من سماحة الشيخ محمّد السند
من سماحة الشيخ هادي العسكري
الجواب من الشيخ محمد السند: أمّا التعرّف على عقائد الشيعة الإماميّة ، فبإمكانك قراءة كتب العقائد الشيعيّة للتعرّف عليها مثل كتاب « تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي » ، فإنّه مليء بأسس عقائد الشيعة. وأمّا موسم أيّام عاشوراء ففيها قتل الحسين بن علي عليهما السلام ، وابن فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله سبط النبي صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ظلماً من قبل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الاُموي ، وسُبيت نساؤه وبناته ونساء أهل بيته ، وهنّ حفيدات رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فانتهكت الدولة الأمويّة حرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله في سبطه ، وانتُهك رسول الله صلّى الله عليه وآله في نساء أهل بيته. (1) وفوق كلّ ذلك طافوا برأس الحسين عليه السلام وبرؤوس أهل بيته البلدان من كربلاء إلى الكوفة إلى الشام ، استعراضاً في هتك حرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ولم يكتفوا بذلك بل طافوا بنساء أهل بيت الرسول صلّى الله عليه وآله البلدان. (2) مع أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : إنّ الحسن والحسين رَيْحَانَتَايَ منَ الدُّنْيا . (3) وقال صلّى الله عليه وآله : الحَسَنُ والحُسَيْنُ سَيِّدا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ (4). وقال صلّى الله عليه وآله : الحسن والحسين امامان قاما أو قعدا (5). بل إنّ الله تعالى قد أوصى جميع المسلمين بقوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (6) ، فجعل تعالى أجر جميع تبليغ دين الله تعالى هو مودّة قربى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والمودّة ليست مجرّد المحبّة بل هي شدّتها وابراز المحبّة ، فكيف بهذه الوصيّة الإلهيّة والفريضة القرآنيّة تُخالف وتُجحد وتُنتهك ، مع أنّه تعالى قد أعظم من شأنها فجعلها عدل وأجر الدين كله. وأمرنا بصلة قربى النبي صلّى الله عليه وآله لا بقطيعتهم ، بينما قام يزيد الأموي بما قام من هذا الجرم الفظيع الشنيع وقال : ليت أشياخي ببدر شهدوا وقع ـ إلى أن يقول : ـ لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل. (7) فهو يصرّح بأنّه يثأر لأجداده المشركين الذين قُتلوا ببدر ، وينتقم لهم من أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله به ، ويزداد يزيد عناداً وعصياناً ، فيكفر بتصديق الوحي والرسالة ، وكيف لا ؟! وهو الذي أتى بواقعة الحرّة الفجيعة في المدينة وأهلها ، وهتك كلّ الحرمات فيها في السنة الثانية من ملكه (8) ، وفي السنة الثالثة هدم الكعبة ورجمها بالمنجنيق (9). فما تصنعه الشيعة من إقامة الحزن والعزاء هو مواساة لرسول الله صلّى الله عليه وآله لما جرى على سبطه وحبيبه الحسين ، وعملاً بوصيّة القرآن بمودّة قربى الرسول ، ومقتضى المحبّة هو الحزن لمصائب المحبوب ، وقد قال تعالى في ما استعرضه من سيرة النبي يعقوب عندما ابتلي بفراق يوسف ابنه : ( وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (10). ( قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ) (11). إلى أن يقول تعالى : ( ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ * وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * ... * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ ) (12). وقد قال تعالى أيضاً : ( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ) (13). فنرى في هذه السيرة للنبي يعقوب التي قصّها لنا القرآن عبرة ولنقتدي بما فيها من توصيات ، إنّ سيرة النبي يعقوب عليه السلام الحزن على ما أصاب ابنه يوسف حتّى بلغ من حزنه وبثّه أن عميت عيناه ، وقد عابه أبنائه على ذلك ، فلم يعبأ باستنكارهم عليه بل استنكر هو عليهم جهلهم برشاد فعله من الحزن على يوسف ، وقاوم النبي يعقوب عليه السلام أبناءه في استنكارهم عليه الحزن على يوسف ورميهم له بالضلال ، واستنكارهم طول حزنه على يوسف الذي استمرّ عقوداً من السنين. ّففي هذه الآيات يوصينا القرآن بالعبرة من فعل النبي يعقوب بإقامة الحزن ، وبث الشكوى إلى الله تعالى على فقد أبناء الأنبياء المصطفين ، وعلى ما جرى عليهم من المصائب ، حتّى أنّ النبي يعقوب عليه السلام بلغ به الحزن الشديد أن تسبّب ذلك في عمي عينيه الشريفتين ، ولم يكن يعقوب يعبأ بذلك ولا بما ينكره عليه الآخرون من الحكم بضلاله ، فقد أصرّ على أنّ الحزن وبثّه الشكوى على المصاب على أبناء الأنبياء المصطفون من الرشاد. مع أنّ يعقوب قال لأولاده : ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) (14) ، فلم يكن حزنه وبكائه ، ويثّه الشكوى إلى الله في المدّة الطويلة الزمنيّة حتّى عميت عيناه ، لم يكن ذلك منافياً للصبر الجميل ؛ والسرّ في ذلك مع أنّ الجزع والحزن الشديد غير ممدوح في ما يجري على الإنسان من مصائب كموت عزيز وفقد حبيب ، وذلك لكونه اعتراضاً على قضاء الله وقدره وعدم الرضا بتقديره ، السرّ في فعل النبي يعقوب هو كون يوسف ليس من قبيل بقيّة الناس بل كان مجتبىً ومصطفىً ؛ كما في قول يعقوب له : ( وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (15). أي أنّ أهل بيوت الأنبياء وذريّتهم المجتباة المُنعم عليهم يستحقّون التقدير والاحترام والمودّة ، لأنّهم قدوات البشريّة ، وأعظم الثروات المعنويّة التي تهتدي بتوسطها البشريّة إلى الصراط المستقيم . وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله في الخبر المتواتر الذي رواه أهل السنّة والشيعة : إنّي تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله عزّ وجلَّ وأهل بيتي عترتي ، أيّها الناس اسمعوا وقد بلّغت ، إنّكم ستردون عليَّ الحوض فأسألكم عمّا فعلتم في الثقلين والثقلان : كتاب الله جلَّ ذكره وأهل بيتي ، فلا تسبقوهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فانّهم أعلم منكم. (16) فعترته هم : علي وفاطمة والحسن والحسين ، وقد فرّطت جماعات من المسلمين فيهم وتركوا التمسّك بهما معاً ، مع أنّه تعالى قد أمر النبي صلّى الله عليه وآله في يوم المباهلة بالاحتجاج بعترته ومنهم الحسين عليه السلام ؛ فقال تعالى : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (17) ، فجعل الله تعالى الحسين عليه السلام ممّن يحتجّ به على أهل الكتاب (18) والبشريّة إلى يوم القيامة ، فجعل الباري الحسين عليه السلام حجّته على البشريّة في صدق نبوّة الرسول صلّى الله عليه وآله ، وهذا نداء من القرآن خالد على مقام الحسين عليه السلام. وكذلك ما في سورة الدهر والإنسان من وصفه من عباد الله الذين يسبقون الأبرار (19) ، فالحزن على الحسين عليه السلام والحزن على يوسف ليس تبرما ، وعدم رضا بتقدير الله تعالى بل هو مودّة لذي القربى وتمسّكاً بالثقلين واستنكاراً للظلم ، وابتعاداً من الضلال الذي يسير عليه يزيد وأمثاله من أعداء أولياء الله تعالى. هذا وقد أمر الرسول صلّى الله عليه وآله بعد غزوة أحد بالبكاء والندبة على عمّه حمزة (20) ، فكيف بابنه وريحانته الحسين عليه السلام ؟ ! الهوامش 1. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لأبي مخنف الأزدي » / الصفحة : 190 ـ 224 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. تاريخ الطبري « لمحمّد بن جرير الطبري » / المجلد : 4 / الصفحة : 301 ـ 360 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 72 ـ 122 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. 2. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 363 / الناشر : مؤسسة الخرسان. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 99 ـ 103 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلد : 45 / الصفحة : 144 ـ 145 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. راجع : صحيح البخاري / المجلد : 6 / الصفحة : 136 / الناشر : أوقاف مصر / الطبعة : 2. سنن الترمذي / المجلد : 5 / الصفحة : 322 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 2. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلد : 3 / الصفحة : 127 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 4. مسند أحمد بن حنبل / المجلد : 17 / الصفحة : 31 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. راجع : سنن الترمذي / المجلد : 5 / الصفحة : 321 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 2. سنن الكبرى « للنسائي » / المجلد : 5 / الصفحة : 50 / الناشر : دار الكتب العلمية / الطبعة : 1. أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلد : 3 / الصفحة : 7 / الناشر : دار التعارف / الطبعة : 1. 5. المناقب « لابن شهرآشوب » / المجلد : 3 / الصفحة : 395 / الناشر : علامه / الطبعة : 1. 6. الشورى : 23. 