تمكين الشباب في مواجهة التحديات الاجتماعية
السيد حسين الهاشمي
منذ 6 ساعاتالشباب الركيزة الأساسية لأي مجتمع يسعى إلى التقدّم والاستقرار، فهم الطاقة المتجددة والقوة القادرة على إحداث التغيير الإيجابي إذا ما أُحسن توجيهها واستثمارها. وفي ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، يواجه الشباب جملةً من التحديات الاجتماعية المعقّدة، من بينها البطالة، وتفاوت الفرص، وضعف المشاركة المجتمعية، وضغوط الهوية والانتماء، إضافة إلى تأثير العولمة ووسائل التواصل الحديثة على القيم والسلوكيات. هذه التحديات لا تهدد مستقبل الشباب فحسب، بل تنعكس آثارها على تماسك المجتمع واستقراره على المدى البعيد.
ومن هنا تبرز أهمية تمكين الشباب بوصفه نهجًا استراتيجيًا يهدف إلى تعزيز قدراتهم، وتنمية مهاراتهم، وبناء ثقتهم بأنفسهم، وإتاحة الفرص أمامهم للمشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فتمكين الشباب لا يقتصر على توفير فرص العمل أو التعليم فحسب، بل يشمل أيضًا دعم الوعي الاجتماعي، وتعزيز قيم المسؤولية والمواطنة، وتشجيع المبادرة والإبداع، بما يساعدهم على مواجهة التحديات الاجتماعية بوعي وإيجابية بدل الاستسلام أو التهميش.
مفهوم تمكين الشباب
يظنّ البعض أن تمكين الشباب يقتصر على توفير فرص العمل، بينما التوظيف ليس إلا جزءًا واحدًا من مفهوم التمكين. فالتمكين يعني أن يمتلك الشاب القدرة على اتخاذ القرار الصحيح وأن يكون قادرًا على إدارة مشكلاته ومواجهة صعوبات الحياة وأن يمتلك المهارات الأساسية للحياة الاجتماعية والمهنية وأن يشعر بقيمته ودوره داخل المجتمع. فالشاب الذي يعمل دون أن يمتلك وعيًا، أو ثقة بنفسه، أو مهارات تواصل، لا يُعدّ شابًا مُمكَّنًا بالمعنى الحقيقي.
ومن هنا يأتي دور التعليم في تمكين الشباب. التعليم هو الحجر الأساس في عملية التمكين، ولا يقتصر على التعليم المدرسي أو الجامعي فقط، بل يشمل تعليم مهارات الحياة مثل حل المشكلات وإدارة الوقت وتنمية التفكير النقدي وروح المسؤولية والتوعية بالحقوق والواجبات الاجتماعية والتدريب على المهارات المهنية وزيادة الأعمال. عندما يحصل الشاب على تعليمٍ متكامل، يصبح أكثر استقلالية وقدرة على رسم مستقبله بنفسه.
تمكين الشباب ضرورة شرعية
إنّ تمكين الشباب في المجتمع الحضاري ليس مجرد ضرورة اجتماعية فحسب، بل هو أيضًا ضرورة أكّد عليها الشرع الإسلامي، بوصفه الشريعة الأكمل والبرنامج الجامع لحياة الإنسان الدنيوية والأخروية. فقد روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام روايات متعددة حول أهمية الشباب وتمكينهم وتعليمهم بصورة خاصة. فحينما نراجع القرآن الكريم نشاهد أنّه يقص لنا حكايات عن أنبياء وعباد صالحين وهم في ريحانة شبابهم. مثل حكاية أصحاب الكهف الذين يعبر عنهم القرآن الكريم بالفتية أي الشباب، حيث يقول: ﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ... نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ (1). وهذه الآية وأقرانها تبيّن لنا أنّ للشباب دور حيوي في جميع المجتمعات خصوصا المجتمعات الإسلامية. وفي هذا الأمر وردت روايات عن الأئمة عليهم السلام. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام لأبي جعفر الأحول حول هداية الناس إلى طريق الحق: « أَتَيْتَ الْبَصْرَةَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ:كَيْفَ رَأَيْتَ مُسَارَعَةَ النَّاسِ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ وَدُخُولَهُمْ فِيهِ؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَقَلِيلٌ وَلَقَدْ فَعَلُوا وَإِنَّ ذَلِكَ لَقَلِيلٌ. فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالْأَحْدَاثِ فَإِنَّهُمْ أَسْرَعُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ » (2). وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « اُوصيكُمْ بِالشُّبّانِ خَيْرا فَإنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، إِنَّ اللّه َبَعَثَـنى بَشـيرا وَنـَذيـرا فَحالَفَنِى الشُّبّانُ وَخالَفَنِى الشُّيُوخُ. ثُمَّ قَرَاَ ﴿ فَطالَ عَلَيْهِمُ الاَمَدُ فَقَسَتْ قُلوبُهُمْ ﴾ » (3).
