العوامل المُثيرة للشهوة وفقدان الحياء
احكام المراة والاسرة
منذ 4 ساعاتلم يتعامل الإسلام مع مسألة الحياء بوصفها سلوكًا ظاهريًا فحسب، بل نظر إليها باعتبارها منظومةً متكاملة تبدأ من الداخل، من القلب والنفس، ثم تنعكس على السلوك والعلاقات. ولهذا، لم يكتفِ التشريع الإسلامي بتحريم الفواحش الظاهرة، بل ركّز بدقّة على المقدّمات الأولى التي تُحرّك الشهوة وتفتح الطريق نحو الانحراف الأخلاقي، إدراكًا منه لطبيعة الإنسان وسرعة قابليّته للتأثّر.
ومن هنا، جاءت التوجيهات القرآنية والروائية لتضع حدودًا واضحة للنظر، والكلام، والحركة، واللمس؛ لا تضييقًا على الإنسان، بل حمايةً له، وصيانةً لكرامته، وحفظًا لاستقرار الأسرة وسلامة المجتمع. وهذا المقال قراءة تربويّة في أهمّ هذه العوامل كما عرضها الإسلام، مع بيان فلسفة المنع وعمق البُعد الوقائي فيها.
العوامل المُثيرة للشهوة
1. النَّظَر
إنّ النظر، وإن كان يتمّ بواسطة عضوٍ صغير يُسمّى العين، إلّا أنّه يمتلك قدرةً كبيرة على التأثير في الميول والنزعات، ولا سيّما الغريزة الجنسيّة لدى الإنسان. وقد أدرك القرآن هذه الحقيقة، فمنع الإنسان من مشاهدة كلّ ما يثير الغريزة الجنسيّة، وأمر المؤمنين بالتحكّم في أبصارهم.
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ (1).
﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (2).
وقد وجّه الله تعالى هذا الأمر أوّلًا إلى الرجال؛ ولعلّ ذلك لأنّ النظر المحرَّم غالبًا ما يصدر من الرجال، في حين جاء حكم الستر واللباس موجَّهًا إلى النساء بتفصيلٍ أكبر وتشديدٍ أوضح؛ نظرًا لقوّة حسّ الجمال وحبّ التبرّج لديهنّ.
إنّ الإسلام، من خلال ضبط حدود البصر، يُحذّر الإنسان من مقدّمات الوقوع في الذنب؛ لأنّ النفس الإنسانيّة شديدة القابليّة للتأثّر. ومن هنا، جاء التعبير القرآني: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ و ﴿مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، أي ابدؤوا هذا التقييد والضبط من أعينكم؛ لأنّه إذا لم يُضبط النظر، وتقابلت أعين الأجنبيّين، انطلقت شرارة غير مرئيّة بين الطرفين، تُحرّك الميل والاهتمام المتبادل. ولهذا، وبعلمه بتأثير النظر، جعل الله النهي الأوّل متوجّهًا إليه.
قال الإمام الصادق عليه السلام: «النَّظَرُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ ، وَكَمْ مِنْ نَظْرَةٍ أَوْرَثَتْ حَسْرَةً طَوِيلَةً» (3).
كما أنّ النظرة الأولى كثيرًا ما تجرّ وراءها نظراتٍ أخرى، فإذا وُجدت مثل هذه المشاهد، وجب الامتناع عن الاستمرار في النظر. وقد أكّد الله تعالى هذا المعنى بالتحذير من خيانة العين وعدم الالتزام بغضّ البصر.
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ (4)، وقد نهى الأئمّة الأطهار عليهم السلام عن النظر إلى الأجنبيّات، وعدّوا غضّ البصر عن المحرّمات من أفضل العبادات.
قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: «غَضُّ الطَّرْفِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَفْضَلُ عِبَادَةٍ» (5).
ومن هنا، يُعدّ حفظ النظر من أهمّ الخطوات في بناء مجتمعٍ سليمٍ وطاهرٍ وعفيف، وصيانته من الانحرافات الجنسيّة والرذائل؛ لأنّ العين هي القناة التي تنفذ إلى القلب، وهذه القناة بيد الإنسان وتحت اختياره.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «العَيْنُ بَرِيدُ القَلْبِ» (6).
