صلاة النبي الأكرم لقضاء الحوائج

من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل لهم أبواباً ووسائل يتقربون بها إليه عند الدعاء وطلب الحاجات، ومن أبرز هذه الوسائل التوسّل بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام. والتوسّل لا يعني أن أحدًا يملك قضاء الحاجة استقلالًا عن الله سبحانه، فالله تعالى هو وحده القادر على كل شيء، وإنّما يتوجه المؤمن إليه سبحانه متوسلًا بأحب خلقه وأكرمهم عنده.
وقد أمر الله تعالى بابتغاء الوسيلة إليه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، فجعل الغاية هي الله تعالى، والوسيلة طريقًا للتقرب إليه؛ ولهذا وردت عن أهل البيت عليهم السلام روايات تؤكد مشروعية التوسّل بالنبي صلى الله عليه وآله في الدعاء وقضاء الحوائج.
فقد ورد عن الإمام الحسن بن علي العسكري عليه ‌السلام عن آبائه، عن النبي صلى ‌الله عليه ‌وآله قال: إنّ الله سبحانه يقول: «عبادي، من كانت له إليكم حاجة فسألكم بمن تحبون أجبتم دعاءه، ألا فاعلموا أن أحب عبادي إليّ وأكرمهم لديّ محمد وعلي حبيبي ووليي، فمن كانت له حاجة إليّ فليتوسل إليّ بهما، فإنّي لا أرد سؤال سائل يسألني بهما وبالطيبين من عترتهما، فمن سألني بهم فإنّي لا أرد دعاءه، وكيف أرد دعاء من سألني بحبيبي وصفوتي ووليي وحجتي وروحي ونوري وآيتي وبابي ورحمتي ووجهي ونعمتي؟ ألا وإنّي خلقتهم من نور عظمتي، وجعلتهم أهل كرامتي وولايتي، فمن سألني بهم عارفا بحقهم ومقامهم أوجبت له منّي الاجابة، وكان ذلك حقا عليّ.»(1).
وتبيّن هذه الرواية بوضوح أنّ التوسّل توجه إلى الله تعالى، وأنّ النبي وأهل بيته عليهم السلام هم الوسيلة التي يتقرب بها العبد إلى ربه.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ما يدل على أنّ التوسّل بمحمد وآل محمد عليهم السلام ورد أيضا في دعاء عدد من الأنبياء:
قال رسول الله صلى‌ الله ‌عليه ‌وآله: «إنّه يكره للعبد أن يزكي نفسه، ولكني أقول: إنّ آدم لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما غفرت لي، فغفرها له، وإنذ نوحا لما ركب السفينة وخاف الغرق قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني من الغرق، فأنجاه الله منه، وإنّ إبراهيم لما ألقي في النار قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني منها، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وإنّ موسى لما ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال: اللهم إنّي أسألك بحق محمد وآل محمد لما امنتني، فقال له الله عز وجل: لا تخف، إنك أنت الأعلى.»(2).

صلاة لقضاء الحاجات وكشف المهمات

ومن الأعمال الواردة لقضاء الحاجة ما رواه الشيخ الكليني عن الإمام الصادق عليه السلام، حيث بيّن للمؤمن كيفية اللجوء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عند نزول الأمر المهم، وذلك بالصلاة ركعتين وإهدائهما إلى النبي صلى الله عليه وآله، ثم الدعاء والتوسّل.
قال الإمام الصادق عليه السلام: «إذا نَزَلَ بِكَ أمرٌ فَافزَع إلى‌ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، وصَلِّ رَكعَتَينِ تُهديهِما إلى‌ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله. قُلتُ: كَيفَ أصنَعُ؟
قالَ: تَغتَسِلُ وتُصَلّي رَكعَتَينِ تَستَفتِحُ بِهِمَا افتِتاحَ الفَريضَةِ، وتَشَهَّدُ تَشَهُّدَ الفَريضَةِ، فَإِذا فَرَغتَ مِنَ التَّشَهُّدِ وسَلَّمتَ قُلتَ:

اللَّهُمَّ أنتَ السَّلامُ ومِنكَ السَّلامُ وإلَيكَ يَرجِعُ السَّلامُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‌ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، وبَلِّغ روحَ مُحَمَّدٍ مِنِّي السَّلامَ وأَرواحَ الأَئِمَّةِ الصّادِقينَ سَلامي، وَاردُد عَلَيَّ مِنهُمُ السَّلامَ، وَالسَّلامُ عَلَيهِم ورَحمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. اللَّهُمَّ إنَّ هاتَينِ الرَّكعَتَينِ هَدِيَّةٌ مِنّي إلى‌ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وآلِهِ، فَأَثِبني عَلَيهِما ما أمَّلتُ، ورَجَوتُ فيكَ وفي رَسولِكَ يا وَلِيَّ المُؤمِنينَ.
ثُمَّ تَخِرُّ ساجِداً، وتَقولُ:
يا حَيُّ يا قَيّومُ، يا حَيُّ لا يَموتُ، يا حَيُّ لا إلهَ إلّا أنتَ، يا ذَا الجَلالِ وَالإِكرامِ، يا أرحَمَ الرّاحِمينَ.
أربَعينَ مَرَّةً، ثُمَّ ضَع خَدَّكَ الأَيمَنَ فَتَقولُها أربَعينَ مَرَّةً، ثُمَّ ضَع خَدَّكَ الأَيسَرَ فَتَقولُها أربَعينَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرفَعُ رَأسَكَ وتَمُدُّ يَدَكَ وتَقولُ أربَعينَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرُدُّ يَدَكَ إلى‌ رَقَبَتِكَ وتَلوذُ بِسَبّابَتِكَ وتَقولُ ذلِكَ أربَعينَ مَرَّةً. ثُمَّ خُذ لِحيَتَكَ بِيَدِكَ اليُسرى‌ وَابكِ أو تَباكِ وقُل:
يا مُحَمَّدُ يا رَسولَ اللَّهِ، أشكو إلَى اللَّهِ وإلَيكَ حاجَتي، وإلى‌ أهلِ بَيتِكَ الرّاشِدينَ حاجَتي، وبِكُم أتَوَجَّهُ إلَى اللَّهِ في حاجَتي.
ثُمَّ تَسجُدُ، وتَقولُ:
يا اللَّهُ يا اللَّهُ، حتّى ينقطعَ نفسُكَ ـ صَلِّ عَلى‌ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، وَافعَل بي كَذا وكَذا.
قالَ أبو عَبدِ اللَّهِ عليه السلام: فَأَنَا الضّامِنُ عَلَى اللَّهِ عز وجل أن لا يَبرَحَ حَتّى‌ تُقضى‌ حاجَتُهُ
»(3).
وتظهر في هذه الرواية عناية الإمام الصادق عليه السلام بتوجيه المؤمن إلى الصلاة واللجوء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عند نزول الأمور الصعبة. فالعمل يبدأ بالاغتسال والصلاة، ثم إهداء الركعتين إلى النبي صلى الله عليه وآله، ثم السلام عليه وعلى الأئمة عليهم السلام، والسجود والذكر، ثم عرض الحاجة والتوسّل، ليختم المؤمن دعاءه بالسجود بين يدي الله تعالى.

صلاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله

ومن الصلوات التي وردت عن النبي صلى الله عليه عن الإمام الرضا عليه السلام، وقد سئل عن صلاة جعفر الطيار عليه السلام، فدلّ السائل على صلاة النبي صلى الله عليه وآله، وعلّمه كيفيتها، فقال: «أين أَنتَ عَن صلاة النبّي صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله فَعسى رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله لَمْ يُصلِّ صلاة جعفر قطّ، ولعل جعفراً لَمْ يُصلِّ صلاة رسول الله صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله قطّ. فَقُلت: علِّمنيها، قالَ: تصلِّي ركعتين تقرأ في كلِّ ركعة فاتِحَةُ الكتاب و(إنَّا أنزَلناهُ في لَيلة القدر) خمس عشر مَرَّة، ثم تركع فَتقرأها خمس عشرة مَرَّة، وخمس عشرة مَرَّة إِذا استَويتَ قائماً، وخمس عشرة مَرَّة إِذا سَجَدتَ، وخمس عشرة مَرَّة إِذا رفعت رأسك من السّجود، وخمس عشرة مَرَّة في السّجدة الثّانية، وخمس عشرة مَرَّة إِذا رفعتَ رأسك مِنَ الثّانية، ثمَّ تنصرف، ولَيسَ بَينكَ وَبَينَ الله تَعالى ذنب إِلاّ وقد غفر لك وتُعطى جميع ما سألت والدُّعاء بعدها:
لا إِلهَ إِلاّ الله رَبُّنا وَرَبُّ آبائِنا الأولينَ لا إِلهَ إِلاّ الله إِلها وَحِداً، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، لا إِلهَ إِلاّ الله لا نَعْبُدُ إِلاّ إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، لا إِلهَ إِلاّ الله وَحْدَهُ وَحْدَهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الاَحزابَ وَحْدَهُ، فَلَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَي قَدِيرٌ. اللّهُمَّ أَنْتَ نُورُ السَّماواتِ وَالاَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، فَلَكَ الحَمْدُ وَأَنْتَ قَيَّامُ السَّماواتِ وَالاَرْض وَمَنْ فِيهِنَّ، فَلَكَ الحَمْدُ وَأَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ وَقَوْلُكَ حَقُّ، وَإِنْجازُكَ حَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقُّ، وَالنَّارُ حَقُّ. اللّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَبِكَ خاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حاكَمْتُ، يا رَبِّ يا رَبِّ يا رَبِّ إِغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ وأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ. أَنْتَ إِلهِي لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ.»(4).
وهذه الصلاة تجمع بين العبادة والذكر والدعاء، وتضع المؤمن في حالة من الخضوع والرجوع إلى الله سبحانه، ولا سيما أن الدعاء الذي يليها يشتمل على التوحيد، والتوكل، وطلب المغفرة والرحمة والتوبة، والصلاة على محمد وآل محمد عليهم السلام.

خاتمة

وفي أيام شهادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، يحسن بالمؤمن أن يستحضر مقام رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن يكثر من الصلاة عليه، وأن يجعل من حاجاته وسيلة للرجوع إلى الله تعالى، بالصلاة والدعاء والتوسّل.
وإنّ النبي صلى الله عليه وآله كان رحمةً لأمته في حياته وبعد شهادته، وبقي ذكره وهديه وبابه إلى الله تعالى مصدراً للرجاء في قلوب المؤمنين. وقد علّمتنا روايات أهل البيت عليهم السلام أن نلجأ إلى الله تعالى عند الشدائد، وأن نتوسّل إليه برسوله وأهل بيته عليهم السلام، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه هو قاضي الحاجات وكاشف الكربات.


1. وسائل الشيعة/ الشيخ الحرّ العاملي / المجلّد: 7 / الصفحة: 102 / ط آل البیت.
2. وسائل الشيعة/ الشيخ الحرّ العاملي / المجلّد: 7 / الصفحة: 100 / ط آل البیت.
3. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد: 3 / الصفحة: 476.
4. جمال الأسبوع / السيد ابن طاووس / المجلّد: 1 / الصفحة: 247.
 

 

التعليقات

Loading...

محتوى ذو صلة