العنف ضد المرأة … ماذا يقول الإسلام حقّاً؟
حقوق المرأة
منذ 4 أيامتعيش كثير من النساء في عالمنا العربي تساؤلات متكرّرة حول نظرة الإسلام إليهنّ، وخصوصاً فيما يتعلّق بالعنف الأسري. ومع انتشار اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، يزداد الاهتمام بالبحث عن الأسس الحقيقية التي يضعها القرآن الكريم وتعاليم النبيّ وأهل البيت عليهم السلام في حماية المرأة وكرامتها.
والمفاجأة أنّ الإسلام، منذ قرون طويلة، قد وضع قواعد واضحة تقوم على الرحمة، والمودّة، والعدالة وحسن المعاشرة، ورفض كلّ أشكال العنف اللفظي والجسدي والعاطفي.
العنف… مشكلة قديمة وليست ابنة اليوم
العنف ضدّ المراة ليس ظاهرة جديدة، بل له جذور تاريخية تعود إلى الحضارات القديمة كاليونان، وإلى المجتمع الجاهلي حيث كانت المرأة تُعامَل كأداة. ورغم تقدّم العصر، فإنّ هذه الممارسات ما تزال تظهر بأشكال مختلفة في مجتمعات اليوم.
لكن من المهمّ أن نعرف أنّ الإسلام لم يكن يوماً مصدراً لهذا العنف، بل جاء ليُصلح، ويُهذّب، ويُغيّر الثقافة السائدة.
العنف يعني أيّ سلوك سيئ ـ لفظي، عاطفي أو جسدي ـ يُمارَس بوعي ويُسبّب ضرراً للطرف الآخر. والإسلام ينظر إليه كتصرف غير إنساني وغير مقبول.
القرآن… دعوة صريحة إلى المودّة والرحمة
من أجمل الآيات التي تُظهر نظرة الإسلام للعلاقة الزوجية، قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (1).
هذه الآية وحدها تكفي لتأكيد أنّ القاعدة الأولى في العلاقة بين الزوجين هي السكن، الأمان، المودّة والرحمة، وهي نقيض العنف تماماً.
آيات تُحارب العنف بشكل مباشر
يقدّم الإسلام توجيهات واضحة تمنع الأذى داخل الأسرة، ومنها الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (2)، فالآية تُلزم الزوج بحسن المعاشرة، وتمنعه من الضغط، الإيذاء أو التضييق على زوجته.
ويأتي تنبيه قويّ في اللحظات الصعبة مثل الطلاق: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) (3)، حتى في أصعب اللحظات، يدعو الإسلام إلى المعروف، الرفق، وعدم الإضرار.
الأحاديث النبويّة… رسالة رقيقة في احترام المرأة
جاءت أحاديث كثيرة توضّح موقف الإسلام من العنف، ومن أشهرها قول النبيّ صلى الله عليه وآله: « إِنَّ مِنْ شِرَارِ رِجَالِكُمُ الْبَهَّاتَ الْجَرِيءَ الْفَحَّاشَ الْآكِلَ وَحْدَهُ وَ الْمَانِعَ رِفْدَهُ وَ الضَّارِبَ عَبْدَهُ وَ الْمُلْجِئَ عِيَالَهُ إِلَى غَيْرِهِ » (4).
ايضاً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله :« أَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ ثُمَّ يَظَلُّ مُعَانِقَهَا» (5).
تؤكّد الأحاديث المختارة على نقاط مشتركة تتعلّق بمنع ضرب النساء بلا سبب، والتشديد على حرمة هذا الفعل ومكانة المرأة وكرامتها. تؤكّد هذه المصادر أنّ ضرب النساء منهيٌّ عنه على وجه العموم، وأنّ من يقوم به من دون حقّ يُعَدّ آثماً ويواجه عقوبات دنيويّة وأخرويّة. كما تذكر بعض الأحاديث أنّ استعمال الأدوات الصلبة كالخشب يوجب القصاص، وورد فيها أيضاً أنّ من يضرب زوجته بغير حقّ يصبح من أعداء الله. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: « مَنْ ضَرَبَ اِمْرَأَةً بِغَيْرِ حَقٍّ فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، لاَ تَضْرِبُوا نِسَاءَكُمْ فَمَنْ ضَرَبَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَدْ عَصَى اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ » (6).
و في حديث آخر: « فَأَيُّ رَجُلٍ لَطَمَ اِمْرَأَتَهُ لَطْمَةً أَمَرَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَالِكاً خَازِنَ اَلنِّيرَانِ فَيَلْطِمُهُ عَلَى حُرِّ وَجْهِهِ سَبْعِينَ لَطْمَةً فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَ أَيُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى شَعْرِ اِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ سُمِّرَ كَفُّهُ بِمَسَامِيرَ مِنْ نَارٍ اَلْخَبَرَ » (7).
وتشير بعض الأحاديث إلى حالات خاصّة تتعلّق بالقصاص والدية عند حدوث أذىٍ كبير، مع التأكيد على ضرورة حفظ حرمة المرأة داخل الأسرة. وتتمحور النقاط المشتركة حول حرمة الضرب بلا ضرورة، ووجود عقوبة عند التعدّي، ووجوب حفظ كرامة واحترام النساء.
وفي جزء آخر من الروايات، تُطرَح إرشادات حول سلوك الزوجين وحقوقهما المتبادلة.
وتُشدّد هذه الروايات على أنّ كلّ أشكال التجاوز أو الاعتداء على المرأة محرّمة وتُغضِب الله تعالى. كما تتناول الروايات الآثار القانونية للضرب، والظروف التي يترتّب عليها الدية أو القصاص. سأل رجل أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ عن : « اَلرَّجُلُ يَضْرِبُ اَلْمَرْأَةَ فَتَطْرَحُ اَلنُّطْفَةَ قَالَ عليه السلام: عَلَيْهِ عِشْرُونَ دِينَاراً، فَإِنْ كَانَتْ عَلَقَةً فَعَلَيْهِ أَرْبَعُونَ دِينَاراً ،وَ إِنْ كَانَتْ مُضْغَةً فَعَلَيْهِ سِتُّونَ دِينَاراً، وَ إِنْ كَانَ عَظْماً فَعَلَيْهِ اَلدِّيَةُ » (8).
وتتضمّن نصوصاً أخرى توصيات حول أسلوب النصح داخل البيت، واحترام حقوق المرأة، وهو ما يعكس أهميّة التوازن والأخلاق في العلاقات الزوجية. وإنّ التعمّق في دراسة الأحاديث ذات الصلة يمنحكم رؤية أشمل حول هذا الموضوع.
ما معنى آية (الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)؟
يستشهد البعض بالآية 34 من سورة النساء حيث قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) لاتهام الإسلام بتشريع العنف، لكن الفهم الصحيح يتطلّب فهم ظروف المجتمع زمن النزول، حيث كان الضرب ممارسة شائعة، فجاء الإسلام ليُقنّن ويُقلّل ويضع مراحل إصلاح قبل أيّ إجراء. أنّ الضرب ليس لكلّ مخالفة حاصلة، فهو للمرأة الناشزة (أي المرأة التي لا تقوم بواجباتها الزوجية) ، وبعد المرور بثلاث مراحل من النصح، والهجر، والإصلاح. الفقهاء وضعوا شروطاً كثيرة تمنع الضرب، حتى يصبح تقريباً ممنوعاً عملياً. وإذا ضرب الرجل زوجته دون شروط، ففعله حرام وتملك الزوجة حقّ الشكوى.
وللكلام صلة بحيث اذا اردتم معرفة الحكم بأكمله عليكم مراجعة هذه المقالة.
سيرة النبي… نموذج يُحتذى
سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانت مدرسة رحمة، حیث قال الإمام عليّ عليه السلام: « دخل علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وفاطمة عليه السلام جالسة عند القدر ، وأنا أنقي العدس ، قال : يا أبا الحسن ، قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : اسمع وما أقول إلّا ما أمر ربي ، ما من رجل يعين امرأته في بيتها إلّا كان له بكلّ شعرة على بدنه ، عبادة سنة صيام نهارها وقيام ليلها ، وأعطاه الله من الثواب ما أعطاه الله الصابرين ، وداود النبيّ ويعقوب وعيسى عليهم السلام ، يا عليّ من كان في خدمة عياله في البيت ولم يأنف ، كتب الله اسمه في ديوان الشهداء ، وكتب الله له بكلّ يوم وليلة ثواب ألف شهيد ، وكتب له بكلّ قدم ثواب حجة وعمرة ، وأعطاه الله تعالى بكلّ عرق في جسده مدينة في الجنة » (9).
هذه الأحاديث ليست مجاملات، بل جزء من بناء ثقافة جديدة تُعيد للمرأة مكانتها وكرامتها.
كيف نعيد الوعي الصحيح في مجتمعاتنا؟
مع تغيّر الحياة وتزايد ضغوطها، أصبحت مظاهر العنف أكثر تنوّعاً، وهنا تأتي الحاجة إلى:
نشر الوعي بتعاليم الإسلام الأصيلة.
تصحيح المفاهيم الخاطئة.
مراجعة القوانين والعادات المؤذية.
تعزيز ثقافة الرحمة داخل الأسرة.
توعية النساء بحقوقهنّ وبطرق حماية أنفسهنّ. فالإسلام قدّم حلولاً واضحة منذ قرون، ويبقى دور المجتمع اليوم أن يحوّل هذه القيم إلى واقع حيّ في بيوتنا.
خاتمة
العنف ليس قدراً مكتوباً على المرأة، والإسلام ليس سبباً له، بل هو أقوى منظومة دينية دافعت عن الرحمة، الكرامة، العدالة وحسن المعاشرة.
وحين نعود إلى آيات القرآن وأحاديث النبيّ وسيرة أهل البيت عليهم السلام، نجد أنّها كانت وما زالت أساس بناء أسرة سعيدة آمنة.
أسئلة وأجوبة
١) هل يجيز الإسلام ضرب المرأة؟
الجواب: لا، الإسلام يرفض ضرب المرأة ويعدّه معصية وظلماً ينافي الرحمة والمودّة.
٢) ماذا تقول الآية: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)؟
الجواب: تأمر الزوج بحسن المعاملة، والرحمة، والابتعاد عن أيّ أذى أو ضغط على زوجته.
٣) ماذا ورد في الأحاديث عن ضرب النساء؟
الجواب: الأحاديث تنهى بشدّة عن الضرب، منها قول النبيّ: (مَنْ ضَرَبَ اِمْرَأَةً بِغَيْرِ حَقٍّ فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ).
٤) هل للضرب عواقب شرعية؟
الجواب: نعم، بعض الروايات تذكر القصاص أو الدية إذا سبّب الضرب أذى أو ضرراً للمرأة.
٥) كيف تؤكّد السيرة النبوية احترام المرأة؟
الجواب: كان النبيّ صلى الله عليه وآله في خدمة أهله، ويعدّ ذلك عملاً عظيماً وثواباً كبيراً، مما يبيّن مكانة المرأة ووجوب احترامها.
1. سورة الروم : الآية : 21.
2. سورة النساء : الآية : 19.
3. سورة البقرة : الآية : 231.
4. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد : 2 / الصفحة : 292 / الطبعة الاسلامية.
5. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد : 5 / الصفحة : 510 / الطبعة الاسلامية.
6. إرشاد القلوب / الحسن بن أبي الحسن الديلمي/ المجلد : ۱ / الصفحة : ۱۷۵.
7. مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل / ميرزا حسين النوري الطبرسي / المجلد : ۱۴ / الصفحة : ۲۵۰.
8. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد : 7 / الصفحة : 344 / الطبعة الاسلامية.
9. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلد : 13 / الصفحة : 48.








التعلیقات