النبي عيسى عليه السلام: الميلاد المعجز والسيرة القرآنية
الشيخ مهدي المجاهد
منذ 7 ساعاتإن ولادة النبي عيسى عليه السلام تعد من أبرز المعجزات الإلهية التي جاء بها الله تعالى للبشرية، فهي تمثل علامة على قدرة الخالق وعظمة حكمته، وتؤكد على الدور المحوري الذي لعبه هذا النبي في نشر رسالة التوحيد والعدل بين الناس. وقد تناولت النصوص القرآنية وحفظت كتب الأحاديث عند الشيعة ذكرى ميلاده وحياته وتعاليمه بطريقة مفصلة، مما يجعل دراسة حياته من أبرز الموضوعات التي تستحق التأمل والبحث.
ميلاد النبي عيسى عليه السلام
ورد ذكر ولادة عيسى عليه السلام في القرآن الكريم في عدة مواضع، حيث اختص الله مريم عليها السلام بميلاد هذا النبي من غير أب، وهو معجزة كبرى تدل على قدرة الله سبحانه وتعالى حيث يقول:
﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ (1).
وقد أكدت الروايات على أن ولادة عيسى عليه السلام كانت بلا تدخل بشري، فهي ولادة معجزة، وهذ الخبر الذي نقله لنا علي بن ابراهيم يوضح كيفية الولادة وماجرى في تلك الحقبة:
«وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا» قال : خرجت إلى النخلة اليابسة « فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً » قال : في محرابها « فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا » يعني جبرئيل عليه السلام « فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا- قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا » فقال لها جبرئيل : « إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا » فأنكرت ذلك لانه لم يكن في العادة أن تحمل المرأة من غير فحل ، فقالت : « أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا » ولم يعلم جبرئيل أيضا كيفية القدرة فقال لها : « كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ- وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا- وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا » قال : فنفخ في جيبها فحملت بعيسى عليه السلام بالليل فوضعته بالغداة ، وكان حملها تسع ساعات جعل الله الشهور لها ساعات ، ثم ناداها جبرئيل : « وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ » أي هزي النخلة اليابسة ، فهزت وكان ذلك اليوم سوقا فاستقبلها الحاكة وكانت الحياكة أنبل صناعة في ذلك الزمان ، فأقبلوا على بغال شهب، فقالت لهم مريم: أين النخلة اليابسة؟ فاستهزؤوا بها وزجروها، فقالت لهم : جعل الله كسبكم نزرا (2)، وجعلكم في الناس عارا ، ثم استقبلها قوم من التجار فدلوها على النخلة اليابسة فقالت لهم: جعل الله البركة في كسبكم، و أحوج الناس إليكم، فلما بلغت النخلة أخذها المخاض فوضعت بعيسى، فلما نظرت إليه قالت: « يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا» ماذا أقول لخالي؟ وماذا أقول لبني إسرائيل؟ فناداها عيسى: « مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا » أي نهرا « وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ » أي حركي النخلة « تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا » أي طيبا ، وكانت النخلة قد يبست منذ دهر طويل فمدت يدها إلى النخلة فأورقت وأثمرت وسقط عليها الرطب الطري وطابت نفسها، فقال لها عيسى: قمطيني وسويني ثم افعلي كذا وكذا، فقمطته وسوته، وقال لها عيسى: « فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً- فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً » وصمتا كذا نزلت « فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا » ففقدوها في المحراب فخرجوا في طلبها ، وخرج خالها زكريا عليه السلام فأقبلت وهو في صدرها وأقبلن مؤمنات بني إسرائيل يبزقن في وجهها، فلم تكلمهن حتى دخلت في محرابها، فجاء إليها بنو إسرائيل وزكريا فقالوا لها: « يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا * يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ- وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا » ومعنى قولهم: يا أخت هارون أن هارون كان رجلا فاسقا زانيا فشبهوها به، من أين هذا البلاء الذي جئت به والعار الذي ألزمته بني إسرائيل؟ فأشارت إلى عيسى في المهد فقالوا لها: « كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا » فأنطق الله عيسى عليه السلام فقال: « إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ » أي يتخاصمون، فقال الصادق عليه السلام في قوله: وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ » قال: زكاة الرؤوس ، لان كل الناس ليست لهم أموال، وإنما الفطرة على الغني والفقير والصغير والكبير (3).