فإذا تسلّل شيءٌ عبر هذه القناة إلى القلب، وتعلّق به الفؤاد، فقد يسلب الإنسان قدرته على الاختيار، ويقوده إلى وادي الفساد والهلاك. ومن هنا، ينبغي على كلّ مؤمنٍ عفيفٍ وتقيّ أن يراقب هذه القناة بدقّة، كي لا ينفذ منها ما هو غير مشروع. وبحفظ النظر تُصان سلامة الفرد والمجتمع ونقاؤهما وحيويّتهما.
2. الكلام
للصوت دورٌ مهمّ في إثارة الشهوة، وقد تناول علماء النفس هذا الجانب بالدراسة، ومنهم مارتن موريسون، حيث يقول: «الصوت يُعدّ أوّل مثيرٍ وعاملٍ جنسيّ… ولصوت المرأة تأثير بالغ في الرجال».
وبناءً على هذه الجاذبيّة الخاصّة لصوت المرأة، طلب الإسلام من النساء ألّا يُليّنّ أصواتهنّ أمام الرجال الأجانب، وأن يتكلّمن بوقارٍ ورزانة.
قال الله تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ (7).
تنهى الآية بوضوح عن إظهار الليونة والخضوع في الكلام على نحوٍ يثير طمع مرضى القلوب، وتأمر بالقول المعروف. ورغم أنّ الخطاب موجّه إلى نساء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، إلّا أنّ الحكم عامّ يشمل جميع النساء المسلمات، وقد يكون تخصيص الخطاب بهنّ لعلوّ منزلتهنّ وكونهنّ قدوة، أو لمزيدٍ من التأكيد على خطورة المسألة.
ويُلاحظ أنّ الآية التفتت إلى كلام المرأة من جهتين: نغمة الصوت ومضمون الكلام؛ فالنهي في قوله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ يتعلّق بنغمة الصوت، أمّا قوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ فيتعلّق بمحتوى الكلام.
وبالطبع، لم يُحرّم الإسلام سماع صوت المرأة على الإطلاق، وإنّما حرّم ترقيق الصوت، والكلام المصحوب بالدلال والإغراء، أو الذي يحمل مضمونًا مثيرًا. ولحفظ العفّة ومنع حصول المفسدة، نُصِحَ بقِلّة الكلام بين الأجنبيّين.
إنّ الحديث المتكرّر بين شخصين، من دون انتباه، يُنشئ تدريجيًّا ميولًا ومشاعر متبادلة.
قال الإمام الصادق عليه السلام:«محادثة النساء من مصائد الشيطان » (8).
وفي عصرنا الحاضر، اتّسع نطاق الحديث ليشمل الهاتف، والهواتف الذكيّة، والمحادثات الإلكترونيّة عبر الإنترنت. وهذه الوسائل، وإن لم تكن مضرّة في ذاتها، إلّا أنّ ضبط حدودها أمرٌ بالغ الصعوبة، وقد تُهيّئ أرضيّةً لمفاسد أكبر. وللأسف، تغفل كثير من العائلات عن هذه المخاطر، فيقع بعض الأفراد في مشكلاتٍ متعدّدة بدافع الثقة أو الغفلة.
3. المشي
إنّ قابليّة الاستثارة لدى الإنسان قويّة، ويتأثّر الرجل بمؤثّرات المرأة بدرجة كبيرة. وغالبًا ما تكون هذه المؤثّرات سببًا في الانحراف والفساد، ولهذا حرّم الله تعالى كلّ ما يُهيّئ أسبابه، فقال:﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ (9).
تُنبّه الآية إلى أنّ المرأة لا ينبغي أن تمشي بطريقةٍ تلفت انتباه الرجال. وكما لا يجوز إظهار مواضع الإثارة، لا يجوز أيضًا إثارتهم عبر الأصوات.