وهذه الروايات وأضعافها فيها تأكيدات صريحة حول أهمية الشباب وتمكينهم. والسبب الأساسي لكلّ هذه التأكيدات مروية في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: « مَنْ تَعَلَّمَ فِي شَبَابِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَشْمِ فِي الْحَجَرِ وَمَنْ تَعَلَّمَ وَهُوَ كَبِيرٌ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابِ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ » (4).
الحالات الاجتماعية الخاصة لدى الشباب
يعيش كثير من الشباب اليوم أوضاعًا اجتماعية خاصة تفرض عليهم تحديات إضافية في مسار حياتهم، لا بسبب ضعف في قدراتهم أو نقص في طموحاتهم، بل نتيجة ظروف خارجة عن إرادتهم. إن التعرف على هذه الحالات الاجتماعية الخاصة يهدف إلى فهم واقعهم بعمق. فلنحصي بعض الحالات الخاصة بصورة عابرة.
الشباب ذوي الإعاقة: الشباب من ذوي الإعاقة ليسوا فئة عاجزة، بل هم شباب يملكون قدرات متنوعة قد لا تتاح لهم الفرصة لإبرازها بسبب الحواجز البيئية أو الاجتماعية.
العاطلون عن العمل: البطالة لا تعكس بالضرورة الكسل أو ضعف الكفاءة، بل كثيرًا ما تكون نتيجة أوضاع اقتصادية صعبة، أو غياب الفرص العادلة، أو عدم التوافق بين التعليم وسوق العمل. فهؤلاء الشباب غالبًا ما يمتلكون طموحًا ورغبة في الإنتاج، لكنهم يواجهون إحباطًا متزايدًا بسبب التهميش وفقدان الثقة.
المتأثرون بالنزاعات والحروب: الشباب الذين عاشوا النزاعات المسلحة أو اضطروا إلى الهجرة غالبًا ما يحملون تجارب قاسية من فقدان، وقلق، وعدم استقرار. هذه التجارب تترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة قد لا تكون ظاهرة للعيان. ومع ذلك، فإن كثيرًا منهم يمتلك قدرة كبيرة على التكيّف والصمود.
المعانون من التفكيك الأسري: التفكك الأسري، سواء كان بسبب الطلاق، أو العنف الأسري، أو فقدان أحد الوالدين، يترك فراغًا عاطفيًا عميقًا في حياة الشاب. هذا الغياب قد يؤثر في الشعور بالأمان والانتماء. لكن الكثير منهم يمتلك قوة داخلية ورغبة في بناء مستقبل مختلف.
العمل والاستقلال الاقتصادي
العمل أساس جوهري في حياة الإنسان. فهو ليس مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل عنصر رئيسي في بناء الكرامة الإنسانية والشعور بالقيمة الذاتية والانتماء إلى المجتمع. وفي ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة، تبرز أهمية تعزيز ثقافة العمل وزيادة الأعمال، ودعم استقلال الشباب اقتصاديًا.
الشاب الذي يعمل لا يشعر فقط بالأمان الاقتصادي، بل يكتسب أيضًا إحساسًا بالمسؤولية والمشاركة الفاعلة. ومن هذا المنطلق، فإن البطالة لا تُعدّ مشكلة اقتصادية فحسب، بل قضية اجتماعية ونفسية تمسّ كرامة الإنسان وتقلّل من قدرته على تحقيق ذاته.
