السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: نعم مطابعنا تطبع كتب علماء أهل السنّة ، ولكن لأجل إلزام أعداء أهل البيت عليهم السلام بما ذكره علماؤهم في كتبهم ، ولأجل التحفّظ على ما فيها من الأحاديث الواردة في فضل أهل البيت عليهم السلام أو في الولاية والإمامة ، لأنّ أهل السنّة يطبعون هذه الكتب مع التحريف والغيير والإسقاط والحذف ، فيسقطون منها ما لا يروقهم مع وجودها في النسخ الخطيّة القديمة. وأمّا القندوزي فهو من علماء أهل السنّة وقد صرّح في كتابه ينابيع المودّة بمذهبه ، لكنّهم نسبوه إلى الرفض والتشيّع لحبّه وموالاته لأهل البيت عليهم السلام ولأجل كتابه القيم « ينابيع المودّة ». وقد طبع في مطابع أهل السنّة منها الطبعة الحجريّة في اسطانبول سنة 1301 في 527 صفحة ، ثمّ في بمبئي الهند وقد كانت اسطانبول عاصمة الخلفاء العثمانيين ؟! وقد احتجّ العلماء الكبار المحقّقون والمعاصرون للقندوزي بكتابه « ينابيع المودّة » على أهل السنّة ولو كان من الشيعة لما صحّ لهم الإحتجاج به عليهم ، وقد حاول القندوزي في كتابه هذا إثبات أنّ أهل السنّة يحبّون أهل البيت عليهم السلام وليس كلّهم من النواصب ، وكان غرضه من تأليف هذا الكتاب إثبات ذلك. وعلى فرض أنّه شيعي ، فإن مصادره كلّها من كتب أهل السنّة ، فعليك بمراجعة المصادر وخذ بعين الإعتبار قول الحكماء : « اُنظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال ». ومن العجيب ان ينسب سبط ابن الجوزي إلى التشيّع مع أنّ له كتباً ينادي أسماؤها بأعلى صوتها انّه من السنّة ، وقد كان حنبليّاً ثمّ صار حنفيّاً ، فراجع الأعلام للزركلي. ومن كتبه « مناقب أبي حنيفة » و « شرح الجامع الكبير في الحديث » و « ايثار الانصاف في آثار الخلاف » وفي الفقه على المذاهب الأربعة فلو كان تأليفه منحصراً في « تذكرة خواص الاُمّة » ، لكان القول بتشيّعه ممكناً وان كان خلاف الواقع ، لكن التعصّب الأعمى أو الجهل فضح هذا القائل وظهر أنّه ناصبي وهّابي يرمي كلّ مؤلّف من علماء أهل السنّة إلى الرفض والتشيّع إذا ذكر في كتبه فضائل أهل البيت عليهم السلام أو عقائد الشيعة ، ولذا تراه يمدح ابن تيميّة ومحمّد به عبد الوهّاب والآلوسي وغيرهم من أعداء أهل البيت عليهم السلام ومنكري فضائلهم ومناقبهم ويسير على نهج هؤلاء المنحرفين. ولعلّ إمام الشافعيّة أيضاً رافضي خبيث عند هؤلاء حيث يقول : إذا كان رفضاً حبّ آل محمّد * فليشهد الثقلان أنّي رافضي ثمّ ماذا يصنع بابن حجر المتعصّب العنيد الذي ذكر في كتابه « الصواعق المحرقة » فضائل أهل البيت وذكر أسماء أئمّة أهل البيت وذكر ولادة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف وأنّه ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام ؛ فهل هو رافضي إثنى عشري وقد كتب هذا الكتاب في ردّ الشيعة والتحامل والإفتراء عليهم ؟!! قال ابن حجر في الصواعق بعد ذكر بعض حالات الإمام أبي محمّد الحسن العسكري عليه السلام : « ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين ، لكن آتاه الله فيها الحكمة ويسمّى القاسم المنتظر » [ الصواعق المحرقة ، ص 208 ، الباب الحادي عشر ، الفصل الثالث ]. والظاهر انّ كلمة القاسم في عبارة الصواعق سهو من الناسخ ، وأصلها القائم. والدليل على ذلك انّه ذكر في كنيته أبو القاسم فلا وجه لتسميته بالقاسم.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: وأمّا الإعتراض الأوّل : فجوابه انّ النبي صلّى الله عليه وآله لم يكن له حيلة ذلك الظرف العصيب وفي ذلك الليل البهيم إلّا أن يأخذ معه أبا بكر ؛ لأنّه لو بقي كان المشركون يرونه ويسألونه عن النبي صلّى الله عليه وآله ، وبما أنّه على رأيكم كان صدّيقاً لا يكذب لكان يفشي سرّ النبي صلّى الله عليه وآله ، مع قطع النظر عمّا يقال من انّه كان ينمّ على النبي صلّى الله عليه وآله باختياره. وأمّا الإعتراض الثاني : فنقول ان تهيئه الأسباب لسفر النبي صلّى الله عليه وآله لا دليل عليه ، وكلّما يقال في هذا المجال دعوى يدّعيها أتباع أبي بكر ومؤيّديه ، ومن الطبيعي ان يذكروا له فضائل وأعمال من هذا القبيل. والعجيب أنّكم حينما نقول : النبي صلّى الله عليه وآله صادف أبا بكر في الطريق وأخذه معه خشية ان يعرف القوم بهجرية ، تقولون : لم يثبت ذلك وليس فيه اثارة من علم مع انّ الشيعة لهم روايات في ذلك ، ومعذلك تقولون : بأن أبا بكر هيّأ أسباب هجرة النبي صلّى الله عليه وآله ، فلنا ان نقول : ليس في ذلك اثارة من علم ولم يثبت بدليل معتبر عندنا. وأمّا الإعتراض الثالث : فلم نفهم المراد منه ، والظاهر انّ المعترض لم يفهم مقصوده ؛ فان الخطاب انّما هو لجماعة خاصّة وإذا كان عقاب فهو متوجّه إليهم لا إلى جميع من في الأرض ، ثمّ الآية تدلّ على انّ الله نصر النبي صلّى الله عليه وآله وليس فيه أيّ فضيلة لأبي بكر ، بل أفراد الضمير يدلّ على انّ الله تعالى لم يعتن بوجود أبي بكر معه ولم ينصره كما نصر نبيّه ، بل لم ينصر أبو بكر النبي صلّى الله عليه وآله ، والّا كان يقول فقد نصره الله وأبو بكر. وأمّا الإعتراض الرابع : فغاية ما يدلّ عليه انّ أبا بكر لم يكن كافراً ، وهذا أمر واضح لأنّ الإقرار بالشهادتين يخرج الإنسان عن حدّ الكفر لكن لا ينافي مع كونه منافقاً أو ضعيف الإيمان. وأمّا الإعتراض الخامس : فقد ثبت في علم أصول الفقه انّ النهي ظاهرٌ في المولويّة والتحريم أو على الأقلّ الكراهة والوضع اللغوي بل العرفي يقتضي ذلك ، وأمّا الحمل على التسلية ونحو ذلك ، فهو خلاف الظاهر يحتاج إلى قرينة قطعيّة لأكل ما يصلح للقرينيّة أو يدّعي قرينيّته ، وإلّا لكان كلّ شيء قرينة على خلاف الظاهر ؛ فلا يمكن فهم معاني الألفاظ ولا يحصل التفهيم والتفاهم ، والحزن لا يكون ممدوحاً ، بل ورد النهي عنه « ولا تهنوا ولا تحزنوا ». ثمّ لو كان الحزن أمراً غير إختياري وطبيعيّاً ، فلماذا لم يحزن النبي صلّى الله عليه وآله فانّه أيضاً بشر يعرض عليه أحاسيس البشر ؟ فإن قلت : إيمان النبي صلّى الله عليه وآله بالله تعالى كان مانعاً من عروض الخوف أو الحزن عليه ، قلنا : فالآية تدلّ على ضعف إيمان أبي بكر فأيّ فضيلة له مع ضعف يقينه وإيمانه ؟ وأمّا الإعتراض السادس : فقد ظهر جوابه ؛ فالله تعالى مع كلّ شيء فقد يكون معيّته بالنسبة لشخصين متصاحبين مختلفة ؛ فإذا اجتمع مؤمن مع كافر فالله معهما لكن معيّته مع المؤمن معيّة نصرة ومحبّة ، ومعيّته مع الكافر معيّة بغض واضلال. مضافاً إلى أنّ المراد من قوله ( مَعَنَا ) انّ الله تعالى يحفظنا ، ومن المعلوم انّ حفظ النبي صلّى الله عليه وآله كان يستلزم حفظ من معه وما معه حتّى حماره ومركوبه ؛ فشأن أبي بكر شأن مركوب النبي صلّى الله عليه وآله في هذه المعيّة. وأمّا الإعتراض السابع : فجوابه من الآيات التي ذكرناها سابقاً انّ الله مع كلّ شيء و ( أَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) و ( إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ، فليس أبو بكر الوحيد من بني آدم الذي ذكر بمعيّة الله عزّ وجلّ. وأمّا الإعتراض الثامن : فجوابه واضح ؛ إذ أراد النبي صلّى الله عليه وآله منع أبي بكر من الخوف والحزن ، فلا محالة ذكره « بان الله تعالى معهما » بمعنى انّه محيط بهما وعالم بهما ، وبما ان الله شاء ان يحفظ النبي صلّى الله عليه وآله ، فلا محالة يحفظه ومن معه ، فهذا الكلام بمنزلة العلّة لنهي النبي صلّى الله عليه وآله أبا بكر عن الخوف والحزن ، فلا معنى لأن يقول النبي صلّى الله عليه وآله انّ الله معي ، إذ حينئذ يشتدّ خوف أبي بكر وحزنه ، ولعلّه يعلو صراخه وبكاؤه. وأمّا الإعتراض التاسع : اختلاف المفسّرين دليل على انّ الضمير لا يرجع إلى أبي بكر وإلّا لا معنى للإختلاف ثمّ لا يناسب رجوع الضمير في سكينته إلى أبي بكر مع قوله بعد ذلك : ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) ؛ فالضمير في هذه الجملة يرجع إلى النبي خاصّة دون أبي بكر ، فكيف يرجع نفس هذا الضمير في الآية السابقة إلى أبي بكر ، ثمّ إنزال السكينة لا يدلّ على وجود الحزن أو الخوف ، فانّ النبي صلّى الله عليه وآله كان لا يحزن ولا يخاف ، ومعذلك صرحت الآيات بنزول السكينة عليه ، قال تعالى : ( فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) .
