صلاة الحاجة عند الإمام الرضا عليه السلام.. حين ترفع حاجتك إلى الله
يعيش الإنسان في هذه الدنيا بين آمالٍ يسعى إلى تحقيقها، وحاجاتٍ يرجو من الله تعالى قضاءها، ومحنٍ تثقل قلبه، وتدفعه إلى البحث عن بابٍ يطرقُه، وملجأٍ يلجأ إليه. وقد أرشد أهل البيت عليهم السلام أتباعهم إلى أنّ أعظم أبواب قضاء الحوائج هو باب الله تعالى، وأنّ الصلاة والدعاء والتوسل من الوسائل التي تقرّب العبد من رحمته، وتفتح أمامه أبواب الأمل.
وفي ذكرى شهادة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، نستحضر جانباً من تراثه الروحي العظيم، فقد كان الإمام عليه السلام معلّماً للعبادة والدعاء، ومرشدًا إلى كيفية الوقوف بين يدي الله تعالى عند الشدائد والحاجات. وقد وردت عنه صلواتٌ وأدعيةٌ خاصة لقضاء الحوائج، وتفريج الهموم، وطلب الفرج من الله سبحانه وتعالى.
حين يشتد الأمر.. صلاة الحاجة عن الإمام الرضا عليه السلام
ورد عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال: «إذا حزنك أمر شديد فصل ركعتين، تقرأ في إحداهما الفاتحة وآية الكرسي، وفي الثانية الحمد و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ثم خذ المصحف وارفعه فوق رأسك وقل: اللهم بحق من أرسلته إلى خلقك، وحق كل آية فيه، كل من مدحته فيه عليك، وبحقك عليه، ولا نعرف أحدًا أعرف بحقك منك، يا سيدي يا الله ـ عشر مرات ـ بحق محمد ـ عشرًا ـ بحق علي ـ عشرًا ـ بحق فاطمة ـ عشرًا ـ بحق إمام بعده، كل إمام تعده عشرًا، حتى تنتهي إلى إمامك الذي هو إمام زمانك، فإنّك لا تقوم من مقامك حتى يقضي الله حاجتك.»(1).
وتكشف هذه الصلاة عن حقيقة عظيمة، وهي أنّ المؤمن حين تشتد به الأمور لا ينبغي أن يستسلم لليأس، بل يعود إلى الصلاة، ويضع حاجته بين يدي الله تعالى، مستحضراً عظمة القرآن، ومتوسلًا إلى الله تعالى بمحمد وآل محمد عليهم السلام.
صلاة الحاجة يوم الجمعة
ومن الصلوات التي وردت عن الإمام الرضا عليه السلام لقضاء الحاجة ما يؤدّى يوم الجمعة. فقد روي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنّه قال: «من كانت له حاجة، قد ضاق بها ذرعا، فلينزلها بالله جل اسمه. قلت: كيف يصنع؟
قال: فليصم يوم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم ليغسل رأسه بالخطمي يوم الجمعة، ويلبس أنظف ثيابه، ويتطيب بأطيب طيبة، ثم يقدم صدقة على امرئ مسلم بما تيسر من ماله، ثم ليبرز إلى آفاق السماء، ولا يحتجب ويستقبل القبلة، ويصلي ركعتين، يقرأ في الاولة فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة، ثم يركع فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يرفع رأسه فيقرأها خمس عشر مرة، ثم يسجد فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يرفع رأسه فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يسجد ثانية فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يرفع رأسه فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم ينهض، ثم يرفع رأسه فيقرأها خمس عشرة مرة، فيقول مثل ذلك في الثانية فإذا جلس للتشهد قرأها خمس عشرة مرة، ثم يتشهد ويسلم يقرأها بعد التسليم خمس عشرة مرة، ثم يخر ساجدا فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يضع خده الأيمن على الأرض فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يضع خده الأيسر على الأرض فيقرأها خمس عشرة مرة.(2)
صلاة الحاجة لتفريج الهموم والأحزان
ولم يترك الإمام الرضا عليه السلام الإنسان الذي يثقل الحزن قلبه، وتحيط به الهموم، أو تضيق به السبل من دون توجيه وعناية. فقد ورد عنه عليه السلام في صلاةٍ لقضاء الحاجة وتفريج الكرب.
وجاء في كتاب مكارم الأخلاق صَلاةٌ لِمَن أصابَهُ هَمٌّ أو غَمٌّ أو كانَت لَهُ إلَى اللَّهِ حاجَةٌ، عَنِ الرِّضا عليه السلام قالَ: يُصَلّي رَكعَتَينِ يَقرَأُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُمَا «الحَمدَ» مَرَّةً و«إنّا أنزَلناهُ» ثَلاثَ عَشرَةَ مَرَّةً، فَإِذا فَرَغَ سَجَدَ وقالَ:
«اللَّهُمَّ يا فارِجَ الهَمِّ، ويا كاشِفَ الغَمِّ، ومُجيبَ دَعوَةِ المُضطَرّينَ، يا رَحمانَ الدُّنيا ورَحيمَ الآخِرَةِ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، وَارحَمني رَحمَةً تُطفِئُ بِها عَنّي غَضَبَكَ وسَخَطَكَ، وتُغنيني بِها عَن رَحمَةِ مَن سِواكَ».
ثُمَّ يُلصِقُ خَدَّهُ الأَيمَنَ بِالأَرضِ ويَقولُ:
«يا مُذِلَّ كُلِّ جَبّارِ عَنيدٍ، ومُعِزَّ كُلِّ ذَليلٍ، وحَقِّكَ قَد بَلَغَ المَجهودُ مِنّي في أمرِ كَذا، فَفَرِّج عَنّي».
ثُمَّ يُلصِقُ خَدَّهُ الأَيسَرَ بِالأَرضِ ويَقولُ مِثلَ ذلِكَ، ثُمَّ يَعودُ إلى سُجودِهِ ويَقولُ مِثلَ ذلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبحانَهُ يُفَرِّجُ غَمَّهُ ويَقضي حاجَتَهُ.(3)
إنّ هذه الكلمات تحمل معنى عميقًا، فالمؤمن لا يواجه الحزن بقوته وحدها، ولا يتعامل مع الكرب وكأنّه نهاية الطريق، بل يتوجه إلى الله تعالى الذي يفرّج الهم، ويكشف الغم، ويجيب دعوة المضطرين.
صلاة أخرى لقضاء الحوائج
ومن الصلوات المنقولة عن الإمام الرضا عليه السلام صلاةٌ تتكون من ثلاث صلوات، كل صلاة منها ركعتان، ويقرأ المصلي في كل ركعة بعد الحمد سورة الإنسان عشر مرات.
وبعد الفراغ من الصلوات يدعو:
«يَا صَاحِبِي فِي شِدَّتِي، ويَا وَلِيِّي فِي نِعْمَتِي، ويَا إِلَهِي وإِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ، يَا رَبَّ كهيعص ويس والْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، أَسْأَلُكَ يَا أَحْسَنَ مَنْ سُئِلَ، ويَا خَيْرَ مَنْ دُعِيَ، ويَا أَجْوَدَ مَنْ أَعْطَى، ويَا خَيْرَ مُرْتَجًى، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ.»(4).
صلاة الحاجة المروية عن الإمام الرضا عليه السلام لمقاتل بن مقاتل
ومن الروايات الأخرى أنّ مقاتل بن مقاتل سأل الإمام الرضا عليه السلام عن عملٍ لقضاء الحاجة المهمة، فقال له الإمام عليه السلام: «إذا كانت لك حاجة إلى الله مهمة فاغتسل والبس أنظف ثيابك وتطيب، وابرز تحت السماء، فصل ركعتين تفتتح الصلاة، وتقرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة، ثم تركع، فتقرأ خمس عشرة مرة على مثال صلاة التسبيح غير أن القراءة خمس عشرة مرة، ثم تسجد، فتقول في سجودك: اللهم إنّ كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك، فهو باطل سواك، فإنّك أنت الله الحق المبين اقض لي حاجتي كذا وكذا الساعة الساعة.»(5)، وتلح فيما أردت، فإذا قضيت حاجتك فصل صلاة الشكر.
ثم يذكر الإنسان حاجته إلى الله تعالى بإلحاحٍ وتضرع، طالباً منه قضاءها.
ومن جميل ما ورد في هذا السياق أن المؤمن إذا قضى الله حاجته، فليصلِّ صلاة شكر لله تعالى، اعترافًا بنعمته، وإقرارًا بأنّ الفضل أولًا وآخراً لله سبحانه.
صلاة الحاجة للزواج
ومن الحاجات التي قد يحملها الإنسان في قلبه طلب الزواج الصالح، وقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام في هذا المجال: «إذا أرَدتَ التَّزويجَ فَاستَخِر، وَامضِ، ثُمَّ صَلِّ رَكعَتَينِ، وَارفَع يَدَيكَ وقُل: اللَّهُمَّ إنّي اريدُ التَّزويجَ، فَسَهِّل لي مِنَ النِّساءِ أحسَنَهُنَّ خَلقاً وخُلُقاً، وأَعَفَّهُنَّ فَرجاً، وأَحفَظَهُنَّ نَفساً فِيَّ وفي مالي، وأَكمَلَهُنَّ جَمالًا، وأَكثَرَهُنَّ أولاداً.»(6).
والمهم في هذا الدعاء أن الإمام عليه السلام لا يوجه الإنسان إلى طلب الجمال وحده، بل يجمع بين حسن الخُلُق، والعفة، وحفظ النفس والمال، والجمال، والذرية؛ لأنّ الزواج في المنظور الإسلامي ليس مجرد ارتباطٍ عاطفي، بل بناء أسرة وحياة مشتركة ومسؤولية طويلة.
خاتمة
في ذكرى شهادة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، نحيي سيرته بذكر مصابه الأليم، ونعود إلى تراثه المبارك، ونستمد منه ما يعيننا على السير إلى الله تعالى. ومن ذلك ما ورد عنه عليه السلام من صلوات الحاجة وأدعية تفريج الهموم وقضاء المطالب.
فإذا ضاقت بك الدنيا، فقم إلى الصلاة. وإذا أثقل الحزن قلبك، فارفع حاجتك إلى الله. وإذا أغلقت الأبواب، فتذكر أن باب الله تعالى لا يُغلق.
1. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد: 91 / الصفحة: 353 / ط مؤسسة الوفاء.
2. مصباح المتهجد / الشيخ الطوسي / المجلّد: 1 / الصفحة: 342.
3. مكارم الاخلاق / رضي الدين الطبرسي / المجلّد: 1 / الصفحة: 329.
4. جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع / السيد بن طاووس / المجلّد: 1 / الصفحة: 278.
5. مكارم الاخلاق / رضي الدين الطبرسي / المجلّد: 1 / الصفحة: 327.
6. فقه الرضا / مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / المجلّد: 1 / الصفحة: 234.



