نُعلِّم أبناءنا مفهوم غَيْبَة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

 

تحتلّ قضية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف مكانة محورية في الوجدان الإسلامي، ولا سيّما لدى الأسر التي تحرص على غرس القيم الإيمانية في نفوس أبنائها منذ الصغر. غير أنّ مفهوم الغيبة بصورته العقائدية والروحية قد يكون معقّدًا أو غامضًا بالنسبة للأطفال إذا طُرح بطريقة مباشرة أو تجريدية. لذلك يصبح دور الأهل والمربّين أساسيًا في تبسيط هذا المفهوم، وتقديمه بلغة تتناسب مع مستوى فهم الطفل، بعيدًا عن التلقين أو بثّ الخوف، وباعتماد أساليب تربوية قريبة من عالمه وتجربته اليومية.
إنّ الحديث مع الطفل عن الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ليس مجرّد نقاش عقائدي، بل هو فرصة لبناء علاقة وجدانية مع قدوة روحية تمثّل العدالة والأمل والإصلاح. فحين يفهم الطفل أنّ غيبة الإمام عليه السلام ليست غيابًا عن الحياة، بل حضورًا بطريقة مختلفة، وأنّ انتظار ظهوره يعني العمل للخير والالتزام بالقيم، يتحوّل المفهوم من فكرة ذهنية إلى سلوك يومي. ومن هنا تأتي أهمية اعتماد منهج تربوي متوازن يعتمد الحكاية، والقدوة، والأسئلة المفتوحة، والربط بالواقع، ليكبر الطفل على فهم واعٍ وهادئ لهذا البعد الإيماني العميق.
وعلى حساب بعض الروايات فإن يوم الرابع من شهر شوال المعظم، هي يوم بداية الغيبة الكبرى للإمام المهدي عجل الله فرجه. فلهذا فمن الجميل أن نتعلم حول كيفية تعليم الأبناء مفهوم الغيبة.


بداية الغيبة الكبرى


إنّ الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف قد تولد في يوم الخامس عشر من شهر شعبان المعظم سنة 255 للهجرة (1)، وفي سنة 260 للهجرة، استشهد والده المكرم الإمام الحسن العسكري عليه السلام وبدأت الغيبة الصغرى له عليه السلام (2). في هذه الغيبة، كان ارتباط الناس والمؤمنين بالإمام المهدي عليه السلام بواسطة نواب الأربعة وهم : عثمان بن سعيد العمري، ومحمد بن عثمان العمري، وحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري. في السنة 329 للهجرة، قبل اسبوع من وفاة النائب الرابع علي بن محمد السمري، ورد توقيع من الناحية المقدسة عليه السلام إلى السمري يعلنه أنه سيموت بعد أسبوع ولن يكون بعده نائب آخر وتكون شروع الغيبة الكبرى. فقد قال الإمام المهدي عليه السلام في توقيعه إلى السمري: « وَلَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ يَقُومُ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ الثَّانِيَةُ » (3). فهكذا بدأت الغيبة الكبرى للإمام المهدي عليه السلام وطال إلى يومنا هذا وحتى ظهور الإمام بإذن الله تعالى.