السيد جعفر مرتضى العاملي | الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. وبعد .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. ألف : بالنسبة لكيفيّة استفادة الناس منه عليه السلام في غيبته نقول : أوّلاً : لنفترض أنّ حزباً سياسيّاً يعيش في دولة قويّة ونظام متسلّط وجبّار ، وقد اضطهد هذا النظام الجبّار زعامة ذلك الحزب ، وألجأها إلى التخفي والإستتار ، فهل يمنعها ذلك من إيجاد وسائل تضمن لها مصلحة الجماعة التي هي تحت قيادتها ورعايتها ؟! أم أنّها سوف تبتكر الأساليب المختلفة ، التي تحقّق أهدافها ، وتصرف نظر الحاكم عنها ، وتخفيها عن نظره ، مهما بالغ في ملاحقتها ، وجهد لكشف أحوالها ؟! وهذا الخضر ـ وهو نبي ـ لا يزال غائباً عن الأنظار ، طيلة مئات ، بل آلاف السنين ، ويقوم بالمهمّات التي أوكلها الله تعالى إليه ، ولم يستطع أحد كشف أمره ، أو الإطلاع على سرّه ، والأمر في الإتّصال بمن أراد ، يرجع إليه عليه السلام ، وهو الذي يملك القرار والإختيار في ذلك ، وهو الذي يحدّد الوقت والكيفيّة ، والمكان وغير ذلك .. ولو لم يكن لوجوده فائدة ، فلماذا يبقيه الله تعالى حيّاً هذه الأزمنة المتمادية ؟! ثانياً : قد ذكرنا في الإجابة السابقة بعض فوائد وجود الإمام عليه السلام. على أنّ الأمر لا ينحصر باستفادة البشر منه ، فإنّه إذا كان الناس مسؤولين حتّى عن البقاع والبهائم ، فإن الإمام أولى بأن يكون مسؤولاً عن ذلك وسواه أيضاً. ثالثاً : ورد في الروايات : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله ذكر المهدي عليه السلام ، فقال : ذلك الذي يفتح الله عزّ وجلّ على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان. قال جابر : فقلت : يا رسول الله ، هل لشيعته انتفاع به في غيبته ؟! فقال صلّى الله عليه وآله : إي والذي بعثني بالحقّ نبيّاً ، إنّهم ليستضيؤون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته ، كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب (1). رابعاً : بالنسبة لكيفيّة استفادة الناس منه في غيبته ، نقول : إنّه هو الذي يحدّد هذه الكيفيّة لتكون بحيث تحفظ سرّه ووجوده ، وتناسب حال من يريد عليه السلام أن يتعاطى ويتعامل معه .. أو الحالة التي يريد أن يعالجها .. ب : أمّا بالنسبة لقول الإمام الصادق عليه السلام : « أفضل الأعمال انتظار الفرج » ، فنقول : إن هذه الروايات في تعابيرها وفي خصوصيّات كلماتها المختارة قد جاءت بالغة الدقّة ، ظاهرة الغنى ، شديدة الإيحاء ، ويمكن أن نستخلص منها الكثير ممّا ينفعنا في صيانة ديننا وإصلاح دنيانا .. ونحن نقتصر منها ههنا على ما يلي : 1 ـ إن الخطاب في هذا الحديث الشريف موجّه إلى أولئك الذين يهتمّون بمعرفة الأعمال الفاضلة والتميز فيما بينها ، ليختاروا أتمّها فضلاً ، وأكثرها أجراً .. 2 ـ إن الإمام عليه السلام قد اعتبر انتظار الفرج عملاً حقيقيّاً ، له مزيّته بين سائر الأعمال ، وله ترجيح وفضل عليها .. وليس مجرّد فراغ وسكوت وسكون ، وعطلة غير محدودة بزمان. 3 ـ إنّه عليه السلام لا يريد صرف الناس عن نصرة ومساعدة أئمّتهم في إقامة أحكام الله سبحانه ، وإصلاح الأمور ، ولا إبعادهم عن العمل تحت قيادتهم في مختلف الإتّجاهات ، ولا هو يسعى إلى شل حركتهم وتفكيرهم عن التصدّي للمشاركة في صنع الحاضر ، والتأثير الإيجابي في المستقبل. كما أنّه لا يريد أن يجعلهم يعتمدون على الغيب ، ويتكلون على الصدف ، ويفهمون الأمور على أنّها تسير بمنطق الجبريّة التكوينيّة ، لينتهي الأمر بإعفائهم من المسؤوليّة عن هذا الطريق. 4 ـ إن الحديث الشريف قد دلّ أيضاً على وجود ضيق وشدّة يراد الخلاص منه ، ومنها ، وبذلك يكون الفرج .. 5 ـ إن هذه الشدّة وذلك الضيق ليسا من فعل الله سبحانه .. بل هما من فعل الناس .. فهم المطالبون إذن برفع ذلك وإزالته .. وليس لهم أن ينتظروا التدخل الإلهي ، في هذا السبيل. فعلى الناس الذين أفسدوا ، أن يصلحوا ما أفسدوه ، وعلى الذين أسهم سكوتهم في تسهيل الأمر على المفسدين أن يتحملوا مسؤوليّتهم في إعادة الأمور إلى نصابها. ولا أقلّ من أن يعملوا على إضعاف شوكة أهل الباطل بحسن تدبيرهم ، ودقّة حركتهم في هذا الإتّجاه .. 6 ـ ثم لا حاجة إلى التذكير بأن الخطاب في أمثال هذا الحديث الشريف ، إنّما هو موجّه إلى من يدرك وجود شدائد وأزمات ، وعراقيل وعقبات ، وضيق شديد ، وبلاء ومعاناة. وإلى من يعرف : أنّه لا بدّ من السعي للخروج من ذلك كلّه إلى برّ الأمان ، حيث السلام والسكينة ، لتكون مصائر العباد والبلاد بأيد قويّة وصادقة وأمينة. 7 ـ إنّه حين يطلب من هذا الإنسان الواعي لحقيقة الأمر ، والذي يعيش روح المسؤوليّة ، ويحمل همّها ـ أن ينتظر الفرج والحلّ. فإنّه سيدرك أن هذا التوجيه إنّما يهدف إلى ضبط حركته ، واستيعاب اندفاعه ليكون في الخطّ الصحيح ، والبنَّاء والمنتج. 8 ـ إن الإنسان المؤمن والواعي ، والعارف بما يريده الله منه ، يدرك تماماً مسؤوليّته تجاه ربّه ، وتجاه نفسه ، وتجاه امامه ، وتجاه الأمّة بأسرها .. ولا بدّ أن يكون قد راجع النصوص الشرعيّة ، واطلع على التوجيهات الإلهيّة ، التي حملها إليه القرآن ، وأبلغه إيّاها النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله والأئمّة الطاهرون المعصومون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فإذا أدرك وجود ضيق وشدّة على نفسه ، أو على إمامه ، أو على إخوانه ، أو أمّته ، فإنّه سيجد نفسه أمام مسؤوليّة شرعيّة وعقليّة ووجدانيّة ، تدعوه إلى القيام بما فرضه الله عليه من تكاليف في جميع الحقول .. ولا بدّ أن يكون على درجة من الوعي بحيث يدرك أن أيّ حرج يتعرض له إمامه ، ويمنعه من ممارسة قيادته للامة بصورة فعليّة وفاعلة ، لا بدّ أن ينعكس آلاماً ، ومصائب ، وبلايا ونوائب على الأمّة بأسرها ، أفراداً وجماعات ، بل على كلّ مظاهر الحياة والخير فيها .. وبديهي أن من يرى بيته يحترق ، ويشاهد النار قد علقت بثيابه ، فليس له أن يقف موقف المتفرّج غير المكترث ، بل لا بدّ له من المبادرة إلى إخماد تلك النار ، وتلافي وقوع ذلك الحريق ، بكلّ ما يملك من قدرات ، وبجميع ما يقع تحت يده من وسائل وطاقات. 9 ـ والذي يثير الإنتباه هنا أيضاً : أن هذا التوجيه لم يحدّد ذلك الذي يكون الفرج له ، وذلك لكي يكون توجيهاً شاملاً ، ويكون التعاطي معه برؤية مستوعبة ، وواعية ، تلاحق كلّ الحالات ، وتتحرّك في جميع الإتّجاهات .. وما ذلك إلّا لأن أيّ اندفاع غير مسؤول ، لم تراع فيه الدقّة ، ولم تحكمه الموازين الإيمانيّة ، والشرعيّة ، والإعتقاديّة والتدبيريّة ، وغيرها .. فإنّه لا يؤمَنُ في مثله الوقوع في انحرافات عقائديّة خطيرة ، فضلاً عن أنّه قد يلحق بالكيان كلّه أضراراً بالغة وخطيرة ربّما يصعب تلافيها .. الأمر الذي يحتم مراجعة الحسابات بدقّة ، وبوعي ومسؤوليّة ، والتزام .. ولأجل ذلك نقول : إن هذا التوجيه قد يكون ناظراً إلى زمان الحضور والغيبة على حدّ سواء. ففي زمان الحضور أريد منه الحدّ من اندفاع الناس لتأييد من لا يستحق التأييد ، من الذين يرفعون رايات ضلالة ، من حيث إنّها تستبطن ادّعاء الإمامة لغير أهلها ، فكان الكثيرون من الناس الطيّبين يتعجلون في اتّخاذ القرارات بتأييدها والانخراط في صفوفها ، انطلاقاً من حماسهم ، لأن يعلو