الجواب من الشيخ محمد كنعان: بعدما مرّ المسلمون في ظروف صعبة وحرجة جدّاً في واقعة الجمل ، لأنّها كانت فتنة عصيبة ، ولا ينجوا منها إلّا اللبيب الفطن ، لأن ليس من السهل ان يقاتل الإمام علي عليه السلام وهو الولي المفترض الطاعة ، إثنين من المهاجرين من أهل السبق كما هو المفترض وإحدى زوجات النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله ، فكانت هناك تلابسات وفتنة ، وإلى هذا اليوم هناك إشكالات وتساؤلات عن هذا الحدث ، فما بالك بتلك المحنة التي ابتلي بها أمير المؤمنين عليه السلام. فكان حول أمير المؤمنين مجموعة من كبار صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله من المهاجرين والأنصار ، وهذا ليس بمعنى أنّهم يعطون مشروعيّة للإمام عليه السلام ، بل هم يحصلون على المشروعيّة بكونهم يقفون بجانبه ، ولكن بالنسبة لبعض السُذج لو لم يكن حول أمير المؤمنين عليه السلام حصون من المهاجرين والأنصار لم يتقبلوا الأمر. فكان معه عمّار بن ياسر ، ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وزعماء الأوس والخزرج كانوا كلّهم مع أمير المؤمنين عليه السلام (1) ؛ لذلك استطاع المواطن البسيط الذي كان بعيداً عن المدينة ومكّة ، بحيث كان جالساً في الكوفة والبصرة وغيرهما وكان بعيداً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وتقادم العهد عليه ، فكانت الفتنة صعبة جدّاً فتعرّض الجسم الإسلامي لابتلاء قوي ومباشر بعد حرب الجمل ومن ثمّ جاء حرب صفين. فحرب صفين صحيح كان على مستوى أهل النخبة أهون على أمير المؤمنين عليه السلام من حرب الجمل ؛ لأنّ الباطل فيه صرحٌ بيّن لأنّه طليق ولا من المهاجرين ، فمعاوية بن أبي سفيان رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن (2). وقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه (3). لكن ماذا حصل بحيث استمرّت المعركة أربع أو خمسة أشهر ، فكان فيها ليلة هرير وقعت على روؤس العرب ، فلم يكن سهلاً أن يسقط رجل كبير كهاشم المرقال شهيداً ، ليس سهلاً أن يستشهد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ليس سهلاً أن يسقط رجل كبير وقد نزل فيه القرآن وعمره أكثر من تسعين سنة وهو عمّار بن ياسر ، فالحرب أكلت النخبة (4) ، فمن بقي في معسكر أمير المؤمنين عليه السلام ، فرفع اسم مالك الأشتر وجارية بن قدامة وثلّة من أصحابة الأوفياء الذين جزاءهم الله عنّا وعن جميع المسلمين خيراً. فمن بقي في معسكره : الأشعث بن قيس الكندي ، وشبث بن ربعي وهؤلاء المتردية والنطيحة وما أكل السبع. فمشكلة صفين هي أنّها استهلكت النخبة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، ودائماً عندما يخوض المؤمنون حرباً ولو كانت دفاعية أخشى ما أخشاه على المجتمع أن تؤدّي الحرب بالنخبة برهبان الليل ، وأسود النهار ، ويبقى في المدن المتردية والنطيحة والانتهازيّون والوصوليّون والذين يركبون على دماء الشهداء للوصول. ما رأيكم بجيشٍ ينخدع برفع المصاحف على روؤس الرماح ويضعون السيف على علي عليه السلام مهدّدين إيّاه بالقتل ان لم يرجع مالك الأشتر ، فأين وصل بهم الخذلان لم يبقى إلّا خطوات حتّى يُكتف أمير المؤمنين عليه السلام ويسلّموه إلى معاوية. وهو كان يعلن عن امتعاضه لهذا الزمن فكان يقول : أَيْنَ عَمَّارٌ ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ ؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ ... (5). هؤلاء إخوان صدق كان يتأسّف عليهم ويقول : الدهر انزلني ثم انزلني ثم انزلني حتی قيل معاوية وعلي (6). ماذا حدث للأمّة حتّى قارنت هذه المقارنة مع الفارق العظيم بين الشخصيّتين من كلّ الجهات ، فلو تفكّر المرء بجدّ لهذا الأمر كيف حصل ، وإلى وقتنا هذا يقال علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه ، فبأيّ ميزان يضعونهما ؟ فواحد منهم إمام مفترض الطاعة والآخر باغي ، ومع هذا تترضّى عليه ولكونه كان : يَحذو حَذوَ الرَسولِ صَلّى اللهُ عَلَيهِما وَآلِهما ، وَيُقاتِلُ على التَأويلِ ، وَلا تَأخُذُهُ في اللهِ لَومَةُ لائِمٍ ، قَدْ وَتَرَ فيهِ صَناديدَ العَربِ ، وَقَتلَ أبطالَهُم ، وَناهَشَ ذُؤبانَهُم ، وَأودَعَ قُلوبَهُم أحقاداً بَدريَّةً ، وَخَيبَريَّةً. وَحُنَينيَّةً ، وَغَيرَهُنَّ ، فَأَضَبَّتْ على عَداوَتِهِ ، وَأكَبَّتْ على مُنابَذَتِهِ ، حتى قَتَلَ الناكِثينَ ، وَالقاسِطينَ ، وَالمارِقينَ (7). فلذلك تاهت الأمة. قضيّة التحكيم إنّ قضيّة التحكيم في معركة صفّين تُعدّ واحدة من أكثر الوقائع الباعثة على الأسف والأسى في عهد حكومة الإمام عليّ عليه السلام ؛ حيث جاءت هذه الحادثة المريرة في وقت شارَفَ فيه جيش الإمام علي عليه السلام إحراز النصر النهائي ، فحالَ قبول التحكيم دون تحقيق ذلك الانتصار الساحق ، وليس هذا فحسب بل إنّه أفضى أيضاً إلى وقوع خلافات في جيشه عليه السلام ، وانهماكه في صراعات مع كوكبة واسعة من خيرة مقاتليه. أنّ معاوية لما رأى آثار الظفر والنصرة قد لاحت وظهرت على أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين نصب المصاحف على الرماح ، وطلب من أصحاب الإمام التحاكم إلى القرآن بزعمه حفظاً لدماء العرب ، فهجم أصحاب الإمام على خيمته عليه السلام والجأوه إلى قبول المحاكمة ، فأبى عليهم ، ولكنّه اضطرّ إلى ذلك ، لأنّهم هدّدوه بالقتل (8). وهؤلاء الذين أكرهوا الإمام على التحكيم هم خرجوا عليه وحاربوه لقبوله التحكيم في النهروان ، وهم الخوارج. وهذه صورة إجماليّة مختصرة ملخصة من قضيّة التحكيم. فالكلام هو عليه السلام يعرف كلّ ما يحصل ، ويعرف مكر ابن النابغة ولكن انخدع الجيش وعند ذلك نزل عند رغبتهم ، ولقد تمّ الحجّة عليهم وقال : أن أوكل عبد الله بن عبّاس فليتقدّم للتحكيم ، فقالوا : لا والله لا يحكم فينا مضريان أبداً حتّى تقوم الساعة ! (9) ـ يعني عرب الشمال ـ ، عمر بن العاص وعبد الله بن عبّاس كليهما من قريش ونحن عرب الجنوب وعرب اليمن والقحطانيين أين دورهم ، فكانت فتنة كبيرة وخطيرة جدّاً ، ولا أحد كان يلتفت لهذا الحديث : « والله لا يحكم فينا مضريان » ، والإمام قد فهّم أبو موسى الأشعري على حدود التحكيم ، ولكن هو لم يفهمها ولم يطبّقها. ففي الرواية كان هو من أصحاب العقبة (10) ، فتاريخه عندنا ولا يشهد له بخير. عندما يدور الأمر بين فتنة طبقيّة كانوا يريدون إحياءها ، أيّ حرب عرب الشمال وعرب الجنوب ، وهذه اللعبة التي لعبها معاوية وبنو أميّة ، ولكن المعصومين عليهم السلام قد أفشلوا محاولات بني أميّة كما أخنق هذه الفتنة في النطفة الإمام الحسين عليه السلام عندما جعل في جيشه خليط من عرب الشمال وعرب الجنوب حتّى لا تكرّس هذه الطبقيّة. وهذا الأمر أوّل ما بدأ به حيث فضّل بعض الطبقات على غيرها في العطاء هو عمر بن الخطّاب عندما فضّل الشمال على الجنوب ، يعني مُضر على غيرها ، وقريش على غيرها ، والعرب على الموالي المهاجرين على الأنصار ، وفضّل الأوس على الخزرج وهكذا. الهوامش 1. راجع : الجمل « للشيخ المفيد » / الصفحة : 50 ـ 51 / الناشر : مكتبة الداوري. 