الإباحية تسمم ثقافتنا
الحياة الزوجية
منذ ساعتينجيل وُلد في زمن الإباحية المفتوحة
كلّ من وُلِد بعد عام 2000 نشأ في عالمٍ تُتاح فيه الإباحية عبر الإنترنت دون ضوابط حقيقية. الأطفال اليوم يواجهون هذا الواقع مبكرًا، وقد أظهرت قضايا قانونية حديثة أن انتشار الإباحية على نطاق واسع يترك آثارًا عميقة في المستقبل، مثل علاقات غير مستقرة، وعدوان جنسي، وسلوكيات جنسية غير سليمة، بل وقد يصل الأمر إلى اضطرابات نفسية.
أمّا لدى البالغين، فقد أثبتت التجربة والدراسات أن الاعتياد على الإباحية يجعل الإنسان أكثر قسوة، وأقلّ قدرة على المحبة، وأضعف حيويةً ونشاطًا.
مخاوف قديمة تؤكدها الدراسات الحديثة
لطالما حذّر منتقدو الإباحية من أن تسهيل الوصول إليها سيؤدي إلى زيادة الجريمة والانحراف، ويُضعف الأسرة، ويُهدد الوفاء الزوجي، والحياء العام، والسعادة الإنسانية. ومع مرور الوقت، جاءت العلوم الاجتماعية لتؤكد صحة كثير من هذه التحذيرات.
فالإباحية لا تقف عند حدّ، بل تدفع مستخدميها إلى البحث عن محتوى أكثر انحطاطًا، وتُخلّف آثارًا نفسية وجسدية متعدّدة، وتُسهم بشكل مباشر في تدمير العلاقات الإنسانية.
نظرية «التصاعد» في مشاهدة الإباحية
قدّم علماء الاجتماع ما يُعرف بـ«نظرية التصاعد» في الإباحية. ووفق هذه النظرية، فإن من يعتاد مشاهدة الإباحية يفقد مع الوقت تأثره بالممارسات الجنسية «العادية»، فيبدأ بالبحث عن محتوى أكثر تكرارًا، وأشدّ إثارة، وأكثر غرابة وانحرافًا.
دراسات وشهادات تدعم نظرية التصاعد
دعمت دراسات حديثة وشهادات واقعية هذه النظرية بوضوح. فقد نشرت مجلة Scientific Reports عام 2023 دراسة اعتمدت على مقابلات معمّقة مع 67 شخصًا من مشاهدي الإباحية بشكل متكرر، وخلصت إلى أن كثيرًا منهم احتاجوا إلى محتوى «أكثر تطرفًا» أو إلى جلسات مشاهدة أطول للوصول إلى نفس مستوى الإثارة.
وفي عام 2024، نشرت مجلة Addictive Behaviors دراسة شملت نحو 1500 رجل من مستخدمي الإباحية، وأظهرت أن المستخدمين المتكررين يطوّرون نوعين من التحمّل: تحمّلًا «كمّيًا» يتمثل في استهلاك كميات أكبر من الإباحية تصل أحيانًا إلى نوبات مشاهدة مفرطة، وتحمّلًا «نوعيًا» يتمثل في الرغبة في مشاهدة أنواع أكثر غرابة وشذوذًا.
حين تضعف المعايير… تُهدَّد براءة الطفولة
الثقافة المنحرفة تصبح أقلّ حساسية تجاه الانحراف نفسه، بما في ذلك جرائم خطيرة مثل الاتجار الجنسي أو الإباحية الخاصة بالأطفال. وقد عبّر المفكّر الراحل هاري إم. كلور عن ذلك بقوله: «لن تتم حماية الأطفال إذا تآكلت معايير الحياء لدى البالغين».
إن أي موقف حقيقي ضدّ استغلال الأطفال جنسيًا اليوم يعتمد أساسًا على الاستعداد للدفاع عن براءة الطفولة وحمايتها.
