تهيئة المجتمع للزواج في الإسلام
الحياة الزوجية
منذ ساعتينتُعدّ مسألة الغريزة الجنسيّة وكيفيّة التعامل معها من أكثر القضايا حساسيّة وتأثيرًا في بناء الفرد والمجتمع. فالإسلام، وهو الدين الذي ينظر إلى الإنسان نظرةً واقعيّةً شاملة، لم يُنكر وجود هذه الغريزة ولم يعتبرها عنصرًا سلبيًّا في حياة الإنسان، بل وضع لها إطارًا متوازنًا يحفظ كرامة الإنسان ويصون المجتمع من الانحراف. ومن هنا، يبرز الزواج بوصفه الطريق الطبيعيّ والفطريّ لإشباع هذه الغريزة، وضمان الطمأنينة النفسيّة، وتحقيق العفّة والاستقرار. إنّ البحث في تهيئة أرضيّات الزواج ليس ترفًا فكريًّا، بل هو ضرورة اجتماعيّة ودينيّة تمسّ حاضر الأمّة ومستقبلها.
أصل الغريزة الجنسيّة في خلق الإنسان
إنّ أصل وجود الغريزة الجنسيّة والشهوة في الإنسان قد جعله الله الحكيم، ووجود هذا الميل والغريزة ـ بكلّ ما قد يترتّب عليه من اضطرابٍ وآفاتٍ للإنسان ـ ليس مضرًّا بحاله فحسب، بل هو لازم وضروريّ له.
ومن أهمّ فوائد وجود هذه الغريزة بقاء النسل؛ فكما أنّه لو لم توجد في الإنسان رغبة في الطعام، أو لم يُستفد من وجود هذا الميل، لأهلكه الجوع، كذلك لو لم توجد الغريزة الجنسيّة في الإنسان لانقطع نسله. وقد ذكر بعضهم فوائد أخرى أيضًا، منها أنّ وجود هذه الغريزة يوجب السكينة والطمأنينة النفسيّة للمرأة والرجل، وأنّ الغدد الجنسيّة التي تؤمّن حاجات الغريزة الجنسيّة لا تقوم بوظيفة عظيمة في حفظ النفس والنوع فحسب، بل تؤثّر أيضًا في تنشيط الفعاليّات الفسيولوجيّة والنفسيّة والروحيّة للإنسان.
قوّة الغريزة وضرورة حسن التعامل معها
غير أنّ ما له أهميّة كبرى هو أنّ هذه الغريزة من أقوى الغرائز، ولا يمكن لأحدٍ أن ينكر أنّ فعل هذه الغريزة من شدّة قوّته بحيث يكون في الحقيقة مركزَ إثارةٍ مباشرًا لجميع رغبات أعضاء البدن المختلفة، ولذلك لا بدّ من اختيار أفضل أسلوب للتعامل مع هذه الغريزة.
موقف الإسلام من الرهبانيّة والإفراط
وفي التعامل مع هذه الغريزة وُجدت دائمًا ولا تزال طريقتان متطرّفتان: الإفراط والتفريط. والإسلام يرفض رؤية الرهبانيّة ويعدّها مردودة.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، أنّه نهى عن التّرهب وقال : لا « رهبانيّة في الإسلام ، تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الأمم » (1).
الأمر بالزواج وتحريم الانحراف
وهو يأمر بالزواج والاستفادة من اللذّات المشروعة: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) (2).
كما يرفض النظرة الإفراطيّة في مجال الغريزة الجنسيّة ويحرّمها. قال الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (3).
إنّ تعامل الإسلام مع هذه المسألة تعاملٌ اعتداليّ؛ إذ يقبل أصل إشباع هذه الغريزة ولا يقمعها، لكنّه يقيّد إشباعها بشروط وضوابط معيّنة.
الزواج: الطريق الطبيعيّ لحفظ العفّة
وبحسب المتون الدينيّة، فإنّ الطريق الطبيعيّ الأيسر لإشباع الغريزة الجنسيّة، وأفضل وسيلة لمواجهة المفاسد الأخلاقيّة والانحرافات الجنسيّة، وأعقل وأنجع أسلوب لحفظ الحياء والعفّة الفرديّة والاجتماعيّة، هو الزواج.