ويُظهر شأن نزول الآية أنّ بعض النساء كنّ يلبسن الخلاخيل ويُحدثن صوتًا لجذب انتباه الرجال، فجاء النهي عن هذا السلوك. كما تشمل الآية، بوجهٍ عامّ، كلّ مشيٍ أو حركة تُلفت الانتباه، كالأحذية المصدرة للأصوات، أو أيّ وسيلة مشابهة. وقد وسّع بعض الفقهاء دلالة الآية لتشمل كلّ أشكال الإثارة، ومنها التطيّب.
4. اللمس
لا تخلو الحياة اليوميّة من التماس، وقد أُبيحت بعض أنواعه بين المحارم. أمّا التماس مع غير المحارم، فقد مُنع؛ لأنّ الإنسان بعد البلوغ يشعر باللذّة من لمس جسد الآخر، ويترتّب على ذلك إثارة الشهوة ونشوء الرغبة. ومع مرور الزمن، تشتدّ هذه الرغبة، ويصبح اللمس مدخلًا خطيرًا للانحراف.
وبما أنّ التماس الجسديّ مع الأجنبي يثير الشهوة على نحوٍ عامّ، فلا بدّ من إخضاع العلاقات الاجتماعيّة لضوابط شرعيّة وعقليّة. وإذا لم تُضبط هذه العلاقات، حتّى بين الأطفال، فإنّ ذلك قد يؤدّي إلى الانفلات والانحراف في العلاقات الأسريّة والاجتماعيّة.
الخاتمة
يتّضح من مجموع التعاليم الإسلاميّة أنّ العفّة ليست حالةً عفويّة، بل ثمرة وعيٍ دائم، وضبطٍ مستمرّ لمداخل النفس. فالنظر غير المنضبط، والكلمة غير المحسوبة، والحركة الملفتة، واللمس المحرَّم؛ كلّها حلقات في سلسلة واحدة، إذا تُركت بلا رقابة، قادت الإنسان تدريجيًّا إلى الانزلاق.
لقد سبق الإسلام النظريات الحديثة في الوقاية الأخلاقيّة، حين عالج الجذور قبل النتائج، وركّز على منع الإثارة بدل الاكتفاء بمعالجة آثارها. وبالالتزام بهذه الضوابط، لا تُحفظ العفّة الفرديّة فحسب، بل يُبنى مجتمعٌ أكثر طهارةً واستقرارًا، وأقرب إلى القيم الإنسانيّة والدينيّة الأصيلة.
أسئلة وأجوبة
1. لماذا اهتمّ الإسلام بضبط النظر؟
لأنّ العين مدخل القلب، والنظرة قد تكون الشرارة الأولى لإثارة الشهوة والانحراف.
2. هل حرّم الإسلام سماع صوت المرأة مطلقًا؟
لا، المحرَّم هو ترقيق الصوت والكلام المثير الذي يحرّك الشهوة.
3. ما المقصود بالنهي عن الضرب بالأرجل عند المشي؟
النهي عن كلّ حركة أو صوت يلفت انتباه الرجال ويُثيرهم.
4. لماذا منع الإسلام اللمس بين غير المحارم؟
لأنّ اللمس بعد البلوغ يثير الشهوة ويُعدّ مدخلًا للانحراف الجنسي.
5. ما الهدف الأساسي من هذه الضوابط الشرعية؟
الوقاية من الفساد، وحفظ العفّة، وبناء مجتمع سليم أخلاقيًا.
1. سورة النور / الآية: 30.
2. سورة النور / الآية: 31.
3. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد: 11 / الصفحة: 289 / ط دار الحديث.
4. سورة غافر / الآية: 19.
5. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم / التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد / المجلد: 1 / الصفحة: 260.
6. غرر الحكم ودرر الكلم / التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد / المجلد: 1 / الصفحة: 31.
7. سورة الأحزاب / الآية: 32.
8. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلد: 14 / الصفحة: 273.
9. سورة النور / الآية: 31.








التعلیقات