7. تاريخ الطبري « لمحمد بن جرير الطبري » / المجلد : 10 / الصفحة : 60 / الناشر : دار التراث / الطبعة : 2 : ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا جزَعَ الخزْرَجِ من وقع الأَسلْ قد قتلنا القَوْم من ساداتكمْ وعدَلنا ميْلَ بدر فاعتدَلْ فأَهَلُّوا واستهلُّوا فرحاً ثم قالوا : يا يزيد لا تُسَلْ لسْتُ من خندِفَ إن لم أَنتقم من بني أحمدَ ما كان فعلْ وَلِعَتْ هاشِمُ بالمُلكِ فلا خبرٌ جاءَ ، ولا وحيٌ نزَلْ 8. راجع : تاريخ الطبري « لمحمد بن جرير الطبري » / المجلد : 4 / الصفحة : 370 ـ 381 / الناشر : دار التراث / الطبعة : 2. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك « لابن الجوزي » / المجلد : 6 / الصفحة : 12 ـ 17 / الناشر : دار الكتب العلمية. أنساب الاشراف « للبلاذري » / المجلد : 5 / الصفحة : 319 ـ 337 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 9. راجع : أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار « للأزرقي » / المجلد : 1 / الصفحة : 203 / الناشر : دار الأندلس للنشر. الأخبار الطوال « لابن قتيبة الدينوري » / المجلد : 1 / الصفحة : 267 ـ 268 / الناشر : منشورات الشريف الرضي / الطبعة : 1. أنساب الاشراف « للبلاذري » / المجلد : 5 / الصفحة : 339 ـ 343 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 10. يوسف : 84 ـ 86. 11. يوسف : 94 ـ 95. 12. يوسف : 102 ـ 111. 13. يوسف : 13. 14. يوسف : 18. 15. يوسف : 6. 16. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلد : 1 / الصفحة / 294 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5. راجع : مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 17 / الصفحة : 170 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : عن أبي سعيد قال : قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم « إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُما أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ ، كتابُ الله حَبْلٌ مَمْدودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرْضِ ، وعِتْرَتي أَهلَ بَيْتِي ، وإنَّهما لَنْ يَفْتَرِقا حتى يَرِدا عليَّ الحَوْضَ » . أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 2 / الصفحة : 111 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 1 : عن زيد بن أرقم قال : كنّا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع فلما كنا بغدير خم بدوحات فقممن ثمّ قام فقال : كأنّي قد دعيت فأجبت وانّ الله مولاي وأنا مولى كلّ مؤمن ، وأنا تارك فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ثم أخذ بيد علي فقال : من كنت وليه فهذا وليه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 63 / الناشر : مكتبة ابن تيمية : حدثنا محمد بن عبدالله الحضرمي ثنا منجاب بن الحارث ثنا علي بن مسهر عن عبدالملك بن أبي سليمان عن عطية بن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال النبي صلّى الله عليه وسلّم : « ايها الناس اني تارك فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي أمرين أحدهما أكبر من الاخر كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والارض وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » . 17. آل عمران : 61. 18. راجع : شواهد التنزيل لقواعد التفضيل « للحاكم الحسكاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 157 / الناشر : مؤسسة الطبع والنشر : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُقْرِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ بِ « بَلْخٍ » قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ [ أَخْبَرَنَا ] يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ فِي ] قَوْلِهِ : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ) فَبَلَغَنَا ـ وَاللهُ أَعْلَمُ [ كَذَا ] أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى نَبِيِّ اللهِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ وَمَعَهُمُ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ وَ [ أَ ] بُو حَنَسٍ وَأَبُو الْحَرْثِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ وَهُوَ رَأْسُهُمْ وَهُوَ الْأُسْقُفُّ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ أَهْلِ نَجْرَانَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ لِمَ تَذْكُرُ صَاحِبَنَا وَسَاقَ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ : وَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ ) إِلَى [ قَوْلِهِ ] ( لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) . وَسَاقَ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ : قَالُوا : نُلَاعِنُكَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَعَهُ فَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ فَقَالَ : هَؤُلَاءِ أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا وَأَنْفُسُنَا فَهَمُّوا أَنْ يُلَاعِنُوا ـ ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْحَرْثِ قَالَ لِلسَّيِّدِ وَالْعَاقِبِ : وَاللهِ مَا نَصْنَعُ بِمُلَاعَنَةِ هَذَا شَيْئاً ، فَصَالَحُوهُ عَلَى الْجِزْيَةِ. قَالُوا : صَدَقْتَ [ يَا ] أَبَا الْحَرْثِ. فَعَرَضُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ الصُّلْحَ وَالْجِزْيَةَ فَقَبِلَهَا ـ وَقَالَ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ـ لَوْ لَاعَنُونِي مَا أَحَالَ اللهُ لِيَ الْحَوْلَ وَبِحَضْرَتِهِمْ مِنْهُمْ بَشَرٌ ـ إِذاً [ كَذَا ] لَأَهْلَكَ اللهُ الظَّالِمِينَ. تفسير السمعاني / المجلّد : 1 / الصفحة : 327 / الناشر : دار الوطن / الطبعة : 2 : قوله تعالى : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ) أي : جادلك في الحق ( مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) . هذا في دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم بني نجران إلى المباهلة ، روى سعد بن أبي وقاص : « أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ بيد الحسن والحسين وفاطمة وعلي ، ثم دعاهم إِلى المباهلة. فقوله ( نَدْعُ أَبْنَاءَنَا ) أراد به : الحسن والحسين ، وقوله : ( وَنِسَاءَنَا ) يعني : فاطمة ، وأنفسنا يعني : نفسه وعليّ ، فإن قال قائل : كيف قال : ( وَأَنفُسَنَا ) وعليّ ـ رضي الله عنه ـ غيره ؟ قيل : العرب تسمى ابن عم الرجل نفسه ، وعليّ كان ابن عمه ، وقيل : ذكره على العموم لجماعة أهل الدين. مفاتيح الغيب [ التفسير الكبير ] « لفخر الدين الرازي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 247 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 3 : روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران ، ثم إنهم أصروا على جهلهم ، فقال عليه السلام « إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم » فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في أمر ناثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب : وكان ذا رأيهم ، يا عبد المسيح ما ترى ، فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لكان الاستئصال فان أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج وعليه مرط من شعر أسود ، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعلي رضي الله عنه خلفها ، وهو يقول ، إذا دعوت فأمنوا ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ، إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، ثم قالوا : يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك فقال صلوات الله عليه : فاذا أبيتم المباهلة فأسلموا ، يكن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما على المسلمين ، فأبوا ، فقال : فاني أناجزكم القتال ، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة : الفا في صفر ، وألفا في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلي على أهل نجران ، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله ، حتى الطير على رؤس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا ، وروى أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود ، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله ، ثم جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثم فاطمة ، ثم علي رضي الله عنهما ثم قال ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث. 19. الإنسان : 5 ـ 22. 20. راجع : الاستيعاب في معرفة الأصحاب « لابن عبد البر » / المجلّد : 1 / الصفحة : 374 / الناشر : دار الجيل / الطبعة : 1. المغازي « للواقدي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 315 / الناشر : نشر دانش اسلامي. المصنف « لعبد الرزاق الصنعاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 561 / الناشر : منشورات المجلس العلمي.