صوت الحقّ ، وتزول دولة الباطل ، وحبّ أن تنكشف الغمة عن الأمّة. فينجرّون وراء أمثال هؤلاء ، وتشتبه عليهم الأمور ، ويقعون في الشك والشبهة ، وفي المحذور الكبير بسبب غفلتهم ، وتسرّعهم ، وحماسهم غير المسؤول .. فجاء هذا التوجيه الحكيم ليعالج حالة هؤلاء الناس ، ويطلب منهم أن يثبتوا على يقينهم .. وأن لا يتعجلوا الأمور ، فإنّها مرهونة بأوقاتها .. ولا ينتهي أثر التوجيه عند هذا الحدّ ، بل تبقى له شموليّة ، وسعة ، وحاكميّة ، ودور في ضبط حركة المؤمنين في زمن الغيبة أيضاً .. فهو من جهة يكون تهدئة وضبطاً لحركة المستعجلين منهم ، وصيانتهم من محذور الوقوع فريسة تزوير الحقائق من قبل طلّاب اللبانات ، أصحاب المطامع ، الذين يطلقون الادّعاءات الباطلة ، ويرفعون رايات الضلال ، داعين الناس إلى بيعتهم وإلى إمامة أنفسهم. ثم يكون من جهة أخرى توجيهاً قويّاً وحاسماً ، باتّجاه الإعداد والاستعداد ، والمساهمة الفعليّة في إزالة الموانع ، وتذليل العقبات التي تعترض سبيل فرج الأمّة بظهوره صلوات الله وسلامه عليه و عجّل الله تعالى فرجه الشريف. 10 ـ ثمّ إن من الواضح : أنّ للفرج بعد الشدّة لذّته ، ومحبوبيّته ومطلوبيّته ، فانتظاره يكون انتظاراً لأمر محبّب ولذيذ ، تهفو إليه النفوس ، وتشتاق إليه وتتمنّاه .. فإذا جعل الإنسان المؤمن نفسه في موقع الطالب والمنتظر له ، فإن انتظاره هذا سيكون معناه : أن يكون دائم الفكر فيه ، والإستحضار له ، والإرتباط به. أضف إلى ذلك : أن هذا الإنتظار سيجعل هذا المنتظر يعدّ الدقائق واللحظات التي تفصله عمّن يحبّ ، وسيشعر بحجمها وبقيمتها ، وبمداها. ثمّ هي ستكون ثقيلة عليه ، ويودّ التخلّص منها ، بأيّة وسيلة ، ليصل إلى من ، أو ما يحبّ ، ويبلغ ما يريد. فإذا رأى أن ثمة تأخيراً في حصول ما يتمنّاه ، فسيبحث عن أسبابه ، ويعمل على إزالتها بكلّ ما يستطيع .. أمّا النائم الغافل ، الذي يعيش حياة الإسترخاء ، والفراغ ، وعدم الشعور بالمسؤوليّة ، فلا يمكن أن يكون من المنتظرين .. 11 ـ ويبقى علينا أن نعرف السبب في أنّ الإنتظار كان هو أفضل الأعمال ، وليس هو الصلاة مثلاً ، مع أن الصلاة عمود الدين .. ولعلّ بإمكاننا الإشارة في هذا السياق الى نقطتين : إحداهما : أنّه قد اتّضح ممّا ذكرناه : أنّ حفظ الإمام ، وتمكينه من القيام بمهمّاته ، هو حفظ للأمّة ، وللدين ، كلّ الدين ، ولكلّ مظاهر الحياة والقوّة ، وهو يهيّء الأجواء لكلّ كائنٍ لكي يتنامى ويتكامل ، ويسير نحو الأهداف السامية التي رسمها الله سبحانه وتعالى له. الثانية : أن هذا الإرتباط الذي يحقّقه عيش الناس لواقع الإنتظار ، هو التجسيد الواقعي والفعلي لأمر الولاية والإمامة. وكلّنا يعلم : أنّ ولاية الأئمّة شرط أساسي لقبول جميع الأعمال ، وهي بالنسبة لها بمثابة الروح ، حين تنفخ في الجسد ، حيث إنّ هذه الروح هي التي تعطي العين القدرة على الرؤية ، وتعطي الأذن السمع ، وتجعل اللسان يتكلّم ، واليد تتحرّك ، وما إلى ذلك .. فإن عيش الإنسان هذا الإرتباط الفعلي ، والواعي ، من شأنه أن يزيد في نشاط هذه الروح ، وسيعطيها المزيد من القوّة والحيويّة والحياة .. والحمد لله ربّ العالمين ، وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى ، محمّد وآله الطاهرين .. الهوامش 1. راجع : كتاب الأربعين للماحوزي ص 224 وميزان الحكمة ج 1 ص 184 وكمال الدين وتمام النعمة ص 253 وبحار الأنوار ج 52 ص 92 ح 8 عنه ، وكفاية الأثر ص 54 وتفسير كنز الدقائق ج 2 ص 493 و 506 وإعلام الورى ج 2 ص 182 وقصص الأنبياء للراوندي ص 359 وكشف الغمة ج 3 ص 315 وينابيع المودة ج 3 ص 238 و 239. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: المنتظر الحقيقي هو من يمهّد ظروفه وظروف مجتمعه لظهور الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، وذلك بإتيان الواجبات الإلهيّة وترك المحرّمات ومراعاة التقوى والتخلّق بالأخلاق الحسنة ليكون مستعدّاً لنصرة الإمام عليه السلام وتلبية ندائه عند ظهوره. وفي الحديث عن الصادق عليه السلام انّه قال ذات يوم : ألا اخبركم بما لا يقبل الله عزّ وجلّ من العباد عملاً إلّا به. فقلت : بلى. فقال : شهادة ان لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله والإقرار بما أمر الله والولاية لنا والبراءة من أعدائنا والورع والإجتهاد والطمأنينة والإنتظار للقائم. ثمّ قال : ان لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء. ثمّ قال : من سرّ ان يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق ؛ فان مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه فجدّوا وانتظروا هنيئاً لكم أيّتها العصابة المرحومة. [ بحار الأنوار / المجلّد : 52 / الصفحة : 140 ] وفي الحديث عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : « ليعدّن أحدكم لخروج القائم عليه السلام ولو سهماً فانّ الله إذا علم ذلك من نيّته رجوت لأن ينسيء ـ أيّ يؤخّر ـ في عمره حتّى يدركه ويكون من أعوانه وأنصاره » . ومن الأعمال التي ينبغي للمنتظر الإتيان بها : 1. الدعاء لتعجيل فرج الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف وتقديم ذلك على الدعاء لنفسه ولأهله ، وينبغي قراءة أدعية الفرج. 2. الصدقة لسلامة الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف وان كانت مضمونة ولكن لأجل أن يظهر حّبه وولاءة. 3. إحياء أمر أهل البيت بالمشاركة في مجالس ذكر أهمّ خصوصاً في المجالس الحسينيّة وإظهار الحزن في مصيبة سيّد الشهداء. 4. تكرار هذا الدعاء كلّ يوم بل كلّما يتذكّر كما ورد في الحديث فيقول : « الحمد لله ربّ العالمين اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد اللهم كن لوليّك الحجّة بن الحسن صلوات الله عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كلّ ساعة وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتّى تسكنه أرضك طوعاً وتمتّعه فيها طويلاً ».
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: هذا الزواج لم يتحقّق وهو من مخترعات أعداء أهل البيت عليهم السلام. وقد وضع موقع القبول من قبل علماء أهل السنّة بل حتّى بعض علماء الشيعة من غير تحقيق وفحص عن الحقيقة. وقد تصدّى الشيخ المفيد وهو من أعظم علماء الشيعة لتكذيب هذه القضيّة ، واستدلّ على كذبها بأدلّة منها : انّ الأصل في تلفيقها هو الزبير بن بكار المعروف عداوته لأهل البيت عليهم السلام. ومنها اختلاف الروايات في نقل هذه القضيّة ، وما يترتّب عليها اختلافاً جوهريّاً بحيث يكذب بعضها البعض الآخر ويظهر ان القصّة ملفقة لفقها كلّ حسب رأيه وذوقه. وممّا يكذب هذه القصّة انّ عمر بن الخطاب حينما خطب فاطمة من رسول الله صلّى الله عليه وآله قال انّها صغيرة ، أيّ هي صغيرة بالنسبة لعمر ، فكيف يزوّج علي ابنتها من عمر ولا يلاحظ صغرها بالنسبة له ؟! وقد يقال انّ عمر خطب امّ كلثوم بنت أبي بكر وقد كانت تحت حضانة علي عليه السلام مثل أخيها محمّد بن أبي بكر ، فاستفاد المغرضون من الشبه الأسمى وادعوا انّ عمر خطب امّ كلثوم بنت علي وفاطمة خصوصاً ، وان امّ كلثوم بنت أبي بكر كانت ربيبة لعلي عليه السلام وبحكم ابنته. وعلى كلّ حال لم يثبت هذا الزواج أصلاً. وللمزيد راجع أجوبة المسائل السرورية للشيخ المفيد قدّس سرّه.