تغيّر النظرة إلى الأبرياء والجرائم
تؤكد الدراسات الاجتماعية أن التعرض المستمر لسيل من الإباحية عبر الإنترنت يغيّر نظرة الإنسان إلى الأبرياء، فيصبح أكثر سخرية ولا مبالاة.
ورغم أن مستخدمي الإباحية بشكل متكرر لا يرتكبون جريمة الاغتصاب بنسبة أعلى، فإنهم يتعاملون مع هذه الجريمة بقدر أقل من الجدية والرفض. كما يفقدون حساسيتهم تجاه جرائم شنيعة أخرى، مثل ممارسة الجنس مع الحيوانات.
آثار نفسية مقلقة
يرتبط الاستخدام المتكرر للإباحية بآثار واضحة على الصحة النفسية. فقد أظهرت دراسة عام 2017 في مجلة Society and Mental Health أن أعراض الاكتئاب لدى مستخدمي الإباحية المتكررين أعلى بنسبة 36٪ مقارنة بالذين يمتنعون عنها.
كما كشفت دراسة عام 2024 في Sexual Health & Compulsivity عن علاقة وثيقة بين ما يُسمّى «الاستخدام الإشكالي للإباحية» والاكتئاب. وفي السياق نفسه، أفادت مجلة Psychology and Addictive Behaviors بأن زيادة استخدام الإباحية ارتبطت بارتفاع معدلات الأفكار والسلوكيات الانتحارية.
ضعف الانتصاب… أثر جسدي مباشر
من الآثار الجسدية الخطيرة أيضًا ضعف الانتصاب. ففي عام 2007، كان باحثو معهد كينزي من أوائل من تحدثوا عن «ضعف الانتصاب الناتج عن الإباحية».
وبحسب دراسة عام 2021 في Journal of Medical Internet Research، ارتفعت نسب ضعف الانتصاب بين الشباب من 2٪–5٪ عام 1999 إلى ما بين 20٪ و30٪ في أواخر العقد الثاني من الألفية.
كما أشارت دراسة عام 2019 في مجلة Dignity إلى أن كثيرًا من مستخدمي الإباحية لا يستطيعون الحفاظ على الانتصاب إلا من خلال مشاهدة محتوى «شديد وسريع الإيقاع»، ويصفون العلاقة مع شريك حقيقي بأنها «باهتة وغير مثيرة».
تراجع عالمي في العلاقات والزواج
تزامن انتشار الإباحية عبر الإنترنت مع تراجع عالمي ملحوظ في معدلات الجنس، والزواج، والمواعدة، وهذا التزامن ليس عرضيًا.
فقد بيّنت مراجعة علمية عام 2024 في Archives of Sexual Behavior أن الأشخاص الذين يثارون بالإباحية يعانون خلال فترة شهرين فقط من انخفاض واضح في الرضا الجنسي وجودة العلاقة واستقرارها.
كما أكدت دراسة أخرى في المجلة نفسها عام 2020 أنه لا توجد دراسة واحدة تثبت بشكل واضح أن استخدام الإباحية يرتبط إيجابيًا بجودة العلاقة الزوجية.
الإباحية والطلاق
تظهر الإباحية اليوم كعامل مؤثر في ازدياد حالات الطلاق. هذا ما يراه محامو الطلاق، ويؤيده عدد من علماء الاجتماع، بل وأشارت إليه مجلة Science التي ذكرت أن معدلات الطلاق تتضاعف عندما يبدأ أحد الزوجين بمشاهدة الإباحية.
وبوجه عام، يؤدي استخدام الإباحية إلى تراجع جودة العلاقة الزوجية، وتُظهر الدراسات أن هذا الأثر يكون أشدّ وضوحًا لدى المتدينين مقارنة بغيرهم.
البُعد الديني لمشاهدة الإباحية
إلى جانب الآثار النفسية والاجتماعية والصحية التي تؤكدها الدراسات، لا يمكن إغفال البعد الديني والأخلاقي في مسألة مشاهدة الأفلام الإباحية. فقد نصّ الفقهاء بوضوح على حرمة النظر إلى النساء بريبة وتلذذ، وذهبوا إلى أن الأحوط وجوبًا ترك النظر إلى الصور والأفلام الخليعة، حتى في حال عدم وجود شهوة أو ريبة.
وقد أشرنا في مواضع سابقة إلى دراسات تُظهر أن بعض الأزواج يلجؤون إلى مشاهدة الأفلام الإباحية بوصفها وسيلة لإثارة الشهوة الجنسية قبل الجماع. ومن هنا يبرز سؤال شرعي مهم: هل يجوز مشاهدة الأفلام الإباحية لغرض إثارة الزوج على زوجته؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التوقف عند جملة من التوجيهات الواضحة في النصوص الإسلامية.
للمزيد من المعلومات شاهد فيديو : مشاهدة الافلام الاباحية.
النهي القرآني عن الاقتراب من الفاحشة
يأمرنا الله تعالى في القرآن الكريم بالابتعاد عن الزنا وكل ما يُقَرِّب إليه، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (1).
ومما يُقَرِّب إلى الزنا بلا شك مشاهدة الأفلام الإباحية بما تحمله من مشاهد وأفكار منحرفة تُهيّج الغرائز وتُضعف الضبط الأخلاقي.
وفي السياق نفسه، يقول الله عز وجل: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (2).
وهو توجيه صريح يربط بين غضّ البصر، وحفظ الفرج، والطهارة النفسية والروحية.
التحذير في الروايات الشريفة
كما جاءت الروايات الشريفة مؤكِّدة لهذا المعنى ومحذِّرة من آثار النظر إلى الحرام. فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: « من ملأ عينه من حرام ملأ الله عينه يوم القيامة من النار إلا أن يتوب ويرجع» (3).
ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: « من كثر فكره في المعاصي دعته إليها» (4)، وفي موضع آخر: «من غض طرفه أراح قلبه» (5).
وتُظهر هذه النصوص بوضوح أن الاستهانة بالنظر المحرّم لا تقف عند حدود العين، بل تمتد آثارها إلى القلب، والفكر، والسلوك.
الحكم الشرعي في مشاهدة الإباحية
وبناءً على ذلك، جاء الجواب الصريح في الاستفتاءات الشرعية وفق فتوى سماحة السيد علي السيستاني حفظه الله:
السؤال: هل يجوز النظر إلى صور غير المسلمات العاريات أو شبه العاريات في التلفزيون ونحوه لغرض إثارة الزوج على زوجته؟
الجواب: لا يجوز النظر بشهوة إلى المناظر الخلاعية مباشرة، أو في التلفزيون ونحوه، بل الأحوط لزوم ترك النظر إليها مطلقاً.
كلمة للأزواج
من المهم أن يتذكّر الزوجان أن مشاهدة الأفلام الإباحية ليست الطريق الوحيد — ولا الصحيح — لتحسين الحياة الجنسية. فهناك بدائل صحية وإنسانية عديدة يمكن اللجوء إليها، وقد يحتاج الأمر أحيانًا إلى الاستعانة بمختص نفسي للمساعدة على التعافي، وبناء علاقة زوجية قائمة على المودة، والطمأنينة، والاحترام المتبادل.
خلاصة علمية لا لبس فيها
خلاصة ما تؤكده العلوم الاجتماعية واضحة: الاستخدام المتكرر للإباحية يدفع الإنسان نحو محتوى أكثر تطرفًا، ويُضعف الأخلاق العامة، ويضرّ بالصحة النفسية والجسدية، ويقود إلى انهيار العلاقات والزواج.
وأي محاولة جادّة لعلاج أزمات العلاقات في مجتمعاتنا لا بدّ أن تواجه هذه الظاهرة بصدق، وأن تعالج جذورها قبل آثارها.
1. سورة الإسراء، الآية 32.
2. سورة النور، الآية 30.
3. بحار الأنوار/ العلامة المجلسي / المجلد : 101 / الصفحة : 32.
4. غرر الحكم/ التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد / الصفحة : 623.
5. غرر الحكم / التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد / الصفحة :663.









التعلیقات