من سماحة الشيخ هادي العسكري ذكرنا في جواب سابق براءة آدم من الذنب وعصمته والوجه في مخالفته. واكرر هنا وأقول : العصيان هو المخالفة وترك النصيحة ، ولا اختصاص باستعماله لإرتكاب الذنب والخطيئة ، وعندما صدر منه الأكل من الشجرة لم يكن هناك عالم تكليف وكلفة ، كانت دار غير هذه الدنيا الدنية ، كان قبل هبوطه إلى الأرض ، وقبل جعله خليفة ، فلا أمر ولا نهي ولا وجوب ولا حرمه ، وليس الغرض من منعه من تلك الأكلة إلا التنبيه على آثارها الوضعية ونتيجتها الطبيعية ، وهي الخروج من الجنة ، التي فيه ترك لذيذ العيش ، والصفاء ، ومجانبة الراحة والهناء ، وبالخروج معانقة الكدر ، والعناء ومصاحبة التعب والشقاء. وليس الهدف من النهي هناك إلا إعلام جاهل وتنبيه غافل ، وكإرشاد طبيب لعلاج مريض ، أو إشارة منه لسالم وصحيح لشربة ، أو أكلة وآثارها السيئة التي تذهب بالصحة وتوجب الألم والشدة وتديم العلة ، فإذا هنا وقعت المخالفة وترك النصيحة لم يكن ذنب منه ، ولا عقاب له سوى ما خسر من السلامة والصحة ، وما يقع فيه من البلاء والمشقّة ، ويدل على ما ذكرنا آيات من سورة طه بصراحة ، والغواية هي الانقياد للهوى ومتابعة الميل والرغبة في ما فيه السقوط والردى ، وهو الذي حصل لآدم بالفعل من الجوع والضمأ والتعب والعراء ، والخروج من جنة المأوى ، ولم يكن له تبعة غير هذا ، والله الهادي وهو العاصم من البلاء والحمد لله .
من سماحة الشيخ علي الكوراني عقيدتنا أنّ نبي الله إبراهيم ، وجميع الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الذنوب والمعاصي ، وقول إبراهيم : { فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } (الأنبياء/63). ليس كذباً ، وإن ثبت أنّه كذب ، فهو مستثنى من التحريم ، كما يستثنى الكذب في الإصلاح بين اثنين عندما تقول لأحدهما إن فلاناً يحبك ويذكرك بالخير ، لتصلح بذلك بينهما وترفع عداوتهما .. فهذا جائز لك .
من سماحة الشيخ علي الكوراني استغفار الأنبياء والأئمة عليهم السلام وتوبتهم ، إنّما هي من ذنوبهم التي هي بمستواهم ، وليست مثل معاصينا وذنوبنا .. مثلاً ، لو نام أحدنا عن صلاة الليل فليس هذا ذنباً ، ولكن المعصوم يعتبره ذنباً ، ويستغفر منه ، ويبكي عليه ، وعندما يتحدث أحدنا إلى جماعة ، وينظر إلى بعضهم فقط ولا يوزع نظره عليهم جميعاً ، فهذا ليس ذنباً بالنسبة لنا ، ولكنه ذنب بالنسبة إلى المعصوم عليه السلام .. وهكذا
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: المستفاد من الروايات المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام ، إنّ الجفر عبارة عن اهاب « جلد » ماعز أو كبش يحوي كتباً وصحفاً ويسمّى بالجفر الأبيض ، وإنّ الأئمّة عليهم السلام يتوارثون ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وإنّ فيه علم الأوّلين والآخرين أو جميع العلوم. فقد روى في الكافي بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام إنّه قال : « وانّ عندنا الجفر ، وما يدريهم ما الجفر ؟ قال : قلت : وما الجفر ؟ قال : وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل ».
