نظام أمني صارم وسرية تامة
عنصر الخفاء والسرية في المشروع المهدوي هو المحور الأهم في هذا المشروع، وان كان الغيبة والظهور لها معاني عديدة، لكن اهم وابرز ما في الغيبة مقابل الظهور والظهور في مقابل الغيبة هو عنصر الخفاء.
اذن السرية او النظام الأمني في نهضة صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف هو ركن مهم ورئيسي.
بهذا اللحاظ فأن هذه النهضة ليست مستقبلية فقط كما يتوهم ذلك الكثير، بل ان نهضته ودولته وامامته ومسيرته انطلقت منذ إستشهاد أبيه الحسن العسكري عليه السلام، غاية الامر أن هذه النهضة والمسيرة لأصلاح العالم هي ذات طابع خفي، والنظام الأمني فيها هو الأساس.
يعني نوع من ترقية وتنمية الجانب الأمني بشكل لا تهاون فيه ولا تراخي، من اليوم الأول فعّل هذا النظام بشكل لم يشهده أي نظام امني آخر الا عند سيد الأنبياء والأئمة من بعده صلوات الله عليهم، واستخدموا معه هذا الطابع السري والأمني حتى وهو جنين في بطن إمه الطاهرة السيدة نرجس عليها السلام.
هذا النظام هو سنة عند كل الائمة عليهم السلام، لكن مع صاحب العصر والزمان أكبر وأوضح في كل اتجاه.
في سورة الكهف والتي هي كهف الاسرار بالنسبة للمشروع الإلهي، ذكر لقاء النبي موسى للخضر عليهما السلام وهو لقاء عجيب في دروسه وعبره.
الخضر عليه السلام هو رجل السرية وهو رمز لها في المشروع الإلهي، وواضح ان له دور ركني وخطير فيه، ودوره هذا لشدة محافظته على السرية بشكل صارم ودقيق، فقد أُعطي النبي موسى عليه السلام شفرتين أمنيتين لكي يعرف ذلك الرجل السري في الدولة الإلهية ويلتقي به.
﴿ وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِفَتٰاهُ لاٰ أَبْرَحُ حَتّٰى أَبْلُغَ مَجْمَعَ اَلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً. فَلَمّٰا بَلَغٰا مَجْمَعَ بَيْنِهِمٰا نَسِيٰا حُوتَهُمٰا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي اَلْبَحْرِ سَرَباً. فَلَمّٰا جٰاوَزٰا قٰالَ لِفَتٰاهُ آتِنٰا غَدٰاءَنٰا لَقَدْ لَقِينٰا مِنْ سَفَرِنٰا هٰذٰا نَصَباً. قٰالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنٰا إِلَى اَلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ اَلْحُوتَ وَ مٰا أَنْسٰانِيهُ إِلاَّ اَلشَّيْطٰانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَ اِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي اَلْبَحْرِ عَجَباً. قٰالَ ذٰلِكَ مٰا كُنّٰا نَبْغِ فَارْتَدّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمٰا قَصَصاً. فَوَجَدٰا عَبْداً مِنْ عِبٰادِنٰا آتَيْنٰاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنٰا وَ عَلَّمْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا عِلْماً ﴾ (1).
والنبي موسى عليه السلام هو ايضاً كان في حالة غيبة حسب سورة القصص وسور أخرى، مع ذلك طبقة الخفاء التي يمارسها الخضر أعلى وأشد من الخفاء الذي يمارسه النبي موسى عليه السلام.
وموسى عليه السلام كان يعيش في قصر فرعون ولو كان بني إسرائيل يعلمون انه هو المخلص وأنه من ولد بني إسرائيل فأن الخبر سيفشى ويصل الى فرعون وسيكون معرضاً لخطر الموت.
فولاية موسى عليه السلام كانت في خفاء وكذلك ترعرعه في بيت فرعون، وحسب روايات أهل البيت عليهم السلام أن ام موسى والقابلة التي أولدتها توفيتا فخفي أمره حتى على بني إسرائيل ولا أحد يعرف انه منهم، وترعرع في أحضان الطاغية فرعون، فكل شيء كان في سرية وخفاء وهو مصطفى ويعلم بدوره، لكنه كان في خفاء منذ ولادته الى ان بلغ اشده، حتى دخل المدينة كما في سورة القصص ووجد رجلين يقتتلان وعندما تدخل لنصرت الإسرائيلي الذي هو من شيعته إنكشف بعض أمره، لذلك زاد من درجة الخفاء بان ذهب الى أرض مدين.