حيث إنّ نتائج ثورة ونهضة الحسين عليه السلام هي البواعث لها ، وقد ذكرها عليه السلام في عدّة من خطبه وكلماته الشريفة. منها : وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلّى الله عليه وآله وسلّم أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ... (1) ؛ فقد استبدلت الخلافة الإسلاميّة على يد معاوية بملك الوراثة النَسبيّة الترابيّة ، وهذا انحراف خطير في الدين والأمّة الإسلاميّة أن يتبدّل مسار الزعامة الدينيّة والدنيويّة. منها : ما قاله الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : حسين مني وأنا من حسين (2) ؛ فإنّ « من » ههنا ليس المراد منها التولّد بل أحد معاني الكناية فيها هو أنّ دين النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وشريعته بقاؤها مرهون بالحسين عليه السلام ، وذلك لأنّ بني اُميّة ـ معاوية ويزيد وآلهما ـ كانوا مصرّين على محو الشريعة ، وإزالة الدين بالتدريج حتّى لا يبقى رسم ولا اسم منه ، وكلمات معاوية ويزيد في ذلك معروفة (3) ، وكيف لا والبيت الاُموي بزعامة أبو سفيان لم ينثني عن مجابهة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ودولته في المدينة ومن قبل في مكّة ، واستمرّ إيقاده للحروب ضدّ الرسول حتّى عام الفتح لمكّة !! (4) ومن الواضح أنّ هذا الموقع القبلي الذي يتمتّع به أبو سفيان وبنو اُمية لم يتبدد بفتح مكّة بل بقي على حاله ، وإن كانوا في الظاهر استسلموا أمام السلطة الإسلاميّة الجديدة للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ويتبيّن ذلك في قول أبي سفيان لعلي بن أبي طالب عليه السلام في أيّام السقيفة يريد إغراءه بمناصرته ضدّ أصحاب بيعة السقيفة : لئن شِئتم لأَمْلأنّها خَيْلاً ورجلاً (5). وكذلك استرضاء أبي بكر لأبي سفيان عندما اعترض على استخلافه ، وان تيم أخمل قريش ذكراً وبطنا ، استرضاه بتنصيب يزيد بن أبي سفيان على الشام. ومن ثمّ الخليفة الأوّل والثاني لم يجدا بُدّاً من الاستعانة ـ في جهاز الحكم وقيادة الجيوش وكسب الغنائم والمناصب ـ بالحزب القرشي المناوئ لبني هاشم وللأنصار ، وإلى ذلك يشير الحسين عليه السلام : وعلى الإسلام السَّلام إذا بليت الاُمة براعٍ مثل يزيد (6). ومنها : سنّ السنّة الإلهيّة العظيمة وهي مجاهدة الظالمين والطغاة من الحكّام في الدولة الإسلاميّة والثورة عليهم ردعاً للمنكر ، وإقامة للمعروف في كافة أشكاله ونظمه وأبوابه ، وإلى ذلك يشير بقوله عليه السلام استناداً إلى قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً عهده مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله (7) ، أو : أَفْضَلَ الجهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جَائِرٍ (8). ومنها : استدعاء أهل العراق ومبايعتهم له عليه السلام ، لإقامة الحكم الإلهي العادل الحقّ. ومنها : عزم يزيد اغتيال الحسين عليه السلام بكلّ طريقة وسبيل ، وقد أشار عليه السلام إلى ذلك في عدّة من خطبه (9). والملخّص : إنّ هناك العديد من الأسباب ودواعي الحكمة في نهضته عليه السلام اجتمعت ، حتّى أنّ كثيراً من أصحاب الأقلام ينسبون تولّد التشيّع إلى نتائج ثورة الحسين عليه السلام وتعاطف محبّي أهل البيت عليه السلام لمظلوميّته ، وهذا القول وإن كان تنكر للحقائق القرآنيّة والسنن النبويّة الدالّة على إمامة أهل البيت عليهم السلام ومذهبهم ، إلّا أنّه يعكس مدى تعرية الإنحراف الذي أصاب المسلمين ، وتكشف كثير من الحقائق وتزييف الباطل الذي لم يتحقّق قبل ثورة الحسين عليه السلام. الهوامش 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 139 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « للموفق الخوارزمي » / الصفحة : 273 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2. 2. كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 116 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. راجع : الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 127 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2. المصنف « لابن أبي شيبة الكوفي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 515 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. مسند الإمام أحمد بن حنبل / المجلّد : 29 / الصفحة : 103 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. 3. الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 1 / الصفحة : 190 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2. راجع : الجمل « للشيخ المفيد » / الصفحة : 57 / الناشر : مكتبة الداوري. إعلام الورى بأعلام الهدى « للشيخ الطبرسي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 271 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1. الشعائر الحسينيّة « للشيخ محمّد السند » / الصفحة : 457 / الناشر : دار الغدير. 4. من أشعار يزيد بن معاوية : اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 105 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1 : ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل فأهلّوا واستهلّوا فرحا ولقالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرن من ساداتهم وعدلنا قتل بدر فاعتدل لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل ومنها : معشر الندمان قوموا واسمعوا صوت الأغاني واشربوا كأس مدام واتركوا ذكر المعاني ومنها : شغلتني نغمه العيدان عن صوت الأذان وتعوضت عن الحور عجوزا في الدّنان ومنها : دع المساجد للعباد تسكنها واجلس علي دكّة الخمّار واسقينا إنّ الّذي شربا في سكره طربا للمصلّين لا دنيا ولا دينا ما قال ربّك ويل للذي شربا لكنّه قال ويل للمصلّينا 5. راجع : أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 124 و 312 / الناشر : معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية. المغازي « للواقدي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 181 / الناشر : نشر دانش إسلامي. السيرة النبويّة « لابن هشام الحميري » / المجلّد : 3 / الصفحة : 581 / الناشر : مكتبة محمد علي صبيح وأولاده. 