السيد جعفر مرتضى العاملي | الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فلا بأس بملاحظة ما يلي : 1. إن الروايات التي ذكرت اُمّهات الأئمّة الطاهرين أظهرت أنهنّ كنّ على جانب عظيم من التقوى ، والانقطاع إلى الله سبحانه ، وهذا لا يأتي من فراغ ، بل هو يدلّ على وجود بيئة إيمان ، ومعرفة وتقوى .. 2. إنّ الله تعالى قد أرسل الأنبياء لجميع الأمم والأقوام ، فقد قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ) (1). وقد استمرّت بعثة الأنبياء إلى ما قبل بعثة نبيّنا صلّى الله عليه وآله بقليل ، ولعلّ من آخر هؤلاء الأنبياء : خالد بن سنان ، كما دلّت عليه بعض الروايات .. فمن الذي يستطيع أن ينفي أن يكون آباء اُمّ الإمام الحجّة ، أو السجّاد أو الصادق عليهم السلام من المؤمنين ، الذين يعبدون الله على دين إبراهيم ، أو وفق ما ثبت لهم عن عيسى ، أو غيره من الأنبياء عليهم السلام بعده ؟! 3. إنّ المقصود بالأرحام المطهّرة : أن ولادة الإمام كانت عن زواج شرعي صحيح لا من سفاح .. 4. هناك خلاف في اسم والدة السجاد عليه السلام ، فراجع كتابنا : سيرة الحسين في الحديث والتاريخ. والحمد لله ، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى ، محمّد وآله الطاهرين .. الهوامش 1. الآية 24 من سورة فاطر.
السيد جعفر مرتضى العاملي | الجواب: أوّلاً : هل تؤمن أيّها السّائل بالقضاء والقدر ؟! إن قلت : نعم ، فسأقول لك : لماذا تبكي على أبيك وعلى أمّك وعلى ولدك وعلى أخيك وعلى صديقك وعلى زوجتك ، إن مات أيّ واحدٍ منهم ، ولماذا تنزعج إذا أصيب أو أُصِبتَ أنت بمرض عضال كالسرطان ، أو إذا قطعت يده أو يدك أو عميت عيناه أو عيناك. وإن قلت : إنّك لا تؤمن بالقضاء والقدر انتهى الأمر ، باعتراضك على قضاء الله ، وعدم رضاك بحكمته. ثانياً : هل معنى الإعتقاد بالقضاء والقدر أنّ ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام هو مقتضى الحكمة الإلهيّة ؟! وهل كان ذلك محبوباً لله تعالى ؟! ويجب علينا وعليك أن نستحسنه وأن نرضى به ولا نعترض عليه ؟! وهل معنى ذلك : أن لا يعاقب قاتل الحسين بن علي عليه السلام ، بل يثاب ويدخل الجنّة ، لأنّه فعل المحبوب لله تعالى ، ونفذ ما اقتضته حكمته ؟! فإن كان الأمر كذلك ، فلماذا إذن تعترض أنت على من قتل لك عزيزاً ؟! بل لماذا تدافع عن نفسك ، إذا قصدك قاصدٌ بسوء ؟! ألا يكون هو الآخر يفعل ما يحبّه الله وما تقتضيه حكمته تعالى وما يدخل به الجنّة ؟! ثالثاً : لماذا أنت مستاء إذن من الرافضة ؟! ولماذا تبغضهم إن كنت تؤمن بالقضاء والقدر ؟! وإن كنت لا تؤمن به ، انتهى الأمر باعتراضك على قضاء الله ، وعدم رضاك بحكمته. ولماذا تعترض أيضاً على كفر الكافر وإجرام المجرم وعصيان العاصي لله ؟! ولماذا أيضاً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟! وما فائدة ذلك ؟! ولماذا تعاقب القاتل ، وتقطع يد السارق ، وتجلد وترجم الزاني ، و ... و ... و ... ؟! رابعاً : رويتم : أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد قال عن شهداء أحد : أنا شهيد على هؤلاء ـ أو : أشهد على هؤلاء ـ. فقال أبو بكر : ألسنا إخوانهم ، أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا ؟! قال : بلى ، ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئاً ، ولا أدري ما تحدثون بعدي. فبكى أبو بكر ، وقال : إنا لكائنون بعدك. ونقول : لماذا بكى أبو بكر ؟! فإن كان يؤمن بالقضاء والقدر فقد اعترض على الله ، وإن كان يؤمن بالقضاء والقدر فلماذا يبكي ؟! ولماذا حزن عندما كان في الغار مع ما رأى من الآيات والمعجزات التي دلّت على أن الله حافظ لنبيّه ، وناصره ، ومظهر لدينه ؟! هل كان يؤمن بالقضاء والقدر عندما حزن ؟! ولماذا حزن ؟! وإن كان لا يؤمن بالقضاء والقدر ، فقد اعترض على الله ؟! رابعاً : معنى القضاء والقدر : القضاء : هو الأمر الخارج عن الإختيار الذي يجري على الإنسان من خارج ذاته ممّا لا حيلة له فيه وهو الحكم ، وهو خير للمؤمن ، سواء سرّه أو ساءه ، إن ابتلاه كان كفّارة لذنبه ، وإن أعطاه وأكرمه كان قد حباه وفي قضاء الله كل خيرٍ للمؤمن. وروي عن علي عليه السلام : إن القضاء على عشرة أوجه : فمنه قضاء فراغ ، وقضاء عهدٍ ، ومنه قضاء إعلامٍ ، ومنه قضاء فعلٍ ، ومنه قضاء إيجاب ، ومنه قضاء كتاب ، ومنه قضاء إتمام ، ومنه قضاء حكم وفصل ، ومنه قضاء خلق ، ومنه قضاء نزول الموت. ثم ذكر الآيات لكلّ واحدة من هذه الأوجه. وروي : أن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائطٍ مائل إلى مكانٍ آخر ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، تفرّ من قضاء الله ؟! فقال : أفر من قضاء الله إلى قدر الله. وسقوط الحائط على المستظلّ به لم يكن لأجل فعلٍ صدر من ذلك الجالس عنده. وخلاصة الأمر : إنه لا بدّ من تحديد معنى القضاء الذي يرد في أيّ حديث أو آية. المراد به في الحديث المروي عن علي عليه السلام آنفاً : هو الأمر الذي لا بدّ من وجوده في حكم الله تعالى. أما القَدَر ، فهو وضع الشيء وفق ما يقتضيه الغرض بلا زيادة ولا نقيصة ، قال تعالى : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) . وذلك مثل خلق الإنسان بهذه الميزات والخصائص المتوافقة مع الحكمة ومع الوظيفة التي أرادها الله تعالى له في هذه الحياة ، والغاية التي سينتهي إليها. والقَدَر قد يكون في الخلق ، وقد يكون في الأحكام ، وقد يكون في السنن والنظم العامة في الكون والإنسان ـ ومن ذلك : تقدير الجزاء على الأفعال ـ وقد يكون بغير ذلك. وهذا القدر ، أو فقل : التقدير في الخلق قد اقتضى وضع السنن لتسير الأمور وفقها ، مثل سنن التوالد في البشر ، وغرس الشجر ، وظهور الثمر ، ودوران الأرض حول الشمس والقمر ، وقد يتوارد بعض هذه السنن على بعض ، حين تصبح في دائرة اختيار الإنسان وغيره من المخلوقات العاقلة. أو حين تصبح في مجال تصرّف سائر المخلوقات. فمثلاً : إن الله تعالى قدّر التوالد والتناسل بين البشر ، وقدّر أيضاً أن يعطي الإنسان قدرة على التصرّف ، فإذا بادر هذا الإنسان في مورد إلى انتزاع رحم المرأة أو إفساده بأدوية أو بغيرها ، أو تمكن من تعطيل القدرة الجنسيّة للرجل ، فإن ذلك يبطل أثر التقدير للتناسل في خصوص هذا المورد. وأن الانسان يتحكم في هذه السنة ، ويقدر على تغيير بعض مفردات تجليها ولكن بتقدير آخر حاكم عليها. فالقدر الذي تختزنه علّة بعينها قد يرد عليه ما يخل به ويبطله. وهو ما يعبر عنه : باختلال الشرائط ، أو وجود الموانع. أما القضاء ، فلا يعرض له شيء من ذلك كما قدمنا ، لأنّه حتم وجزم وتصرّف إلهي بات وقاطع. ولا بد من لفت النظر إلى أن من الضروري عدم الخلط بين العلم الإلهي الأزلي بما تكون عليه حركة الأسباب والمسببات ، وكيفيّة سيرها وتوارد بعضها على بعض في حركة الواقع ، وبين حركة الواقع في سننه التي قدرها ووضعها الله تعالى ، فان ذلك العلم لا يؤثر في هذه الحركة ، وإنما الذي يؤثر فيها هو السنة المقدرة التي أراد الله تعالى أن يكون الفيض منه تعالى من خلالها. وبذلك يظهر أيضاً أن القضاء والقدر ليس له ارتباط بحصر فعل الإنسان بالله تعالى ، بمعنى أن يجبر الله تعالى عباده على أفعالهم ، لأجل سنة القضاء والقدر ، لأنّ الله تعالى قد وضع السنن التي من جملتها أن يفيض الله الوجود على الإنسان ، وعلى قدراته وطاقاته لحظة بلحظة ، والإنسان هو الذي يختار أن يحول هذه القدرة ، وأن يجسدها في هذه الحركة ، أو في تلك. فهذا الإختيار البشري وذلك السعي والطلب الإنساني للحركة هو الشّرط الذي رُبِطَ الفيض الإلهي به. ولأجل هذا الربط يصح نسبة الفعل للإنسان ، لأنّه اختاره وتطلَّبه ، وأوجد شرط الفيض الإلهي الوجود عليه. ويصحّ نسبته أيضاً إلى الله تعالى ، لأنّه هو الذي أفاض وأعطى القدرة. وهو قادر على حجب الفيض في كلّ لحظة ، ولذا ورد أنّه تعالى لا يطاع جبراً ، ولا يعصى مغلوباً ، وهو القادر على ما أقدرهم عليه. وهذا نظير ما إذا كان هناك طاقة كهربائيّة موزّعة في بيتٍ وفق الضوابط ، وهي تأتي من مصدر ينتجها ويرسلها. ولكن صاحب البيت هو الذي يختار أن يستفيد من هذه الطاقة ، أو لا يستفيد ، وقد يوظفها في التدفئة ، أو في تبريد الطعام ، أو في قتل إنسان ، أو في تحريك آلة ، أو أي شيء آخر. فهو من جهةٍ ليس مجبراً على ما فعل ، كما أنه ليس حرّاً طليقاً بشكل مطلق ما دام بالإمكان إبطال فعله بقطع التّيار الكهربائي عنه ، وجعله عاجزاً عن فعل ما يريد ، ولذلك صحّ الثواب الإلهي على الفعل ، إذا كان حسناً ، وصحّ العقاب عليه إذا كان قبيحاً ، وصحّ الأمر والنهي عنه .. و .. و .. الخ.