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: هناك خلاف بين متكلّمي الإماميّة في أنّ علم الإمام عليه السلام هل هو حضوري أو إرادي ؟ والمراد بالحضوري هو العلم الفعلي بالأشياء غير المعلّق على الإرادة ، والمراد بالإرادي هو العلم المعلّق على الإرادة والمشيئة ، فعلى الثاني فالإمام يعلم بالأشياء متى أراد وشاء وليس له علم فعلي بالأشياء بخلافه على الأوّل. إلّا أنّه على كلا التقديرين فعلمه عليه السلام ليس ذاتيّاً بل هو موهوب وممنوح من الله سبحانه وتعالى بطريقة من الطرق المذكورة في محلّها كمناشئ لعلم الإمام كالالهام والنقر في الاسماع والتعليم من الرسول صلّى الله عليه وآله وغير ذلك ، فالحضور عندهم يعني انكشاف المعلومات لديهم فعلاً في مقابل انكشافها لديهم إذا أرادوا ، ومن الواضح أنّ هذا المعنى للعلم الحضوري لا ينافي كونه مستمداً من الله سبحانه وتعالى وممنوحاً منه ، فلا تنافي بينه وبين الروايات التي أشرت إليها. ومنه يظهر الفرق بينهم عليهم السلام وبين غيرهم من البشر ، فإنّ علم غيرهم ينحصر بالإكتساب والتحصيل بالطرق المتعارفة من الأمارات والحواس الظاهريّة والدرس ونحو ذلك ـ وهذا معنى العلم الإكتسابي في المقام ـ بخلاف الأئمّة عليهم السلام ، فإنّ لهم طرقاً اُخرى غير هذه الطرق الإكتسابيّة يعلمون بواسطتها الأشياء.
من سماحة الشيخ باقر الإيرواني قال تعالى : { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ ... وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } (البقرة/255). وقال : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } (الجن/26 ـ 27). وقال : { وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } (النمل/75). وقال : { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (الواقعة/77 ـ 80). وقال : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } (النحل/89). وقال : { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } (العنكبوت/49). فهو تعالى يظهر علمه لمن شاء ولمن ارتضى من رسول وللمطهرين أهل آية التطهير ، ويمسس كتابه المحيط بغائبة السماء والأرض يمسسه المطهرين ، ويودعه في صدور الذين اوتوا العلم من هذه الأمة ، وهم المطهرون. أمّا الفوارق بين علم الله تعالى وتعليمه للرسول ، فإنّ علمه تعالى أزلي ذاتي ، واستعلام واطلاع النبي صلى الله عليه وآله مخلوق للباري ، وأنّ علمه تعالى محيط ، وما يعلمه النبي صلى الله عليه وآله محاط من قبله تعالى ، فإنّ لله اسما مستأثراً لم يخرج منه إلى غيره ، كما وردت به الروايات ، وأنّ الله عالم بذاته المقدسة ولايكتنه مخلوق ذات الباري وغيرها من فوارق صفات الخالق عن صفات المخلوق . أمّا الآية فمورد نزولها كما قيل إنّ أهل مكة قالوا : يا محمّد ! ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل ان يغلو ، فتشتريه فتربح فيه ، وبالأرض التي تريد أن تجدب ، فترتحل منها إلى أرض قد أخصبت ؟ ! فأنزل الله هذه الآية : { قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف/188). فواضح من سياق النزول أنّ أهل مكة كان سؤالهم اقتراحاً مادياً يرتبط بالمعيشة والرفاه حسب مشتهيات الغرائز للرغد والبطر ، وعلم الغيب لايستخدم لمثل هذا ، ولا يوظف في مثل هذه الاغراض ، وليس من هدف إرسال الرسول هو نعيم الماديات بل الغرض هو هداية البشر إلى السعادة الأخروية ، ونجاتهم من الشقاء الأبدي . هذا غرض الرسالة في الدرجة الأولى ، فالباري تعالى لم يطلع نبيه على الغيب لكي يستجيب للمقترحات المادية والمشتهيات الغرائزية بل لينذر الناس من عذاب الآخرة إن عصوا ، ويبشرهم بالجنة إن اطاعوا ، فتبين أنّ الآية ليست في سياق نفي اطلاع الرسول على تعليم الله تعالى له من علم الغيب ، وإنّما هي في صدد نفي توظيف علم الغيب للمنافع والمضار المادية الدنيوية ، ألا ترى أنّ النذارة والبشارة بتفاصيل عالم البرزخ والآخرة ، وصفات البارئ ، والقرآن كلها من علم الغيب ، ولكن من علم الغيب الذي يهدف للهداية والسعادة الأخروية ، ويسوق نظام الحياة الدنيوية للخلاص الأخروي ، لا للخلود في الدنيا . ونظير هذه الآيات بقية الآيات التي يتوهم أنّ ظاهرها نفي اطلاع الرسول على ما علمه البارئ من علم الغيب ، ولكن المراد منها هو ما ذكرناه في هذه الآية .