6. مقتل الحسين عليه السلام « للموفق الخوارزمي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 268 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 132 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 18 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 326 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 7. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 189 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. راجع : تاريخ الطبري « لمحمّد بن جرير الطبري » المجلّد : 4 / الصفحة : 304 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. مقتل الحسين عليه السلام « للموفّق الخوارزمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 305 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2. الكامل في التاريخ « لابن الأثير » / المجلّد : 4 / الصفحة : 48 / الناشر : دار الصادر. 8. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيّد ابن طاووس » / الصفحة : 39 ـ 40 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1 : سار محمد بن الحنفية إلى الحسين في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مكة فقال يا أخي إن أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من في الحرم وأمنعه. فقال : يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت . تاريخ الطبري « لمحمّد بن جرير الطبري »/ المجلّد : 4 / الصفحة : 296 / الناشر : مؤسسة الأعلمي : عن جعفر بن سليمان الضبعي قال : قال الحسين : والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة ... تاريخ الطبري « لمحمّد بن جرير الطبري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 290 / الناشر : مؤسسة الأعلمي : ثم افترقا ـ قال هشام ـ عن عوانة بن الحكم عن لبطة بن الفرزدق ابن غالب عن أبيه قال حججت بأمي فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج وذلك في سنة 60 إذ لقيت الحسين بن علي خارجا من مكة معه أسيافه وتراسه فقلت لمن هذا القطار فقيل للحسين بن علي فأتيته فقلت بأبي وأمي يا ابن رسول الله ما أعجلك عن الحج فقال لو لم أعجل لأخذت . 9. مسند الإمام أحمد بن حنبل / المجلّد : 17 / الصفحة : 228 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. راجع : المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 8 / الصفحة : 282 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. المستدرك « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 504 / الناشر : دار المعرفة. كنز العمال « للمتقي الهندي » / المجلّد : 15 / الصفحة : 923 / الناشر : مؤسسة الرسالة.
الجواب من الشيخ محمد السند: السرّ في قراءة الحسين عليه السلام : ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ) (1) على وجه الخصوص دون غيرها ، هو : أنّ الآية الإعجازيّة التي كانت لله تعالى في أصحاب الكهف أنّهم كانوا مؤمنين موحّدين مضطهدين من قبل الملك والسلطان المتغلّب في وقتهم ، وكان مجتمعهم يتابع ذلك السلطان الغاشم ، فكانوا منفردين في طريق الحقّ والهداية ، وكان قوم الملك يستأصلونهم لو اطّلعوا على دينهم أو سيطروا عليهم ، إلّا أنّه بقدرته تعالى أبقى وحفظ أصحاب الكهف بعدما هلك ذلك السلطان وقومه ونشأ نسل جديد وحضارة أخرى ، ليبيّن تعالى على أنّه قادر على نصر المستضعفين ويرجعهم إلى الدار الدنيا وتكون العاقبة هي غلبتهم على القوم الظالمين (2) ، كما في قوله تعالى : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (3) ، و ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (4) ، وغيرها من الآيات الدالّة على رجوع الصالحين إلى الدار الدنيا ، وكون العاقبة لهم جزاءً دنيويّاً من الله تعالى قبل جزاء ثواب الآخرة. الهوامش 1. الكهف :9. 2. راجع الآيات 8 إلى 26 سورة الكهف. 3. القصص : 5. 4. الأنبياء : 105.
الجواب من الشيخ محمد السند: نظير هذا الإعتراض يذكر في مواجهة الصدّيقة الزهراء عندما أراد جماعة السقيفة إجبار أمير المؤمنين عليه السلام علي بن أبي طالب على بيعتهم ، فتصدّت لهم من وراء الباب ، وقد كان عليه السلام في البيت ، فيورد المعترضون أنّه كيف تسمح الغيرة الأبيّة لمثل أمير المؤمنين ولسيّد الشهداء بذلك ؟! وما الحكمة في ذلك وهما صلّى الله عليه وآله قد اتّفق ذلك منهما بوصيّة من رسول الله صلّى الله عليه وآله ، كما جاء في الروايات أنّه صلّى الله عليه وآله أخذ على عليّ عليه السلام الصبر (1) ، وعلى الحسين عليه السلام إنّ الله شاء أن يراهن سبايا (2) ؟! فهل الإرادة والمشيئة إلالهيّة تتعلّق بذلك ؟! وكيف وجه الحكمة فيه ؟! ويستعرض لنا القرآن الكريم الإجابة عن ذلك بأنّ المجاهدة في سبيل الله ومقارعة المعسكر الآخر كما تكون بالنفس والمال تكون بالمخاطرة بإهانة العرض لا بنحو الابتذال والتدنيس ، كما في قصة مريم عليها السلام. ففي سورة آل عمران : ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (3). وفي سورة مريم : ( فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) (4). وفي سورة المؤمنون : ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (5). فمريم قد تعرّضت لوظيفة حمل النبي عيسى عليه السلام من غير أب ، لتتحقّق المعجزة الإلهيّة لإثبات نبوة عيسى عليه السلام ، وبعثته بشريعة جديدة ناسخة لشريعة موسى عليه السلام ، مع أنّ تحقيق المعجزة هذه كان يخاطر بسمعة مريم وعرضها إلى درجة مواجهة بني إسرائيل لها بالقذف والبهتان ، ولكن كل ذلك لا يعنى ابتذال وتدنيس مريم بل غاية الأمر إهانة عرضها ، فتحمّلت المسؤولية الإلهيّة وأعباء المعجزة والرسالة الجديدة ، مع أنّها أصعب من الجهاد بالنفس والقتل بالسيف للإنسان الغيور ، وبالنسبة للمرأة العفيفة التي أحصنت فرجها ؛ ولذلك قالت : ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ) (6) ، ولكن جهادها وتحملها أقام الحجّة على كفّار بني إسرائيل ، فجعلها الله تعالى آية حجّة تشارك ابنها النبي عيسى عليه السلام في الحجيّة. وهناك واقعة أخرى يسردها لنا القرآن ، وهي : واقعة المباهلة : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (7). فههنا في واقعة المباهلة احتجّ الله بالزهراء عليها السلام على حقانيّة الشريعة المحمّدية ، ونبوّة سيّد الرسل جنباً إلى جنب الاحتجاج بالأربعة بقيّة أصحاب الكساء. ففي هذه الواقعة قد تحمّلت الصدّيقة الزهراء عليها السلام بأمر من الله تعالى