السيد جعفر مرتضى العاملي | الجواب: أوّلاً : إن هذا السؤال ليس موجّهاً للشيعة بل يجب أن توجّهه للحسين عليه السلام نفسه ، فهو الذي يعرف السبب في خروجه إلى كربلاء وما الذي استفاده منها. ثانياً : إنّك تحاول بهذا السؤال أن تخطئ أحد الثلاثة الذين نزلت في حقّهم آية التطهير (1) ، وهم : علي والحسن والحسين عليهم السلام. فإن كان أحدهم مخطئاً ، فكيف طهَّرهم الله جميعاً من الرجس تطهيراً ؟! إذن فيجب أن تعتب على الله سبحانه وتعالى الذي حكم بطهارة غير الطاهرين من الرجس بزعمك. وإن كنت تريد تخطئة علي عليه السلام في عدم خروجه على من ظلمه ، فإنّما تخطئ الله ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى ، فإنّه هو الذي يقول : علي مع الحق ، والحق مع علي (2). وإن كنت تخطّئ الحسن أو الحسين عليهما السلام ، فإنّما تخطّئ الله ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى أيضاً ، فإنّه هو الذي قال : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا (3) ، فكيف يجعلهما الرسول بأمر من الله إمامين للناس ، وهما يخطئان أو يخطئ أحدهما قطعاً ، وتكون أخطاؤهما فادحة إلى هذا الحدّ ؟! وكيف يصدر عن سيّدي شباب أهل الجنّة (4) الأمور المتضادة في موضوع واحد ؟! ألا يوجب ذلك كلّه عليك أن تبحث عن الظروف التي دعت الإمام الحسن عليه السلام إلى الصلح ، وعن الظروف التي دعت الإمام الحسين عليه السلام للخروج إلى كربلاء ، وعن الظروف التي دعت عليّاً عليه السلام للسكوت. ثالثاً : من قال لك إنّ مجرّد خروج الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء ، وليس معه جيش ولا حشود ، بل معه أولاده وأصحابه الذين لا يزيدون على بضعة عشرات (5) يعدّ ذنباً يبيح ليزيد أو لغيره أن يقطع عليه الطريق بالجيوش ويجمع له ثلاثين ألفاً ثمّ يبادر إلى قتله وقتل أهل بيته حتّى الطفل الرضيع ، فضلاً عن قتل أصحابه ؟! (6) رابعاً : إنّنا نقول لك : ألم يكن المشركون ، وأبو جهل يظلمون رسول الله صلّى الله عليه وآله وأصحابه في مكّة ، فلماذا لم يبادر رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى حربهم ؟! إمّا أن تقول إنّه صلّى الله عليه وآله لم يتعرض لظلمهم وهذا خلاف الثابت أو أنّه صلّى الله عليه وآله لم يكن شجاعاً ليثور على الظلم. وإذا كان عمر بن الخطاب قد هاجر ظاهراً معلناً وتهدد المشركين بأن يقتل من يلحق به منهم ليمنعه من الهجرة ، فلماذا هاجر النبي صلّى الله عليه وآله وأبو بكر مستترين بعد أن أخفيا نفسيهما في الغار ؟ (7) ! هل كان عمر أشجع أو أقوى من النبي صلّى الله عليه وآله ومن أبي بكر ؟! فلماذا لم يخرج النبي صلّى الله عليه وآله ظاهراً ؟! ولماذا لم يتهدَّد النبي وأبو بكر المشركين كما تهدَّدهم عمر بن الخطاب ؟! خامساً : بالنسبة لسكوت علي عليه السلام في البداية ثمّ قتاله الخارجين عليه في خلافته نقول : لماذا سكت صلّى الله عليه وآله عن ظلم المشركين له وللمسلمين في مكّة ثمّ حاربهم عدّة سنين بعد أن هاجر إلى المدينة ، ثمّ صالحهم في الحديبيّة وهو في موقع القوّة وهم في موقع الضعف ، وأعطاهم تلك الشروط التي وافق عليها أبو بكر واعترض عليها عمر ؟! هل أخطأ صلّى الله عليه وآله في سكوته عن الظلم في مكّة كما سكت علي عليه السلام عمّن ظلموه بزعمك ، أم أخطأ صلّى الله عليه وآله في حربه للمشركين في بدر وأحد وسواها ؟! أم أخطأ في صلحه معهم يوم الحديبيّة كما أخطأ بزعمك الإمام الحسين عليه السلام بذهابه إلى كربلاء ، وكما أخطأ الإمام الحسن عليه السلام بصلحه مع معاوية ؟! ففي أيّ حالة من هذه الحالات الثلاث أخطأ رسول الله صلّى الله عليه وآله ؟! أمّا نحن ، فإنّنا لسنا بحاجة إلى التذكير بأنّنا نقول بكلّ حزم ويقين : إنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان مصيباً في كلّ ما فعل ، وأن فعله حجّة علينا وعلى جميع الخلق. وكان علي عليه السلام مصيباً في سكوته حين كان الإسلام طري العود ، وكان الناس حَدِيثي عهد بالجاهليّة ، وكان الأعداء لا يزالون أقوياء ويحيطون بالمسلمين. وكان الإمام الحسن عليه السلام مصيباً أيضاً في صلحه مع معاوية ، حيث انتزع منه اعترافاً مكتوباً شهد عليه الأعيان والرؤساء : بأن الأمر من بعده للإمام الحسن ثمّ للإمام الحسين (8) ، وفوت على معاوية فرصة قتله وقتل أخيه الحسين عليهما السلام ، وإبادة بني هاشم ، وحمل معاوية على أن يبطل هو وبخطّ يده خلافة ولده يزيد وجميع بني أميّة من بعده. وفي بعض المصادر : بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين. (9) ونحن نعتقد : أنّ هذا الأمر مجعول ، ولكن حتّى ما جعلوه لم يلتزموا به ، ولم يذهب موضوع الإنتزاء على حكم الأمّة من قبل الأمويين. فلمّا تمّ الصلح عاد معاوية فنقض الاتّفاق ، وبقي الحسنان ملتزمين بعهدهما ، لأنّهما لو نقضاه ـ كما نقضه معاوية ـ لقلتم إنّ خلافة يزيد كانت شرعيّة ، لأنّ النقض للصلح قد حصل من الطرفين. فلمّا مات معاوية كان لا بدّ من العمل بالاتّفاق الذي كان قد أبرم معه ، لأنّ المعاهدات لا تنقض من طرف واحد ، فالحسين عليه السلام كان هو الخليفة باعتراف معاوية في وثيقة الصلح ، وكان يزيد هو الغاصب والخارج على إمام زمانه والقاتل له. فكان لا بدّ للإمام الحسين عليه السلام من المطالبة بالعمل بأحكام الله ، ومن توضيح الأمور للناس ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وطلب الاصلاح في أمّة جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله ، كما صرح به في كلماته المختلفة (10) ، حتّى لا يقول قائل : إنّ حكم يزيد والأمويين كان شرعيّاً ، لأنّهم حكموا بموافقة الحسنين عليهما السلام وبمقتضى أحكام الصلح. فاتّضح : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان مصيباً ومعصوماً في كلّ مواقفه. ثمّ كان علي عليه السلام مصيباً في سكوته. ثمّ كان الحسن عليه السلام مصيباً في صلحه. ثمّ كان الحسين عليه السلام مصيباً في خروجه إلى كربلاء. سادساً : إن ما قاله السائل من أنّه كان مع الامام الحسن عليه السلام من الجيوش ما يمكنه من مواصلة القتال ، غير صحيح أيضاً ، ويكفي أن نذكِّره هنا بما قاله الإمام الحسن عليه السلام نفسه في وصفه لحال أصحابه. فقد ذكر ابن الأثير الجزري : إنّما سلّم الحسنُ الأمرَ إلى معاوية لأنّه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب الناسَ فحمد الله وأثنى عليه وقال : إنّا والله ما يثنينا عن أهل الشام شكّ ولا ندم ، وإنّما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فشيبتِ السلامة بالعداوة ، والصبرُ بالجزع ، وكنتم في مسيركم إلى صِفّين ودينكم أمام دنياكم ، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين : قتيل بصفّين تبكون له ، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره ، وأمّا الباقي فخاذل ، وأمّا الباكي فثائر ، ألا وإنّ معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نَصفةٌ ، فإن أردتم الموت رددناه عليه ، وحاكمناه إلى الله ، عزّ وجلّ ، بظُبى السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى. فناداه النّاسُ من كلّ جانب : البقيّة ، البقيّة ! وأمضى الصُّلح. (11) ونقول : أ. إن لنا ملاحظة على قولهم : إنّه قد خطب بذلك حين وفاة أبيه ، فإن معاوية إنّما كتب بالصلح إلى الامام الحسن عليه السلام بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بأشهر عديدة ، وقد كان الامام الحسن عليه السلام حينئذ في المدائن ، وكان استشهاد الإمام علي عليه السلام بالكوفة. فالصحيح ما أورده ابن طاووس رحمه الله حيث قال : لما وجد الحسن بن علي « ع » فترة من أنصاره وكتب معاوية في طلب الصلح اليه والى أصحابه خطب خطبة منها : ما صدنا عن أهل الشام شك ولا ندم وإنما كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع وكنتم في مسيركم دينكم أمام دنياكم فأصبحتم اليوم دنياكم أمام دينكم ألا وانا لكم كما كنا ولستم كما كنتم لنا أصبحتم بين قتيلين : قتيل بصفين تبكون له وقتيل بالنهروان تطلبون منا ثأره والباكي خاذل والباقي ثائر ومعاوية يدعونا الى أمر ليس فيه عز ولا نصفة ، فان أردتم الموت وردناه وحاكمناه الى الله بظبات السيوف وان أردتم الحياة قبلناها وأخذنا لكم بالرضا ، فناداه الناس من كل جانب البقية يا بن رسول الله عليهم الصلاة والسلام. (12) وأصرح من ذلك ما ذكره الذهبي ، حيث صرح : بأن ذلك قد حصل في المدائن ، فراجع. (13) والمراد بإفراده : تركه فرداً وحيداً. ب. ما فائدة هذا الجيش الذي يتخلى عن قائده ولا يعمل بما تفرضه عليه بيعته وعهوده ؟! ثامناً : أمّا سؤال السائل عن سبب مقاتلة الإمام الحسين عليه السلام مع أنّه في قلّة من أصحابه ، فقد قلنا إنّه عليه السلام لم يجمع جيشاً ولم يأت لحرب ، بل ترك الحجّ مخافة أن يغتاله الأمويّون في مكّة ، وتنتهك بقتله حرمة بيت الله ، فخرج عنها متّجهاً نحو العراق ، فاعترضه جيش يزيد ومنعه من دخول الكوفة ، وجعجع به حتّى بلغ به كربلاء وجمع له يزيد ثلاثين ألفاً وهو في بضع عشرات من أهل بيته وأصحابه ، فقتلوهم بتلك الطريقة الفظيعة. ومن جهة أخرى ، فإنّنا قد علمنا أن من جملة شروط الامام الحسن عليه السلام على معاوية : أن يعود الأمر من بعده إليه ، ثمّ إلى أخيه الإمام الحسين عليهما السلام ، ولا يصحّ نقض العهد من طرف واحد ، فكان يزيد هو الباغي على إمامه والخارج عليه ، والقاتل له. أمّا الإمام الحسن عليه السلام فقد قلنا : إنّه عليه السلام قام بالأمر وحاول دفع الباغي عليه حتّى تخلّى عنه جيشه ، فلمّا تخلّى عنه وتمكّن من حقن الدماء بنحو يحصل فيه على اعتراف من معاوية بأنّ الحقّ له ولأخيه ، وتعهد له بإرجاعه إليه ولأخيه من بعده ، رضي بالصلح ـ وإن كان كارهاً ـ لما يعلمه من دخيلة معاوية التي لن ترضى بالوفاء. الهوامش 1. الأحزاب : 33. 2. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 98 / الناشر : دار الأضواء / الطبعة : 1. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 150 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 235 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 3. المناقب « لابن شهرآشوب » / المجلّد : 3 / الصفحة : 394 / الناشر : علامه / الطبعة : 1 : واجتمعوا ايضا انه صلّى الله عليه وآله قال : الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة . راجع : دعائم الإسلام « للقاضي النعمان » / المجلّد : 1 / الصفحة : 37 / الناشر : دار المعارف. 4. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 17 / الصفحة : 31 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « الحَسَنُ والحُسَيْنُ سَيِّدا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ » . 5. راجع : اللهوف في قتلى الطفوف « لسيّد ابن طاووس » / الصفحة : 40 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. 6. راجع : تذكرة الخواص « لسبط بن الجوزي » / الصفحة : 227 / الناشر : منشورات الشريف الرضي / الطبعة : 1. 7. التوبة : 40 : إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 8. راجع : الوافي بالوفيات « للصفدي » / المجلّد : 12 / الصفحة : 68 / الناشر : دار احياء التراث. فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 13 / الصفحة : 56 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 2. 9. كشف الغمة في معرفة الأئمّة « للاربلي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 570 / الناشر : بني هاشمي / الطبعة : 1. 10. راجع : الفتوح « لأحمد بن أعثم الكوفي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 21 / الناشر : دار الأضواء / الطبعة : 1. 11. الكامل في التأريخ « لابن الأثير » / المجلّد : 3 / الصفحة : 406 / الناشر : دار الصادر. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 13 / الصفحة : 268 / الناشر : دار الفكر. أسد الغابة « لابن الأثير » / المجلّد : 1 / الصفحة : 491 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 12. التشريف بالمنن في التعريف بالفتن « لسيّد بن طاووس » / الصفحة : 192 / الناشر : الشريف الرضي. 13. راجع : تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام « للذهبي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 6 / الناشر : دار الكتاب العربي / الطبعة : 2. سير أعلام النبلاء « للذهبي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 145 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9.
السيد جعفر مرتضى العاملي | الجواب: أوّلاً : إن ما ورد في السؤال ، من أنّ العصمة تقتضي علم الغيب ، لا يصحّ ، بل هي تقتضي العمل بالتكليف الشرعي ، وعدم الخطأ في تطبيقه ، وعدم إهماله ونسيانه. ثانياً : إنّ السائل نفسه يقول : إنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان معصوماً ، ويقول عن نفسه : إنّه يعتقد بالقرآن الذي يقول عنه صلّى الله عليه وآله : (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ) (1). ولنا أن نقول أيضاً : إنّ هذا السائل يعتقد : بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله قد أخبر بكثير من الغيوب التي تحقّقت ، ومنها : أنّ عليّاً عليه السلام سيقاتل الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين. وان عائشة ستخرج على علي عليه السلام ظالمة له ، وأنّها ستنبحها كلاب الحوأب. ونضيف هنا أيضاً : أنّكم قد رويتم في كثيرٍ من مصادركم الأساسيّة : أنّه صلّى الله عليه وآله قد أخبر بقتل الإمام الحسين في كربلاء ، وبكى عليه ، وأودع لدى أمّ سلمة قارورةً فيها من تراب كربلاء ، وقال لها : إنّها إن فاضت دماً ، فلتعلم أن الحسين قد قتل (2). ثالثاً : إذا كان الحسين يعلم بأنّه سيقتل في كربلاء ، وهو يمارس وظيفته الشرعيّة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن ذلك لا يمنعه من القيام بما أوجبه الله عليه من الذهاب إلى تلك البقعة. كما أنّ علم إبراهيم خليل الله بأنّه سيواجه القتل إذا حطم الأصنام للنمرود ، لم يمنعه من فعل ذلك. وعلم الأنبياء كلّهم بما سيواجهونه من مصائب وبلايا وأخطار لا يجعلهم يتخلّون عن واجبهم ، والجلوس في زوايا بيوتهم ، أو الهروب من مسؤليّاتهم. وكان الرسول صلّى الله عليه وآله يعلم أيضاً بما سيواجهه به المشركون ، وكان يرى ما يفعلونه بأصحابه من تعذيبٍ إلى حدّ الموت ، ولكنّه كان يأمرهم بالصبر ، ويقول لعمّار وأبيه وأمّه : « صبراً يا آل ياسر » (3). فلماذا لم يتخلّوا عن دينهم ، أو عن صلاتهم ، وصومهم على الأقلّ ، ليتخلّصوا من الموت الذي طال حتّى النساء منهم ، حيث ماتت والدة عمّار تحت التعذيب ؟! وإذا كان لا بدّ من حمل النساء والأطفال مع الحسين عليه السلام إلى كربلاء ، لكي يقع عليهم السبي أو القتل ، وليمنع ذلك من إثارة الشبهات والشكوك حول ما جرى له عليه السلام ، ويضيع بذلك دمه ، ولا ينتفع به الإسلام والمسلمون. حين يدعي بنو أميّة ومحبّوهم : أنّ الحسين قد قتل بيد اللصوص ، أو افترسته الوحوش ، أو ما إلى ذلك. نعم .. إنّه حين يكون المطلوب هو حفظ الإسلام بهذا الدم ، وبهذا السبي ، فهل سيبخل الحسين بذلك ، ويمتنع من حملهم معه إلى كربلاء ، ويحفظ بهم الإسلام والدين ؟! ومن يجود بدمه في سبيل دينه ، هل سيبخل بما هو دونه ؟! إن احتاج الإسلام إليه ؟! وهل سيكون آل ياسر الذين تعرضت نساؤهم للتعذيب والقتل أسخى على الدين من الحسين عليه السلام .. رابعاً : إنّ الإسلام لم ينحرف ، ولا يمكن أن ينحرف في يومٍ من الأيّام ، بل كان فريق من الناس ممّن يدعي الإسلام هم الذين ينحرفون عنه ، ويعملون على صدّ الناس عن الدخول فيه ، أو عن العمل والالتزام بأحكامه. خامساً : إنّ حال الناس في مدى التزامهم بالإسلام يختلف ويتفاوت من عصر لعصر ومن وقت لآخر .. كما أن سبل هدايتهم ، وصيانة دينهم ، وحفظ يقينهم ، وما يؤثر في سلامة مسيرتهم تختلف وتتفاوت وتخضع للظروف ، وللقدرات وللإمكانات ، اختلاف الحالات ، فقد يكفي فيه مجرّد التعليم والإرشاد ، وقد يحتاج إلى ممارسة بعض الشدّة في الزجر عن المنكر ، والتشدّد في فرض المعروف .. وربّما بلغ الانحراف عن خط الاستقامة حدّاً يحتاج فيه تصحيح المسار إلى درجات أشدّ من الكفاح ، وإلى الجهاد واستعمال السلاح وخوض اللجج وبذل الأرواح والمهج. وهذا ما فعله رسول الله صلّى الله عليه وآله بالذات ، فقد مارس من أساليب الدعوة إلى الله في كلّ حين ما توفّر لديه ، وسمحت به الظروف ، واقتضته الأحوال ، فما احتاج اليه وتوفّر لديه واستفاد منه في مكّة قد اختلف عمّا احتاج إليه وتوفّر لديه واستفاد منه في المدينة ، وما مارسه في صلح الحديبيّة اختلف عمّا مارسه في فتح مكّة ، واختلف هذا وذاك مع ما كان في بدر وأحد وحنين. سادساً : هل يستطيع مسلم أن يساوي بين عهد يزيد وبين ممارسات يزيد ، وبين عهد أبي يكر وممارسات أبي بكر ؟! أو بينه وبين عمر ابن الخطاب ؟! أو بين يزيد وبين علي عليه السلام في سيرته وممارساته ؟! بل إنّك لا تستطيع أن تساوي حتّى بين أبي بكر وعثمان ، في سيرتهما ، وفي طريقتهما ، فهل تساوي بين يزيد وعهده وبينهم وبين عهدهم ؟! الهوامش 1. الآية 188 من سورة الأعراف. 