هذه المشاهد في القرآن ليست للسرد التاريخي، بل يريد سبحانه وتعالى أن يبين فيها دور الأنبياء والاوصياء ورجال الدولة الإلهية كيف هو وضعهم في النظام الأمني والتعامل السري.
خفاء مستمر بل ويزيد في درجته الى ان أتت ساعة الظهور للنبي موسى عليه السلام ﴿ اِذْهَبْ إِلىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغىٰ ﴾ (2).
التقية دين ونظام
يقول الامام الصادق عليه السلام: « التقية ديني ودين آبائي » (3) . والتقية ليست آية أو آيتين في القران الكريم بل هي نظام أمني، والنظام الأمني مشحون في كل صور القرآن، وقد روي عن الامام الرضا عليه السلام عن النبي موسى عليه السلام في تفسير هذه الآية: ﴿ قٰالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ ﴾ قال عليه السّلام: « يعني استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني » بل أكثر من هذا أعطاه برنامج امني لكي يستره بأن أرسله الى أرض مدين، وهذا يسمى في الحرب الأمنية تصعيد درجة الخفاء لكي لا تخترق من قبل الطرف المقابل.
هذا النظام القرآني في السنن الإلهية يجب ان نتعرف عليه، وهو كما يعترف به الآن في علوم الدولة العصرية والعلوم الاستراتيجية من اعظم واعقد واصعب علوم بناء الدولة.
والامامة الإلهية اعقد واصعب بكثير ولا يمكن فهمها ومعرفتها بسهولة من خلال قراءة كتاب او كتابين، وبملاحظة الجانب الأمني فيها، لذلك فأن الامام الصادق عليه السلام وبلغة هادئة وخفية يشير الى خطورة معرفة علوم الامن والنظام الأمني، وهذا من عجائب البيان عند أئمة اهل البيت عليهم السلام عندما يعبرون هكذا: « التقية ديني ودين آبائي » لأن اصل قيام الدين باستعمال الخفاء، والخفاء هو لأجل تقوية النشاط.
وفي دول العالم الآن قوة الأسلحة المالية والاقتصادية والعسكرية والعلمية يستخدم فيها السرية، لأن العدو سوف يستهدف هذا المنجز ويحاول تدميره واختراقه، واعظم شيء في حفظ القوة وتناميها هو اخفائها سواء كانت مكانية او زمانية.
يجب الاطلاع على هذه العلوم لكي نستطيع قراءة فضائل اهل البيت في الآيات والروايات، ونعلم ماهي كفاءتهم العظيمة والعملاقة في هذا المضمار والتي هي عرشية وفوق البشر.
يقول الامام الصادق عليه السلام « التقية حصن حصين » (4)، هذه التربية العالية والعظيمة أين نحن منها؟ أين نحن من سنن الائمة عليهم السلام؟
يُسأل الامام الصادق عليه السلام قبيل الظهور ترتفع التقية؟ قال: بل تشتد (5)، فالتقية لا تعنى الجمود لأنك من المفروض تخفي القوة والضعف كذلك، وتشتد التقية ليس بمعنى انك لا تزاول نور الهداية بل هذا الجانب مستمر أيضاً على اكبر مساحة ممكنة.
هناك قسمان للوظيفة الدينية، قسم في نشر نور الهداية بين الناس بالتي هي احسن، وبدون استفزاز واثارة العداوة مع الطرف الآخر بالسباب والشتائم ﴿ اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ (6).
أما على صعيد التطبيق يعني القوة التي تملكها فهذه يجب فيها الحفاظ على الجانب السري دائماً.
وقد يقال أن فلسفة الردع هو اظهار للقوة وكشف لها؟ وهذا صحيح، ولكن في الردع يتم الكشف عن بعض القوة لا كلها، وهذه تسمى سياسة توازن الردع، وهذا فصل من فصول علم الامن حسب ما موجود في الثقافة الحديثة، فلا يمكن كشف كل القوة لأنك سوف تكون مستهدف حينها من قبل عدوك، بل بمقدار ما تحتاجه ويوفر لك الغرض.