بل إنّ بعض العلماء يعدّون الزواج أمرًا فطريًّا، ويكتبون في ذلك:
إنّ النكاح والزواج من جملة الآداب الاجتماعيّة التي كانت ـ كما يدلّ عليه التاريخ ـ شائعة ومتداولة في جميع المجتمعات البشريّة إلى يومنا هذا، وهذا بنفسه دليل على أنّه سنّة فطريّة.
مسؤوليّة المجتمع في تهيئة الزواج
وقد خاطب الله تعالى جميع المسلمين، من أجل التطبيق العمليّ لهذا الأسلوب في المجتمع، بقوله: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ)، ففي هذه الآية يأمر الله تعالى جميع المسلمين بأن يُزوّجوا «الأيامى»، أي الأفراد غير المتزوّجين من النساء والرجال، بعضهم من بعض.
وما يمكن أن يكون شاهدًا أوضح على مقصودنا هو تعبير «وَأَنكِحُوا»، إذ إنّ الخطاب في الآية ليس موجّهًا إلى الأفراد العزّاب فقط، بل هو موجّه إلى عموم المسلمين، من العلماء والحكّام أيضًا، ليهيّئوا أرضيّات الزواج لهؤلاء. فتهيئة أرضيّات الزواج قد تكون بأشكال وصور متعدّدة، مثل المساعدات الماليّة، والتعريف بالزوج أو الزوجة المناسبة، والتشجيع على مسألة الزواج، والوساطة والتدخّل لحلّ المشكلات. وعلى أيّ حال، فمفهوم الآية واسع ويشمل كلّ خطوةٍ وكلّ قولٍ في هذا الطريق. ولا شكّ أنّ أصل التعاون الإسلاميّ يقتضي أن يساعد المسلمون بعضهم بعضًا في جميع المجالات، لكنّ التصريح بهذا الأمر في خصوص الزواج دليل على أهميّته الخاصّة. وقد وردت في هذا المجال روايات كثيرة عن المعصومين عليهم السلام.
عن الامام الصادق علیه السلام: « من زوّج عزبا كان ممّن ينظر اللّه إليه يوم القيامة» (4).
آثار الزواج في الفرد والمجتمع
فإذا رُوِّجَت سنّة الزواج في مجتمعٍ ما، فإنّ المجتمع من حيث الانحرافات الجنسيّة يصل إلى أدنى حدّ، بل قد يبلغ الصفر. وكذلك يُحدث الزواج سكينةً وطمأنينةً بين المرأة والرجل، ومع سكينة المرأة والرجل تنتقل السكينة إلى المجتمع أيضًا، وفي ظلّ هذه السكينة يسلك المجتمع طريق التقدّم والارتقاء بصورةٍ أفضل وأسرع.
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (5).
تشريعات إسلاميّة لحفظ الصحّة الجنسيّة
ولا يجيز الله تعالى بحالٍ من الأحوال إشباع الغريزة الجنسيّة عن طريقٍ غير مشروع، ولذلك جعل في باب النكاح والزواج سعةً وفسحةً، بحيث لا ينجرّ الأفراد إلى الانحراف حتّى في الظروف والمواقع الصعبة والبعيدة عن الأسرة. ومن أجل حفظ الصحّة الجنسيّة في المجتمعات الإسلاميّة، شرّع تعدّد الزوجات في ظروف خاصّة واستثنائيّة، وهذا الحكم مقرون بشروط وضوابط خاصّة لا تتيح لأيّ رجلٍ إساءةَ استغلاله. وكذلك شرّع الله تعالى الزواج المؤقّت للحالات الاضطراريّة، وهو أيضًا ذو شروطٍ خاصّة، ولا يجوز أن يكون موضعًا لسوء الاستغلال أو طلب التنوّع.