2. نهج البلاغة « للسيد الرضي » / الصفحة : 92 / الناشر : دار الكتب اللبناني / الطبعة : 1 : ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام لأصحابه : أَمَّا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ ، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ ، وَيَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ ، فَاقْتُلُوهُ ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ ! أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي ؛ فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي ، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ ، وَلَكُمْ نَجَاةٌ ؛ وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّأُوا مِنِّي ؛ فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ. 3. أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 5 / الصفحة : 128 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / الطبعة : 1. راجع : تفسير القرآن « للصنعاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 24 / الناشر : مكتبة الرشد للنشر والتوزيع ـ الرياض / الطبعة : 1. الأنساب « للسمعاني » / المجلّد : 6 / الصفحة : 176 / الناشر : دائرة المعارف العثمانيّة ـ حيدرآباد / الطبعة : 1. تاريخ مدنية دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 9 / الصفحة : 24 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 4. راجع : الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 3 / الصفحة : 259 / الناشر : دار الصادر. الأخبار الطوال « لابن قتيبة الدينوري » / الصفحة : 183 / الناشر : دار إحياء الكتب العربي / الطبعة : 1. الاستيعاب « لابن عبد البرّ » / المجلّد : 3 / الصفحة : 1139 ـ 1140 / الناشر : دار الجيل / الطبعة : 1. 5. نهج البلاغة « للسيّد الرضي » / الصفحة : 264 / الناشر : دار الكتب اللبناني / الطبعة : 1 : أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ ؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ ! قال : ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة ، فأطال البكاء ، ثم قال عليه السلام : أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا ، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ 6. حديقة الشيعة « للمحقّق الأردبيلي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 208 / الناشر : أنصاريان. راجع : شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 20 / الصفحة : 326 / الناشر : مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع. 7. مصباح الزائر « للسيّد بن طاووس » / الصفحة : 449 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم / الطبعة : 1. جاء في هذا المضمون في كتاب عيون أخبار الرضا / المجلّد : 2 / الصفحة : 81 : عن الحسن بن عليّ بن فضّال عن الإمام الرضا عليه السلام ، قالَ : سَأَلتُهُ عَن أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام كَيفَ مالَ النّاسُ عَنهُ إلى غَيرِهِ وقَد عَرَفوا فَضلَهُ وسابِقَتَهُ ومَكانَهُ مِن رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله ؟ فَقالَ : « إنَّما مالوا عَنهُ إلى غَيرِهِ وقَد عَرَفوا فَضلَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَد كانَ قَتَلَ مِن آبائِهِم وأجدادِهِم وإخوانِهِم وأعمامِهِم وأخوالِهِم وأقرِبائِهِمُ المُحادّينَ للهِ ولِرَسولِهِ عَدَدا كَثيرا، فَكانَ حِقدُهُم عَلَيهِ لِذلِكَ في قُلوبِهِم ؛ فَلَم يُحِبّوا أن يَتَولّى عَلَيهِم ، ولَم يَكُن في قُلوبِهِم عَلَى غَيرِهِ مِثلُ ذلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَم يَكُن لَهُ فِي الجِهادِ بَينَ يَدَي رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله مِثلُ ما كانَ لَهُ ، فَلِذلِكَ عَدَلوا عَنهُ ومالوا إلى سِواهُ. 8. راجع : وقعة صفين « لابن مزاحم المنقري » / الصفحة : 478 ـ 496 / الناشر : مؤسسة العربية الحديثة للطبعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة / الطبعة : 2. 9. الفتوح « لأحمد بن أعثم الكوفي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 198 / الناشر : دار الأضواء / الطبعة : 1. راجع : شرح نهج البلاغة « لابن ميثم البحراني » / المجلّد : 4 / الصفحة : 331 / الناشر : مركز النشر مكتب الاعلام الإسلامي ـ قم / الطبعة : 1. 10. بحار الأنوار « للعلّامة المجلسي » / المجلّد : 28 / الصفحة : 100 ـ 101 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 : حادثة العقبة كانت عبارة عن مؤامرة تمّ فيها تدبير قتل الرسول صلّى الله عليه وآله في مسير رجوعه من واقعة الغدير ، وكان المخطّط بأن تقوم الجماعة المتآمرة بدحرجة الحجارة ليلاً تحت ناقة النبي صلّى الله عليه وآله ، كي تنفر وتسقط النبي في أسفل الوادي عند مرورها على عقبة صعبة في الطريق الجبلي ، فعلم النبي صلّى الله عليه وآله بالمؤامرة ، وأمر حذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر بالتزام ناقته ومراقبة الوضع ؛ لأنّه تعالى سوف يكشف بالنور في الفضاء عن تلك الجماعة المتلثمة ، وهكذا خابت المؤامرة. ويشير إلى الواقعة قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [ التوبة : ۷٤ ]. فإذا هم كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وعدد القوم أربعة عشر رجلاً ، تسعة من قريش وخمسة من سائر الناس ، فقال له الفتى : سمّهم لنا يرحمك الله تعالى ! قال حذيفة : هم والله أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص وأبو عبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ، هؤلاء من قريش ، وأمّا الخمسة الآخر ، فأبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة الثقفي وأوس بن الحدثان البصري وأبو هريرة وأبو طلحة الأنصاري.
الجواب من الشيخ محمد كنعان: لو لم يكن من تأثير لأسماء المواليد على حياتهم ، لماذا حسَّن وحثّ رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمّتنا عليهم السلام على تحسين أسماء أبنائنا ، وقالوا خير الأسماء ما حمّد وعُبّد (1). لماذا حثّونا على تحسين اختيار الأسماء لأولادنا ؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام : وَحَقُّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ اسْمَهُ (2). لو لم يكن لهذا علاقة لم يذكروا هذه الأمور ؛ فإذن هناك علاقة بين اسم المولود وصاحبه. الآن بعض الأهل يغيّرون الأسماء ، أنا في الحقيقة لا أحبّ أن أدخل في هذه التفاصيل ؛ لأنّ عندنا في بعض القرى يغيّرون ويضعون أسماء الحيوانات على المولود. كان عندنا مقولة شعبيّة بأن يولد ذكور فيموتون ، فهذا الأمر كان طبيعيّاً ؛ لأن لم تكن هناك لقاحات وحاضنات في المستشفيات ، وما كان يعيش إلّا قوي الجينات ، وهذا الأمر طبيعي. ولذا مثلاً كم كان نسبة أمراض السرطانيّة ـ والعياذ بالله وأجارنا وإيّاكم ـ ؟ فقبل مائتي عام كان نسبة 1% فرضاً ، الآن النسبة تصل إلى 15% ، فلهذا. 1. ما كان يعيش إلّا قوي الجينة ، وبالتالي كان جهازه المناعي أقوى. 2. ما كانت توجد هذه المصانع والتلوّثات المُسرطنة التي نعيش فيها. فكان هناك أفكار شعبيّة تقول نسمّيهم بأسامي الحيوانات مثل : زيد ، فهد ونمر ، وهذه ظاهرة كثيرة وموجودة إلى الآن ، ولا يكون لها أساس شرعي في فقه الشيعي. نعم ، الموجود في الفقه الشيعي أن نحسّن اسمه ، أيّ أسماء أبنائنا ، وخير الأسماء ما حمّد وعبّد. فأيّ شيء تريد تسمّي مولودك ؟ نجيب أو محمد نجيب ، علي أو محمد علي ، جعفر أو محمد جعفر ، أو عبد الله و ... ، إلى آخره. نعم البعض ذهب شططاً ، عندما نشاهد قوانين بعض الدول أصدرت لائحة بالأسماء الممنوعة ، أشهد الله إن صحّ وهي موجودة ، مثل أيمان ممنوع أن نسمّي أحد به ، لماذا ممنوع أن نسمّي أحد أمير حتّى لا يشارك سلطة حاكمة في لقب ممنوع على نحو التحريم ؟ فضلاً على أن نسمّي نحن مثل عبد الحسين ، أو عبد الزهراء ؛ فهل هناك عاقل يتصوّر بأن نحن نعبد الزهراء صلوات الله عليها ؟ هل يوجد شخص منّا يقول نحن نعبد الزهراء أو نعبد الحسين عليه السلام ؟ نحن نحبّ الحسين ، نعشق الحسين ، ولهانين في عشق الحسين ، لكنّه عبدٌ لله مميّز ، عبد على نحو انّي موالي لكم ، يعني هي أمّ أيمن (3) مولاة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، إسمها مولاة رسول الله ، كانت تفتخر بأنّها مولاة لرسول الله أم لا ؟ زيد بن حارثة (4) مولى رسول الله ، وكان يفتخر بذلك. وأنا مولاكم عبدكم الآن إذا اشتراني محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله من أسواق مكّة ، ماذا يقال ؟ يقولون محمّد كنعان عبدٌ لمحمّد بن عبد الله. هل يصير أنا أعبده من دون الله ؟ قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ، والمخالفين لا يقرؤون القرآن : ( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (5). على هذا النحو من التحقيق ، فالتسميات ما لها علاقة. الهوامش 1. الخصال « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 250 ـ 251 / الناشر : مؤسّسة النشر الإسلاميّة التابعة لجماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة : عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله على منبره : ألا إنَّ خير الأسماء عبدالله ، وعبدالرَّحمن ... 2. نهج البلاغة « لسيّد الرضي » / الصفحة : 546 / الناشر : مركز البحوث الإسلاميّة / الطبعة : 1. راجع : شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 19 / الصفحة : 365 / الناشر : منشورات آية الله المرعشي النجفي / الطبعة : 2. من لا يحضره الفقيه « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 4 / الصفحة : 372 / الناشر : منشورات جامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة ـ قم. 3. أعلام النساء المؤمنات « لشيخ محمّد حسون » / الصفحة : 277 ـ 278 / الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر / الطبعة : 2 : بركة بنت ثعلبة تكنّى باُم أيمن ، مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحاضنتهُ ، أسلمت قديماً أوّل الإسلام. قيل : كانت لاُخت خدية ، فوهبتها لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وقيل : كانت لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وقيل : كانت لعبدالله بن عبدالمطلب ، فلمّا ولدت آمنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعدما توفي أبوه حضنته حتى كبر. أعتقها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حين تزوّج باُمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد ، وزوّجها عبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج بمكة فولدت له أيمن ، ولما قُتل زوجها يوم حُنين شهيداً زوّجها النبيّ صلّى الله عليه وآله زيد بن حارثة ، فولدت له اُسامة أسوداً يشبهها ، فاُسامة وأيمن أخوان لاُم. وهي مهاجرة جليلة من المهاجرات الاُول ، هاجرت الهجرتين إلى أرض الحبشة وإلى المدينة. روت عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وروى عنها عدّة من الصحابة منهم : أنس بن مالك ، وجيش ابن عبدالله الضعاني ، وأبو زيد المدني. وقد شهدت اُم أيمن اُحداً وحنيناً وخيبراً ، وكانت في اُحد تسقي الماء وتداوي الجرحى ، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يزورها ويقول لها : يا اُمّه ، وكان إذا نظر اليها قال : « هذه بقيّة أهل بيتي » . راجع : الرجال « للبرقي » / الصفحة : 61 / الناشر : انتشارات دانشگاه تهران / الطبعة : 2. معجم رجال الحديث « للسيد الخوئي » / المجلّد : 24 / الصفحة : 199 / الناشر : مؤسّسة الخوئي الإسلاميّة / الطبعة : 5. الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 8 / الصفحة : 223 / الناشر : دار الصادر. 4. خاتمة المستدرك الوسائل « لميرزا النوري » / المجلّد : 7 / الصفحة : 403 ـ 404 / الناشر : مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1 : زَيْدُ بن حَارِثَة : ابن شَرَاحِيل الكَلْبِي الذي تبنّاه رسول الله صلّى الله عليه وآله وكانوا يقولون له : زيد بن محمّد صلّى الله عليه وآله حتى نزلت : ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ﴾ وهو المذكور في القرآن في قوله تعالى : ﴿ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ ... الآية ) ، ولم يُسَمَّ في القرآن من الصَّحَابَةِ غَيْرُهُ ، استشهدَ يوم مُؤتة سنة ثمان ، وهو ابن خمس وخمسين ، شهد بدراً ، واُحداً ، والخَنْدَقَ ، والحُدَيْبِيَّةَ ، وخَيْبراً ، وخرج أميراً في سبع سرايا. راجع : الإصابة « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 497 / الناشر : دار الكتب اللبنانيّة / الطبعة : 1. معجم رجال الحديث « لسيّد الخوئي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 349 / الناشر : مؤسّسة الخوئي الإسلاميّة / الطبعة : 5. 5. النور : 32.
الجواب من الشيخ محمد كنعان: أحسنت هذه صفات معاوية أيعقل أن يبايعه الإمام الحسن عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام ، فلا يخطر على بالك أنّها بيعة إكراه ، أضف إلى ذلك ما الذي أخذه معاوية ؟ أنتم تتصوّرون ، وتعتقدون دائماً بأنّ الإمام الحسن عليه السلام أقرّ لمعاوية بالإمامة ؟! أبداً لم يكن ذلك ؛ لأن لم ينازع إمامٌ من أئمّتنا في إمامته على السلطة التشريعيّة حدّ أدنى ، لكن نوزع على السلطة التنفيذيّة ، عندما تكون حجيّة إمامته أوسع بكثير من السلطة التنفيذيّة تركها. إذن ، إذا تقرأ بدقّة بنود صلح الإمام الحسن عليه السلام (2) سوف تحصل على جواب سؤالك. من بنوده أن لا يقرّا له بإمرة المؤمنين ماذا تعني ؟ تعني بإنّه لا شرعيّة له ، وأن لا يتولّى له شيء ، واقرأ البنود الباقية حتّى تعرف أنّ الذي تخلّى عنه الإمام الحسن عليه السلام هي السلطة التنفيذيّة وليست الإمامة. الهوامش 1. البداية والنهاية « لابن كثير » / المجلّد : 9 / الصفحة : 86 ، الناشر : هجر : قد روَى البيهقيُّ ، عن الحاكِم ، عن عليِّ بن حَمْشاذَ ، عن هشامِ بنِ عليٍّ ، عن موسى بنِ إسماعيلَ ، حدَّثني أبو عَوانةَ ، عن أبي حَمْزةَ ، سمِعْتُ ابنَ عباس قال : كنتُ ألْعَبُ مع الغِلمانِ ، فإذا رسولُ اللهِ صّلى الله عليه وسلّم قد جاء ، فقلتُ : ما جاء إلا إليَّ. فذهبْتُ فاخْتَبأْتُ على بابٍ ، فجاء فحطَأني حَطْأةً وقال : « اذْهَبْ فادْعُ مُعاويةَ » . وكان يَكْتُبُ الوَحْيَ. قال : فذهَبْتُ فدعَوْتُه له ، فقيل : إنه يأكُلُ. فأتَيْتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فقلتُ : إنه يأكُلُ. فقال : « اذْهَبْ فاْدعُه لي ». فأتَيْتُه الثانيةَ ، فقيل : إنه يأكُلُ. فأتَيْتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فأخْبَرْتُه ، فقال في الثالثةِ : « لا أشْبَعَ اللهُ بطنَه » . قال : فما شبِع بعدَها. 2. وهي شروط كثيرة لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا إلّا عن بعض منها ، غير أنّه قد أشار التاريخ إلى كثرة هذه الشروط حين صرّح بأنّ معاوية قد أرسل إلى الإمام الحسن عليه السلام وثيقة ضمن له فيها شروطاً ، ولكن الإمام الحسن عليه السلام قد شرط عليه أضعاف ذلك. [ راجع : تاريخ الطبري « لمحمد بن جرير الطبري » / المجلّد : ٤ / الصفحة : ١٢٤ / الناشر : الأعلمي للمطبوعات ، راجع : جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السلام « لمحمد ابن احمد الدمشقي » / المجلّد : ٢ / الصفحة : ١٩٨ / الناشر : مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة / الطبعة : 1 ]. أن لا يسمّي الإمام الحسن عليه السلام معاوية أميرَ المؤمنين. [ راجع : علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 212 / الناشر : منشورات المكتبة الحيدريّة ] ولا يقيم عنده شهادة. [ راجع : علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : ١ / الصفحة : ٢١٢ / الناشر : منشورات المكتبة الحيدرية ] وأن يعمل معاوية بكتاب الله وسنّة رسوله. [ راجع : كشف الغمة « للاربلي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 570 / الناشر : بني هاشمي / الطبعة : 1 ، بحار الأنوار « للعلامة المجلسي » / المجلد : 44 / الصفحة : 65 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] وليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده. [ راجع : كشف الغمة في معرفة الأئمة « للأربلي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 570 / الناشر : بني هاشمي / الطبعة : 1 ، بحار الأنوار « للعلامة المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 65 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] أن يترك سبّ أمير المؤمنين وأن لا يذكر عليّ الا بخير. [ راجع : مقاتل الطالبيين « لأبي الفرج الاصفهاني » / الصفحة : 75 / الناشر : شريف الرضي ] ولكن معاوية لم يلتزم ببنود الصلح باعترافه. الإرشاد « للمفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 14 / الناشر : المؤتمر العالمي بمناسبة ذكرى ألفيّة الشيخ المفيد : فلمّا استتمّتِ الهُدنةُ على ذلكَ ، سارَ معاويةُ حتّى نزلَ بالنُّخَيْلةِ ، وكانَ ذلكَ يومَ جمعةٍ فصلّى بالنّاسِ ضحى النّهارِ ، فخطَبَهُم وقالَ في خطبتهِ : إِنِّي واللهِ ما قاتلتُكم لتُصلُّوا ولا لتصوموا ولا لتحجُّوا ولا لتزكُّوا ، إِنّكم لتفعلونَ ذلكَ ، ولكنِّي قاتلتُكم لأتأمّرَ عليكم ، وقد أعطاني اللهُ ذلكَ وأنتم له كارِهونَ. أَلا وإِنِّي كنتُ منَّيتُ الحسنَ وأعطيتُه أشياءَ ، وجَمِيعُها تحتَ قَدَمَيَّ لا أفي بشيءٍ منها له.