ومن هنا يبرز دور الدولة في هذا المجال. تلعب الدولة دورًا محوريًا في توفير البيئة المناسبة للعمل وزيادة الأعمال. من خلال وضع سياسات تشجّع الاستثمار وخلق فرص العمل أو دعم المشاريع الصغيرة بالقروض الميسّرة أو تطوير منظومات التعليم والتدريب المهني.
الأسرة والمجتمع، ذراعان أساسيان للتمكين
لا يمكن الحديث عن تمكين الإنسان، ولا سيما فئة الشباب، بمعزل عن الدور المحوري لكلٍّ من الأسرة والمجتمع. فالفرد لا ينمو في فراغ، بل يتشكّل وعيه وشخصيته داخل محيط أسري واجتماعي يؤثّر في ثقته بنفسه، وقدرته على التفاعل، واستعداده لتحمّل المسؤولية. وعندما تتكامل أدوار الأسرة والمجتمع، يتحقق التمكين الحقيقي.
الأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلّم فيها الإنسان معنى الأمان والانتماء. ومن داخلها تتكوّن بذور الثقة بالنفس، ويُبنى الإحساس بالقيمة الذاتية. ويبرز دور الأسرة بشكل أكبر عند وجود ظروف خاصة أو ضغوط اجتماعية، حيث يصبح الدعم النفسي عنصرًا أساسيًا في حماية الفرد من الشعور بالعجز أو الدونية. إن التشجيع، وتجنّب المقارنة السلبية، والاعتراف بالقدرات بدل التركيز على نقاط الضعف، كلها ممارسات أسرية تعزّز الثقة وتدفع نحو الاستقلال والاعتماد على الذات.
لا يكتمل دور الأسرة دون مجتمعٍ متفهّم ومساند. فالمجتمع هو الإطار الأوسع الذي يتيح للفرد فرص التعلم، والعمل، والمشاركة. وتقع على عاتقه مسؤولية توفير بيئة آمنة وعادلة، تُحترم فيها كرامة الإنسان، وتُتاح فيها الفرص دون تمييز أو إقصاء. إن القبول الاجتماعي لا يعني مجرد التسامح السلبي، بل يتجسّد في المرافقة الإيجابية، من خلال دمج الأفراد في الأنشطة العامة، ودعم مبادراتهم، وإتاحة المجال أمامهم للتعبير عن قدراتهم والمساهمة في التنمية. فالمجتمع الذي يحتضن أفراده ويمنحهم الثقة، يخلق مواطنين فعالين لا عبئًا اجتماعيًا.
تبديل النظرة على الشباب
النظرة الترحمية من أكبر العوائق أمام التمكين، لأنها تُرسّخ صورة الضعف وتُقلّل من شأن القدرات. ورغم أن التعاطف الإنساني قيمة نبيلة، فإن تحويله إلى شفقة دائمة يُنتج اعتمادًا ويُضعف روح المبادرة. أما النظرة التمكينية، فتنطلق من الإيمان بقدرة الإنسان على التعلّم والتطوّر، مهما كانت ظروفه. وهي نظرة تركز على الإمكانات لا الإعاقات، وعلى الحلول لا المشكلات. واستبدال الشفقة بالتمكين يتطلب تغييرًا في الثقافة المجتمعية، وفي الخطاب الإعلامي، وفي أساليب التربية والتعامل اليومي.
هذه بعض الأمور المرتبطة بتمكين الشباب. ونرجو من الأسر والمجتمعات والدول التفكّر فيها بجدية، والعمل على معالجتها بشكل أساسي.
1) سورة الكهف / الآية: 10 و 13.
2) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 8 / الصفحة: 93 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
3) سفينة البحار (للشيخ عباس القمي) / المجلد: 2 / الصفحة: 176 / الناشر: دار الأسوة – قم / الطبعة: 1.
4) النوادر (للسيد فضل الله الراوندي) / المجلد: 1 / الصفحة: 18 / الناشر: دار الكتاب – قم / الطبعة: 1.








التعلیقات