الصوم كبديل تربويّ عند تعذّر الزواج
ومع أنّ الزواج يُعدّ أحد أهمّ السبل في حفظ العفّة والطهارة في المجتمع، إلّا أنّه أحيانًا ـ ولأسباب متنوّعة ـ لا تتوفّر أرضيّة الزواج لبعض الأفراد. وهناك عامل مهمّ آخر يمكن أن يكون مؤثّرًا جدًّا في تعزيز الطهارة والعفّة، وهو أداء العبادات الدينيّة، ومنها الصوم. فقد بيّن الله تعالى في القرآن أنّ أهمّ فلسفة الصوم هي إيجاد وتقوية روح التقوى وضبط النفس. قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (6).
ففي الحقيقة، الصوم يكوّن إرادةً قويّةً ثابتةً في مواجهة الذنوب والأهواء الداخليّة، ويعمل كدرعٍ يحمي الإنسان. وكان النبيّ صلى الله عليه وآله يوصي الشباب بقوله:
« يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباه فليتزوّج ، فإنّه أغضّ للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فليصم ، فإنّ الصوم له وجاء» (7).
الختام
يتّضح ممّا تقدّم أنّ الإسلام تعامل مع الغريزة الجنسيّة بمنهج الاعتدال والحكمة؛ فلا قمع ولا انفلات، بل تنظيمٌ يراعي فطرة الإنسان وواقعه. فالزواج ليس مجرّد علاقة شخصيّة بين رجل وامرأة، بل هو ركيزة أساسيّة في حفظ العفّة، وبناء السكينة النفسيّة، والحدّ من الانحرافات الأخلاقيّة. كما أنّ مسؤوليّة تهيئة أرضيّات الزواج لا تقع على عاتق الأفراد فقط، بل تشمل المجتمع بأسره، من أسرٍ وعلماء وحكّام. وحيثما تعذّر الزواج، فتح الإسلام أبوابًا تربويّة وروحيّة كالصوم والعبادة، لتبقى الطهارة والعفاف قيمةً حيّةً في حياة المسلم، فردًا كان أم مجتمعًا.
أسئلة وأجوبة
1. لماذا جعل الله الغريزة الجنسيّة في الإنسان؟
لأنّها ضروريّة لبقاء النسل، وتحقيق السكينة النفسيّة، وتنشيط الجوانب الجسديّة والنفسيّة والروحيّة للإنسان.
2. ما موقف الإسلام من قمع الغريزة الجنسيّة؟
يرفض الإسلام قمع الغريزة ويرى ذلك مخالفًا للفطرة، كما يرفض الرهبانيّة والانقطاع عن الزواج.
3. كيف يتعامل الإسلام مع الإفراط في إشباع الغريزة؟
يحرّم الطرق غير المشروعة لإشباع الغريزة، مثل الزنا، ويضع ضوابط أخلاقيّة وشرعيّة صارمة.
4. ما هو الطريق الطبيعيّ والأفضل لإشباع الغريزة الجنسيّة؟
الزواج هو الطريق الطبيعيّ والفطريّ والأكثر أمانًا لحفظ العفّة الفرديّة والاجتماعيّة.
5. هل تهيئة الزواج مسؤوليّة الأفراد فقط؟
لا، الخطاب القرآني موجّه إلى عموم المسلمين، بما فيهم العلماء والحكّام، لتهيئة ظروف الزواج.
6. ما أثر انتشار الزواج في المجتمع؟
يؤدّي إلى تقليل الانحرافات الجنسيّة، وتحقيق السكينة بين الرجل والمرأة، وانتقال هذه السكينة إلى المجتمع.
7. ما البديل التربويّ لمن لا تتوفّر له إمكانيّة الزواج؟
أوصى الإسلام بالصوم والعبادات؛ لما لها من دور في تقوية الإرادة وضبط الشهوات.
1. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلد : 14 / الصفحه : 155.
2. سورة النور، الآیه : 32.
3. سورة الإسراء، الآیه : 32.
4. وسائل الشيعة / شيخ محمد بن الحسن الحر العاملي / المجلد : 14 / الصفحه : 26.
5. سورة الروم، الآیه : 21.
6. سورة البقرة، الآیه : 183.
7. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلد : 14 / الصفحه : 153.







التعلیقات