أنزله في القرآن ، تحمّلت المشاركة في المباهلة أمام ملأ أهل الكتاب وهو نمط من المنازلة والمواجهة. فإذا اتّضح بعض الأمثلة المسطورة في القرآن الكريم من نماذج المجاهدة بالعرض لا بدرجة الابتذال والتدنيس ، يتّضح عدم المجال لمثل هذه الإعتراضات الناشئة من عدم الإحاطة بجهات أحكام الشريعة ، وعدم الإحاطة بملابسات الأحداث التاريخيّة في صدرالإسلام ، وقراءة الأحداث بشكل مبتور تخفى فيه الحقيقة كما هي عليه ثمّ الأخذ في الحكم على هذه الصورة المقطعة. فإنّ الحكمة في كلّ من فعل الأمير عليه السلام والحسين عليه السلام هو لأجل تعرية وفضح الخصم ، والكشف عن جرأته على مقدّسات الدين وحريم النبي صلّى الله عليه وآله ، وأنّ الخصم لا يتقيّد بأبجدية المبادئ الدينيّة. وكان استخدام هذا النمط من المواجهة والجهاد في ظرف اُغلقت فيه أيّ فرصة أخرى لدحض إجرام الخصم وباطله أمام أنظار وأذهان الناس المفتتنة بأكاذيب الخصم الناسية لوصايا القرآن والنبي صلى الله عليه وآله في حقّ العترة المطهّرة ، ولولا موقف الزهراء عليها السلام والعقيلة زينب عليها السلام لكان الخصم يلتف بدعايته ووسائل إعلامه على الحقيقة ويغيب على الناس في ذلك الوقت ـ فضلاً عن الأجيال اللاحقة ـ حقيقة الموقف ؛ ولأجل ذلك أوصت عليها السلام بإخفاء قبرها وتشييعها ليلاً خفية (8) ليظلّ ذلك رمزاً يطنّ في أذن التاريخ على الحقيقة التي حاولوا اخفاءها. الهوامش 1. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 150 / الناشر : دليل ما. خصائص الأئمّة « للسيّد الرضي » / الصفحة : 72 ـ 73 / الناشر : مجمع البحوث الإسلاميّة. نهج البلاغة « للسيد الرضي » / الصفحة : 48 / الناشر : مركز البحوث الإسلاميّة / الطبعة : 1. 2. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 40 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. راجع : بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 364 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. آل عمران : 45 ـ 47. 4. مريم : 17 ـ 30. 5. المؤمنون : 50. 6. مريم : 23. 7. آل عمران : 61. 8. راجع : تأويل مختلف الحديث « لابن قتيبة » / المجلّد : 1 / الصفحة : 279 / الناشر : دار الكتب العلميّة ـ بيروت. المصنف « لعبد الرزاق الصنعاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 521 / الناشر : منشورات المجلس العلمي. علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 185 / الناشر : منشورات المكتبة الحيدريّة. طبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 8 / الصفحة : 29 ـ 30 / الناشر : دار الصادر ـ بيروت.
الجواب: من سماحة الشيخ محمّد السند قد ورد في الحديث عنهم صلوات الله عليهم إنّ القرآن مأدبة الله ، والتدبر والتفكر ليس حكراً على فئة العلماء من أي تخصص كانوا . وقد قال تعالى : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(محمّد/24). وقال :{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (سورة ص/29). وقال :{ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}(البقرة/1ـ 5). نعم للقرآن درجات وبطون إلى سبعين بطن وكلٌّ يغترف على قدر طاقته وقابليته ومؤهلاته العلمية والعملية بل إنّ أعماقه لا يصل إليها إلا المطهرون كما في سورة الواقعة ، كما إنّ قوله تعالى في سورة البقرة منبّه على أنّ الهداية القرآنية هي من نصيب المتقين ذوي المواصفات المتقدمة ، والتدبر والتفكر ، وإن كانا يتوقفان على العلم ودرجاته إلا أنّ العلم الفطري المودع في كل شخص بشري كفيل في توفير القدر على فهم أصول المعارف القرآنية في المجالات المختلفة ، كالعقيدة والفقه والأخلاق والآداب والحكمة والسنن التاريخية واللطائف المعنوية العرفانية وأصول القانون وأبوابه المختلفة وغيرها ، نعم تفاصيل تلك المعارف ودقائقها تتطلب الإلمام بعلوم العربية والأدب وغيرها ، والاطلاع على الروايات الواردة التفسيرية وغير ذلك ، وبإمكان القارئ للقرآن الاستعانة بالكتب التفسيرية المختلفة المعتمدة والموثوقة ، وهي تتدرج بالقارئ شيئاً فشيئاً إلى مستويات أعمق ، وإن لم يعني ذلك كونه من أهل التخصص وابداء النظر ، لكن ذلك لا يمنع فتح باب الفكر والعقل والقلب أمام أنوار هدايات القرآن ، فالسير في رحاب القرآن أمر ، والصيرورة من أهل الاختصاص والنظر أمر آخر ، وتصور الشيء أمر ، والتصديق به أمر آخر. أمّا الاتعاظ بالقرآن وقصصه وأمثاله وحكمه ، ووصاياه وتهذيب النفس ، وصقلها في جوّ الخطاب القرآني ، فمن المعلوم أنّ ذلك لا يحصل بتلك الدرجة من غير القرآن ، فإنّ التركيب الخاص والنظم المناسب سواء للألفاظ أو للمعاني أو للقضايا أو للنتائج أو للرؤى أو للمبادئ أو للعلوم وغيرها الموجود في الكتاب العزيز هو بدرجة لا تصل إليها القدرة البشرية في أي كتاب مؤلف من الإنس أو الجن ، فمن ثمّ كان ما يفعله القرآن في القارئ له من الناحية العلمية والعملية ، هو ما لا يفعله كتاب غيره ، ولأجل ذلك وصفه المشركون الذين كانوا يعارضون الدعوة المحمدية بأنّه سحر لما يشاهدونه من جذبات قرآنية تصنع في نفوسهم من دون اختيار. بل انّه من الثابت المقرّر بحسب الآيات والروايات والعلوم المختصة المشتهرة وغير المشتهرة أنّ قراءة القرآن لغير العارف باللغة العربية ، كأبناء اللغات الأخرى ، له تأثيره الروحي الخاص فضلاً عن الحفظ والأمن النفسي وغيره الذي توجبه قراءة القرآن على النفس والمال والأهل وغير ذلك من الخواص ، وإن كان ذلك أقلّ ما يستثمره القارئ ، ولكن ليست القراءة لقلقة مجردة كما قد يتُوهم ، نظير أذكار الصلاة وغيره من الأذكار بالاسماء والصفات الإلهية ، فالعمدة أنّ على القارئ أن يعتني في البداية في تقوية تدبراته وتأملاته أثناء القراءة للقرآن المجيد ، بتوسط معرفة غريب ألفاظ القرآن ، ثمّ التدرج في معرفة التفسير اللفظي ، ثمّ معرفة أسباب النزول ، ثمّ معرفة الروايات الواردة عن الثقل الثاني أعدال الكتاب ، ثمّ الاطلاع على بقية أنواع التفسير ، كل ذلك بحسب الوسع والتفرغ والقدرة ولو يسيراً ، فإنّه مع طول المدة وتكرر القراءة يصل القارئ إن شاء الله تعالى إلى مدارج محمودة من معرفة المعاني للآيات والسور ، لا سيما مع مراعاة جانب تهذيب النفس والتقوى ، فإنّ الهاتف والنداء القرآني يسمعه من صغى قلبه ، وطهر خلقه ، وقوى إيمانه ، كما أشارت إليه الآيات التي مرّت في صدر الكلام .
