الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: يظهر من الروايات الكثيرة الواردة من طرق الفريقين أنّ حادثة الكساء وقعت مرّات عديدة ، وتكرّر نزول الآية الشريفة : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (١). ولا ما نع من ذلك ، لأنّ الله تعالى أراد أن يهتّم النبيّ صلّى الله عليه وآله بالنسبة لأهل بيته ، وبيّن للناس فضائلهم وعصمتهم كراراً ومراراً ؛ فتارة نزلت الآية حينما جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله أهل بيته تحت مرط مرّحل ، والظاهر أنّه كان في بيت عائشة لأنّها هي التي روت ذلك ، وأُخرى نزلت الآية حينما جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله أهل البيت عليهم السلام تحت كساء في بيت أمّ سلمة ، وثالثة نزلت الآية في بيت فاطمة عليها السلام كما ورد في دعاء حديث الكساء. ويؤيّده بعض روايات أهل السنّة. وورد أيضاً أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يقف كلّ صباح على باب بيت فاطمة الزهراء عليها السلام إلى ستّة أشهر ، وقيل إلى تسعة أشهر ، وهو يقول : « الصلاة الصلاة ، ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) » (٢) ؛ كلّ ذلك لأجل أن يذكّر الناس بعصمة أهل بيته ، ويشير إلى فضائلهم ومناقبهم ووجوب طاعتهم ومودّتهم. وإليك بعض الروايات : ١ : روى الثعلبي في تفسيره بالاسناد عن أمّ سلمة أنّ النبيّ (ص) كان في بيتها ، فأتته فاطمة ببرمة فيها جرير. فقال لها (ص) : « ادعي زوجك وابنيك » ، فجاء بهم فطعموا ، ثمّ ألقى عليهم كساء خيبريّاً وقال : « اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً » . فقلت : يارسول الله وأنا معهم قال إِنك إِلى خير » . ثمّ قالت : فأنزل الله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) . (٣) ٢ : قال مجمع : دخلت مع أُمّي على عائشة فسألَتْها أُمّي أرأيت خروجك يوم الجمل قالت إنّه كان قدراً من الله فسألتها عن عليّ عليه السلام فقالت تسأليني عن أحبّ الناس كان إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وزوج أحبّ الناس كان إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لقد رأيت عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (ع) قد جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بثوب عليهم ثمّ قال اللّهمَّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً فقلت يا رسول الله [ صلّى الله عليه وآله ] أنا من أهلك قال تنحّي فإنّك إلى خير. (٤) ٣ : في علل الشرائع بسنده عن أبى عبد الله عليه السلام قال : « لما منع أبو بكر فاطمة عليها السلام فدكاً ، وأخرج وكيلها جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد وأبو بكر جالس وحوله المهاجرون والأنصار فقال : يا أبا بكر لم منعت فاطمة عليها السلام ما جعله رسول الله صلّى الله عليه وآله لها ووكيلها فيه منذ سنين ؟ فقال أبو بكر : هذا فيء للمسلمين فإن أتت بشهد عدول وإلّا فلا حقّ لها فيه قال يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف ما تحكم في المسلمين ؟ قال لا قال أخبرني لو كان في يد المسلمين شيء فادعيت أنا فيه ممّن كنت تسأل البيّنة ؟ قال إيّاك كنت أسأل قال فإذا كان في يدي شيء فادّعى فيه المسلمون تسألني فيه البيّنة ؟ قال فسكت أبو بكر ، فقال عمر هذا فيء للمسلمين ولسنا من خصومتك في شيء ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام لأبى بكر يا أبا بكر تقرأ بالقرآن ؟ قال بلى ، قال فأخبرنى عن قول الله عزّ وجلّ : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) . أفينا أو في غيرنا نزلت ؟ قال فيكم ، قال فأخبرنى لو أنّ شاهدين من المسلمين شهدا على فاطمة عليها السلام بفاحشة ما كنت صانعاً ؟ قال كنت أقيم عليها الحدّ كما أقيم على نساء المسلمين ، قال كنت إذاً عند الله من الكافرين قال ولم ؟ قال لأنّك كنت تردّ شهادة الله وتقبل شهادة غيره لأنّ الله عزّ وجلّ قد شهد لها بالطهارة فإذا رددت شهادة الله وقبلت شهادة غيره كنت عند الله من الكافرين ... » . (٥) ويظهر من الروايات أنّ الآية لمّا نزلت لم تكن زينب سلام الله عليها متولّدة ، وإلّا كانت الزهراء عليها السلام تأتي بها تحت الكساء. وعلى كلّ حال فيشهد بعصمة زينب سلام الله عليها أقوال الأئمّة عليهم السلام فيها ، خصوصاً قول الإمام زين العابدين عليه السلام : « يا عمّة ... وأنتِ بحمد الله عالمة غير معلّمة ، فهمة غير مفهّمة » (٦) . فإنّ العصمة من آثار العلم الكامل بعظمة الخالق وقبح المعاصي كما لا يخفى على المتأمّل. الهوامش ١. الأحزاب : ٣٣. ٢. الدرّ المنثور / المجلّد : ١٢ / الصفحة : ٤٤ / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربيّة والإسلاميّة. ٣. مجمع البيان / المجلّد : ٤ / الصفحة : ٣٥٧ / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم. الكشف والبيان / المجلّد : ٨ / الصفحة : ٤٢ ـ ٤٣ / الناشر : دار إحياء التراث العربي ـ بيروت. ٤. مجمع البيان / المجلّد : ٤ / الصفحة : 357 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم. ٥. علل الشرايع / الصفحة : ١٩١ / الناشر : مكتبة الحيدريّة ـ نجف. ٦. بحار الأنوار / المجلّد : ٤٥ / الصفحة : ١٦٤ / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أنّ الآية الكريمة تذمّ أبو بكر لحزنه ومحاولة النبيّ تهدئته ؟ صفة الحزن التي اتّصف بها أبو بكر الصدّيق في الآية لم تذكر في القرآن كلّه إلّا على المؤمنين فقط ، ولم تأتي لمنافق أو كافر ، إليك الأدلّة : قال تعالى : ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) [ آل عمران : 139 ] . قال تعالى : ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ... ) [ آل عمران : 153 ] . قال تعالى : ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ الحجر : 88 ] . قال تعالى : ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ) [ النحل : 127 ] . قال تعالى : ( فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) [ مريم : 24 ] . قال تعالى : ( إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ) [ طه : 40 ] . قال تعالى : ( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ) [ النمل : 70 ] . قال تعالى : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) [ القصص : 7 ] . قال تعالى : ( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) [ القصص : 13 ] . قال تعالى : ( وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) [ العنكبوت : 33 ] . قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) [ فصلت : 30 ] . قال تعالى : ( وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ آل عمران : 176 ] . قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ) [ المائدة : 41 ] . قال تعالى : ( وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [ يونس : 65 ] . قال تعالى : ( يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) [ الأنبياء : 103 ] . قال تعالى : ( وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) [ لقمان : 23 ] . قال تعالى : ( فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) [ يس : 76 ] . من خلال كلّ هذه الآيات نرى أنّ النهي عن الحزن تأتي في مقام المواساة ، و لا تأتي إلّا للخير. فهي تقال للحزين المؤمن على خير فاته أو يخشى أن يفوته ، وهي تقال للمؤمن فقط ، و لا تقال للكافر أو العاصى. ومن هنا يثبت أنّ الحزن كان خشية أبا بكر على خير يفوته بعثور الكفّار عليهما ، أيّ أنّ الخير الذي يفوته هو الرسول ؛ لأنّنا أثبتنا أنّ الحزن يكون على خير يفوت الإنسان أو يخشى أن يفوته ، ولو كان يخشى على نفسه فقط لسمّي خوف ، ونتحدّى أن تأتوا من كتاب الله العظيم كلّه بآية واحدة في مقام النهي عن الحزن ، وتكون موجّهة إلى كافر بل كلّ النهي عن الحزن في القرآن موجّه للأنبياء والصالحين ، ومنهم سيّدنا محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ، فهل نهي الله له في مقام الذمّ ؟! أوّلاً : إنّ خروج صاحبه معه لم يكن لموعد اتّفقا عليه ، بل أكثر المؤرّخين يقولون بأنّه حينما خرج النبيّ صلّى الله عليه وآله لقي أبا بكر في الطريق فخشي أن يدلّ عليه تحت ضغط المشركين ، فأخذه معه ، فكان خروجه صدفة. في الدرّ المنثور في قوله تعالى : ( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ... ) وأخرج ابنُ مردويه ، وأبو نعيم في « الدلائل » ، عن ابن عبّاس قال : لمّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الليل فلحق بغار ثور ، قال : وتبعه أبو بكر ، فلمّا سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حِسّه خلفَه خاف أن يكونَ الطَّلَبَ ، فلمّا رأى ذلك أبو بكر تنحنَحَ ، فلمّا سمع ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عرفه ، فقام له حتّى تبعه فأتيا الغار ... . (1) وهذا صريح في أنّ أبا بكر صحب النبيّ صلّى الله عليه وآله ـ على تقدير صحّته ـ اتّفاقاً وصدفة ، فما وجه الفضل في ذلك ، خصوصاً إذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله قد أخذه لكي لا يخبر المشركين بموضعه وهجرته. وأمّا قوله تعالى : ( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ ) (2) ، فلا يدلّ على فضيلة لأبي بكر ؛ لأنّ كثير من الناس لم يخرجوا مع النبيّ صلّى الله عليه وآله ؛ فإنّ المسلمين الباقين في مكّة كانوا كثيرين ، والإمام علي عيله السلام بقي في مكّة ، وبات على فراش النبيّ صلّى الله عليه وآله بأمر من النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فمجرّد خروج أبي بكر لم يكن فضيلة ، بل هو كسائر المهاجرين . ثانياً : هناك شكوك حول تواجد أبي بكر بن قحافة مع النبيّ صلّى الله عليه وآله في الغار ، وقد ألّف بعض المحقّقين كتاباً نفى فيه أن يكون صاحب الغار أبا بكر ، فراجعه : « صاحب الغار أبو بكر أم رجل آخر ؟ ». ثالثاً : إنّ المراد من الحزن في الآية الشريفة : « الخوف » كما ذكره المفسّرون ، والخوف قبيح على كلّ حال ، إلّا إذا كان خوفاً على حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، ولكن هذا الخوف يدلّ على عدم الاعتقاد الكامل بقدرة الله تعالى وحكمته حيث أنّه كان يحتمل أنّ الله تعالى يسلّط أعداءه على نبيّه صلّى الله عليه وآله في ابتداء دعوته ، فيكون ذلك نقضاً للغرض ، ولا يصدر من الحكيم تعالى. ففي تفسير مجمع البيان : ( لَا تَحْزَنْ ) أيّ : لا تخف. (3) وهكذا في تفسير الصافي قال : ( لَا تَحْزَنْ ) لا تخف ، ( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) بالعصمة والمعونة. (4) وفي الكافي عن الباقر عليه السلام : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أقبل يقول لأبي بكر في الغار : اسكن فإنّ الله معنا وقد أخذته الرَّعدة ، وهو لا يسكن فلمّا رأى رسول الله صلّى الله عليه وآله حاله قال له : تريد أن اُريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدَّثون فاُريك جعفراً وأصحابه في البحر يغوصون ؟ قال : نعم ، فمسح رسول الله صلّى الله عليه وآله بيده على وجهه فنظر إلى الأنصار يتحدَّثون ونظر إلى جعفر (ع) وأصحابه في البحر يغوصون فأضمر تلك السّاعة أنّه ساحرٌ. (5) وفي تفسير الميزان : أيّ لا تحزن خوفاً ممّا تشاهده من الوحدة والغربة وفقد الناصر وتظاهر الأعداء. (6) وأمّا الآيات الشريفة فبعضها فيه ذمّ أيضاً حيث إنّ الحزن كان لأجل الخوف ، ولا مانع أن يذمّ الله المسلمين ، بل حتّى المؤمنين ؛ لأنّهم غير المعصومين. فقوله : ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (7) ، صريح في ذمّهم ونهيهم عن الوهن والضعف والخوف من الأعداء ، والآية تدلّ على أنّ من شأن المؤمن أن لا يرى نفسه ضعيفاً ، ولا يحزن خوفاً من العدوّ الكافر. وهكذا قوله تعالى : ( لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ... ) (8) ، فإنّ ابتلاءهم بغمّ آخر لكي لا يحزنوا يدلّ على أنّ الحزن في المقام أمر مذموم ومبغوض لله تعالى ، خصوصاً أنّ الحزن كان لأجل فوت الغنيمة. ففي تفسير الدرّ المنثور : فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « مهلاً فإنّما أصابكم الذي أصابكم من أجلِ أنكم عَصيتُموني ». فبينما هم كذلك ، إذ أتاهمُ القومُ وقد أَيِسوا ، وقد أخترطوا سيوفَهم ، ( فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ) . فكان غمُّ الهزيمةِ وغمُّهم حين أَتَوهم ؛ ( لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ... ) من الغنيمةِ ، ( وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ) من القتل والجراحة. (9) وأمّا قوله : ( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) (10) ، فليس نهياً مولوياً متوجّهاً إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ، بل بقرينة قوله : ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... ) يظهر أنّ الخطاب متوجّه إلى المسلمين. وأمّا النبيّ صلّى الله عليه وآله فهو معصوم لا يحتمل في حقّه أن يمدّ عينيه إلى أزواج الناس ، وأن يحزن لحسد أو غيره ، فيكون من قبيل قوله تعالى : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) . فإنّ كثيراً من خطابات القرآن يكون من قبيل : « إيّاك أعني واسمعي ياجارة ». الهوامش 1. الدر المنثور في التفسير بالمأثور « للسيوطي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 365 / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربيّة والإسلاميّة. 2. التوبة : 40. 3. مجمع البيان لعلوم القرآن « للطبرسي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 61 / الناشر : رابطة الثقافة والعلاقات الإسلاميّة. 4. تفسير الصافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 344 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت / الطبعة : 2. 5. الكافي « للكليني » / المجلّد : 8 / الصفحة : 262 ـ 263 / الناشر : دار الكتبة الإسلاميّة / الطبعة : 4. 6. الميزان في تفسير القرآن « للطباطبائي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 279 / الناشر : مؤسسة مطبوعاتي اسماعيليان ـ قم / الطبعة : 2. 7. آل عمران : 139. 8. آل عمران : 153. 9. الدر المنثور في التفسير بالمأثور « للسيوطي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 74 / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربيّة والإسلاميّة. 10. الزمر : 65.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الجواب ١ : لو كان العالم المادّي يحتوي على وجود الله تعالى ، أو فقل : لو كان الله تعالى موجوداً في السماء أو الأرض لكان موجباً لمحدوديّة الله تعالى ؛ لأنّ ما يشتمل عليه المحدود محدود. لكن وجود الله يختلف عن وجود الممكنات ، وليس لله تعالى مكان ولا زمان ، بل هو خالق المكان والزمان ، وفوق كلّ شيء ، ولا يمكن أن يكون محدوداً بالزمان أو المكان أو بشيء من الجهات والحدود ؛ لأنّ الحدّ نقص ، والله تعالى كامل من جميع الجهات. ولا يوجب التمييز بين الله تعالى ومخلوقاته محدوديّة الله تعالى ؛ لأنّ التمييز بين المحدودات يكون بالحدود ، ولكن التمييز بين الله ومخلوقاته إنّما هو بكونه واجب الوجود ومعطي الوجود ، وسائر المخلوقات تكون ممكنة الوجود ، وهذا المايز لا يستلزم أن يكون الواجب محدوداً ، بل وجوب وجوده يستلزم كماله من جميع الجهات. وبالنتيجة : يستلزم عدم محدويّته ؛ لأنّ المحدوديّة تقتضي سلب الوجود ولو من جهة من الجهات ، والمفروض أنّ واجب الوجود يكون الوجود ضروريّاً له ، ولا يمكن سلب الوجود عنه. الجواب ٢ : تجرّد الروح معناه استغناؤه عن المحلّ في مقابل المادّة التي تحتاج لأجل كثافتها وعد تجرّدها إلى المحلّ ، ولكن الروح مع تجرّدها تكون حادثة ، وتحتاج في وجودها إلى الخالق ، بخلاف واجب الوجود ؛ فإنّه قديم بالذات ، ولا يحتاج إلى موجد ، بل الوجود ذاتي له ، بل ذاته الوجود.