سيرة مريم عليها السلام
مريم عليها السلام تعتبر من أطهر نساء البشر وأكثرهن تقوى. وقد وصفها القرآن بأنها مثال للتقوى والطهارة، وأن الله اختصها برسالة عظيمة. يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾.
ووفق الروايات فقد كانت مريم تعيش حياة الزهد والعبادة، وحرصت على الانقطاع لله تعالى في صلاتها وعباداتها، وكان هذا التعلق بالله سببًا في تكريمها وإكرامها بولادة النبي عيسى عليه السلام. وكانت تتلقى وحيًا من الملائكة باستمرار، وأنها كانت مثالاً للأمومة الطيبة والتفاني في خدمة الله ورسله.
الطفولة والنشأة وسبل التربية
نشأ النبي عيسى عليه السلام في ظل والدته مريم، وكانت حياته منذ البداية مليئة بالمعجزات. فقد ذكرت الروايات أنه تحدث في المهد، وأثبت براءته وطهارة والدته أمام الناس.
وقد ورد في كتب السير والتاريخ أن عيسى عليه السلام نشأ على العبادة والتقوى، وكان دائم الصيام والصلاة، وكان يعلم ما في التوراة ويعلم الناس مبادئ التوحيد. وكان له شأن عظيم بين الناس منذ صغره، حتى عرف بحكمته وورعه قبل أن يكبر ويبدأ دعوته.
العلاقة بين النبي عيسى عليه السلام والنبي يحيى عليه السلام
وردت العديد من الروايات القرآنية التي تشير إلى العلاقة الوثيقة بين النبي عيسى ويحيى عليهما السلام، فقد كانا معاصرين لبعضهما، وكانا يدعوان الناس إلى التوبة والتقوى.
وقد أشارت الروايات كان يحيى نعم العون لعيسى عليهما السلام، وهو اول من صدق به إذ كان يشجع الناس على اتباع الطريق المستقيم، ويؤكد على وحدة رسالة الأنبياء جميعهم. وكان هناك تنسيق بين دعوة عيسى ويحيى في إصلاح المجتمع ودعوة الناس لعبادة الله وحده.
أوجه الشبه
1. الولادة : كانت ولادة يحيى عليه السلام من اب كبير طاعن في السن ومن ام مسنة وعقيم.
وكانت ولادة عيسى عليه السلام من ام دون اب ، وهي اعجب.
2. النبوة : وصل يحيى عليه السلام الى مقام النبوة وهو صبي وفي مرحلة الطفولة ، واعطاه الله عقلا وذكاء ودراية واسعة ، بحيث اصبح مؤهلا لتقبل هذا المنصب ، « ... وآتيناه الحكم صبيا » (4).
وكذلك عيسى عليه السلام وصل الى النبوة وكلم الناس وهو في المهد ، « قال اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا » (5).
3. عدم الزواج : لم يتزوج يحيى عليه السلام ولم يقترب من النساء ، وذلك قوله تعالى : « ... وسيدا وحصورا ... » (6) وحصورا بمعنى الذي يمتنع عن الزواج وترك الملذات الدنيوية.
وكذلك عيسى عليه السلام عاش حياة العزوبة ولم يتزوج.
4. النسب والقرابة : ان يحيى كان ابن خالة عيسى ، اي ام يحيى وام عيسى عليهما السلام اخوات.