من سماحة الشيخ هادي العسكري وأمّا الإجابة على السؤال: فهي أنّ الثابت لدينا والوارد في رواياتنا قولهم عليهم السلام: « ما منا إلا مسموم أو مقتول » ، وهذه الجملة بنفسها لا تكفي للاستدلال بها على علمهم بكيفية الشهادة ، وخصوصياتها ، ووقتها ، والإحاطة بكل جوانبها ، وهذا واضح . نعم المقطوع عندنا واعتقادنا أنّهم يعلمون الغيب ، والعلم بالغيب على قسمين: قسم حصولي : ومعناه أنّهم متى شاؤا وأرادوا معرفة شيء تنكشف لهم ويعرفوه ، فعلمهم به يكون بعد إرادتهم واختيارهم العلم بذلك المجهول ، وبناءً على هذا القسم من الغيب ليس عندنا دليل قاطع على علمهم بالخصوصية والكيفية أيضاً ماعدا عليٍ أمير المؤمنين وابنه الشهيد الحسين صلى الله عليه وآله. والقسم الثاني : من الغيب العلم الحضوري : ومعناه إنّ الأشياء بنفسها وبذاتها بطبعها تكون معلومة ومعروفة لديهم ، ولا حاجة إلى إرادة واختيار وطلب منهم ، وهذا هو الذي نعتقده فيهم ، لكن فيه تدرجاً طبعاً ، وكثرة وزيادة ، وقابل للاستزادة قال الحكيم : {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(طه/114). ثمّ إنّ الحوادث الواقعة المستقبلية والوقائع الحادثة الآتية قسمان ، قسم محتوم مختوم مقدر كائن لا تغيير فيه ولا تبديل ، وقسم خاضع للتغيير والتبديل ، وقابل للمحو والإثبات ، ومعلق على أمر وموقوف ، فإذا كان علمهم بالشهادة في مورد من القسم الثاني ، ونحن نعلم كما هم علمونا أنّهم يؤمنون ويعتقدون بالبداء ، واحتمال تبدل القضاء ، ودفع المضار والأسواء ، وتغييره بالدعاء وسائر أسباب دفع الأسى والبلاء ، وبما يمحو الله به ويثبت ما يشاء ، فلهم أن يعملوا به سلام الله عليهم ، ويدفعوا عن أنفسهم الأذى ، ولهم أن يصبروا ويسلموا الأمر إلى الله ويختاروا ما هو يختار وما به يرضى ، أليس يمتدح بصبر أيوب ، وابتلاء يعقوب ، فمإذا قال إبراهيم الخليل عندما أضرم له النار الجحيم ، وأتاه جبرائيل الأمين ، وسئله عن حاجته ، وأجاب علمه بحالي يكفي عن مقالي ولم يزد ، فذكره الله ومدحه بأنّه الأواه الحليم ، فالتسليم والرضى بما قدر وقضى ، يكون من أفضل ما يقرب العبد إلى المولى . وهل ينكر على إبراهيم الخليل بتلٌه ابنه للجنين ، ورضاه بذبح ولده بيده ، امتثالاً لرب العالمين ، أو يؤخذ عليه بأنّه قتل نفس محترمة لا يجوز صدروه من نبي من للأنبياء المرسلين ، كلا ثمّ كلا ، فرضا المحبوب غاية مراد المحبين ، والتسليم لأمره ورضاه ، نهاية آمال المخبتين ، فلا فرق بين نار نمرود ، وسيف المرادي ، وقتل الشهيد وأسر العليل ، وسجن هارون وسم المأمون ، بل يا ترى لو نوافق على نظرة البسطاء ، ونقول كان على الإمام الرضا أن يمتنع عن السم في المرة الاُولى ؟ قل لي بربك فهل كان يترك أبداً ، أو كان يتكرر عليه بدفعة بل بدفعات اُخرى ؟ وهل ترضى أنت أن يمتنع الإمام بنفسه ، فيمسك ويحبس ويوجر في فمه ويعامل بأشد وأقسى ؟ أو ليس هكذا يكون عادة المجرمين الطغاة الأشقياء ؟ وبعد هذا هل كان يسلم من ألسُن الملامة من المحبين فضلا عن الأعداء مع أنّه كان بإجبار وبغير اختيار من المرة الاُولى ؟ فما صدر منهم إلا ما هو في غاية الحكمة ومدح الحكماء فعلهم ، صلوات الله وملائكته وجميع الخلق عليهم إلى يوم الجزاء ، ولعنة الله على أعدائهم ما دامت الأرض والسماء . هذا وذكر ابن هشام في سيرته إنّ الرسول صلى الله عليه وآله كان يشكو في مرض موته من سّم دس إليه في غزوة خيبر. هذا كله في القسم الثاني من العلم بالغيب . وأمّا القسم الأوّل ، أعني : المحتوم المختوم ، فالعلم منهم بما يحدث ويقع يكون كالعلم بما تحقق ووقع ؛ فلنفرض أنّ مولوداً من لحظة ولادته صحبته شاشة التصوير وآلة التسجيل ، فالتقطت وسجلت كل حركاته وسكناته ، وتابعته متابعة الظل ، وصاحبته مصاحبة الروح معه ، ثمّ رأينا ونظرنا كلّ ما حدث وصدر منه مطلوباً ومحبوباً لنا ، أوغير مرضي ومرغوب لنا ، فهل علمنا به يغيّر ما وقع ، أم الواقع لا يتغير عما وقع ؟ ! فكذلك علمهم سلام الله عليهم بالغيب والمستقبل الذي يرونه من شاشة عالم الملكوت ، وفي هذا القسم ، بل لا يزيد على علم الله بما يقع ، فإنّ علمه عز اسمه لا يغير ولا يبدل ، ولا تأثير له في ما يحدث ؛ فإنّ الحوادث تحدث بأسبابها وعللها ، وموجبات حدوثها ، وعوامل وجودها ، والعلم بها لا يكون له أي تأثير فيها. نعم إرادة الله وحدها تغير وتبدل ، لكن كلامنا في علمه ، لا في إرادته ، والأئمة سلام الله عليهم هم سلم لما أراد وقدر وقضى ، ولا يحبون إلا ما يحب ويرضى ، فليس لقائلٍ أن يقول عمّا ومإذا ، ولمإذا هذا ؟ ! والحمد لله رب العالمين .
من سماحة الشيخ هادي العسكري لقد نطق وصرح القرآن الكريم وجاهر بإثبات علم الغيب لعدد من الأنبياء والمرسلين ، ففي قوله تبارك وتعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ}(يونس/71). فعلّم النبي نوح أن يخبر قومه أنّه لا يصيبه منهم أي أذىً فليتفقوا على كل ما يستطيعون ويحتالون عليه ، فهو في أمن وسلامة منهم . وفي ما أخبر صالح النبي في قوله : { وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } (هود/64 ـ 65). وكذلك في ما وعد الله شعيباً في قوله عز اسمه : { وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ } (هود/89). وفي 94 قال : { وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } (هود/94). وفي ما أعلم زكريا في قوله : { فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ } (آل عمران/39). وفي قول عيسى عليه السلام ! : { وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ }(آل عمران/49). وقال في سورة الصف : { إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } (الصف/6). وقال يوسف عليه السلام : { قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} (يوسف/37). بل أوحى إلى مريم وأعلمها بالغيب في قوله : { يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ}(آل عمران/45). وقد تكرر قوله جل ثنائه لنبينا ـ صلى الله عليه وآله ـ في كتابه الكريم : { ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } (آل عمران/44). بل القرآن كله من أوّله إلى آخره هو علم بالغيب عرفه الرسول الكريم . بل انظر أخبار الملاحم والفتن التي أخبر بها علي أمير المؤمنين وطالع خطبته رقم 101 و 102 و 103 من النهج . بل قوله عليه السلام : « لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما يكون إلى يوم القيامة ». ويقصد من الآية : { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}(الرعد/39). بل بأيدينا من أخبار أئمتنا ممّا يشهد بعلمهم بالغيب ما يكفينا شاهداً ودليلاً على أنّهم خلفاء الله في أرضه ، وأمنائه على عباده ، ونتحدى بها غيرنا من المسلمين ، كما تحدّى القرآن الكريم بآياته المشركين الكافرين ، بما يكون معجزة لهم كمعجزة القرآن الكريم ، وكفانا فخراً باتباعهم واعتزازاً بالاقتداء بهم إلى يوم الدين . والحمد لله وشكراً لرب العالمين.
من سماحة الشيخ هادي العسكري قد اعتادت الاُمم والشعوب كافة على تعظيم وتقدير واكبار وتوقير رجالها وشخصياتها و عظمائها وافذاذها ، وكل من يكون له خدمة وعمل في وجودها وكيانها ، أو أثر في جهة من جهات تقدمها وحضارتها ، وهي تبدي حبها لها وتشيد بذكرها ، وتردد اسمائها ، وتثني عليها ، وترى نفسها رهينة لفضلهم ، ومدينة لإداء حقهم إليهم ، ومزيد الاعتراف بالشكر لهم ، وعرفان الجهل من أعمالهم بالاحتفال بمواليدهم ، والاحتفاف بهم ، والاحتفاظ عن نسيانهم ، وهي أظهر ظاهرة ، واوضح كاشفة عن أداء حقهم ، والاهتمام بأعمالهم ، وقديماً : قالوا من أحب شيئاً أكثر من ذكره ، وفيها ترغيباً وتشويقاً للاقتداء بهم واتّباعهم ، والسير على نهجهم ومنهاجهم والاقتفاء بهم ، وهي حاسة شريفة ، وصفة حسنة جميلة بل غريزة طبيعية ، وخصلة ذاتية ، وخاصة لهولاء السادة قادة الأئمة ، وأئمة القادة ، الذين انقذونا من الهلكة ، ومن كل ردية ورذيلة ، وساقونا إلى كل خير ، ومعرفة ونعمة ، ولهم علينا حق الحياة الأبدية ، والخلود في الجنة ، والنعيم الباقية السرمدية ، وأي مورد أحق وأفضل ، وأي سبيل أحسن واجمل ، وأي اتفاق أكثر ثواباً ، واوفر جزاءً من العطاء والبر لإحياء ذكرهم ، وتجديد العهد لهم ، وذكر مآثرهم وفضائلهم ، والاستماع لأقوالهم ومواعظهم ، وبذل النفيس ، ومنح العزيز، وصرف الثمين للإشادة بذكرهم ، والثناء عليهم ، والبراءة من أعدائهم. والقول : بأنّها بدعة ، قول سخيف اجفى بل احمق وجهول فاسق بل من الفاسق افسق ، وقول كذوب اعمى بل الكذوب منه اوثق ، واصدق ، ألم يرى ؟ ! ألم يسمع على الأقل بعيد ميلاد المسيح ، واحتفال المسلمين بميلاد الرسول محمّد صلى الله عليه وآله ؟ ! وهل كان أئمتنا في حياتهم في أمن وأمان وراحه ، وهل مضى عليهم يوم واحد خال من الظلم والجور من الظلمة الفجرة الكفرة أجداد هؤلاء الجهلة ؟ وإذا كان أمير المؤمنين وسيد الوصين أبو الأئمة ، وأوّل الأئمة طوال قرن يُسب ويُلعن ، واتخذوه سنة أباء هؤلاء الفسقة ، فهل يجد مع هذا أحد من الأئمة مجالاً ؛ لأن يحتفل بميلاد إمام سابق عليه ، وأن يطعم ويبر شيعته والمؤمنين به ؟ ! نعم ، الروايات طافحة بالأعمال والأدعية في تلك المناسبات ، والذكريات السعيدة ، أو المحزنة المشجية ، وتأكيداً للزيارات لهم ، ترغيباً بها ، وحفظاً لها من الدرس والطمس من اتباع بني العباس الظلمة ، واذناب بني أمية الكفرة الطغاة : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } (الصف/8).