اسماء سور القرآن السؤال أ ـ ما هي الحكمة أو القاعدة المتبعة في تسمية السور في القرآن الكريم ؟ ب ـ من الملاحظ في العديد من السور الواحدة تشتمل على عدد من المواضيع لا تنسجم مع عنوان السورة ذاتها ، فعلى سبيل المثال في سورة البقرة بالإضافة إلى قصة البقرة ( آيات 67 ـ 71 ) نجد عدداً من المواضيع الاُخر مثل : 1ـ إبراهيم عليه السلام ( الآيات 124 ـ 133 ) . 2ـ القبلة ( الآيات : 142 ـ 150 ) . 3ـ الحج ( الآيات : 196 ـ 203 ). 4ـ استخلاف آدم عليه السلام : ( الآيات : 30 ـ 39 ) . فكيف يمكن تبرير إدراج هذه المواضيع المختلفة ضمن عنوان البقرة ؟ ج ـ من الذي وضع الأسماء للسور في القرآن الكريم ؟ د ـ هل هناك أسماء موضوعية للسور في القرآن الكريم الجواب: من سماحة الشيخ محمّد السند أسماء السور هل هي توقيفية أي موضوعة من الله تعالى ، أو من نبيه صلى الله عليه وآله ، أو هي موضوعة من المسلمين في الصدر الأوّل بحسب ما تعارف واشتهر استعماله لديهم ؟ قال الزركشي الشافعي في كتابه البرهان في علوم القرآن ج1 ص270 : « ينبغي البحث عن تعداد الأسامي هل هو توقيفي أو بما يظهر من المناسبات ؟ فإن كان الثاني فلن يعدم الفطن أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق اسمائها ، وهو بعيد ـ ثمّ قال ـ خاتمة في اختصاص كل سورة بما سُمّيت : ينبغي النظر في وجه اختصاص كل سورة بما سميّت به ، ولا شك أنّ العرب تراعي في الكثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون في الشيء ... ويسمون الجملة من الكلام أو القصيدة الطويلة بما هو أشهر ما فيها ، وعلى ذلك جرت اسماء سور الكتاب العزيز ... » إلى آخر كلامه . ويظهر منه عدم الجزم بتوقيفية الأسماء لا سيما وأنّ ما علل به التسمية يناسب تواضع الاستعمال عليها لمناسبات الاستعمالات اللغوية . وقال السيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن» : « وقد ثبتت اسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار ، ولولا خشية الإطالة لبينت ذلك ، وممّا يدل لذلك ما اخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة ، قال : كان المشركون يقولون سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزؤون بها فنزل : {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ }(الحجر/95) » . ويظهر من ذيل كلامه ، أنّ بعض الأقوال أنّ بعض الأسماء توقيفية ، وبعضها موضوعة للمناسبة ، لا سيما وإنّ كل سورة من السور لها اسماء متعددة . وفي الروايات الواردة في فضائل السور وغيرها عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تسمية السور بالأسماء المعروفة لها ممّا يدل على امضاء التسمية ، وعلى كل تقدير فهذه الأسماء اسم علم للسور حالياً ، واستحداث اسم لها هو نحو تصرف موقوف على الإذن الشرعي . وقد حكى شيخنا الجوادي الآملي عن استاذه العلامة الطباطبائي تعجبه من تسمية سورة الأنعام بالأنعام مع أنّها من أعظم السور فقد اشتملت على ما يزيد على الأربعين برهاناً في التوحيد ، والأولى تسميتها بالتوحيد ونحو ذلك ، وهذا مؤشر على أنّ التسمّية للسور من مسلمي الصدر الأوّل بحسب تكرر الاستعمال .. . وهناك الكثيرين من مفسري أهل سنة الجماعة ممّن يقول بتوقيفية الأسماء ، إلا أنّ المقدار المعلوم من ذلك هو تعارف هذه التسميات في عهده صلى الله عليه وآله إجمالاً ، كما أنّه من المعلوم اختلاف الصحابة في التسمية بحسب ما روي عنهم ، كما أنّ المقدار المروي عنه صلى الله عليه وآله هو تسمية مجموعات السور كالطوال والمثاني والمئين والمفصّل والطواسيم والحواميم ونحو ذلك . كما أنّ الصحابة لم يثبتوا في المصحف أسماء السور بل بإثبات البسملة في مبدأ كل سورة ، وهي العلامة لفصل السور عن بعضها البعض ، فالتسمية ليست قرآنية ، كما أنّه ممّا ورد في لسان روايات أهل البيت عليهم السلام يظهر استعمالهم لتلك الأسماء للسور ممّا يعطي تقريراً منهم لذلك إجمالاً .