2. راجع : تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245 و 246 والمعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 108 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 193 وكفاية الطالب ص 279 وتهذيب الكمال ج 6 ص 408 ومقتل الحسين للخوازمي ص 170 و ط مطبعة الزهراء ج 2 ص 96 ونظم درر السمطين ص 215 والكامل في التاريخ ج 4 ص 93 والوافي بالوفيات ج 12 ص 263 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 238 وج 14 ص 146 وترجمة الإمام الحسين عليه السلام لابن عساكر ص 251 و 252 ومعارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول للزرندي الشافعي ص 93 وكتاب الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 324 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 83 وذخائر العقبى ص 147 وطرح التثريب ج 1 ص 42 ومجمع الزوائد ج 9 ص 189 وينابيع المودة ج 3 ص 11 و 12 والمواهب اللدنية ص 195 والخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 125 وجوهرة الكلام ص 120 ومأتم الحسين أو سيرتنا وسنّتنا للعلامة الأميني ط سنة 1428 هـ ص 90 عن مصادر كثير. 3. المستدرك للحاكم ج 3 ص 383 والإصابة ج 6 ص 500 وج 8 ص 190 والإستيعاب ج 4 ص 1589 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 36 وكنز العمال ج 11 ص 728 والدرجات الرفيعة ص 256 و 260 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 98 والمناقب للخوارزمي ص 234 والسيرة الحلبية ج 1 ص 483. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
السيد جعفر مرتضى العاملي | الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فإنّنا بالنسبة للسؤال المذكور ، نقول : أمّا بالنسبة إلى المئة وعشرين ألفاً الذين بايعوا الإمام علياً عليه السلام ، في الثامن عشر من ذي الحجّة في غدير خم بحضور رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فنقول : إنّهم لم يكونوا في المدينة حين وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، بل كانوا قد رجعوا إلى بلادهم. وقد كان القائمون بالانقلاب لا يحتاجون إلى أكثر من إعلام أهل تلك البلاد ، بأنّه قد استجدت أمور فرضت على الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ، العدول عن ما كان قرّره .. وسارت الأمور باتّجاه جديد ، وفقاً لإرادته صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وتوجيهاته .. وأمّا بالنسبة لأهل المدينة أنفسهم ، الممثّلين بمن له رأي وموقع من رجال الأوس والخزرج ، فنقول : أوّلاً : إنّ المدينة كانت قرية صغيرة قد لا يصل عدد سكّانها بجميع أصنافهم وانتماءاتهم الدينيّة ، وغيرها .. إلى ألفين أو ثلاثة آلاف ، كباراً وصغاراً ، شيوخاً وشبّاناً ، ورجالاً ونساء .. والمسلمون البالغون من جميع هذه الأصناف ، قد لا يصلون إلى الألف في أكثر التقديرات تفاؤلاً .. ويشير إلى ذلك : ما هو معروف من أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قال : أكتبوا لي كل من تلفظ بالإسلام. فكتب له حذيفة بن اليمان ألفاً وخمس مئة رجل .. وفي رواية أخرى : ونحن ما بين الستّ مئة إلى السبع مئة (1). كما أنّ الذين بايعوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، تحت الشجرة قد كانوا ألفاً وأربع مئة أو خمس مئة ، وقيل ألف وثمان مئة ، على أبعد التقادير .. وقد كان من بينهم المهاجرون ، وهم يعدون بالمئات أيضاً ، وكان من بينهم أيضاً جماعات من القبائل القريبة من المدينة ، وربما غير هؤلاء ، وأولئك أيضاً .. ثانياً : إن هؤلاء الثلاثة لم يجبروا أهل السقيفة على البيعة لأبي بكر ، بل ما حصل هو أنّ أبا بكر قد أوقع الخلاف بين الأوس والخزرج ، بتذكيرهم بإحن الجاهليّة ، وخوّف بعضهم من بعض ، ثمّ بايعه عمر وأبو عبيدة ، وأسيد بن حضير ، وربّما بلغ الأمر إلى ثمانية أشخاص ، كما تشير إليه بعض الروايات .. ثمّ تركوا الأوس والخزرج مختلفين ، وخرجوا مسرعين إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام ، في المسجد ، ليفرضوا عليه البيعة ، قبل أن يبلغه الخبر ، ويتكلّم بما يفسد عليهم أمرهم .. وجرى لهم معه ومع السيّدة الزهراء عليها السلام ما جرى ، وكانوا قد هيّأوا بني أسلم ، ليخرجوا على الناس فجأة في الصباح ، ويفرضوا البيعة لأبي بكر بالقوّة والقهر ، وصار الناس يسحبون إلى البيعة لأبي بكر في أجواء من الرعب والخوف والإهانة ، لا يحسدون عليها .. وقد غاب عن هذه البيعة بنو هاشم ، وكثيرون غيرهم .. وقام بها لأبي بكر جماعة من المهاجرين الحاقدين على الإمام علي عليه السلام ، وأهل بيته .. فإجبار الأوس والخزرج على البيعة ، لم يحصل في اجتماع السقيفة ، وإنّما حصل في اليوم التالي حينما حضر الألوف من بني أسلم فجأة ، كما ذكرنا. ولهذا البحث وبيان تفصيلاته المثيرة مجال آخر .. والحمد لله رب العالمين. الهوامش 1. راجع : السوق في ظلّ الدولة الإسلاميّة ص 68. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
السيد جعفر مرتضى العاملي | الجواب: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فإنّك إذا علمت بأنّ الشمس سوف تطلع غداً من المشرق ، في الساعة الفلانية ، فإن علمك ليس له تأثير في طلوعها ، وكذا لو علمت بأنّ فلاناً سيقتل فلاناً الآخر ، فإن علمك لا أثر له في القتل ، ولا يعتبرك أحد قاتلاً ، ولا يطالبك أولياؤه بدمه ، ولا يحكم بالقَوَد .. وهكذا يقال بالنسبة لعلم الله تعالى بأفعالنا ، فإنّه سبحانه يعلم بأننا سنقوم بالفعل الفلاني باختيار منّا .. فهو يعلم بالفعل ويعلم بأسباب الإقدام عليه ، وأنّه سيكون بالإختيار ، وبالقدرات التي نملكها في مجال التنفيذ .. نعم .. هناك فيض مستمر منه تعالى على هذا الإنسان ، حيث يفيض عليه الوجود والحياة ، والقدرة ، وكلّ ما يملكه لحظة فلحظة .. حتّى حين يمارس أفعاله .. ولكن هذا الفيض والعطاء لا يعني أنّه تعالى هو الذي يفعل ، أو يجبر على الفعل .. بل هو يعطي ونحن نأخذ ، والآخذ يتصرّف فيما يأخذ كيف نشاء .. وهذا كما لو أعطى الأب ولده أموالاً ليصرفها في حاجاته المشروعة ، وحدّد له موارد الصرف .. فإنّه قد يصرفها في مواردها ، وقد يصرفها في غيرها .. فإن الوالد لا يلام على إعطائه المال ، لأنّه قد أعطاه إياه على سبيل الإحسان إليه .. كما أنّه لا يطالب بما يفعله ذلك الولد .. وربما يمكن أن يمثل لذلك بالطاقة الكهربائيّة التي نحصل عليها من مولدها .. فإنّنا نحن الذين نختار توظيف تلك الطاقة في هذا الفعل أو في ذاك ، فنستفيد منها في التدفئة تارة ، وفي التبريد أخرى ، وفي الإنارة ثالثة ، و .. و .. الخ .. وقد نقتل أو نعذب بها إنساناً أيضاً. وفي جميع الأحوال : فإنّنا نحن الذين نختار ، ونحن نتحمّل مسؤوليّة ما نختاره. وليس للمولِّد أو لصاحبه أيّ ذنب في ذلك .. ولا يطالبون بآثار اختياراتنا نحن للطاقة التي يضعونها تحت إختياراتنا ، كما أنّ المنافع التي نحصل عليها من خلال توظيفنا للطاقة في الموارد النافعة لا يصل إليهم منها شيء .. وفي جميع الأحوال نقول : إنّ الله بكلّ شيء عليم ، ولكن علمه هذا ليس له دور في صنع الفعل .. بل هو يعلم أن الفعل سيتحقّق ، عن إرادة واختيار منّا .. فهو تعالى يعلم بالفعل ، ويعلم بأنّه سيحصل باختيارنا وبإرادتنا له ، وهو علم صادق بلا شكّ ، ولكن صدقه لا يعني أنّ له أيّ تأثير في المعلوم .. والحمد لله رب العالمين. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: لا ربط لهذه الآية بالتوسّل ، فان الآية تمنع عن الإعتقاد بالوهيّة غير الله تعالى وخالقيّته حيث يجعل ندّاً وشريكاً لله تعالى وتمنع أيضاً عن العبادة لغير الله تعالى حيث يجعل غير الله تعالى ندّاً وشريكاً لله تعالى في العبادة. أمّا التوسّل فهو التقرّب إلى الله تعالى بأوليائه وجعلهم وسائط عند الله تعالى لكي يقضي حوائجنا كرامة لأوليائه ، بل الله تعالى أراد أن يظهر مقام ومرتبة أوليائه فأمرنا بالتوسّل بهم عنده ، قال تعالى : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (1) ، والوسيلة كلّ ما يتقرّب العبد به إلى الله تعالى ولا تختصّ بفعل الطاعات والعبادات ، بل تتحقّق بالتقرّب إلى الله تعالى بواسطة أوليائه ، ولذا ورد في صحيح البخاري وغيره انّ عمر بن الخطاب كان يتوسّل بالعبّاس عمّ النبي صلّى الله عليه وآله في الإستسقاء وطلب المطر من الله تعالى ويقول : اللّهُمَّ اِنّا كُنّا نَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِنَبِيِّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُسْقينا وَاِنّا نَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فَاسقِنا قالَ فَيُسْقَوْنَ. (2) اعلم انّه يجوز يحسن التوسّل والإستغاثة والتشفّع بالنبي صلّى الله عليه وآله إلى