5. صراع النبي عيسى عليه السلام مع بني إسرائيل: كان النبي عيسى عليه السلام موضع حسد وعداء من بعض اليهود الذين رفضوا دعوته. وقد وردت عدة قصص في القرآن توضح هذا العداء، فالقرآن الكريم، ولا سيّما آيات سورة النساء، تصرّح بأنّ اليهود ادّعوا قتل المسيح وصلبه، ثم نفى الله تعالى ذلك نفيًا قاطعًا، مبيّنًا أنّهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، وإنما شُبّه لهم، وأنّ هذه الدعوى جاءت في سياق تعداد جرائمهم، من قتل الأنبياء، ونقض المواثيق، والبهتان على السيدة مريم عليها السلام
كما تدعم السنّة الشريفة هذا المعنى، حيث تروي مصادر إسلامية معتبرة أنّ اليهود تآمروا على قتل عيسى عليه السلام، ما رواه عليُّ بن إبراهيم في تفسير القمِّي بسنده عن أبي جعفر عليه السلام قال: ".. « إنَّ اليهود جاءت في طلب عيسى من ليلتِهم .. وأخذوا الشاب الذي اُلقي عليه شبهُ عيسى فقُتل وصُلب » (7).
ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن جعفر عن آبائه عن النبيِّ صلى الله عليه وآله قال: « لمَّا اجتمعت اليهود على عيسى ليقتلوه بزعمهم أتاه جبرئيل فغشَّاه بجناحه » (8).
6. رفع النبي عيسى عليه السلام إلى السماء: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ،قَالَ: «إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَعَدَ أَصْحَابَهُ لَيْلَةَ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ عِنْدَ الْمَسَاءِ، وَ هُمْ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فَأَدْخَلَهُمْ بَيْتاً ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَيْنٍ فِي زَاوِيَةِ الْبَيْتِ، وَ هُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْمَاءِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّهُ رَافِعِي إِلَيْهِ السَّاعَةَ، وَ مُطَهِّرِي مِنَ الْيَهُودِ، فَأَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَحِي فَيُقْتَلُ،وَ يُصْلَبُ، وَ يَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟ فَقَالَ شَابٌّ مِنْهُمْ: أَنَا يَا رُوحَ اللَّهِ. قَالَ:فَأَنْتَ هُوَ ذَا.
فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ يَكْفُرُ بِي قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ كَفْرَةً. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا هُوَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ : أَ تُحِسُّ بِذَلِكَ فِي نَفْسِكَ؟ فَلْتَكُنْ هُوَ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إِنَّكُمْ سَتَفْتَرِقُونَ بَعْدِي عَلَى ثَلاَثِ فِرَقٍ؛ فِرْقَتَيْنِ مُفْتَرِيَتَيْنِ عَلَى اللَّهِ فِي النَّارِ، وَ فِرْقَةٍ تَتْبَعُ شَمْعُونَ صَادِقَةً عَلَى اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ. ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى عليه السلام إِلَيْهِ مِنْ زَاوِيَةِ الْبَيْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ» (9).
أخبر القرآن الكريم أن الله تعالى رفع عيسى عليه السلام إليه ولم يمت موتًا طبيعيًا، وذلك تكريمًا له وحفظًا لدعوته. يقول تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ (10).
وقد أوردت الروايات الشيعية أن رفع عيسى عليه السلام إلى السماء كان بعد أن حاول أعداؤه قتله، وأن الله أنقذه بمعجزة عظيمة، وأنه سيعود في آخر الزمان لإتمام أمر الله وإقامة العدل. وقد وردت في الروايات أن عيسى سيعود ليكسر الصليب ويقتل الخنزير ويعدل في الأرض، وهو جزء من العقيدة الشيعية حول ظهور الإمام المهدي عليه السلام وصلاة النبي عيسى عليه السلام خلفه.
1. آل عمران: 42-43.
2. القليل أي جعل الله ربحه قليلا.
3. تفسير القمي / علي بن ابراهيم القمي / المجلّد : 2 / الصفحة : 50.
4. سورة مريم : الآية 12.
5. سورة مريم : الآية 30.
6. سورة مريم : الآية 39.
7. تفسير القمي / علي بن ابراهيم القمي / المجلّد : 1 / الصفحة : 103.
8. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 14 / الصفحة : 338.
9. البرهان في تفسير القرآن / السيد هاشم البحراني / المجلّد : 1 / الصفحة : 628.
10. سورة النساء : الآية 157.









التعلیقات