فقوة القوة في الخفاء والا لن تحافظ عليها، فلماذا نترك هذه المسؤوليات التي نحن مكلفون بها، هذه المسؤوليات هي تطبيق للحديث الوارد عن اهل بيت العصمة والطهارة: التقية ديني ودين آبائي.
السرية سبب من أسباب القوة
بحسب قرآئن الروايات هناك جملة معاني للغيبة وللظهور أيضاً، وأحد معاني الغيبة الرئيسية والمهمة أنها تعني سنة الخفاء والسرية او النظام الأمني، وهذه مسؤولية عظيمة جداً والعقل يدرك أن المحافظة على الخفاء والسرية في جانب أسباب القوة مشمولة بعموم قوله تعالى: ﴿ وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اَللّٰهِ وَ عَدُوَّكُمْ... ﴾ (7) ودائماً من اعظم اليات القوة قديماً وحديثاً اذا كان خصمك مكشوفاً وانت مخفي عنه.
بحسب المنطق التكويني والعقلي ان الخفاء هو بنفسه من أسباب القوة، ولأننا مأمورون بأعداد القوة لا لأجل العدوان بل لردع العدوان، وهذا الخفاء يعبر عنه الأن في المصطلحات الحديثة بالقوة الناعمة.
هذه القوة قليلة الكلفة مع تأثيرها الكبير، فقط تحتاج الى النباهة والفطنة والأستعداد ودوام الحذر، وتشملها نفس الفريضة المذكورة في الآية الكريمة والمرتبطة بالولاية ونظام الولاية ﴿ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ.. ﴾.
نفس مداولة العلوم الأمنية بين المؤمنين وتربية بعضهم بعضاً على الحس الأمني في كل الجوانب أمر مهم، فالوعي ضروري وعملية تحريك اليقظة في العقل الأيماني فريضة عظيمة.
نبذ السذاجة والغفلة عن العقلية المؤمنة مساهمة عظيمة، حتى في الثقافة هناك أمن ثقافي فأذا أعطيت شاباً من أبنائنا وعيا لتوقضه وتحميه من السذاجة والاستغفال والاستدراج والتحايل الفكري الذي يحاك ضده فهذا تحصين وحماية لهم.
علينا ان نستلهم العبر مما جرى في صفين وكيف أن فئة عظيمة من الجيش تستغفل ويسلب منها نصر مؤزر وكبير كان بين أيديهم لكنهم أخفقوا في تحقيقه لأنهم في ساعة النصر أستغفلوا برفع المصاحف!، وتفتت قوى الجيش بخدعة لأنهم لا يملكون وعياً أمنياً فوقعوا فريسة سهلة للخداع والتضليل.
"الحرب خدعة" دائماً أمير المؤمنين عليه السلام يكررها على مسامع أصحابه لغرض تربيتهم، وهذه ليست في الحرب الساخنة فقط، والحرب الان في العقل البشري ليست فقط حرب عسكرية ساخنة، بل هي حرب اقتصادية وتجارية وحرب ثقافية والحرب الأمنية أشد فتكاً.
الغيبة إحتفاظ بعنصر المبادرة
غيبة صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف مشروع امني عملاق وسنة مهدوية عظيمة، فطابع مسيرته الان خلال أكثر من عشرة قرون هي الغيبة وعمله كله نشاط لكن في خفاء، ولذلك يجب ان نثري هذه البنود تتبعاً في الشريعة ومنها الحرب خدعة وهذا مرتبط بالخفاء لأنه مع تنبه العدو لا تكون الخدعة.
معرفة مضمون الحرب خدعة مهم جداً لأنه من العلوم الاستراتيجية للحرب، وهو أقوى فقرة تستخدم في الحرب ليحتفظ دائماً بعنصر المبادرة والتخطيط في الخفاء من دون ان يشعر بك العدو.
آلة الانتصار في الحرب الأمنية بين الانظمة ان لا يستشعر عدوك بانك عدو له، وان لا يستشعر خصمك بأنك خصم له، بل يجب عليك ان تشعره بالثقة وهنا تكون قد حققت الانتصار واخترقت الطرف الآخر، لأنه لن يكون في يقظة واستعداد بل يكون في حالة سبات فاستشعار العداوة يقظة.