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: كان خروج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة إلى كربلاء لأجل الإصلاح وحفظ الإسلام وإبقائه ، كما صرّح بذلك حيث قال : « وأنّي لم أخرج أشَراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنَّما خرجت لطلب الاصلاح في اُمّة جدِّي صلّى الله عليه وآله اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدِّي وأبي عليّ بن أبي طالب » (1). وكان عليه السلام يقرأ هذه الأبيات في طريقه إلى كربلاء : سأمضي وما بالموت عار على الفتى اذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مثبوراً وخالف مجرما فان عشت لم اندم وان مت لم الم كفى بك موتاً ان تذل وترغما (2) فالحسين عليه السلام ثار ضدّ الكفر والظلم والفساد والطغيان ، وأعطى للأُمّة الإسلاميّة دروس التضحية والفداء وإباء الظلم والجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ. الهوامش 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 329 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. راجع : تسلية المجالس وزينة المجالس « للسيد محمد بن أبي طالب » / المجلّد : 2 / الصفحة : 160 / الناشر : مؤسسة المعارف الإسلامية / الطبعة : 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 139 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. 2. كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 194 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : أغلب ما يذكر بالنسبة لتفسير الأحلام في الكتب ـ سواء كان عن ابن سيرين أو غيره ـ لا يطمأنّ بصحّته بل هي أُمور ذوقيّة تتبع فهم الإنسان للآيات والروايات أو للظروف والحالات والصفات العارضة على الأشياء. وبما أنّ مفسّر الأحلام غير معصوم فاحتمال الخطأ موجود في فهمه وتفسيره ، نعم لو سمعت التفسير للحلم من الإمام المعصوم عليه السلام من غير واسطة كان ذلك حجّة وصحيحاً 100 %. ثانياً : لم يثبت أنّ ابن سيرين من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام حيث لم يذكر علماء الرجال أمثال الشيخ الطوسي والنجاشي وغيرهما أنّه من أصحاب الصادق عليه السلام. وعلى فرض كونه من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام ليس كلّما يقوله في مجال تفسير الأحلام مأخوذاً ومنسوباً إلى الإمام الصادق عليه السلام. وبعبارة أُخرى ليس تفسيره للأحلام من باب الرواية عن المعصوم بل قد يكون يكون إجتهاداً من نفسه وهو كما يظهر من حاله يعدّ من أهل الخبرة والإطّلاع في هذا الفنّ إلّا أنّ ذلك لا يوجب الجزم بصحّة ما يقول ، لإحتمال طروء الخطأ والإشتباه في فهمه. ثالثاً : الكتاب المنسوب إلى ابن سيرين لم يثبت صدوره منه. رابعاً : لا ينافي في تفسير الحلم بالفقر مثلاً مع كون الله تعالى هو مقسّم الرزق ، لأنّ التفسير يكشف ـ على تقدير صحّته ـ إنّ الله تعالى قدّر له الفقر.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی لا ندري من أين جاءت هذه التسمية مع أنّ اتباع الخلفاء لا يصحّ أن يقال عنهم : أنّهم أهل السنّة ؛ لأنّ إمامهم وخليفتهم كان لا يعترف بالسنّة النبوّية ، وكان ينادي بأعلى صوته : « حسبنا كتاب الله » . وقد أمر الخلفاء بإحراق ما كتبه الصحابة من الأحاديث النبوّية ، ومنعوهم من الحديث ، ولذا ضاعت سنّة النبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) ، واضطر الفقهاء إلى إعمال الاجتهاد والقياس والرأي والاستحسان لأجل استنباط الأحكام الشرعية بعد ضياع الأحاديث النبوّية . بل كان الخلفاء واتباعهم يقدّمون الاجتهاد على النصّ ، ويتركون السنّة النبوّية الشريفة ، ويعملون بالاجتهاد في مقابل النصّ . فراجع كتاب " الاجتهاد والنصّ " للسيّد شرف الدين ، وراجع كتاب " أضواء على السنّة النبوّية " ، وكتاب " وركبت السفينة " . ونذكر بعض النصوص من طرق أهل السنّة : 1 ـ روى البخاري عن ابن عبّاس قال : لمّا حضر النبيّ (ص) (أيّ : أحتضر) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب قال (ص) : « هلّم أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده » . قال عمر : إنّ النبيّ (ص) غلبه الوجع ، وعندكم كتاب الله ، فحسبنا كتاب الله ... . (البخاري ، كتاب العلم ، باب العلم ، ج1 ، ص22) . 2 ـ روى الذهبي أنّ أبا بكر جمع عند وفاة نبيّهم فقال : إنّكم تحدّثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ، فمَن سالكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه . (تذكرة الحفّاظ للذهبي ، ترجمة أبي بكر ، ج1 ، ص 2 ). 3 ـ وروى عن قرظة بن كعب أنّه قال : لمّا سيّرنا عمر إلى العراق ، مشى معنا عمر إلى صرار ، ثمّ قال : أتدرون لم شيّعتكم ؟ قلنا : أردت أن تشيّعنا وتكرمنا . قال : إنّ مع ذلك لحاجة ، إنّكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل ، فلا تصدّوهم بالأحاديث عن رسول الله ، وأنّا شريككم . قال قرظة : فما حدّثت بعده حديثاً عن رسول الله (ص). وفي رواية أُخرى : فلمّا قدم قرظة بن كعب . قالوا : حدّثنا . فقال : نهانا عمر (تذكرة الحفّاظ 1 : 4 ـ 5 ). 4 ـ ورواى الذهبي : إنّ عمر حبس ثلاثة : (ابن مسعود ، وأبا الدرداء ، وأبا مسعود الأنصاري) . فقال : أكثرتم الحديث عن رسول الله (ص) . (تذكرة الحفّاظ للذهبي 1 : 7 ، في ترجمة عمر). 5 ـ قال عثمان وهو على المنبر : لايحلّ لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ، ولا في عهد عمر . (منتخب الكنزل بهامش مسند أحمد 4 : 64 ). 6 ـ في طبقاب ابن سعد : إنّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطّاب ، فأنشد الناس أن يأتوه بها ، فلمّا أتوه بها ، أمر بتحريقها . (طبقاب ابن سعد 5 : 140). 7 ـ يظهر من بعض الأحاديث أنّ الحزب القرشي منعوا كتابة حديث الرسول حتّى في زمان صحّة النبيّ (صلّی الله عليه وآله) . قال عبد الله بن عمرو بن العاص : كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله (ص) ، فنهتني قريش وقالوا : تكتب كلّ شيء سمعته من رسول الله (ص) ، ورسول الله بشر يتكّلم في الغب والرضا ؟! فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله (ص) ، فأومأ بأصبعه إلى فيه ، وقال : « أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ الحقّ » (سنن الدارمي 1 : 125) . 8 ـ وروى المدائني في كتاب الأحداث وقال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عامّ الجماعة أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته ، وكان أشدّ بلا حينئذٍ أهل الكوفة . (رواه ابن أبي الحديد عنه في شرح النهج).
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی أوّلاً : السفراء كانوا يتّقون من عامّة الناس ، ولا يعترفون بالسفارة وبالنيابة الخاصّة للإمام الحجّة (عليه السلام) إلاّ عند خواصّ الشيعة . قفد روى الشيخ الطوسي في الغيبة : (236) عن أَبُي عَبْدِ اللَّهِ بْنُ غَالِبٍ قَالَ : « مَا رَأَيْتُ مَنْ هُوَ أَعْقَلُ مِنَ الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ ، وَ لَعَهْدِي بِهِ يَوْماً فِي دَارِ ابْنِ يَسَارٍ وَ كَانَ لَهُ مَحَلٌّ عِنْدَ السَّيِّدِ وَ الْمُقْتَدِرِ عَظِيمٌ وَ كَانَتِ الْعَامَّةُ أَيْضاً تُعَظِّمُهُ ، وَ كَانَ أَبُو الْقَاسِمِ يَحْضُرُ تَقِيَّةً وَ خَوْفاً . فَعَهْدِي بِهِ وَ قَدْ تَنَاظَرَ اثْنَانِ فَزَعَمَ وَاحِدٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) ، ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عَلِيٌّ . وَ قَالَ الْآخَرُ : بَلْ عَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ ، فَزَادَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا . فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) الَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ هُوَ تَقْدِيمُ الصِّدِّيقِ ، ثُمَّ بَعْدَهُ الْفَارُوقُ ، ثُمَّ بَعْدَهُ عُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ ، ثُمَّ عَلِيٌّ الْوَصِيُّ ، وَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ ، وَ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا . فَبَقِيَ مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ مُتَعَجِّباً مِنْ هَذَا الْقَوْلِ ، وَ كَانَتِ الْعَامَّةُ الْحُضُورُ يَرْفَعُونَهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، وَ كَثُرَ الدُّعَاءُ لَهُ ، وَ الطَّعْنُ عَلَى مَنْ يَرْمِيهِ بِالرَّفْضِ . فَوَقَعَ عَلَيَّ الضَّحِكُ ، فَلَمْ أَزَلْ أَتَصَبَّرُ وَ أَمْنَعُ نَفْسِي ، وَ أَدُسُّ كُمِّي فِي فَمِي ، فَخَشِيتُ أَنْ أَفْتَضِحَ ، فَوَثَبْتُ عَنِ الْمَجْلِسِ ، وَ نَظَرَ إِلَيَّ فَتَفَطَّنَ لِي ، فَلَمَّا حَصَلْتُ فِي مَنْزِلِي فَإِذَا بِالْبَابِ يَطْرُقُ فَخَرَجْتُ مُبَادِراً فَإِذَا بِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ رَوْحٍ - رَاكِباً بَغْلَتَهُ قَدْ وَافَانِي مِنَ الْمَجْلِسِ قَبْلَ مُضِيِّهِ إِلَى دَارِهِ . فَقَالَ لِي : يَا عَبْدَ اللَّهِ أَيَّدَكَ اللَّهُ لِمَ ضَحِكْتَ وَ أَرَدْتَ أَنْ تَهْتِفَ بِي كَأنَّ الَّذِي قُلْتُهُ عِنْدَكَ لَيْسَ بِحَقٍّ؟ فَقُلْتُ لَهُ : كَذَلِكَ هُوَ عِنْدِي . فَقَالَ لِي : اتَّقِ اللَّهَ أَيُّهَا الشَّيْخُ فَإِنِّي لَا أَجْعَلُكَ فِي حِلٍّ تَسْتَعْظِمُ هَذَا الْقَوْلَ مِنِّي . فَقُلْتُ : يَا سَيِّدِي رَجُلٌ يَرَى بِأَنَّهُ صَاحِبُ الْإِمَامِ وَ وَكِيلُهُ يَقُولُ ذَلِكَ الْقَوْلَ لَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ؟ وَ لَا يُضْحَكُ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا ؟ فَقَالَ لِي : وَ حَيَاتِكَ لَئِنْ عُدْتَ لَأَهْجُرَنَّكَ وَ وَدَّعَنِي وَ انْصَرَفَ ». انظر إلى شدّة تقيّة هذا حتّى عن مَن يعرف واقعه ، فكيف بغيره ؟ ثانياً : غاية ما هنالك كانت السلطة تقبض على الوكيل والسفير ، وتودعه السجن أو تقتله ، فيكون قد استشهد في سبيل الله ، أمّا الحجّة ، فإنّ له مهمّة وظيفة عظيمة ، وهي اصلاح العالم بأسره ، فليس من المعقول أن يكون حاضراً تناله يد السلطة الظالمة ، بل لابدّ أن يغيب ويختفي إلى أن تتمهّد الأمور لثورته وقيامه . ثمّ أنّ الوكلاء والسفراء لم يعلموا بموضع الإمام (عليه السلام) حتّى يدّلوا عليه ، مضافاً إلى امكان تغيير الموضع .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی ج 1 ـ نعم الأناجيل الموجودة الآن ، وكذلك العهد القديم (التوراة) هي نفس الكتب التي كانت على عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ؛ وذلك لأنّ هذه الأناجيل قد ألّفها ورتّبها بعض الحواريين للمسيح (عليه السلام) مثل إنجيل يوحنّا ومتّى ومرقس ، وكذلك العهد القديم كان موجوداً قبل بعثة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ولا يستلزم ذلك كون هذه الكتب هي نفس الكتب السماوية النازلة على موسى وعيسى (عليهما السلام) ، بل وقع التحريف والتغيير فيها بعد زمان موسى وعيسى (عليهما السلام). ج 2 ـ لكنّهم يعتقدون أنّ هذه الكتب تشتمل على الإنجيل الذي نزل على عيسى بن مريم ، وأنّها تجمع كلمات المسيح ، كما أنّهم يعتقدون أنّ العهد القديم هو نفس التوراة النازلة على النبيّ موسى ، ولذلك يصحّ الاحتجاج عليهم ، ولولاهذه الكتب المقدسة عندهم لم يكن لهم دليل وبرهان على صحّة دينهم ومذهبهم .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لا يلزم من وجود الله تعالى محدوديّته ، لأنّ وجوده لا يتوقّف على وجود الزمان والمكان والمحلّ ؛ فإنّ الحاجة إلى المحلّ إنّما هو من شؤون الموجود المادّي ، وأمّا الوجود المجرّد عن المادّة فلا يحتاج إلى المحلّ والمكان كالنفس والروح والعقل ، فضلاً عن وجود الواجب تعالى شأنه ، فالاعتقاد بوجود الخالق معناه أنّ جميع المخلوقات والممكنات يكون وجودها من قبل الواجب الوجود الذي لا يكون وجوده عرضيّاً ناشئاً من الغير ، ومن كان كذلك ـ أيّ : واجب الوجود ـ ، فلا يمكن أن يفرض فيه الحاجة والنقص ، والمحدوديّة نوع من الحاجة أو النقض ؛ لأنّ كلّ محدود بحاجة إلى حدود تميّزه عن المحدود الآخر ، وكلّ محدود وجوده ناقص ؛ إذ ليس له الوجود الثابت للمحدود الآخر. فالخالق إذا كان وجوده ناقصاً ومحدوداً لا يتمكّن من الخلق والإيجاد لجميع الممكنات ، مع أنّ لكلّ منهما حدّ غير ما يكون ثابتاً للآخر ، وإذا كان وجود الخالق مماثلاً للوجود الناقص لبعض الممكنات ـ لفرض النقص والمحدوديّة في وجود الخالق ـ ، فكيف يوجد الموجود الآخر الذي ليس له تلك الحدود ؟
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی دراسة الفلسفة لا تختصّ بالشيعة ، بل لا ربط للفلسفة بالمذهب الشيعي ، غاية ما هنا لك لمّا رأى علماء الشيعة أنّ خلفاء الجور وخصوصاً المأمون العبّاسي أمروا بترجمة الفلسفة اليونانية ، ونشرها بين المسلمين ، وكانت النتيجة وقوع الانحراف العقائدي والفكري في المجتمع الإسلامي ، لذلك اجتهد علماء الشيعة في تصحيح الفلسفة اليونانية وتهذيبها وتطبيقها مع الأصول والمباني والمعارف الإسلامية ليتمكّن المسلمون من الاستدلال على عقائدهم الحقّة بالقواعد الفلسفية ، ودفع الشبهات وحلّ المشكلات والمعضلات من غير وقوع في الانحراف العقائدي ، وقد نجحوا إلى حدّ كبير في هذه المهمّة . لكن هناك إشكالات وإبهامات يمكن أن يعبّر عنها بالانحرافات في هذه الفلسفة الدينية أيضاً ناشئة من عدم عصمة الفلاسفة والحكماء والمسلمين ، وتأثّرهم بالأصول المسلّمة لدى الفلسفة اليونانية ، ولذا ننصح المؤمنين إمّا : بترك دراسة الفلسفة ، أو التلّمذ على يد عالم مؤمن ملتزم يتمكّن من نقد الفلسفة ، وبيان الانحراف في بعض مواردها ، ولا يكون ممّن يتعصّب للقواعد الفلسفية ، والأُسس التي تبتني عليها . وليعلم أنّ الأحاديث والروايات الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) تكفي في دفع الشبهات والإشكالات العقائدية والفكرية ، فلا حاجة إلى التعمّق في الفلسفة .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی دليل استحالة رؤية الله تعالى بالبصر عقليّ ، لا يختصّ بالدنيا ؛ فإنّ الله تعالى ليس جسماً لكي يمكن أن يكون مرئياً في حال من الأحوال ، ومهما كانت الدار الآخرة مختلفة في حدودها وأبعادها وخصوصّياتها عن الدنيا ، فلا أثر لذلك في استحالة رؤية الله تعالى ، ولا ترتفع هذه الاستحالة كما لا يرتفع استحالة الجمع بين النقيضين في الآخرة . قال العلاّمة (قدّس سرّه) : « والدليل على امتناع الرؤية أنّ وجوب وجوده يقتضي تجرّده ، ونفي الجهة والحيّز عنه ، فينتفي الرؤية بالضرورة ؛ فإنّ كلّ مرئي فهو في جهة يشار إليه بأنّه هنا أو هناك ، ويكون مقابلاً أو في حكم المقابل ، ولمّا انتفى هذا المعنى عنه تعالى انتفت الرؤية » . وأمّا قوله تعالى : { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } {القيامة/23} . فليس المراد منه إمكان رؤيته تعالى في الآخرة لوجهين : الأوّل : النظر إلى الشيء لا يستلزم رؤيته ، ولذا يصحّ أن يقال : نظرت إلى الهلال فلم أره ، والمعنى إنني أردت رؤيته ، فنظرت إليه ، لكن لم أره . الثاني : ناظرة بمعنى مُنتظرة كما في قوله تعالى : { فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } {البقرة/280} . أيّ : منتظرة رحمة ربّها ، أو ناظرة إلى ثواب ربّها . وعلى كلّ حال بعد قيام الدليل القطعي على استحالة رؤيته لابدّ أن نحمل الآيات ـ على تقدير دلالتها على إمكان الرؤية ـ على خلاف ظاهرها .