شرح مفهوم الغيبة وعلته للأطفال


يجب على كلّ الآباء أن يوضحوا لأبنائهم مفهوم غيبة الإمام المهدي عليه السلام ويعلّموهم أنه لماذا غاب الإمام المنتظر عليه السلام عنّا، وما هي الأفعال التي يجب علينا فعلها قباله عليه السلام. لكن يجب أن يكون التعليم بلغة بسيط يفهمها الأطفال. يمكننا أن نشرح للطفل مفهوم الغيبة من خلال فكرة يعرفها في حياته اليومية. فمثلًا نقول له: « هناك أشخاص نحبّهم لكنّهم يسكنون في بلد بعيد. لا نراهم دائمًا، لكنّنا نعرف أنهم موجودون. أو مثل المعلّم الذي يكون في المدرسة، لكنه أحيانًا لا يكون في الصفّ، ومع ذلك يبقى هو المعلّم المسؤول. أو مثل الشمس التي تختفي خلف الغيوم، نحن لا نراها، ولكن نورها ودفؤها ما زالا يصلان إلينا. بنفس الطريقة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، موجود، حيّ، يرعانا بدعائه ولطف الله، لكنّ الله أراد أن لا نراه الآن، وسيظهر في الوقت المناسب».
بهذا الأسلوب يشعر الطفل بالأمان والقرب من الإمام عليه السلام، بدل أن يظنّ أنّ الغيبة تعني الانقطاع أو الغياب الكامل. وهذا هول ما قاله النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لجابر بن عبدالله الأنصاري: « إِنَّهُمْ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِ وَيَنْتَفِعُونَ بِوَلَايَتِهِ فِي غَيْبَتِهِ كَانْتِفَاعِ النَّاسِ بِالشَّمْسِ وَإِنْ تَجَلَّلَهَا سَحَابٌ » (4).ويمكننا أن نوضح العلة في غيبة الأطفال بكلمات بسيطة تفهمها الأطفال. مثلا يمكننا أن نقول: « الغيبة ليست أمرًا عشوائيًا، بل لها حكمٌ وأسباب ذكرتها الروايات. إنّ الله تعالى يريد أن يحفظ الإمام عليه السلام ليكون حاضرًا في الزمن المناسب عندما يصبح العالم مستعدًا للعدل. وأنّ الإمام عليه السلام مثل القائد الذي ينتظر اللحظة المناسبة ليبدأ مهمته الكبرى. وأنّ الله يجعل الناس يختبرون أنفسهم، هل يعملون للخير حتى لو لم يرَهم القائد؟ وعندما يأتي الوقت المناسب، سيظهر الإمام عليه السلام ليملأ الأرض عدلًا ورحمة»، هذا الشرح يجعل الطفل يفهم أنّ الغيبة ليست ابتعادًا، بل مرحلة انتظار حكيمة وأنّ عليهم الإنتظار لظهوره عليه السلام وفعل الخيرات والإبتعاد عن المحرمات.


كيف نتحدث مع أطفالنا عن الإمام المهدي عليه السلام


هناك طرق كثيرة وبسيطة لكيفية التحدث مع الأطفال عن الإمام المهدي عليه السلام وتعليمهم المعارف الدينية المتعلقة بالإمام المهدي عجل الله فرجه.


الاعتماد على الأمثلة القريبة من حياته


يجب أن نستخدم الأمثلة التي يفهمها الطفل وتكون ملموسة في حياته. كالجمل التي بيّناها سابقا في التمثيل بالشخص البعيد أو المعلم الغائب أو الشمس خلف السحاب والغيوم. ويجب أن نخبر الطفل أن الإمام موجود، يسمع دعاءنا، يحبّ الأطفال، ويدعو لهم دائمًا. ينبغي أن لا نقول للطفل إن الإمام غاب لأن الناس كانوا سيئين، أو أنه سيعاقب أحدًا. لأن عقل الطفل يمكن أن لايستوعب هذا الأمر أو أن تأتي إلى ذهنه شبهات كثيرة. فيجب أن نركز على الأمل والعدل والرحمة للإمام عليه السلام.


الإجابة عن الأسئلة الشائعة لدى الأطفال


عندما يسأل الطفل أسئلة حول الإمام المهدي عليه السلام، يجب على الآباء أن يجاوبوا بذكاء وتفطن. هذا بعض الأسئلة والأجوبة المقترحة.


أين هو الإمام الآن؟
نقول: الله يحفظه، وهو يعيش في مكان يعلمه الله، وسيظهر عندما يأتي الوقت المناسب.
لماذا لا نراه؟
نشرح: مثل كثير من الأشياء التي لا نراها لكنّها موجودة: الهواء، الملائكة، أو الحبّ. الله أراد أن لا نراه الآن، لكنّه معنا بعناية الله.
هل سيظهر قريبًا؟
نقول: عندما يصبح العالم مستعدًا للخير، سيظهر. نحن نساعد في ذلك عندما نعمل عملًا صالحًا.
هل الإمام يسمعني إذا تحدثت إليه؟
نجيب بثقة: نعم، الله يجعل الإمام يسمع دعاء أحبابه، وخاصة الأطفال. فإنّ الإمام حاضر وموجود عندنا لكننا لانراه.
هل الإمام يخاف أو يحزن؟
نطمئن الطفل: الإمام قوي وشجاع، والله يحفظه من كل سوء.