ربّه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكلّ ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ، وانّ التوسّل بالنبي صلّى الله عليه وآله جائز في كلّ حال قبل خلقه وبعد خلقه في مدّة حياته في الدنيا وبعد موته. وقد روى السيوطي في الدر المنثور في ذيل قوله تعالى : ( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ) (3) توسّل آدم عليه السلام بالنبي الأعظم حينما أراد التوبة من خطيئته. (4) وقد ذكر ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 180 ان الإمام الشافعي كان ينشد : آل النبي ذريعتي وهم إليه وسيلتي ارجو بهم أعطى غداً بيدي اليمين صحيفتي (5) ونقل عن الشافعي قول : لقد ثبت بالتجربة انّ التوسّل بقبر موسى به جعفر الكاظم عليه السلام موجب لاستجابة الدعاء. (6) وقد روى أحمد بن حنبل في المسند : عن عثمان بنِ حُنَيف ، أن رجلاً ضريراً أتى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ، فقال : يا نبيَّ الله ، ادعُ الله أن يُعافيني ، فقال : « إنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذلِكَ ، فهو أَفْضَلُ لآخِرتكَ ، ، وإنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَك ». قال : لا بل ادع الله لي. فأمره أن يتوضأ ، وأن يُصَلِّيَ ركعتين ، وأن يدعو بهذا الدعاء : « اللهم إني أسألُكَ وأتوجَّهُ إليك بنبيك محمد صلّى الله عليه وسلّم نبي الرحمة ، يا محمدُ إني أتوجَّهُ بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى ، وتُشَفِّعُني فيه ، وتُشَفِّعُهُ فيَّ ». قال : فكان يقولُ هذا مراراً. ثم قال بعد : أحسب أن فيها : أن تشفعني فيه . قال : ففعل الرجلُ ، فَبَرأ. (7) قال القسطلاني في المواهب اللدنيّة : فقال عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا يا أيها الناس برسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في عمه العباس ، فاتخذوه وسيلة إلى الله. (8) قال ابن الأثير في اسد الغابة : واستسقى عُمَرُ بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما عام الرِّمَادة لما اشتد القحط ، فسقاهُمُ الله تعالى به ، وأَخصبت الأرض. فقال عمر : هذا والله الوسيلة إلى الله ، والمكان منه. (9) قال المحدث المشهور أبو حاتم حيان في ترجمة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام : « حين إقامتي في طوس كنت إذ أوقعت في شدّة وضيق أزور قبر علي بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ واطلب من الله تعالى التخلّص منها ، فيستجيب الله تعالى دعائي ويرتفع عنّي ذلك الضيق ، وهذا شيء جرّبته مراراً ». أقول : هذا مضمون كلامه ومن أراد نصّ كلامه فليراجع المصدر ـ الأصول الأربعة في ترديد الوهّابيّة ص 35 ـ. وفي تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني : قال وسمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول خرجنا مع امام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشائخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا بطوس قال فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ما تحيرنا. (10) الهوامش 1. المائدة : 35. 2. صحيح البخاري / المجلّد : 2 / الصفحة : 16 / الناشر : دار الفكر. راجع : الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 4 / الصفحة : 21 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1. أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 7 / الناشر : جمعية المستشرقين الألمانية. 3. البقرة : 37. 4. الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور « لجلال الدين السيوطي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 58 / الناشر : دار المعرفة للطباعة والنشر. 5. الصواعق المحرقة « لأحمد بن حجر الهيثمي » / الصفحة : 180 / الناشر : مكتبة القاهرة / الطبعة : 2. 6. حياة الحيوان الكبرى « للدميري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 189 / الناشر : دار الكتب العلمية / الطبعة : 1 : وتوفي موسى الكاظم في رجب سنة ثلاث وقيل سنة سبع وثمانين ومائة ببغداد مسموماً ، وقيل إنه توفي في الحبس وكان الشافعي يقول قبر موسى الكاظم الترياق المجرب. 7. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 28 / الصفحة : 480 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. راجع : السنن الكبرى « للنسائي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 169 / الناشر : دار الكتب العلمية / الطبعة : 1. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 9 / الصفحة : 31 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. المستدرك « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 519 / الناشر : دار المعرفة. 8. المواهب اللدنية « للقسطلاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 374 ـ 375 / الناشر : المكتبة التوفيقية. 9. أسد الغابة « لابن أثير » / المجلّد : 3 / الصفحة : 63 / الناشر : دار الفكر. 10. تهذيب التهذيب « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 7 / الصفحة : 339 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: إنّ الاجتهاد عند السنّة والشيعة واحد ، وهو السعي وبذل الجهد لاستنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها التفصيليّة ، التي هي الكتاب والسنّة والإجماع والعقل ، مع أُمور قد تضيفها المدرسة العامية ، كالقياس والاستحسان وغيرهما. نعم ، يختلفان في الطريقة السلوكيّة للاجتهاد ، وفي مقدار حجّيته. إذاً ، الاجتهاد بما هو اجتهاد موجود عند الشيعة والسنّة ، ولكن مرحلة الاجتهاد توقّفت عند السنّة وانحصرت في أصحاب المذاهب الأربعة ، بينما الاجتهاد عند الشيعة لم يتوقّف لضرورته. ونحن نتساءل : إن كان الاجتهاد غير صحيح ، فلماذا اجتهد أصحاب المذاهب الأربعة في كثير من المسائل ؟ وإن كان صحيحاً ، فلماذا منعت عمليّة الاجتهاد ، ووقفت على هؤلاء ؟ وأُخمدت بذلك الحركة العلميّة ؟
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: بعد الإيمان بالله تعالى ، وأنّ له أنبياء ورسل أُنزلت عليهم شرائع ، وسنّت فيها للبشريّة قوانين ، وهذه القوانين فيها توضيح لمنهج الحياة الفرديّة والإجتماعيّة ، وفيها أوامر ونواهي يلزم على المكلّفين الأخذ بها ، فإذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله حاضراً فالمكلّف يرجع إليه ، أو إلى نائبه لأخذ الحكم الشرعي منه ، كذلك بعد رحيله صلّى الله عليه وآله يرجع المكلّف إلى أوصيائه ـ وهم الأئمّة الإثني عشر من أهل البيت عليهم السلام ، أو نوّابهم ـ. ولكن بعد أن غاب الإمام الثاني عشر عليه السلام غيبة كبرى ، أرجع الناس إلى الفقهاء العارفين بالأحكام والمستخرجين لها من الأدلّة التي ذكرها النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وأهل بيته عليهم السلام ، أو الإجتهاد في تحصيل الحكم الشرعي عن طريق القواعد الكلّية التي طرحت على لسان النبيّ وأوصيائه عليهم السلام. وبما أنّ الإرجاع لم ينحصر في فرد معيّن ، وإنّما صار الإرجاع إلى وصف معيّن وهم الفقهاء العارفين بالأحكام ، فكلّ من تواجد فيه هذا الوصف رجع إليه في معرفة الحكم الشرعي ، وعلى ضوء هذا الوصف يتعدّد الموصوف ، أيّ يتعدّد الفقهاء العارفين بأحكام أهل البيت عليهم السلام. وبما أنّ الأذهان مختلفة والأذواق الفقهيّة متفاوتة ، والنظر إلى الأحكام الشرعية أو القواعد المطروحة متفاوتات ، فمن الطبيعي يحصل التفاوت بين الفقهاء في الفتوى ، ويحصل الإختلاف في الإجتهاد ، وهو كلّه دين بالنسبة إلى المكلّف ، ملزم بالرجوع والأخذ عنه ؛ لأنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام أمروا بذلك ، وهم أعلم وأعرف بالإختلافات وحصولها بين الفقهاء ، ومع ذلك ألزمونا بالرجوع إليهم. وأمّا مسألة حصول مشاكل فهذه تحلّ بتحديد الفقيه الذي يرجع إليه المكلّف ، وهو المطلوب لا غير ، والتزام فتاواه والأخذ بها ، وبالتالي لا توجد أيّ مشكلة بالنسبة إليه مادام هو آخذ عن فقيه واحد ، وعالم واحد. نعم لو عمل بالإحتياط مع معرفة طرقه يلزم فيه مشقّة وجهد ؛ لأنّ الفتاوى مختلفة ومتفاوتة ، وفي بعض الأحيان تكون على طرفي نقيض ، فإنّ مثل هذا الشخص يقع في مشكلة التعامل مع الفتاوى ، ومع ذلك توجد هناك طرق وقواعد كلّية يستطيع من خلالها معرفة الإحتياط وكيفيّة العمل به ، وكيفيّة التخلّص من المشاكل التي تواجهه حين العمل به. وأمّا المقلّد فقد ذكرنا بأنّه مادام ملزم بالأخذ من فقيه واحد ـ على تفصيل ليس هنا محلّه فلا يقع في أيّ محذور ، ولا توجد لديه أيّ مشكلة.