العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 28 > النحو لغة واصطلاحا  >

النحو لغة واصطلاحا

السيد علي حسن مطر


بسم الله الرحمن الرحيم
سأتناول في هذا البحث كلمة (النحو) فأبين معناها في اللغة ، ثم أنتقل لبيان معناها الاصطلاحي لدى النحاة ، فأعرض له من الناحيتين التاريخية والمضمونية ، أي أنني سأحاول أولا تحديد التاريخ الدقيق لاستعمال كلمة (النحو) بمعناها الاصطلاحي مع الإشارة إلى الاصطلاحات المرادفة لها ، ثم أعرج ثانيا على بيان المضمون الاصطلاحي للكلمة ، أي المعنى الخاص الذي أراده النحاة منها ، وما طرأ عليه من تغييرات على مر الزمن . فالبحث ـ إذن ـ يقع في ثلاث فقرات .


(58)
الفقرة الأولى : معنى (النحو) لغة .
ذكرت للنحو لغة المعاني التالية (1) :
ا ـ القصد . يقال : نحوت نحوك ، أي : قصدت قصدك . ونحوت الشيء ، إذا أممته .
2 ـ التحريف . يقال : نحا الشيء ينحاه وينحوه إذا حرفه .
3 ـ الصرف . يقال : نحوت بصري إليه ، أي : صرفت .
4 ـ المثل . تقول : مررت برجل نحوك ، أي : مثلك .
5 ـ المقدار . تقول : له عندي نحو ألف ، أي : مقدار ألف .
6 ـ الجهة أو الناحية . تقول : سرت نحو البيت ، أي : جهته .
7 ـ النوع أو القسم . تقول : هذا على سبعة أنحاء ؟ أي : أنواع .
8 ـ البعض . تقول : أكلت نحو السمكة ، أي : بعضها .
ويلاحظ أن النحاة لم يذكروا المعنى الثالث ، ولذا عدوا المعاني اللغوية سبعة نظمها الداودي شعرا بقوله :
للنحـــو سبـع معان قد أتت لغة * * جمعتها ضمن بيـت مفــرد كملا
قصد ومثـل ومقــدار وناحيــة * * نوع وبعض وحرف فاحفظ المثلا (2)
وأظهر معاني النحو لغة وأكثرها تداولا هو (القصد) ، وهو أوفق المعاني اللغوية بالمعنى الاصطلاحي في رأي جماعة من العلماء كابن دريد (ت 321 س)



(1) لسان العرب لابن منظور ، مادة (نحا) ، حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1 / 10 .
(2) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1 / 10 .



(59)
إذ قال : « ومنه اشتقاق النحو في الكلام ، كأنه قصد الصواب » (3) ، وابن فارس (ت 395 ه‍) إذ قال : (ومنه سمي نحو الكلام ؟ لأنه يقصد أصول الكلام فيتكلم على حسب ما كانت العرب تتكلم به (4) ، وابن منظور إذ قال : « والنحو القصد . . . ونحو العربية منه . . . وهو في الأصل مصدر شائع ، أي : نحوت نحوا ، كقولك : قصدت قصدا ، ثم خص به انتحاء هذا القبيل من العلم ، كما أن الفقه في الأصل مصدر فقهت الشيء إذا عرفته ، ثم خص به علم الشريعة من التحليل والتحريم » (5) .
وذهب ابن السكيت (ت 244 ه‍) إلى أن النحو مشتق من معنى التحريف . قال : (ومنه سمي النحوي نحويا ، لأنه يحرف الكلام إلى وجوه الإعراب » (6) .
« وفي هذا التوجيه شيء من التكلف والغرابة ، تعارضه أكثر الروايات الواردة في أولية النحو ، من مثل أن أبا الأسود وضع كتابا فيه جمل العربية ، ثم قال لهم : انحوا هذا النحو ، أي : اقصدوه . . . فسمي لذلك نحوا » (7) .