الاعجاز العددي السؤال : إنّي رجل من طلبة العلوم الدينية وكنت توصلت من خلال دراستي للقرآن الكريم ومقارنته بالأحاديث الشريفة وسير الأنبياء عليهم السلام إلى نتائج فيها شيء في الاعجاز العددي في القرآن الكريم ؛ وذلك مثل : قوله تعالى : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(آل عمران/59). إنّ اسم عيسى عليه السلام قد ورد في القرآن الكريم خمسا وعشرون مرة ، إنّ اسم آدم عليه السلام قد ورد ذكره في القرآن الكريم نفس العدد خمساً وعشرون مرة ، إنّ عدد الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم خمساً وعشرون نبياً ، إنّ ولادة عيسى عليه السلام توافق خمسة وعشرون من ذي القعدة. ومن قوله تعالى: { وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً}(الإنسان/26). نجد اشتقاق لفظ ( الليل ) متكرر في القرآن الكريم ( 92 ) مرة اشتقاق لفظ ( سجد ) متكرره في القرآن الكريم ( 92 ). اشتقاق لفظ ( سبّح ) متكررة في القرآن الكريم ( 92 ) مرة . وما أكثر الروايات : « ... وتفترق الامة ثلاثة وسبعين فرقه كلها في النار الا فرقة » . ورد لفظ ( فرقة ) ومشتقاتها في القرآن الكريم ( 72 ) مرة . عن النبي صلى الله عليه وآله وائمة أهل البيت عليهم السلام كقولهم : « إنّ للقرآن ظهراً وبطنا إلى سبعة ابطن ، أوإلى سبعين بطناً » . الحديث ( الميزان المجلد : 1 ص : 7 ) . قد وردت لفظ ( القرآن) واشتقاقها سبعين ( 70 ) مرة في القرآن الكريم ( راجع المعجم الفهرس لألفاظ القرآن الكريم ) ، ( 58 ) لفظ ( القرآن ) ، و( 10 ) قرآنا ، و( 2 ) قرآنه . روي عن الإمام الصادق ( ع ) في حديث طويل: « ... قال المفضل : يا مولاي ! فما شرائط المتعة . قال : يا مفضل ! لها سبعون شرطاً من خالف منها شرطاً ظلم نفسه ... » ( المستدرك الوسائل ج : 14 ص : 477 ) ( البحار ج : 53 ص : 25 ) . ورد لفظ ( المتعه ) ومشتقاتها سبعون ( 70 ) مرة في القرآن الكريم ؛ وهناك عشرات من هذه النماذج سنعرضها لكم لاحقاً وهكذا. هل في مثل هذه الاستنتاجات اشكال شرعي ؟ وما أكثر الروايات في أهل الكساء عليهم السلام الخمسة ... لقد ورد لفظ « الكساء » ومشتقاتها في القرآن الكريم خمس مرات ، وهو عدد مطابق لعدد أهل الكساء عليهم السلام الخمسة : « فكسونا ، نكسوها ، واكسوهم ، كسوتهم ، كسوتهم» ( راجع المعجم الفهرس لألفاظ القرآن الكريم ) . وما أكثر الروايات أنّ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله اثنا عشر إماماً ، أولهم الإمام علي عليه السلام ، وأخرهم الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه ... فقد وردت لفظ « إمام» ومشتقاتها في القرآن الكريم اثني عشر مرة ، وهو مطابق لعدد الأئمة المعصومين عليهم السلام . ورد فعل « عصم » ومشتقاته في القرآن الكريم ثلاثة عشرة مرة ، وهو مطابق لعدد المعصومين عليهم السلام غير الأنبياء من بعد النبي محمّد صلى الله عليه وآله الذين عصمهم الله تعالى ، وطهرهم من الرجس تطهيراً ، إنّ النبي محمّد صلى الله عليه وآله ، هو أفضل الأنبياء وخاتمهم ، فهو مثل كل الأنبياء في العصمة . وإنّ السيدة فاطمة الزهراء الصديقة المعصومة والبرة التقية سليلة المصطفى ، وحليلة المرتضى ، وام ائمة النجباء لم تكن بإمام عليها السلام . والمعصومين من بعد الرسول صلى الله عليه وآله : 1 ـ الإمام علي عليه السلام 2 ـ السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ... ( 13 )الإمام المهدي عجّل الله فرجه . وهناك عشرات من هذه النماذج سنعرضها عليكم لاحقاً . هل في مثل هذه الاستنتاجات اشكال شرعي . وهل هذا دليل يؤيد ويطابق ويناسب ، أو هو مصداق وصحة روايات أهل البيت عليهم السلام . نرجو من سماحتكم أن يتم التوضيح بإرسال جواب واضح شاف وواف. الجواب : من سماحة الشيخ باقر الإيرواني الجرد والكشف الاحصائي عن الأعداد للكلمات والمواد في القرآن الكريم أمر يتناول جانباً من الاهتمام بالقرآن العظيم ، وهو نوع من الدراسات التفسيرية للكتاب المجيد ، نعم لبحث الأعداد حساب الأبجد الصغير ، والمتوسط والكبير ، وعلم الحروف ونحوه من العلوم المتصلة بذلك ، وحجية تلك العلوم هي بمقدار التنبيه والإيقاظ على المطالب ، وكيفية تناسقها وتناسبها ، فلا بدّ في الحجية من اندراجها في الاستدلال البرهاني ، كرجوعها إلى الاستدلال بالنص القرآني القطعي ، أو الظهور الاستعمالي الحجة ، أو الدليل العقلي المعتبر .
من سماحة الشيخ علي الكوراني إعجاز القرآن الكريم يشمل اعجاز البلاغة ، والإعجاز الفكري ، والتشريعي ، والعلمي ، والحروفي ، والعددي .. وأوجهاً كثرة من الإعجاز . والاعجاز العلمي يحتاج كشفه الى تثبّت في الحقائق العلمية التي نص عليها أو أشار اليها .. مثلاً عندما يقول تعالى :{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ}(النمل/88). نستطيع القول إنّه إعجاز علمي .. لأنّ حركة الأرض والجبال صارت حقيقة علمية .. أمّا إذا كانت المسألة لا تزال فرضية ظنية وليست يقينية بالكلام .. فلا يصح نسبتها إلى القرآن وتطبيق آياته عليها .. إلا من باب الاحتمال فقط .
من سماحة الشيخ علي الكوراني عقيدتنا في القرآن أنّه كلام الله تعالى وهو مخلوق لله تعالى ، ولا نقول إنّه جزء من ذاته قديم بقدمه كما يقول المشبّهة ، وقد عبّر علماؤنا بأنّه محدَث ولم يعبّروا بأنّه مخلوق بسبب حساسية تلك الظروف ، لكن المعنى واحد. قال الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه في الخلاف : 6 / 119 : مسألة 12 : « كلام الله تعالى ، فعله ، وهو محدَث ، وامتنع أصحابنا من تسميته بأنّه مخلوق لما فيه من الايهام بكونه منحولاً » . وفي الخلاف : 6 / 121 : « قال مالك : القرآن غير مخلوق . وبه قال أهل المدينة ، وهو قول الأوزاعي وأهل الشام ، وقول الليث بن سعد ، وأهل مصر ، وعبيد الله ابن الحسن العنبري البصري ، وبه قال من أهل الكوفة ابن أبي ليلى وابن شبرمة . وهو مذهب الشافعي إلا أنّه لم يرو عن واحد من هؤلاء أنّه قال : القرآن قديم ، أو كلام الله قديم . وأوّل من قال بذلك الأشعري ومن تبعه على مذهبه ، ومن الفقهاء من ذهب مذهبه . دليلنا على ما قلناه : ما ذكرناه في الكتاب في الأصول ليس هذا موضعها . فمنها قوله : {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ}(الأنبياء/2). فسمّاه : محدَثاً وقال:{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(الزخرف/3). وقال:{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}(الشعراء/195). فسمّاه : عربياً ، والعربية محدَثة . وقال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ}(الحجر/9). وقال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ}(النحل/44). فوصفه بالتنزيل . وهذه كلها صفات المحدَث ، وذلك ينافي وصفه بالقدم ، ومن وصفه بالقدم فقد أثبت مع الله تعالى قديماً آخر ، وذلك خلاف ما أجمعت عليه الاُمّة في عصر الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم إلى أيام الأشعري ، وليس هذا موضع تقصّي هذه المسألة ، فإنّ الغرض ها هنا الكلام في الفروع ». راجع أيضا : الهداية للصدوق أعلى الله مقامه / 148 .