الجواب من السيد علي الميلاني: لا خلاف بين علمائنا الأعلام في إباحة كلّ ما لم يرد عنه نهي في الشريعة (1) ، لقول الامام جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام : كلُّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام (2). هذه الرواية وأمثالها التي كانت الأساس لأصل من أصول الأحكام الشرعيّة في الفقه الشيعي ، وعليه ، فلا يطالب بالدليل على جواز وإباحة شيء أو عملٍ ، بل المطلوب دائماً هو الدليل على الحرمة والمنع والبطلان. وفي مورد السؤال أيضاً ينطبق هذا الأصل ، لكن الحكم الشرعي في مثله ليس عدم الحرمة فقط ، بل هو الاستحباب ، لكونه عملاً راجحاً يؤجر الفاعل عليه ، لأنّه ترويج لذكر الأئمّة عليهم السلام وتخليدٌ ، ولا شبهة في ترتّب الآثار الإيجابيّة المحبوبة عند الشارع على تخليد ذكر الأئمة عليهم السلام. (3) وأمّا القائلون بكون هذا العمل بدعة فهم اُناسٌ جهّال مقلّدون لأناس جهّال ، لم يدرسوا الشريعة المقدّسة ولم يعوها ... ، ولعلماء السنّة رسائل عديدة يثبتون إباحة هذا العمل بل استحبابه على ضوء الكتاب والسنّة التي يروونها ، منهم الحافظ جلال الدين السّيوطي ورسالته مطبوعة ، وبها الكفاية في الردّ على هؤلاء المثقولين على أصولهم المقررّة عندهم ، أمّا نحن فنتّبع علمائنا العاملين رضوان الله عليهم أجمعين. الهوامش 1. راجع : فرائد الأصول « للشيخ الأنصاري » / المجلّد : 2 / الصفحة : 51 ـ 55 / الناشر : مجمع الفكر الاسلامي / الطبعة : 1. كفاية الأصول « للآخوند الخراساني » / الصفحة : 338 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث. 2. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 5 / الصفحة : 313 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5. 3. راجع : وسائل الشيعة « للشيخ الحرّ العاملي » / المجلّد : 12 / الصفحة : 20 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2 : محمّد بن عليّ بن الحسين في كتاب ( الإخوان ) بإسناده عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال : تجلسون وتحدثون ؟ قلت : نعم ، قال : تلك المجالس أُحبّها ، فأحيوا أمرنا ، رحم الله من أحيى أمرنا يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج عن عينيه مثل جناح الذّباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 175 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن الحسن بن محبوب ، عن شعيب العقرقوفي قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول لأصحابه : اتّقوا الله وكونوا إخوة بررة ، متحابّين في الله ، متواصلين ، متراحمين ، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه.
الجواب من الشيخ هادي آل راضي: لا شك أنّ كلّ ما في الوجود يستمدّ وجوده منه سبحانه فهو الخالق وما عداه مخلوق ومفتقر في وجوده إليه سبحانه وتعالى ، والمقصود بهذه الفقرة من الدعاء هو إنّه كيف يستدلّ عليك بما عداك الذي هو مخلوق لك ومحتاج في وجوده إليك ، والحال إنّ الدليل لا بدّ أن يكون أوضح واسبق رتبة من المستدلّ عليه حتّى يكون الأوضح والأسبق رتبة دليلاً على الأخفى والمتأخّر رتبة في حين أن ما يستدلّ به عليك هو الأخفى والمتأخّر رتبة ، لأنّه معلول لك ومفتقر في وجوده إليك.
الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: فإنّ العبارة مدح وثناء على النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله بذكر بعض أوصافه ، فقد كان الدليل إلى الله والناس في أشدّ الظلمة والضلالة والجهل وهو في أعلى مراتب الشرف والحسب والطهارة والجلالة.
الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: جميع الناس الذين يرون الأجرام يرونها على شكل واحد ، وليس المقصود « جميع الناس » حتّى العميان مثلاً.
الجواب من الشيخ محمد السند: الوسوسة في المعارف والاعتقادات يمكن جعلها ايجابيّة ، ويمكن جعلها سلبيّة. فالنمط الإيجابي : أن تكون سبباً للبحث والتتبّع أكثر فأكثر في الأدلّة والبحوث العقائديِِّة ، والمعرفة الدينية فإنّ ذلك سوف يعمقّ المعرفة ويوسّع دائرتها. وأمّا النمط السلبي : منها فهو المكوث والتوقّف في جوّ الشكِّ وعدم الفحص وترك التتبّع في الأدلِّة والكتب وبالتالي المشي على مسلك الشكّ والبناء على التشكيك ومن ثمّ الإنتقال إلى مرحلة الرفض والإنكار وإتّخاذ عقائد ضالّة منحرفة أخرى. المصدر : شبكة رافد للتنمية الثقافيّة