سر عظيم ان صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف لا يهادن، لأنهم ذئاب فلا يمكن الثقة والاطمئنان بهم، نعم ننبذ ثقافة الكراهية مع الشعوب لأنها محرومة ومستضعفة، أما الأنظمة العاتية وحكامها الطغاة فلا يمكن معهم المهادنة.
أئمة الجور الذي هم قادة الفتن والظلم والجور في المجتمعات البشرية يرفعون راية محاربة الإرهاب في العالم لأستغفال الآخرين وهم يديرون الإرهاب ويقودونه بأنفسهم.
الخفاء يحمل الكثير من الأسرار، والحرب خدعة وكأنه أي سلاح في الأرض لا فائدة فيه لأن عمدة الأمر في الحرب هو الخدعة.
بطولة وشجاعة امير المؤمنين عليه السلام غير الاليات الموجودة والتخطيط هو عنصر الخفاء والتدبير الذي يمارسه، وفي صفين مرتين معاوية بن ابي سفيان يكون تحت سيف أمير المؤمنين عليه السلام بواسطة التدبير والتخطيط الحربي.
والامام الحسن أيضاً صلوات الله عليه خطط ان يأتي بمعاوية بدون ان يبرم صفقة الهدنة معه، فاستدرج معاوية وجيشه الى الكوفة وعندها تعطلت كل العيون والجواسيس الذين كانوا يعملون لمعاوية في الكوفة لتداخل الجيشان في الأزقة والشوارع ولما يبرم معه أي صفقة، وهذه عظمة التخطيط عند الامام الحسن عليه السلام، حتى ان معاوية أراد ان يفتك بعمرو بن العاص لأنه اعتقد ان هناك مؤامرة وتواطؤ بينه وبين الامام الحسن عليه السلام، لأنه رأئ نفسه في قبضة الامام الحسن عليه السلام ومن ثم أملى الامام عليه السلام شروطه على معاوية، وأول شرط فيها أن الحسين عليه السلام لا يبايع، وهذا يعني ان الخط الساخن في المواجهة يبقى مفتوحا وقد وافق معاوية مرغماً على ذلك.
كل خداع ومغريات ورشاوى معاوية ومؤامراته باءت بالفشل مع التدبير الخفي للأمام الحسن عليه السلام، هذا التدبير الخفي لم يعلم به لا معاوية ولا عمرو بن العاص ولا عبد الله بن عباس ولا عبيد الله بن عباس ولا أحد من الجيشين، فقط الامام الحسن والحسين عليهما السلام، وهنا دقة التدبير والمناورة عند الائمة سلام الله عليهم. والكثير ممن اطلع الى بنود صلح الامام الحسن عليه السلام لم ينتبه الى دقة البنود، لعدم وجود العلوم الأمنية سابقاً فلم يقرأ البنود قراءة صحيحة.
هذه مسألة مفصلية في صلح الامام الحسن عليه السلام، وكيف أنه استدرج معاوية وجيشه في وسط الكوفة وفي قبضته ولما يبرم معه أي شيء فالمفاوضات ليس فيها التزام بعد وهذا هو معنى "الحرب خدعة"، كما تفكر في التصنيع العسكري والحربي فكر في التدبير العسكري والأمني الخفي.
كل بطولات امير المؤمنين عليه السلام اكبر عامل فيها هو عنصر الخفاء والمكر العسكري والأمني، فهو عليه السلام كان طالباً للشهادة لكنه لا يعطي العدو فرصة الاقتراب منه، ومن خصائص امير المؤمنين عليه السلام التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أنه لا يهزم في حرب قط، وأيضاً ذكرها الامام الحسن عليه السلام بعد استشهاد أبيه عليه السلام لأنه عنده تدبير امني لا يجعل للعدو فرصة ان ينتصر عليه، اذن الشهادة عند امير المؤمنين عليه السلام ليس كما نفهمها نحن، فهي ليست عيُّ في التدبير الأمني والعسكري، أو الغفلة عن مخططات العدو لأن هذه ليست هي الشهادة.