استخدام القصص لتعريف الإمام للأطفال


عندما نُحدّث الطفل عن الإمام عبر القصص، فإننا نفتح أمامه بابًا لفهم الكرم، والرحمة، والعدل، والشجاعة، والصبر، وكل ما يرتبط بشخصية الإمام وأهل البيت عليهم السلام. الطفل يتعلّم بالحكاية أكثر من أي أسلوب آخر. القصة تجعل المفهوم العميق، كالغيبة أو الانتظار سهلة الفهم، وعندما يسمع الطفل قصة عن كرم الإمام أو رحمة أهل البيت، تتولد لديه علاقة محبة وقرب.
وينبغي أن نختار القصص التي نقصّها للأطفال حسب فهمهم ومشاعرهم كي نقرّب قلوبهم بشكل أفضل إلى الإمام عليه السلام. فمثلا نركّز على القصص التي تحكي عن حبّ الإمام عليه السلام للناس وشيعته ورحمته بالضعفاء وشجاعته وعدله وصدقه وأمانته. وإذا لم نجد حكايات عن نفس الإمام المهدي عليه السلام، يمكننا أن نحكي قصصا عن باقي الأئمة عليهم السلام ونخبر الطفل بأنّ الإمام المهدي عليه السلام مثل آبائه وهو وارث آبائه الطاهرين عليهم السلام.


النتيجة


إنّ تعليم أطفالنا مفهوم غيبة الإمام المهدي عليه السلام ليس مجرد واجبٍ ديني، بل هو استثمارٌ عميقٌ في بناء جيلٍ مُؤمنٍ، مُنتظرٍ، ومُفعمٍ بالأمل. لقد استعرضنا في هذه المقالة كيف يمكن تبسيط هذا المفهوم المعقّد ليصبح قابلًا للفهم والاستيعاب لدى الصغار، وذلك عبر استخدام لغةٍ مُناسبة، وأمثلةٍ قريبةٍ من عالمهم، وقصصٍ تُغذّي أرواحهم.
لا ينبغي أن تكون الغيبة مصدرًا للخوف أو القلق، بل فرصةً لغرس قيمٍ ساميةٍ كالانتظار الواعي، والعمل الصالح، والارتباط الروحي بالإمام. عندما نُعلّم أطفالنا أنّ الإمام، رغم غيبته، هو حاضرٌ برحمته ودعائه، وأنّ ظهوره هو وعدٌ بالعدل والخير، فإننا نزرع فيهم شجرة الأمل التي ستنمو معهم.
إنّ بناء علاقةٍ عاطفيةٍ وصادقةٍ مع الإمام المهدي عليه السلام يبدأ من البيت، ومن خلال حوارٍ هادف، وقصصٍ مُلهمة، وأنشطةٍ تُقرّب الطفل من هذا المفهوم. لنجعل من تعليم الغيبة رحلةً تربويةً تُعزّز إيمان أطفالنا، وتُشعل فيهم روح المسؤولية، وتُعدّهم ليكونوا جزءًا فاعلًا في بناء مستقبلٍ مشرقٍ تحت راية العدل الإلهي.
فليكن الأمل دائمًا نبراسنا، والإيمان دليلنا، والانتظار الواعي منهجنا في تربية هذه الأجيال القادمة.

 

1) كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي) / المجلد: 1 / الصفحة: 231 / الناشر: دار المعارف الإسلامية – قم / الطبعة: 1.
2) تاريخ الغيبة الصغرى (للسيد محمد الصدر) / المجلد: 1 / الصفحة: 341 / الناشر: نشر دار التعارف – النجف الأشرف / الطبعة: 1.
3) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 516 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
4) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 253 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.


 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة