سورة الإنسان ودرس الإخلاص من أهل البيت (عليهم السلام)
يوافق الخامس والعشرون من شهر ذي الحجة ذكرى نزول سورة «الإنسان». هذه السورة على قصرها تحمل في طياتها محتوىً عميقاً وشاملاً ومتنوعاً، فقد تجلت فيها فضائل أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، كما إنّها تحمل في جوهرها درساً عظيماً يمكن أن يكون نموذجاً يُحتذى به في حياتنا المعاصرة.

نزول السورة في شأن أهل البيت (عليهم السلام)
تتناول آيات سورة «الإنسان» واحدة من أهم فضائل أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) وأكثرها عبرة؛ إذ تتحدث ثماني عشرة آية من أصل إحدى وثلاثين آية عن هذه المنقبة الفريدة. ويتناول جزء من هذه الآيات تفاصيل القصة، وهي قصة التضحية الكبرى التي سطرها أمير المؤمنين عليه السلام وزوجته الزهراء المرضية عليها السلام وولداهما الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام، حين صاموا ثلاثة أيام، وتصدقوا بطعام إفطارهم على المسكين واليتيم والأسير. وأمّا الآيات الأربع عشرة الأخرى فتستعرض الجزاء والثواب العظيم لهذا العمل الجليل الذي قدمته تلك الأسرة المثالية والكريمة.
قصة نزول آية الإطعام
مرض الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام وهما في سن الطفولة، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعيادة حفيديه المريضين في بيت علي وفاطمة عليهما السلام. ولما رأى مرض سبطيه العزيزين، قیل لأمير المؤمنين علي عليه السلام: يا أبا الحسن لو نذرت في ابنيك نذرا إن الله عافاهما، فقال: أصوم ثلاثة أيام شكرا لله عزوجل، ونذرت فاطمة عليها السلام كذلك مثل هذا النذر، بل إن الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام -على صغر سنّهما- تبعا أباهما وأمهما ونذرا مثل ذلك أيضاً. وكانت فضّة خادمة البيت حاضرة هناك، فنذرت مثلهم.
ولم تمضِ مدة طويلة حتى زال المرض عن ريحانتي رسول الله، حتى قرّر أهل البيت عليهم السلام الوفاء بنذرهم. فصاموا اليوم الأول، وقام علي عليه السلام بإعداد مقدار من الشعير لإفطار الأيام الثلاثة، فطحنوه، وقسّموه إلى ثلاثة أقسام، وعجنوا قسماً منه؛ ليصنعوا خبزاً لإفطار اليوم الأول، فخبزوا بعدد الصائمين أرغفة من خبز الشعير.
وعند وقت الإفطار سُمع صوت من وراء باب الدار، فخرج أهل البيت إلى الخارج، فرأوا رجلاً يقول لهم: السلام عليكم يا أهل البيت، ثم قال: أنا رجل محتاج وفقير ومسكين، فأعينوني. فأعطى الإمام علي عليه السلام الخبزَ الذي كان نصيبه، وفعلت فاطمة (عليها السلام) مثل ذلك، كما قدّم باقي أفراد الأسرة حصصهم لذلك المسكين، وأفطروا تلك الليلة على الماء.
وفي اليوم التالي صاموا أيضاً، وصنعوا الخبز من الثلث الآخر من دقيق الشعير. وبينما كانوا يستعدون لتناول الإفطار، سمعوا مرة أخرى صوت شخص من خارج المنزل يقول: السلام عليكم يا أهل البيت. فخرجوا إليه وسألوه: من أنت؟ وما حاجتك؟ فقال: «أنا يتيم من أيتام هذه المدينة، جائع فأطعموني». فأعطى الإمام علي (عليه السلام) نصيبه لذلك اليتيم، وفعل الباقون بإخلاص كامل وابتغاءً لرضا الله، وأفطروا على الماء.
وفي اليوم الثالث صاموا أيضاً وفاءً بالنذر الذي نذروه، وتكررت القصة كما حدث في اليومين الأول والثاني، غير أنّ السائل هذه المرة كان أسيراً يطلب العون. فقدّم الإمام علي (عليه السلام) وجميع أفراد الأسرة إفطارهم لذلك الأسير، وأفطروا في الليلة الثالثة أيضاً على الماء، وبذلك وفّوا بنذرهم.
وفي اليوم التالي، رأى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام وقد بدت عليهما آثار التعب والضعف، وكانا يرتجفان من شدة الوهن. فحزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك، وازداد حزنه حين رأى عيني فاطمة عليها السلام الغائرتين من شدة التعب، فسأل علياً عليه السلام: يا علي، لماذا أصبح الولدان بهذا القدر من الضعف والوهن؟ ولماذا تغيّر لون ابنتي فاطمة واصفرّ وجهها؟
فأخبره الإمام علي عليه السلام بما حدث لهم، وفي هذه الأثناء نزل جبرئيل، ونزلت سورة الانسان في شأن إنفاقهم، وقد ورد فيها كثير من الثناء والتمجيد لهذا الإيثار العظيم، كما تضمّنت الوعد لهم بنِعَم الجنة.(1)
الدرس الكبير من آية الإطعام: المعيار هو جودة العمل لا كثرته
الإخلاص جوهرة ثمينة ونادرة؛ ولذلك فإن ركعةً واحدة تُؤدّى بإخلاص أسمى عند الله من آلاف الركعات الخالية من الإخلاص. نعم، إن الإخلاص يصنع المعجزات حقاً؛ فقد يرفع العمل ألف ضعف، بل قد يبلغه منزلة تعادل عبادة الجنّ والإنس إلى قيام الساعة. ومن علامات الإخلاص أنّ الإنسان المخلص لا ينتظر من أحدٍ جزاءً ولا حتى شكراً، وإنّما يبتغي وجه الله وحده. وقد يبلغ الإخلاص بصاحبه درجةً يستوي عنده فيها الشكر والإساءة، فلا يفرح بهذا فرح الغافلين، ولا ييأس أو يندم من ذاك.
ومن أهم الرسائل التي تقدمها آيات سورة الانسان أنّها تؤكد على نوعية العمل وكيفيته، لا على كميته ومقداره. فكل ما أنفقته تلك الأسرة الكريمة لم يزد على بضعة كيلوغرامات من الشعير، وفي الحقيقة إنّ أهل بيت العصمة والطهارة قدّموا خلال تلك الأيام الثلاثة خمسة عشر رغيفاً من الخبز للمحتاجين، ومع ذلك نالوا كل تلك الفضائل العظيمة.
قال الله تعالى في الآية الشريفة:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾(2)
أسماء سورة الإنسان
لهذه السورة أسماء عديدة، وأشهرها: سورة «الإنسان»، وسورة «الدهر»، وسورة «هل أتى». وكل واحد من هذه الأسماء مأخوذ من إحدى الكلمات الواردة في مطلع السورة.
في فضل تلاوة سورة الإنسان
ورد في فضل تلاوة هذه السورة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، أنّه قال:
مَنْ قَرَأَ سُورَةَ هَلْ أَتَى كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى اَللَّهِ جَنَّةً وَ حَرِيراً.(3)
وجاء في حديثٍ عن الإمام الباقر (عليه السلام):
مَنْ قَرَأَ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي كُلِّ غَدَاةِ خَمِيسٍ زَوَّجَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ ثَمَانَ مِائَةِ عَذْرَاءَ وَأَرْبَعَةَ آلَافِ ثَيِّبٍ وَحُورًا مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَكَانَ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.(4)
1. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 35 / الصفحة: 237 / ط مؤسسة الوفاء.
2. سورة الانسان / الآية: 9.
3. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلد: 4 / الصفحة: 355
4. وسائل الشيعة / الشيخ الحرّ العاملي / المجلد: 4 / الصفحة: 791 / ط الإسلامية