(3) جمهرة اللغة ، تحقيق رمزي البعلبكي 1 / 575 .
(4) مقاييس اللغة ، تحقيق عبد السلام هارون ، ج 1 مادة (نحا) .
(5) لسان العرب ، مادة (نحا) .
(6) لسان العرب ، مادة (نحا) .
(7) البحث النحوي عند الأصوليين ، السيد مصطفى جمال الدين ، ص 24 .



(60)
الفقرة الثانية : مصطلح (النحو) تاريخيا .
يذهب بعض الباحثين إلى أن مصطلح النحو مسبوق بثلاثة مصطلحات ، هي : العربية والكلام والإعراب (8) . ويدعي بعض آخر أنه مسبوق بخمسة مصطلحات مضيفا إلى ما تقدم مصطلحي اللحن والمجاز (9) .
وقد استدل كل من الدكتور الدجني والقوزي على تقدم مصطلح (الكلام) بما روي من قول أبي الأسود الدؤلي وقد سمع اللحن في كلام الموالي : « هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام فدخلوا فيه ، فصاروا لنا إخوة ، فلو علمناهم الكلام) (10) .
لكن الدكتور الحلواني يرى أن الحق أن المراد بالكلام في الرواية هو المعنى اللغوي دون غيره (11) .
ويلاحظ عليه أنه جزم بإرادة المعنى اللغوي دون أن يقدم دليلا إثباتيا ، وكان يكفيه مجرد احتمال إرادة المعنى اللغوي لإبطال التمسك بالرواية لإثبات إرادة المعنى الاصطلاحي .
وأما مصطلح (الإعراب) فقد استدل لتقدمه كل من الدجني والقوزي (12) برواية عن عمر بن الخطاب استعمل فيها كلمة الإعراب بمعنى النحو إذ قال : « وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب » (13) . لكن الدجني عاد فشكك في



(8) أبو الأسود الدؤلي ونشأة النحو العربي ، فتحي الدجني ، ص 13 ـ 14 .
(9) ـ مصطلح النحو ، نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري ، عوض حمد القوزي ، ص 8 ـ 15 .
(10) أخبار النحويين البصريين ، السيرافي ، ص 13 .
(11) المفصل في تاريخ النحو العربي ، محمد خير الحلواني ، 1 / 15 (الحاشية) .
(12) أبو الأسود الدؤلي ، الدجني ، ص 14 . المصطلح النحوي ، القوزي ، ص 14 .
(13) إنباه الرواة على أنباه النحاة ، القفطي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، 1 / 15 .



(61)
صحة الرواية ، « لأن النحو ظهر متأخرا عن عصر عمر بن الخطاب » (14) .
أقول : إن تأخر ظهور النحو لا يكفي بمجرده للشك في صحة الرواية ، وإن كان يؤدي إلى تعيين إرادة المعنى اللغوي من كلمة الإعراب دون المعنى الاصطلاحي .
والصحيح أنه لا دليل على استعمال كلمة (الإعراب) بالمعنى الاصطلاحي في القرن الأول فضلا عن شيوع استعمالها فيه .
نعم ، قد استعملت بهذا المعنى في وقت متأخر وفي حدود ضيقة ، فأقدم مصدر وردت فيه بالمعنى الاصطلاحي يعود إلى القرن الرابع وهو كتاب « سر صناعة الإعراب » لابن جني (ت 392 ه‍) ، وهناك أيضا كتاب « ملحة الإعراب » للحريري صاحب المقامات (ت 576 ه‍) ، واستعملها ابن معطي (ت 628 ه‍) في كتابه (الفصول الخمسون) إذ قال : « إن غرض المبتدئ الراغب في علم الإعراب حصرته في خمسين فصلا » (15) .
وأما ما ذكره القوزي من تقدم استعمال كلمتي (المجاز) و (اللحن) بمعنى النحو اصطلاحا ، فلا دليل عليه أيضا ، فقد قال بشأن (اللحن) : « وهذا المصطلح نجده في قول عمر بن الخطاب : (تعلموا الفرائض والسنة واللحن كما تتعلمون القرآن) . قال أبو بكر الأنباري : وحدث يزيد بن هارون بهذا الحديث ، فقيل له : ما اللحن ؟ قال : النحو » (16) .
لكنه قال في الصفحة التالية : « واللحن بمعنى اللغة ، ذكره الأصمعي وأبو زيد ، ومنه قول عمر بن الخطاب : تعلموا الفرائض والسنة واللحن كما تتعلمون



(14) أبو الأسود الدؤلي ، الدجني ، ص 111 .
(15) الفصول الخمسون ، ص 149 .
(16) المصطلح النحوي ، ص 9 .



(62)
القرآن » (17) .
وهذا هو الصحيح ، لتأخر ظهور علم النحو عن زمان عمر ، فلا يمكن أن يكون قد استعمل كلمة (لحن) بما يرادف النحو كما يراه زيد بن هارون .
وأما (المجاز) فقد استدل القوزي على كونه من الاصطلاحات الأولى المرادفة للنحو بما ذكره الدكتور إبراهيم مصطفى إذ قال : « وما كانت كلمة (مجاز) إلى ذلك العهد (عهد أبي عبيدة ، المتوفى 208 ه‍) قد خصصت بمعناها الاصطلاحي في البلاغة ، وما كان استعمال أبي عبيدة لها إلا مناظرة لكلمة (النحو) في عبارة غيره من علماء العربية » (18) .
ولكن مراجعة كتاب « مجاز القرآن » لأبي عبيدة تؤكد ما ذكره محققه من كونه كتابا يعنى بالناحية اللغوية من القرآن الكريم ، وليس كتابا في البلاغة أو النحو بمعناهما الخاص ، « فهو يتكلم في معاني القرآن ، ويفسر غريبه ، وفي أثناء ذلك يعرض لإعرابه ، ويشرح أوجه تعبيره » (19) ، وإلى ذلك ذهب محقق كتاب « تلخيص البيان » أيضا ، إذ قال : (فالمجاز القرآني ـ عند أبي عبيدة ـ لا يعدو أن يكون تفسيرا لألفاظ القرآن ومعجما لمعانيه » (20) .
هذا ، مع ملاحظة أن المراد إثبات تقدم استعمال (المجاز) على مصطلح (النحو) ، وهو لا يثبت بالدعوى المذكورة حتى مع فرض التسليم بصحتها ، لتأخر أبي عبيدة عن زمن ابن أبي إسحاق الحضرمي وأبي النضر سالم بن أبي أمية اللذين سنوضح استعمالهما لمصطلح النحو .
ويبقى الكلام على مصطلح (العربية) . ولا شك في استعماله بمعنى



(17) المصطلح النحوي ، ص 10 .
(18) إحياء النحو ، إبراهيم مصطفى ، ص 12 .
(19) مجاز القرآن ، أبو عبيدة ، تحقيق محمد فؤاد سزكين ، 1 / 18 .
(20) تلخيص البيان في مجازات القرآن ، الشريف الرضي ، تحقيق محمد عبد الغني حسن ، ص 5 ـ 6 .



(63)
النحو ، وإن كنا لا نوافق على ما استدل له به من قول عمر بن الخطاب : « تعلموا العربية ، فإنها تشبب العقل » (21) ، لما تقدم من القطع بتأخر نشوء علم النحو عن عصر عمر .
وأقدم ما عثرت عليه من النصوص التي يمكن الاستدلال بها على المطلوب :
أولا : ما روي « عن عمرو بن دينار » ت 125 ه‍ « قال : اجتمعت أنا والزهري » ت 124 ه‍ « ونصر بن عاصم . فتكلم نصر ، فقال الزهري : إنه ليفلق بالعربية تفليقا » (22) . ومعلوم أن نصر بن عاصم من أوائل المهتمين بالدراسات النحوية (23) .
وثانيا : ما رواه عاصم بن بهدلة القارئ (ت 128 ه‍) قال : (أول من وضع العربية أبو الأسود الديلي » (24) .
وأما كلمة (النحو) فإنها وردت في النصوص التي تتحدث عن بدايات هذا العلم ، لا بوصفها عنوانا اصطلاحيا ، بل مستعملة بمعناها اللغوي . ومن أمثلة هذه النصوص ما ذكره الزجاجي عن أبي الأسود (ت 69 ه‍) من أنه « وضع كتابا فيه جمل العربية ، ثم قال لهم : انحوا هذا النحو . أي : اقصدوه . والنحو : القصد » (25) . وما أورده ابن النديم من أن أبا الأسود قال بعد أن ذكر أن عليا عليه السلام ألقى إليه شيئا في أصول النحو : « واستأذنته في أن أصنع (نحو) ما صنع » (26) . فكلمة نحو مستعملة هنا بمعنى المثل .



(21) طبقات النحويين واللغويين ، الزبيدي ، ص 13 .
(22) أخبار النحويين البصريين ، السيرافي ، ص 21 .
(23) طبقات النحويين واللغويين ، الزبيدي ، ص 27 .
(24) أخبار النحويين البصريين ، السيرافي ، . ص 17 .
(25) الإيضاح في علل النحو ، الزجاجي ، تحقيق مازن المبارك ، ص 89 .
(26) الفهرست ، ابن النديم ، ص 59 ـ 60 .



(64)
وقال أبو النضر : « كان عبد الرحمن بن هرمز أول من وضع العربية ، وكان من أعلم الناس بالنحو وانساب قريش » (29) .
وقد شاع مصطلح (النحو) بعد ذلك تدريجا ، لكنه لم يقض على استعمال مصطلح (العربية) ، بل بقي هذا مستعملا مدة طويلة في تعبيرات العلماء والنحاة وفي عناوين كتبهم . ومن شواهد استعماله في تعبيراتهم :
1 ـ قول أبي عبيدة (ت 208 ه‍) : « أخذ أبو الأسود عن علي بن أبي



(27) طبقات الشعراء ، ابن سلام ، ص 7 .
(28) طبقات الشعراء ، ابن سلام ، ص 7 .
(29) طبقات النحويين واللغويين ، الزبيدي ، ص 26 .



(65)
طالب عليه السلام العربية » (30) .
2 ـ قول ابن سلام : « أول من أسس العربية . . . أبو الأسود الدؤلي » (31) .
3 ـ قول المبرد (ت 280 ه‍) : « أول من وضع العربية ونقط المصحف أبو الأسود الدؤلي » (32) .
وأما في مجال المصنفات النحوية ، فنجد الكتب التالية :
1 ـ الواضح في علم العربية ، للزبيدي (ت 379 ه‍) .
2 ـ اللمع في علم العربية ، لابن جني (ت 392 ه‍) .
3 ـ المفصل في علم العربية ، للزمخشري (ت 538 ه‍) .
4 ـ أسرار العربية ، لابن الأنباري (ت 577 ه‍) .
5 ـ الخلاصة الألفية في علم العربية ، لابن مالك (ت 672 ه‍) .
6 ـ اللمحة البدرية في علم العربية ، لأبي حيان (ت 745 ه‍) .
7 ـ الأزهرية في علم العربية ، لخالد الأزهري (ت 905 ه‍) .
ويتلخص من جميع ما تقدم :
أولا : من المتفق عليه وجود ثلاثة ألفاظ للتعبير عن هذا العلم اصطلاحا ، وهي : النحو ، والعربية ، والإعراب .
ثانيا : لا دليل على استعمال (اللحن) و (المجاز) للتعبير عن هذا العلم . وأما



(30) أخبار النحويين البصريين ، السيرافي ص 15 ، 17 ، 20 ، 22 ، 24 ، 25 .
(31) طبقات الشعراء ، ابن سلام ، ص 5 .
(32) طبقات النحويين واللغويين ، الزبيدي ، ص 21 .



(66)
استعمال (الكلام) فإنه موضع خلاف وتردد .
ثالثا : لا شك في تأخر استعمال لفظ (الإعراب) عن كل من (النحو) و (العربية) ، وإنما الكلام في تحديد المتقدم من هذين الأخيرين .
وقد ذهب بعض الباحثين إلى تقدم اصطلاح (العربية) (33) ، إلا أنه يصعب القطع بذلك ، لأن أقدم من نقل عنه استعمال مصطلح (العربية) هو الزهري (ت 124 ه‍) وعاصم القارئ (ت 128 ه‍) ، وهما معاصران لابن أبي إسحاق الحضرمي (ت 127 ه‍) وأبي النضر (ت 129 ه‍) اللذين قدمنا من النصوص ما يدل على استعمالهما مصطلح (النحو) ، فإن لم يكن اقتران كلمة (نحو) بمعناها اللغوي ببدايات هذا العلم مرجحا للقول بتقدم مصطلح (النحو) ، فلا أقل من التوقف ، وعدم ترجيح طرف على آخر .
بقيت الإشارة إلى أننا قدمنا نصين يدلان على استعمال عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي لمصطلح (النحو) ، إلا أن الدكتور الدجني أورد النص الأول منهما فقط وشكك في صحته مرجحا عدم استعمال الحضرمي لكلمة (النحو) اصطلاحا بدليلين ، أولهما : انفراد ابن سلام بتلك الرواية .
والثاني : عدم العثور على ما يدل على استعمال عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء لمصطلح النحو . مع أنهما كانا من تلاميذ الحضرمي . ثم قال : « وأما الرواية التي يمكن الاطمئنان إليها في هذا الشأن فهي الرواية التي ذكرها السيرافي إذ قال : قال محمد بن سلام : سمعت رجلا يسأل يونس عن ابن أبي إسحاق وعلمه . قال : هو والنحو سواء . أي : هو الغاية » (34) .



(33) المفصل في تاريخ النحو العربي ، محمد خير الحلواني ، ص 12 . أبو الأسود الدؤلي ، الدجني ، ص 13 ـ 14 . مصطلح النحو ، القوزي ، ص 8 .
(34) أبو الأسود الدؤلي ونشأة النحو العربي ، الدجني ، ص 2 2 ـ 23 .



(67)
ويلاحظ على كلامه :
أولا : أن الرواية التي اطمأن بها إنما تثبت مضمونها فحسب ، ولا تنفي صحة الرواية التي أوردناها ، إذ لا محذور في كونهما معا صحيحتين .
ثانيا : أن هذه الرواية قد تفرد بها ابن سلام أيضا ، وأوردها في كتابه قبل الرواية المردودة مباشرة (35) ، وقد نقلها السيرافي عنه ، فلماذا حصل الاطمئنان بإحداهما دون الأخرى ؟ ! ثالثا : أن عدم العثور على ما يدل على استعمال تلميذي الحضرمي لمصطلح النحو لا يدل على عدم استعمالهما إياه واقعا ؟ فإن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، خاصة مع ملاحظة أن مؤلفاتهما لم تصل إلينا (36) .



(35) طبقات الشعراء ، ابن سلام ، ص 6 ـ 7 .
(36) المفصل في تاريخ النحو العربي ، الحلواني ، ص 14 .



(68)
الفقرة الثالثة : مصطلح (النحو) مضمونا .
لعل أقدم محاولة لتعريف هذا العلم ما ذكره ابن السراج (ت 316 ه‍) إذ قال : « النحو إنما أريد أن ينحو المتكلم إذا استعمله كلام العرب ، وهو علم استخرجه المتقدمون من استقراء كلام العرب » (37) .
وليس هذا في الواقع تحديدا لحقيقة النحو ، بقدر ما هو تعريف بمصادره ، وبيان للهدف من تدوينه ودراسته .
يلي ذلك قول ابن جني (ت 392 ه‍) : النحو « هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكسير والإضافة والتركيب والنسب وغر ذلك » (38) .
ويلاحظ عليه : أن النحو بوصفه علما ليس هو انتحاء سمت كلام العرب ، بل انتحاء سمت كلامهم هو الغاية المتوخاة من تدوين هذا العلم ودراسته .
وواضح من هذا التعريف أنه يميز بين نوعين من التناول في دراسة الكلمة ضمن هذا العلم ، أولهما (الإعراب) الذي يعني تغير آخر الكملة بسبب انضمامها إلى غيرها في تركيب معين ، وهو داخل في ما اختص بعد ذلك باسم (النحو) ، والثاني هوما يعنى بدراسة بنية الكلمة مفردة ، وهو الذي اختص باسم الصرف .
وعرفه ابن عصفور (ت 669 ه‍) بأنه « علم مستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي يأتلف منها » (39) .
وهذا التعريف يمتاز على ما سبقه في أخذه (العلم) جنسا في حد النحو .



(37) الأصول في النحو ، ابن السراج ، 1 / 37 .
(38) الخصائص ، ابن جني ، 1 / 34 .
(39) المقرب ، ابن عصفور ، 1 / 45 .



(69)
وقد قيل في شرحه : إنه قيد هذا العلم بكونه (مستخرجا) لكي يخرج العلم المنصوص في الكتاب والسنة ، وأن المراد بالمقاييس الواردة فيه : القواعد الكلية (40) .
وقد أخذ الأشموني بهذا التعريف ، وعقب عليه بقوله : « فعلم أن المراد هنا بالنحو ما يرادف قولنا : علم العربية ، لا قسيم الصرف » (41) .
ومرد ذلك إلى أن التعريف أطلق (الأجزاء) التي يتألف منها الكلام ، ولم يقيدها بكونها مفردة أو مركبة .
ولابن الناظم (ت 686 ه‍) تعريف مشابه مضونا للتعريف السابق ، قال : النحو هو « العلم بأحكام مستنبطة من استقراء كلام العرب ، أعني : أحكام الكلم في ذواتها ، أو ما يعرض لها بالتركيب لتأدية أصل المعاني من الكيفية والتقديم والتأخير » (42) .
وعرفه ابن حيان (ت 745 ه‍) بحد مشابه لما تقدم ، لكنه يمتاز عنه بصياغة لفظية مختصرة ، قال : « النحو علم بأحكام الكلمة إفرادا وتركيبا » (43) .
وإلى هنا نجد أن مصطلح النحو ما يزال يطلق على كل من علمي الصرف والنحو بمعناه الخاص .
وأول من عرف النحو بحد يجعله مستقلا عن الصرف ـ في حدود تتبعي ـ هو الشيخ خالد الأزهري (ت 905 ه‍) ، قال : النحو « علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم إعرابا وبناء » (44) .



(40) حاشية الصبان على شرح الأشموني ، 1 / 15 .
(41) حاشية الصبان على شرح الأشموني ، 1 / 16 .
(42) شرح الألفية ، ابن الناظم ، ص 302 .
(43) غاية الإحسان في علم اللسان ، مخطوط ، 1 / ب .
(44) شرح التصريح على التوضيح ، خالد الأزهري ، 1 / 14 .



(70)
وقد أعطاه الفاكهي (ت 971 ه‍) صورته النهائية بقوله : النحو « علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء » (45) .
وكأن الفاكهي لاحظ أن (أبنية الكلم) شاملة لما قبل الآخر ، فأبدلها بقوله (أواخر الكلم) الذي هو أوضح في الدلالة على المراد .
والواقع أن تميز الدراسة الصرفية عن النحوية كان واضحا في أذهان الدارسين في مرحلة مبكرة ؟ فقد أفردها أبو عثمان المازني (ت 249 ه‍) بكتاب مستقل بعنوان (التصريف) ، ثم تتابعت التصانيف من بعده من قبل : المبرد (ت 285 ه‍) ، وابن كيسان (ت 299 ه‍) ، وأبي زيد البلخي (ت 322 ه‍) ، وأبي علي الفارسي (ت 377 ه‍) ، والرماني (ت 384 ه‍) ، وابن جني (ت 392 ه‍) ، حتى استقر الصرف على أصوله وقواعده في القرنين السابع والثامن على أيدي ابن الحاجب وابن مالك وابن هشام (46) .
ومع هذا كله فإن كتب النحو لم تتمحض لمادة النحو فقط ، بل ظلت تحتوي مزيجا من النحو والصرف ، ولأجل ذلك حرص النحاة على إعطاء حد للنحو يجعله شاملا للصرف ، ليكون منطبقا على محتوى المصنفات النحوية .
وهناك ملاحظة مهمة على الصياغة الأخيرة لتعريف النحو التي طرحت من قبل الأزهري ومن بعده الفاكهي ، فإنها وإن كانت مانعة من دخول مباحث الصرف ، إلا أنها ليست جامعة لمادة النحو بالمعنى المقابل للصرف ، ذلك لأن المدون فعلا من هذه المادة لا يقتصر على بحث أحكام أواخر الكلم إعرابا وبناء ، بل إنه يشتمل إضافة إلى ذلك على مباحث أخرى في غاية الأهمية ، كالهيئة التركيبية للجملة من التقديم والتأخير ، والحذف والإضمار ، وكسر همزة إن أو



(45) الحدود النحوية ، الفاكهي ، نقلا عن حاشية الإيضاح في علل النحو ، ص 89 .
(46) أبو عثمان المازني ومذاهبه في الصرف والنحو ، رشيد العبيدي ، ص 106 .



(71)
فتحها ، وغير ذلك . فهذه الموضوعات إما أن تكون من النحو ، فيقصر التعريف بشكله الأخير عن شمولها ، وإما أن لا تكون منه فما وجه دخولها فيه (47) ؟
ويبدو أن أفضل صيغة يمكن طرحها لتعريف النحو (بمعناه الخاص) بشكل ينطبق على جميع مسائله أن نقول : النحو هو العلم الباحث عن أحكام الكلمة المركبة .
فإن هذا الحد مانع من دخول مسائل الصرف ؟ لأن موضوعها هو الكلمة المفردة . وهو شامل لجميع ما يعرض للكلمة نتيجة لدخولها في التركيب ، سواء أكان التغير العارض عليها متعلقا بحركات آخرها ، أم حاصلا في حروفها ، حذفا كما في جزم المضارع المعتل الآخر ، أو تغييرا كما في المثنى وجمع المذكر السالم . ويشمل أيضا وجوب تقديم الكلمة أو تأخيرها أو جواز الأمرين ، ووجوب فتح همزة إن في مورد وكسرها في غيره ، أو وجوب الحذف والإظهار ، إلى غير ذلك من الأحكام التي تطرأ على الكلمة نتيجة لتأليفها مع غيرها تركيبا معينا .
وأما بعض المباحث من قبيل تقسيم الكلمة إلى أنواعها الثلاثة ، وتقسيم الاسم إلى نكرة ومعرفة ، والفعل إلى أنواعه ، فإنها وإن لم تدخل مباشرة في دائرة ما يعرض على الكلمة المركبة ، لكنها من المبادئ الضرورية التي لا بد من دراستها ومعرفتها لترتيب الأحكام المختلفة التي تطرأ على الكلمة بعد التركيب .
ولعلنا نتلمس هذه الصياغة الجديدة لتعريف النحو في كلمات المتقدمين ، كابن الناظم الذي فسر تعريفه لعلم النحو بقوله : (أعني أحكام الكلم في ذواتها ، أو ما يعرض لها بالتركيب لتأدية أصل المعاني من الكيفية والتقديم والتأخير) ، إذ لا كانت المصنفات النحوية مزيجا من النحو والصرف ، فقد أشار



(47) البحث النحوي عند الأصوليين ، السيد مصطفى جمال الدين ، ص 26 .


(72)
إلى الصرف بقوله : (أحكام الكلم في ذواتها) ، وإلى النحو بقوله : (أو ما يعرض لها بالتركيب) .
ومما يلفت النظر في كلامه أنه لم يمثل لهذا العارض بسبب التركيب بما يطرأ على أواخر الكلم إعرابا وبناء ، بل مثل له بالكيفية من التقديم والتأخير ، فهو يرى أن أمثال هذه العوارض دخيلة في موضوع النحو كدخالة حركات الإعراب . إلا أن الأزهري ومن تبعه من المتأخرين بنوا تعريفهم للنحو على أساس أن البحث في (الكلمة المركبة) يعني معرفة ما يطرأ على آخرها من الإعراب والبناء فقط ، الأمر الذي أدى إلى عدم جامعية التعريف .


شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007