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هل أنت مقلِّد في الأحكام الشرعيّة أم مقلَّد ؟ إذا كنت مجتهداً ، فاعمل على طبق اجتهادك ، وأمّا لو كنت مقلِّداً فالعلماء والفقهاء مجمعون على أنّ الوسواسي يجب أن لا يعتني بوسوسته ويحكم بصحّة عمله حتّى لو تيقّن أنّه صلّى بدون وضوء أو مع النجاسة ؛ فإنّ صلاته كذلك صحيحة ومجزية بالنسبة إليه ، ولا يجب عليه تحصيل الطهارة لا عن الخبث ولا عن الحدث.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدی: هل بايع علي أبا بكر اجتهاداً أم عصمة ؟ إذا كان اجتهاداً معناه أنّه أخطئ ، وبذلك تبطل العصمة ، وإذا كان عصمة معناه أنّه لم يخطئ ، ونفّذ الوحي الذي هو من عند الله الذي يأمره فيه بمبايعة أبي بكر ؟ لم يثبت أنّ عليّاً بايع أبا بكر ؛ فإنّ الروايات في ذلك مختلفة جدّاً ، ولا يمكن الجزم بشيء منها . مضافاً إلى احتمال كذبها ؛ لأنّ الغاصبين كانوا يحتاجون إلى جعل مثل هذه الروايات. على تقدير وقوع البيعة منه ، فقد كان مضطرّاً إلى ذلك ، بمعنى أنّه لم يبايع باختياره ورضاه ، بل اُجبر على البيعة حفظاً لنفسه وأهل بيته وشيعته. ولا يتنافى ذلك مع عصمته ؛ لأنّ عصمته أقتضت أن لا يرتكب الحرام بايقاع نفسه وأهل بيته وشيعته في الخطر والهلكة ، فاضطرّ إلى إظهار البيعة بلسانه ، وكان قلبه مليئاً بالسخط وعدم الرضا. ثالثاً الإمام علي عليه السلام كان يتمكّن من الوقوف بوجه الظالمين والغاصبين للخلافة ، لكنّه كان قويّاً في دينه ، لا تأخذه في الله لومة لائم ـ فلمّا رأى أنّ القوم اجتمعوا على غصب حقّه ، وقاموا ضدّه لأحقاد بدرية وأُحدية وحنينيّة وخيبريّة ، فخاف أنّه إذا قام بكفاح مسلّح ضدّهم أرتدّوا على أدبارهم ، ورجعوا إلى جاهليّتهم ، وصاروا كفّاراً ، فصبر وفي الحلق شجى ، وفي العين قذى كما قال عليه السلام ، ورأى أنّهم إن يكونوا ضلالاً منحرفين أولى من أن يرجعوا كفّاراً مخالفين للإسلام. وإذا كان قد بايعهم فمن المعلوم إنّ هذه البيعة الصوريّة كانت لأجل التحفّظ على كيان الإسلام والمسلمين ، ولا تدلّ على شرعيّة خلافتهم ، بل كان يصرّح الإمام عليه السّلام ويحتجّ وينادي بأعلى صوته بأنّهم غصبوا حقّه. قال : « أَما وَاللهِ لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ ، وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْها مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحى. يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ ، وَ لا يَرْقى إِلَيّ الطَّيْرُ ، فَسَدَلْتُ دُونَها ثَوْبًا ، وَ طَوَيْتُ عَنْها كَشْحًا ، وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِى بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَد جَذّاءَ ، أَوْ أَصْبِرَ عَلى طَخْيَة عَمْياءَ ; يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ ، وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ ، وَ يَكْدَحُ فِيها مُؤْمِنٌ حَتّى يَلْقى رَبَّهُ. فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلى هاتا أَحْجى ، فَصَبْرَتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذىً ، وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا ، أَرى تُراثِي نَهْبًا .حَتّى مَضَى الاَْوَّلُ لِسَبِيلِهِ ، فَأَدْلى بِها إِلى فُلان بَعْدَهُ. ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الاَْعْشى : شَتّانَ ما يَوْمِي عَلى كُورِها * وَ يَوْمُ حَيّانَ أَخِي جابِر فَيا عَجَبًا بَيْنا هُوَ يَسْتَقِيلُها فِى حَياتِهِ ، إِذْ عَقَدَها لآخَرَ بَعْدَ وَفاتِهِ ! لَشَدَّ ما تَشَطَّرا ضَرْعَيْها ! فَصَيَّرَها فِى حَوْزَة خَشْناءَ ، يَغْلُظُ كَلْمُها ، وَ يَخْشُنُ مَسُّها ، وَ يَكْثُرُ الْعِثارُ فِيها ، وَ الاِْعْتِذارُ مِنْها. فَصاحِبُها كَراكِبِ الصَّعْبَةِ ، إِنْ أَشْنَقَ لَها خَرَمَ ، وَ إِنْ أَسْلَسَ لَها تَقَحَّمَ . فَمُنِيَ النّاسُ لَعَمْرُ اللهِ بِخَبْط وَ شِماس ، وَ تَلَوُّن وَاعْتِراض. فَصَبَرْتُ عَلى طُولِ الْمُدَّةِ ، وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ ، حَتّى إِذا مَضى لِسَبِيلِهِ ، جَعَلَها فِي جَماعَة زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ. فَي الَلّهِ وَلِلشُّورى ! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيّ مَعَ الاَْوَّلِ مِنْهُمْ حَتّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلى هذِهِ النَّظائِرِ ، لكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا ، وَطِرْتُ إِذْ طارُوا ، فَصَغا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ ، وَ مالَ الآخَرُ لِصِهْرِهِ ، مَعَ هَن وَهَن. إِلى أَنْ قامَ ثالِثُ الْقَوْمِ نافِجًا حِضْنَيْهِ ، بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ ، وَ قامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضِمُونَ مالَ اللهِ خَضْمَ الاِْبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ ، إِلى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ ، وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَ كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ. فما راعَنِى إِلاّ وَالنّاسُ اِلَىَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ يَنْثالُونَ عَلَيّ مِنْ كُلِّ جانِب ، حَتّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنانِ ، وَ شُقَّ عِطافِي ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ. فَلَمّا نَهَضْتُ بِالاَْمْرِ نَكَثَتْ طائِفَةٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرى وَ فَسَقَ اخَرُونَ ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ : ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) [ القصص : 83 ] . بَلى وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوها وَ وَعَوْها ، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيا فِى أَعْيُنِهِمْ ، وَراقَهُمْ زِبْرِجُها. أَما وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ ، لَوْلا حُضُورُ الْحاضِرِ ، وَ قِيامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النّاصِرِ ، وَ ما أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَماءِ أَنْ لا يُقارُّوا عَلى كِظَّةِ ظالِم وَ لا سَغَبِ مَظْلُوم ، لاََلْقَيْتُ حَبْلَها عَلى غارِبِها ، وَلَسَقَيْتُ آخِرَها بِكَأْسِ اَوَّلِها ، وَ لاََلْفَيْتُمْ دُنْياكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِى مِنْ عَفْطَةِ عَنْز » . قالُوا : وَقامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلى هذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَناوَلَهُ كِتابًا. فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ قِراءَتِهِ قالَ لَهُ ابْنُ عَبّاس : يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدْتَ مَقالَتَكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ. فَقالَ : « هَيْهاتَ يَا ابْنَ عَبّاس ! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ ». قالَ ابْنُ عَبّاس : فَوَ اللهِ ما أَسِفْتُ عَلى كَلام قَطُّ كَأَسَفِي عَلى ذلِكَ الْكَلامِ أَنْ لا يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرادَ. قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِى هذِهِ الْخُطْبَةِ : « كَراكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَها خَرَمَ ، وَ إِنْ أَسْلَسَ لَها تَقَحَّمَ » يُرِيدُ أَنَّهُ إِذا شَدَّدَ عَلَيْها فِي جَذْبِ الزِّمامِ وَ هِيَ تُنازِعُهُ رَأْسَها خَرَمَ أَنْفَها ، وَ إِنْ أَرْخى لَها شَيْئًا مَعَ صُعُوبَتِها تَقَحَّمَتْ بِهِ فَلَمْ يَمْلِكْها . يُقالُ : أَشْنَقَ النّاقَةَ إِذا جَذَبَ رَأْسَها بِالزِّمامِ فَرَفَعَهُ ، وَ شَنَقَها أَيْضًا. ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِى إِصْلاحِ الْمَنْطِقِ ، وَ إِنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ : « أَشْنَقَ لَها » ، وَ لَمْ يَقُلْ : « أَشْنَقَها » ؛ لاَِنَّهُ جَعَلَهُ فِي مُقابَلَةِ قَوْلِهِ : « أَسْلَسَ لَها » ، فَكَأَنَّهُ قالَ : إِنْ رَفَعَ لَها رَأْسَها بِمَعْنى أَمْسَكَهُ عَلَيْها بِالزِّمامِ ، وَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ خَطَبَ عَلى ناقَتِهِ وَ قَدْ شَنَقَ لَها فَهِي تَقْصَعُ بِجَرَّتِها ، وَمِنَ الشّاهِدِ عَلى أَنَّ أَشْنَقَ بِمَعْنى شَنَقَ قَوْلُ عَدِيِّ ابْنِ زَيْد الْعِبادِىِّ : ساءَها ما بِنا تَبَيَّنَ فِي الاَْيْدِي * وَ إِشْناقُها إِلَى الاَْعْناقِ
الجواب من السيّد علي الحائري: نعم إنّ ذلك مرهون بوثوق الشخص من نفسه بتحقيق العدل بين الزوجات. قال الله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) [ النساء : 3 ] . وقد شرح فقهائنا رضوان الله عليهم في الكتب الفقهيّة والرسائل العمليّة تفاصيل هذا العدل الأُسري وكيفيّة قيام الزوج بتحقيق العدل بين أزواجه ، وحاصل عبارة عن منح حقوقهنّ والتقسيم بينهنّ بالنحو الذي لا يضيع حقّ أيّ واحدة منهنّ. وأمّا العدل المنفي في قوله تعالى : ( وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) [ النساء : 129 ] ، فقد فُسّر بالعدل في الحبّ والميل القلبي تجاههنّ ، فإنّ ذلك ممّا لا يستطيع الإنسان عادة تحقيقه وايجاد التساوي بينهنّ في حبّه لهنّ ، بل من الطبيعي أن يزداد حبّه لبعضهنّ على حبّه للبعض الآخر ، ولذا فليس من الواجب على الزوج العدل بينهنّ في الحبّ والميل ، لكن مع ذلك يجب عليه أن لا يميل كلّ الميل نحو بعضهنّ ويذر في البعض الآخر كالمعلّقة ، لا هي محفوظة بهذا الزوج ولا هي خلّية كي تتمكّن من الزواج بغيره ، قال الله تعالى : ( فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ) [ النساء : 129 ] .