عقيدة الشيعة في جمع القران السؤال : لي تساؤل حول عقيد ة الشيعة في جمع القرآن على أيام الرسول صلى الله عليه وآله ومصادر هذا القول عند أهل السنة ؟ ولمإذا لا نقول بجمع القرآن بعد رحيل النبي الكريم صلى الله عليه وآله ، أليست هذه الطريقة باب من أبواب الإعجاز القرآني من حيث حفظه وقد رحل النبي صلى الله عليه وآله قبل أن يجمعه ؟ الجواب سماحة السيد مرتضى المهري ليس للشيعة ولا لغيرهم عقيدة موحدة في ذلك ، فعلماء الفريقين مختلفون في ذلك اختلافاً شديداً ، والأمر يعود إلى التاريخ والروايات التي تنقل ماحدث في الصدر الأوّل ، فهذه حقيقة تاريخية لا يمكن أن نستند فيه إلى الإعجاز وغيره . مع أنّ مجرد كون ذلك أحد وجوه الإعجاز لا يدل على أنّه أمر محقق . هذا والروايات المعتمد عليها في كتب الفريقين تحكي لنا أنّ أمير المؤمنين عليه السلام اهتم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله بهذا الأمر ، واعتزل الناس لمدة يقال أنّها ستة أشهر يجمع فيها القرآن ، وكان ذلك بأمر من النبي صلى الله عليه وآله ، ثمّ أتى بما جمعه إلى المسجد ، وقد اجتمعت فيه الصحابة ، فقام إليه عمر بن الخطاب ، وقال : « لا حاجة لنا إلى ذلك » ، فعاد أمير المؤمنين عليه السلام بما جمعه ، واحتفظ به وتوارثه الأئمة عليهم السلام بعده . ويقال : إنّ ما جمعه كان على ترتيب النزول ، وإنّه عليه السلام بيّن في ذلك الناسخ من المنسوخ ، وشأن نزول كل آية وتأويلها وتفسيرها ، ولعل هذا هو الموجب لرفض القوم . ومهما كان فهذه الروايات لعلها تدل على أنّ القرآن لم يكن مجموعاً في عهد الرسالة المجيدة بهذا النحو ، ومع ذلك فهناك نظرية لبعض علمائنا تقول : « إنّ القرآن بهذا التأليف الحاضر كان على عهد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله » . وهناك من يقول : « إنّ ترتيب السور ترتيب حدث بعد عهد الرسالة ، وأمّا ترتيب الآيات في السور ، فهو من نظمه وترتيبه صلى الله عليه وآله بوحي من الله تعالى ، فالسور كانت تنزل مرتبة تبدأ بالبسملة ، فكان نزول البسملة علامة على انتهاء السورة ، والبدء بسورة جديدة ، إلا أنّ بعض الآيات كانت تنزل في زمان آخر ، فيأمر الرسول صلى الله عليه وآله بوضعها في مكان خاص من سورة خاصة » . وهناك من ينكر ذلك أيضاً على اطلاقه ويقول : « إنّه وإن كان كذلك غالباً إلا أنّ بعض الآيات أو الجمل ليس في موضعها الطبيعي لا بحسب النزول ، ولا بأمر الرسول صلى الله عليه وآله ، وأنّ لجنة التأليف هي التي تصرفت في هذا الترتيب » . وعلى كل حال فهذا أمر مختلف فيه ، ولو بصورة جزئية وفي بعض الآيات. والطابع العام الذي يقبله العلماء بهذا الشأن هوإنّ ترتيب الآيات من نظمه صلى الله عليه وآله وبوحي من الله تعالى ، وأمّا ترتيب السور فأمرٌ حادث بعده صلى الله عليه وآله.
من سماحة الشيخ محمّد السند قد قدمنا شرح الخبر : « لولاك ... » وملخصه أنّ غاية خلقة الإنس والجن هو عبادة الله بقوله : { وَمَا خَلَقْتُ ... } (الذاريات/56) . كما أنّ أكثر المخلوقات خلق مسخراً للإنسان ، وعبادة الله تعالى بدين الإسلام الذي بُعث به النبي صلى الله عليه وآله ودينه لم يكن يبقى إلا بإمامة علي عليه السلام وهدايته وحفظه للاُمة عن التقهقر إلى الكفر والضلال ، ولم تكن إمامة علي عليه السلام ليدلل عليها بالحجة والبينة في أيام فتنة السقيفة إلا بموقف الزهراء عليها السلام في مواجهة أصحاب السقيفة .
ما تفسير حديث الأفلاك؟ السؤال : « لولاك ما خلقت الأفلاك ، ولولا علي لما خلقتك ، ولولا فاطمة لما خلقتكما جميعاً » ما تفسير هذا الحديث ؟ الجواب سماحة الشيخ محمّد السند ليس معنى الحديث كما قد يتوهّم في بادى النظر هو أفضلية علي أو فاطمة (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، بل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أفضل الكائنات وسيد البرايا : { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } (النجم/8 ـ9). دنواً واقتراباً من العليّ الأعلى. وقال علي (عليه السلام) : « أنا عبد من عبيد محمّد (صلّى الله عليه وآله وسّلم) » أي المأمورين بطاعته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . بل مفاده نظير ما رواه الفريقين عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : « عليّ منّي وأنا من عليّ ». و : « حسين منّي وأنا من حسين » ، وهو يحتمل أوجه من المعاني منها : أنّ الغرض والغاية من خلق بدن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في النشأة الدنيوية وابتعاثه لا يكتمل إلا بالدور الذي يقوم به علي (عليه السلام )وفاطمة (عليها السلام ) من أعباء إقامة الدين ، وايضاح طريق الهداية، نظير قوله تعالى النازل في أيام غدير خم يوم تنصيب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) علياً (عليه السلام) إماماً : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } (المائدة/67) . فقد جعل تبليغ الرسالة مرهوناً بنصب علياً اماماً ليقوم بالدور الذي يلي النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . وكذا قوله تعالى : { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا } (المائدة/3). وهو أيضاًنزل في أيام غدير خم . فرضا الرب ّبالدين مشروط بما اُقيم في ذلك اليوم من إمامة علي (عليه السلام) وولده ، وكذا إكمال الدين ، وبسبب ما اُقيم من معلم الدين في ذلك اليوم يئس الكفار من إزالة الدين الإسلامي والقضاء عليه ؛ لأنّ القيّم على الدين وحفظه لن ينقطع بموت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بل باق ما بقيت الدنيا . ونظير قوله تعالى :{ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } (الشورى/23). فجعل الرسالة في كفّة ، ومودة قربى الرسول صلى الله عليه وآله في كفّة معأدلة . وقال تعالى :{ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ } (سبأ/47). { مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً } (الفرقان/57). فكانوا هم السبيل إليه تعالى ، والمسلك إلى رضوانه ، وإن الدور الذي قامت به فاطمة (عليها السلام ) من اضاح محجّة الحقّ وطريق الهداية ، في وقت عمّت الفتنة المسلمين ، ولم يكن من قالع لظلمتها ودافع للشبهة إلّا موقف الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) ، فقد كان ولا يزال حاسماً وبصيرة لكل المسلمين ولكل الأجيال ؛ اذ هي التي نزلت في حقها آية التطهير والدهر ، وهي أم أبيها ، الأمومة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وهو مقام لا يقاس به الأمومة للمسلمين ( أم المؤمنين ) ، وهي روح النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي بين جنبيه ، فكل هذه الآيات والأحاديث النبوية لم تزل حيّة طريّة في آذان المسلمين . وهذا المعنى للحديث حينئذ يقرب من مفاد قوله تعالى:{ َمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } (الذاريات/56). أي : ليعرفون ثمّ يعبدون ، وذلك بوساطة هداية الرسول والدين الحنيف بإقامة الأئمة (عليهم السلام) له بعده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .