دور النساء في غزوات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله
في صفحات التاريخ الإسلامي تبرز مواقف مضيئة لا تقتصر على بطولات الرجال في ميادين القتال، بل تمتد لتشمل أدواراً عظيمة قامت بها النساء، كانت لها آثار عميقة في تثبيت دعائم المجتمع الإسلامي الناشئ. وعندما يحل شهر شوال، يستحضر المسلمون ثلاثاً من أبرز الغزوات في سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وهي غزوة أحد، وغزوة الخندق (الأحزاب)، وغزوة حنين. هذه المحطات لم تكن مجرد معارك عسكرية، بل كانت مدارس إنسانية واجتماعية تجلت فيها قيم التضحية والصبر والإيمان، وبرز فيها دور المرأة المسلمة كعنصر فاعل ومؤثر.
شهر شوال وذكريات الغزوات الكبرى
يشكل شهر شوال محطة تاريخية مهمة في الذاكرة الإسلامية، إذ شهد أحداثاً مفصلية كان لها أثر بالغ في مسار الدعوة الإسلامية. ففي هذا الشهر وقعت غزوة أحد التي كشفت عن دروس في الطاعة والصبر، كما ارتبطت به غزوة الخندق التي جسدت وحدة الصف والتخطيط الاستراتيجي، وكذلك غزوة حنين التي أبرزت معنى الثبات بعد النصر. وفي خضم هذه الأحداث، لم تكن المرأة المسلمة بعيدة عن الساحة، بل كانت حاضرة بوعيها وإيمانها، تؤدي أدواراً متعددة تتجاوز الصورة النمطية التي قد تُحصر فيها.
مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام
جاء الإسلام ليعيد للمرأة كرامتها ومكانتها، بعد أن كانت تعاني من التهميش في كثير من المجتمعات الجاهلية. فأصبحت شريكاً في بناء المجتمع، ومسؤولة عن أدوار اجتماعية وإنسانية ودينية. ولم يكن حضورها في الغزوات خروجا عن طبيعتها، بل امتداداً لدورها في دعم الرسالة الإسلامية، كلٌّ بحسب طاقته وقدرته.
لقد أسهمت النساء في نشر القيم الإسلامية، وتربية الأجيال، كما شاركن في ميادين متعددة، منها التمريض والإمداد والدعم النفسي، بل والدفاع المباشر عند الضرورة. وهذا يعكس رؤية الإسلام الشمولية التي ترى الإنسان – رجلاً كان أو امرأة – كياناً مسؤولاً ومشاركاً في صناعة التاريخ.
دور النساء في غزوة أحد
تُعد غزوة أحد من أبرز الشواهد على شجاعة المرأة المسلمة وتفانيها. فقد خرجت مجموعة من النساء مع جيش المسلمين، ليس للقتال المباشر في البداية، وإنما للقيام بمهام حيوية، كإسعاف الجرحى وتقديم الماء والغذاء.
الموقف الأول: سجلته صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وآله: فلما استشهد أخوها حمزة بن عبد المطلب في أحد، وجاءت لتنظر إليه وقد مثل به المشركون، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابنها الزبير: (القها فارجعها)، لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمه إن رسول الله يأمرك أن ترجعي، قالت، ولم؟ وقد بلغني أنه قد مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما في ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك، قال: خل سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له.
الموقف الثاني: كانت بطلته المرأة الدينارية فقد ورد في كتب المغازي والسير أنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله بأحد، فلما نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته، قالت: كل مصيبة بعدك جلل - أي صغيرة خفيفة.
الموقف الثالث: أضاءته أم سعد بن معاذ، وهي كبشة بنت عبيد الخزرجية إذ تروي كتب المغازي أن أم سعد بن معاذ خرجت تعدو نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وهو واقف على فرسه، وسعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه، فقال سعد: يا رسول الله، أمي، فقال: مرحبا بها، فدنت حتى تأملت رسول الله، فقالت: أما إني رأيتك سالما، فقد أشوت المصيبة - أي صارت صغيرة خفيفة - فعزاها رسول الله بعمرو بن معاذ ابنها.
وها هي الربيع بنت معوذ الصحابية الجليلة تحدثنا فتقول: (كنا مع النبي نسقي، ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة).
وإن فاطمة عليها السلام كانت تغسل جراحاته و تضمدها، و هو «صلى اللّه عليه و آله» يقول: إشتد غضب اللّه على من أدمى وجه نبيه (1).
أم عمارة: و مقام فلان! ! و فلان! !
و قاتلت أم عمارة، نسيبة بنت كعب. و كان معها سقاء فيه ماء، فلما رأت قلة من كان مع الرسول، قامت تذب عنه مع هؤلاء القلة، و جرحها ابن قميئة في عاتقها، حينما اعترضته مع آخرين، ممن كان يذب عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.
بل لقد روى غير واحد: أن النبي صلى اللّه عليه و آله نظر في أحد إلى رجل من المهاجرين يفر، قد ألقى ترسه خلف ظهره، فناداه: «يا صاحب الترس، ألق ترسك، و فر إلى النار» ؛ فرمى بترسه.
فقال صلى اللّه عليه و آله : «لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان، و فلان» . و أراد ولدها عمارة الفرار، فردته، و أخذت سيفه؛ فقتلت به رجلا؛ فقال صلى اللّه عليه و آله : «بارك اللّه عليك يا نسيبة».
و كانت تقي النبي صلى اللّه عليه و آله بيديها، و صدرها، و ثدييها (2).
قال المعتزلي: «ليت الراوي لم يكنّ هذه الكناية، و كان يذكر هما باسمهما، حتى لا تترامى الظنون إلى أمور مشتبهة. و من أمانة المحدث أن يذكر الحديث على وجهه، و لا يكتم منه شيئا؛ فما باله كتم اسم هذين الرجلين» ؟ !(3)
و يرى المجلسي: أن المراد بهما هنا: أبو بكر و عمر، إذ لا تقية في غيرهما؛ لأن خلفاء سائر بني أمية و غيرهم من الخلفاء، ما كانوا حاضرين في هذا المشهد؛ ليكني بذكرهم تقية من أولادهم و أتباعهم (4).
و هذا أيضا هو رأي محمد بن معد العلوي.
ويزيد السيد العاملي: أن عثمان لما كان قد فر بإجماع المؤرخين؛ فقد اضطروا إلى التصريح باسمه، ثم حاولوا تبرير هذا الفرار بالتوبة عليه، و غفران ذنبه (5).
الإسعاف والتمريض
كانت النساء يقمن بدور أساسي في معالجة الجرحى، حيث كنّ يحملن القرب لسقي العطشى، ويقمن بتضميد الجراح، وهو عمل بالغ الأهمية في ساحة المعركة. هذا الدور الإنساني ساعد في إنقاذ حياة الكثير من المقاتلين، وساهم في رفع معنوياتهم.
دور النساء في غزوة الخندق (الأحزاب)
في غزوة الخندق، التي تميزت بطول الحصار وشدة الظروف، برز دور النساء بشكل مختلف، حيث تمثل في الصبر والثبات وإدارة شؤون المجتمع داخل المدينة.
في ظل غياب الرجال في مواقع الدفاع، تولت النساء مسؤولية رعاية الأسر والأطفال، والحفاظ على تماسك المجتمع. وقد واجهن ظروفاً قاسية من الخوف ونقص الموارد، لكنهن أظهرن قدرة عالية على التحمل.
الحماية واليقظة
وردت مواقف تدل على شجاعة النساء في حماية أنفسهن وأطفالهن، والتعامل مع الأخطار المحتملة داخل المدينة، مما يعكس وعيهن وإحساسهن بالمسؤولية.
أن صفية كانت في حصن فارع. مع نساء النبي صلى اللّه عليه و آله، ، فرقى يهودي الحصن حتى أشرف عليهن. فخافت صفية أن يدل على عورة الحصن. فقامت اليه ثم تقدمت إليه حتى قتلته، ومن ثم قامت برمي رأسه على اليهود.
دور النساء في غزوة حنين
أما في غزوة حنين، فقد تجلت أدوار النساء في مواكبة الجيش وتقديم الدعم اللوجستي والإنساني.
إن اصطحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله لزوجتيه، ميمونة وأم سلمة، معه في هذه الغزوة، وكذلك اصطحابه لزوجات أخريات أو لابنته السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في غزوات أخرى، يُعد دليلاً قوياً على يقينه بوعد الله تعالى له. فمع أن نتائج تلك الغزوات لم تكن مضمونة النصر دائمًا، إلا أن إقدامه على اصطحاب نسائه، وهو أمر بالغ الحساسية، يدل على إخباره بالغيب وعلى نبوته. فما كان لأحد أن يُقدم على مثل هذا الأمر الخطير لو لم يكن واثقًا بالنصر ومصونًا لعرضه من أي أذى.
الإمداد والرعاية
رافقت بعض النساء الجيش، وقمن بتقديم الماء والغذاء، ومعالجة المصابين، وهو امتداد طبيعي لدورهن في الغزوات السابقة.
في بداية المعركة، حدث نوع من الاضطراب في صفوف المسلمين، لكن سرعان ما استعادوا توازنهم. وكان لوجود النساء ودعمهن المعنوي أثر في تعزيز روح الثبات والعودة إلى القتال.
أبعاد إنسانية واجتماعية لدور المرأة
إن مشاركة النساء في هذه الغزوات لم تكن مجرد أدوار ثانوية، بل حملت أبعاداً إنسانية عميقة. فقد جسدت المرأة قيم الرحمة والعطاء، وأسهمت في بناء مجتمع متكامل يقوم على التعاون بين أفراده.
كما أن هذه المشاركة تعكس وعياً اجتماعياً متقدماً، حيث لم تُقصَ المرأة عن الشأن العام، بل كانت جزءاً من الأحداث الكبرى، تشارك في صناعة القرار والمصير.
الدروس المستفادة والنماذج المعاصرة
إن استحضار هذه النماذج التاريخية يفتح الباب أمام استلهام قيم عظيمة في واقعنا المعاصر. فدور المرأة اليوم لا يقل أهمية عن دورها في الماضي، بل يتجلى في مجالات متعددة كالتعليم، والعمل الإنساني، والمشاركة المجتمعية.
خاتمة
لقد أثبتت المرأة المسلمة في صدر الإسلام أنها عنصر أساسي في بناء المجتمع والدفاع عن القيم، حيث شاركت في الغزوات بأدوار متعددة، جمعت بين الرحمة والشجاعة، وبين الصبر والعطاء. وفي غزوات أحد والخندق وحنين، تجلت هذه الأدوار بوضوح، لتقدم لنا صوراً مشرقة من الإيمان والعمل.
إن استذكار هذه المواقف ليس مجرد استرجاع للتاريخ، بل هو دعوة للتأمل في كيفية بناء مجتمع متكامل يقوم على التعاون بين جميع أفراده. فالمرأة، كما كانت في الماضي، تظل اليوم شريكاً أساسياً في صناعة المستقبل، قادرة على العطاء والإبداع، ومساهمة في نهضة الأمة.
1. الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله: السيد جعفر مرتضى العاملي / المجلّد : 8 / الصفحة : 229.
2. تفسير القمي: علي بن ابراهيم القمي / المجلّد : 1 / الصفحة : 116.
3. شرح النهج / المعتزلي / المجلّد : 14 / الصفحة : 226.
4. بحار الانوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 20 / الصفحة : 134.
5. الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله: السيد جعفر مرتضى العاملي / المجلّد : 8 / الصفحة : 203.




.jpg&w=1200&q=75)