التخطيط الأمني عند أئمة اهل البيت عليهم السلام تجهيز الجيوش بأسلحة قوية، وكل أنواع القوة يجب ان يتسلح بها بيت الايمان، لكن يبقى السلاح الأكبر هو سلاح الامن أي أن ترصد عدوك ولا يرصدك.
ولكن نحن نحمل مفهوماً خاطئاً مفاده أنك تستتر عن عدوك فقط وهذه ليست تقية فهي ليس فقط ان تستتر عن عدوك، معنى الاستتار عن العدو هو انكشاف عدوك لك، والا كيف يستتر الانسان عن عدوه قبل تشخيصه وتحديد موقعه، ومعرفة جغرافية واحداثيات العدو في كل المجالات.
إذن قوام التقية هي كشف الطرف الآخر وأن لا يكون مستتراً عنك والا لا تتحقق التقية، وهذا قوام مهم في الفقه السياسي والعقائدي والعسكري وهو ركن مهم في باب التقية، وصاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف هو الغائب صحيح لكن الآخرين بالنسبة اليه ليسوا غيَّباً بل هم في مشهد منه.
إذن قوام التقية وجهين متعاكسين، من جهة أنت في ستر وحصن، ومن جهة الطرف الآخر مكشوف لك، وأنّا لك ان تستتر والطرف الآخر غير مكشوف لك؟!.
كيف نُعِّرف التقية بهذا المعنى والأمام الصادق عليه السلام يعرفها بانها حصن حصين، فكيف نكون حصنا بتعريفنا الخاطئ لها، والأمام الصادق عليه السلام يقول: « العالم بزمانه، لا تهجم عليه اللوابس » (8)، هذا قوام التقية فكيف نستتر من الذئاب؟ بمنهج النعامة تضع رأسها في التراب وتظن ان هذا يحميها من عدوها! هذا هو إطمئنان الحمقى.
اول ركن في التقية هو ان ترصد العدو وتراقبه ليل نهار بلا توقف او سكون، وهذا حذر وليس عدوان، يجب ان نحافظ على مفاهيمنا من ان تنقلب رأساً على عقب، كم نادى المؤمنين « اَيْنَ صاحِبُ يَوْمِ الْفَتْحِ وَناشِرُ رايَةِ الْهُدى، اَيْنَ مُؤَلِّفُ شَمْلِ الصَّلاحِ وَالرِّضا...» (9) لكن هل خُدع صلوات الله عليه وآله؟ كلا أبداً، لا يبرز!! لأنه لا يخدع من قبل الجميع صديقاً كان أو عدواً، بل هو يعد العدة ويدبر.
المسؤولية بين الكتمان.... والنشر
من معاني غيبة الامام المهدي عجل الله فرجه الشريف أنها ممتزجة بين طابعين طابع السرية والخفاء وطابع المسؤولية العامة.
وهناك إشارات قرآنية تبين الحقيقة المهدوية ونهجه وسيرته عجل الله فرجه الشريف، وقد نبه القرآن الكريم الى ذلك وهي قاعدة معرفية قرآنية وروائية.
وورد ما يشير الى ذلك المعنى في أهل بيت العصمة والطهارة صلى الله عليهم (10)، وكل هذه الإشارات يدعمها محكم التنزيل: ﴿ لَقَدْ كٰانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبٰابِ مٰا كٰانَ حَدِيثاً يُفْتَرىٰ وَ لٰكِنْ تَصْدِيقَ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (11)، ﴿ لَقَدْ كٰانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آيٰاتٌ لِلسّٰائِلِينَ ﴾ (12) والايات هي علامات (13)، وهذا ليس فقط من التأويل بل هو نص واضح في صريح القرآن.
فما جرى في بنى إسرائيل حتى في التفاصيل وكذلك في جانب الشر واهل الشر عبرة، لأن الكلام ليس في فرعون بل هو في منهج الفرعونية الذي قد تبتلى به الامة، وفعلاً أبتليت هذه الأمة بمنهج الجبت والطاغوت ومن لا يلتفت الى هذا المنهج فهو غافل او متغافل عن النظام العام في القرآن الكريم (14).
مثلاً في قصة موسى عليه السلام كانوا موعودين به وينتظروه كما ينتظر المهدي عليه السلام: ﴿ قٰالُوا أُوذِينٰا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنٰا وَ مِنْ بَعْدِ مٰا جِئْتَنٰا قٰالَ عَسىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ (15) فكأن بني إسرائيل ينتظرون الموعود وهو النبي موسى عليه السلام (16)، وهذا مما يؤكد ان عقيدة الموعود المنتظر المصلح سنة الهية في الأمم ليست بدعاً من سنن الله (17) ﴿ سُنَّةَ اَللّٰهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللّٰهِ تَبْدِيلاً ﴾ (18).
وعليه فتفجير الموقف قبل آوانه بالمواجهة الساخنة ليست من البرنامج الإلهي بل هي من عمل الشيطان ـ طبعاً الدفاع بلا ريب حق مشروع وحتى الدفاع الوقائي ـ لكن ان يكون المؤمن هو الذي يفجر الموقف، أو ان يُخدع ويجر الى تفجير الموقف فهذا خطأ كبير.
فلسفة القوة في منطق أهل البيت عليهم السلام هي الردع وليس الجبروت والتسلط والعدوان على الآخرين، فالقوة لا تعني العدوان وتفجير الموقف مع الطرف الآخر، واللين لا يعني الضعف بل هو لين في قوة وحزم.
اذن من قضايا الخفاء في الغيبة أن المؤمن بقدر ما يستطيع لا يبني في العلن، بل جل عمله ينبغي ان يكون مخفياً في هذا الجانب.
ولهذا ما جرى من موسى عليه السلام مع القبطي الذي استغاثه عليه أحد شيعته ﴿ وَ دَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهٰا فَوَجَدَ فِيهٰا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاٰنِ هٰذٰا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هٰذٰا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغٰاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسىٰ فَقَضىٰ عَلَيْهِ قٰالَ هٰذٰا مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قٰالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ ﴾ (19)، مع ان موسى عليه السلام نبي ومن أولي العزم لكنه في ذلك الوقت كان عليه تدبير أمره في السر وليس في العلن، ولهذا فسرت ظلمت نفسي لدخوله في منطقة العدو وهو مطالب بكتمان نشاطه لأن كشف أوراقه يؤدي الى ضعفه: ﴿ قٰالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي.... ﴾ (20)، و اغفر لي يعني إسترني.
ولأهمية أمر الكتمان ترى الألم الذي يعتصر قلب الامام السجاد عليه السلام على فقدان شيعته هذه الخصلة بالذات: « وددت والله أني افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي، النزق وقلة الكتمان » (21).
هذا الأمر أيضاً مرتبط بالمشروع المهدوي عند الغيبة، واذا كان عنوان المرحلة هي الغيبة فهي لا تعني الا الخفاء، ولا تعني الجمود أو عدم المبالاة بل تعني الخفاء والسرية، ومعنى السرية هو أن تكون في قمة النشاط، فماذا تُسر، وماذا تخفي؟ لابد ان يكون هناك شيء تخفيه وهذا هو معنى الغيبة والخفاء.
فاذن الخفاء هو عنصر قوة لبناء المجتمع الصالح والقوي (22)، ومن احرم المحرمات كشف الستار.
ولكن ينبغي الإشارة ان هذا الأمر ليس في العقائد المعلنة وهذا هو الأسلوب والنهج القرآني في جانب النور والهداية ﴿ اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..... ﴾ (23)، ﴿ إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ اَلْبَيِّنٰاتِ وَ اَلْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي اَلْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاّٰعِنُونَ ﴾ (24).
اذن المسؤولية عامة على اهل الأيمان في الكتمان والسرية فيما يتعلق بجانب التنظيم وصناعة القوة.
الهوامش
1. الكهف، 60-65.
2. طه، 24.
3. الكليني، الكافي، ج 2، ص 174، ح 12، باب التقية.
4. وصِفت التقية في جملة من أحاديث أهل البيت عليهم السلام بأنها ترس المؤمن، وحرزه، وجنته، وإنّها حصنه الحصين ونحو هذه العبارات الكاشفة عن أهمية التقية. فقد روى عبدالله بن أبي يعفور، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: « التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن »، وعنه عليه السلام قال: « كان أبي عليه السلام يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية؟ إن التقية جُنّة المؤمن »، وكذلك ورد عنه عليه السلام انه قال للمفضل: « إذا عملت بالتقية لم يقدروا في ذلك على حيلة، وهو الحصن الحصين وصار بينك وبين أعداء الله سداً لا يستطيعون له نقباً » (اُصول الكافي، ج 2، ص 221، ح 23، باب التقية)، (اُصول الكافي، ج 2، ص 220، ح 14، باب التقية)، (الوسائل، ج 16، ص 213، ح 21389، باب 24، من أبواب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
5. ورد عن الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) انه قال: لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، إن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية. فقيل له: يا ابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم خروج قائمنا أهل البيت، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا...) (الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص 371).
6. النحل، 125.
7. الأنفال، 60.
8. الحسن بن علي الحراني، تحف العقول عن آل الرسول، ص 356.
9. مقطع من دعاء الندبة.
10. روي عن الصادق (عليه السلام): "ان سنن الانبياء وما وقع عليهم من الغيبات جارية في القائم منا اهل البيت حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة......" (الصدوق، إكمال الدين واتمام النعمة، ص 345، باب 33، ح 31)
11. يوسف – 111.
12. يوسف – 7.
13. روي عن الباقر (عليه السلام): "ان فيه اربع سنن من اربع انبياء: من موسى خائف يترقب ومن يوسف السجن ومن عيسى يقال: مات ولم يمت ومن محمد السيف". (الصدوق، اكمال الدين واتمام النعمة، ص 153، باب 6، ح 16 / و ص 327، باب 32، ح 6).
14. ورد عن رسول الله انه خاطب أصحابه فقال: "لتتبعنَّ سنن من كان من قبلكم شبر بشبر وذراع بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) (صحيح البخاري، ج 6، ص 2669، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتتبعن سنن من كان قبلكم).
15. الأعراف – 129.
16. روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال:" سنة من موسى خفاء مولده وغيبته عن قومه ثماني وعشرين سنة ". (الصدوق، إكمال الدين واتمام النعمة، ص 152، ب 6، ح 14).
17. قال الصدوق في اكمال الدين: اول الغيبات غيبة ادريس النبي (عليه السلام) المشهورة حتى ال الامر بشيعته الى ان تعذر عليهم القوت، وقتل الجبار من قتل منهم وافقر واخاف باقيهم ثم ظهر (عليهم السلام) فوعد شيعته بالفرج وبقيام القائم من ولده وهو نوح (عليه السلام)، ثم رفع ادريس اليه فلم تزل الشيعة يتوقعون قيام نوح (عليه السلام) قرنا بعد قرن وخلفا عن سلف صابرين من الطواغيت على العذاب المهين حتى ظهرت نبوة نوح.
ثم ذكر حديثا عن الباقر (عليه السلام) يتضمن غيبة ادريس عشرين سنة مختفياً في غار لما خاف من جبار زمانه وملك من الملائكة ياتيه بطعامه وشرابه ثم ذكر ظهور نبوة نوح (عليه السلام) ثم روى بسنده عن الصادق (عليه السلام): [انه لما حضرت نوحا (عليه السلام) الوفاة دعا الشيعة فقال لهم: اعلموا انه ستكون من بعدي غيبة يظهر فيها الطواغيت وان الله عز وجل يفرج عنكم بالقائم من ولدي اسمه هود فلم يزالوا يترقبون هودا (عليه السلام) وينتظرون ظهوره حتى طال عليهم الامد وقست قلوب اكثرهم فاظهر الله تعالى ذكره نبيه هودا (عليه السلام) عند اليأس وتناهى البلاء، واهلك الاعداء بالريح العقيم ثم وقعت الغيبة بعد ذلك الى ان ظهر صالح (عليه السلام). (إكمال الدين واتمام النعمة، ص 135 و 136، باب في ذكر ظهور نوح - عليه السلام - ح 4).
18. الأحزاب – 62.
19. القصص، 15-16.
20. القصص، 16.
21. الكليني، الكافي، ج 2، ص 222.
22. روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال:" ولا بد له في غيبته من عزلة، ولابد في عزلته من قوة " (الغيبة للطوسي، ص 102).
23. النحل، 125.
24. البقرة، 159.
مقتبس من كتاب المشروع السياسي للامام المهدي عجل الله تعالى فرجه شريف للشيخ محمد السند / الصفحة : 159 ـ 176.




