الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: يظهر من حكاية حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام في قضيّة ولادة الإمام المهدي عليه السلام ، انّ الإمام الحسن العسكري عليه السلام أمر السيّدة حكيمة بأن تحمل المهدي بعد ولادته وتأتي به إليه ، ثمّ أمرها بردّه إلى اُمّه. قالت : ... فلم انتبه إلّا بحسّ سيّدي المهدي وصيحة أبي محمّد عليه السلام يقول : يا عمّة هاتي ابني إليّ . فكشفت عن سيّدي عليه السلام ، فإذا أنا به ساجد يبلغ الأرض بمساجده ، وعلى ذراعه الأيمن مكتوب ( جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) ، فضممته إليّ ، فوجدته مفروغاً منه ، ولففته في ثوب وحملته إلى أبي محمّد عليه السلام ، فأخذه وأقعده على راحته اليسرى ، وجعل راحته اليمنى على ظهره ، ثمّ قال له : تكلّم يا بنيّ . فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله وأنّ عليّاً أمير المؤمنين ولي الله ، ثمّ لم يزل يعدّد السادة الأئمّة عليهم السلام إلى ان بلغ إلى نفسه ، ودعا لأوليائه بالفرج على يده ، ثمّ احجم. قال أبو محمّد عليه السلام : يا عمّة إذهبي به إلى اُمّه ليسلّم عليها وايتيني به ، فمضيت فسلّم عليها ورددته. ثمّ وقع بيني وبين أبي محمّد عليه السلام كالحجاب فلم أر سيّدي فقلت : يا سيّدي أين مولانا ؟ فقال : أخذه من هو أحقّ به منك . فإذا كان اليوم السابع فأتينا ، فلمّا كان في اليوم السابع جئت فسلّمت ثمّ جلست ، فقال عليه السلام : هلمّي ابني فجئت بسيّدي ... [ بحار الأنوار / المجلّد : 5 / الصفحة : 26 ]
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي : وأخبر جماعة عن أبي محمّد هارون ، عن محمّد بن همام ، عن عبدالله بن جعفر ، قال : حججنا في بعض السنين بعد مضي أبي محمّد عليه السلام ، فدخلت على أحمد بن اسحاق بمدينة السلام ، فرأيت أبا عمرو عنده ، فقلت : انّ هذا الشيخ ـ وأشرت إلى أحمد بن اسحاق وهو عندنا الثقة المرضي ـ حدّثنا فيك بكيت وكيت ، واقتصصت عليه ما نقدم ـ يعني ما ذكرناه عنه من فضل أبي عمرو ومحله ـ وقلت : أنت الآن من لا يشكّ في قوله وصدقه ، فاسألك بحقّ الله وبحقّ الإمامين اللذين وثّقاك ، هل رأيت ابن أبي محمّد الذي هو صاحب الزمان ؟ فبكى ثمّ قال : على ان لا تخبر بذلك أحداً وأنا حيّ ؟ قلت : نعم ، قد رأيته عليه السلام وعنقه هكذا ـ يريد انّها اغلظ الرقاب حسناً وتماماً ـ قلت : والاسم ، قال : قد نهيتم عن هذا. ورواه بسند آخر قال : أخبرني جماعة عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ، وأبي غالب الزراري ، وأبي محمّد التلعكبري ، كلّهم عن محمّد بن يعقوب الكليني ، عن محمّد بن عبدالله ومحمّد بن يحيى ، عن عبدالله بن جعفر الحميري ، قال : اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو عند أحمد بن اسحاق الأشعري القمي ، فغمزني أحمد بن اسحاق أن أسأله عن الخلف إلى أن قال : ... ، فقلت له : أنت رأيت الخلف من أبي محمد عليه السلام ؟ فقال : اي والله ورقبته مثل ذا وأومأ بيديه ... والسند صحيح. من هذا الحديث نطير ان أبا عمرو عثمان بن سعيد الذي هو أحد السفراء الأربعة قد رأى الحجّة عليه السلام. وروى الشيخ الطوسي في الغيبة رواية طويلة تدلّ على انّ جماعة من الشيعة ، منهم علي بن بلال وأحمد بن هلال ومحمّد بن معاوية بن حكيم والحسن بن أيّوب بن نوح ، قالوا جميعاً : اجتمعنا الى أبي محمّد الحسن بن علي عليه السلام نسأله عن الحجّة من بعده ، وفي مجلسه أربعون رجلاً ، فقام اليه عثمان بن سعيد ابن عمرو العمري فقال : يا ابن رسول الله أريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي. فقال له : اجلس يا عثمان ـ الى أن قال الإمام عليه السلام ـ جئتم تسألوني عن الحجّة من بعدي. قالوا : نعم. فإذا غلام كأنّه قطعة قمر أشبه الناس بأبي محمّد عليه السلام ، فقال : هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم فأطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم ... ، وقد كان عثمان بن سعيد الذي هو من السفراء في ذلك الجمع الذين رأوا الحجّة عليه السلام. وفي كتاب الغيبة ، قال ابن نوح : أخبرني أبو نصر هبة الله ابن بنت اُمّ كلثوم بنت أبي جعفر العمري ، قال : كان لأبي جعفر محمّد بن عثمان العمري كتب مصنّفة في الفقه ، ممّا سمعها من أبي محمّد الحسن ومن الصاحب عليه السلام ـ وفي قوله سمعها ـ دلالة على أنّه رأى صاحب الزمان وسمع منه. وفي كتاب الغيبة ، بسنده عن عبدالله بن جعفر الحميري ، انّه قال : سألت محمّد بن عثمان رضي الله عنه ، فقلت له : رأيت صاحب هذا الأمر ؟ قال : نعم ، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول اللهم أنجز لي ما وعدتني. قال محمّد بن عثمان رضي الله عنه : ورأيته صلوات الله عليه متعلّقاً بأستار الكعبة في المستجار ، وهو يقول : اللهم انتقم بي من أعدائك.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: سئلت امرأة عجوزة كانت مشغولة بالحياكة : هل للعالم خالق ؟ فرفعت يدها عن آلة الحياكة فتوقّف ، ثمّ قالت : هذه الآلة البسيطة لا تتحرّك إلّا إذا كان لها محرّك ولذلك توقّفت عن الحركة بمجرّد ان رفعت يدي عنها ؛ فكيف بهذا العالم المليء من الحكم والأسرار والنظام يتحرّك من دون محرّك ولمجرّد الصدفة ؟! وقع جدال بين عالم ربّاني وبين زنديق ـ أيّ منكر لوجود الله ـ فوعده العالم أن يأتي إليه غداً ، وكانت دار المنكر في الصفة الأخرى من النهر العريض ، وحينما صار الغد تأخّر العالم مدّة طويلة وبقي الزنديق ينتظره إلى أن جاءه ، فاعترض عليه لماذا تأخّرت ؟ قال : لم تكن هناك سفينة أركبها لأعبر النهر ، ولذلك كنت متحيّراً ماذا أصنع ؟ وإذا بريح عاصفة أتت بشجرة كبيرة فتقطعت وصارت بصورة ألواح من الخشب ، ثمّ أتت الريح بمسامير وركبت بعضها على بعض ، فصارت سفينته صدفة فركبتها ، وأتيت إليك لنناقش معاً مسألة وجود الله تعالى ، ولأجل ذلك تأخّرت. فضحك الزنديق من كلامه وقال : كيف ان توجد سفينة من دون أناس يصنعونها ؟ فقال العالم : أنت تستبعد حدوث سفينة بدون صانع مدبّر ، فكيف يمكن وجود هذا الكون بلا صانع قادر حكيم عليم ؟ فبهت الذي كفر وأذعن بوجود الله تعالى.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: السبب هو إخفاء هجرة النبي صلّى الله عليه وآله عن المشركين ، لكي يتمكّن من الهجرة والوصول إلى مأمن بعيداً عن كيد المشركين ؛ فطلب النبي صلّى الله عليه وآله من الإمام علي عليه السلام ان ينام في فراشه حيث كانت داره تحت مراقبة المشركين الذين أرادوا قتله ، فكانوا ينظرون إلى فراشه لكي لا يفرّ منهم إلى أن ينام الناس وتهدأ العيون ، فيحملون عليه ويقتلونه ، وكانوا يرمون فراش النبي صلّى الله عليه وآله بالحجارة لكي يتأكّدوا من وجوده. وكان علي عليه السلام يئن ويتوجّع من ألم الحجارة ، فيتخيّلون ان النبي صلّى الله عليه وآله موجود في فراشه. ولمّا حان الموعد حملوا عليه ، ولكنّهم وجدوا عليّاً عليه السلام نائم مكان رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فتركوا قتله لسببين : الأوّل : انّهم كانوا يعلمون أنّ عليّاً بطل شجاع ولا يمكن القضاء عليه إلّا بعد مقتل جماعة منهم. والثاني : فوات غرضهم حيث أنّهم أرادوا قتل النبي صلّى الله عليه وآله والتخلّص من دعوته ، فماذا يفيدهم قتل علي عليه السلام غير إثارة غضب بني هاشم.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: جواب هذا السؤال واضح جدّاً ، وهو انّ الأئمّة عليهم السلام لم يتمكّنوا من ذلك ، فقد كانوا مضطهدين ومظلومين ومحبوسين ، أو على الأقلّ كانوا تحت الرقابة الشديدة من قبل الحكّام الظالمين. نعم ، سوف يأتي دور الأئمّة عليهم السلام في الانتقام من قتلة الحسين عليه السلام وسائر الأئمّة عليهم السلام بل الانتقام من جميع الظالمين ، وذلك بظهور المهدي من آل محمّد عليه السلام الذي نطقت الأحاديث المتواترة المرويّة من طرق الشيعة والسنّة جميعاً ، مضمونها : انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : لو لم يبق من الدنيا الّا يوم واحد لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. ثمّ انّ قولنا : « يا لثارات الحسين » له معنى أعظم وأرفع من طلب الانتقام للحسين عليه السلام وهو استمرار خطّ الحسين عليه السلام ومنهجه ومسيرته ونهضته ؛ فنحن الشيعة نعلن للعالم بهذه الجملة انّنا نسير على نهج الحسين عليه السلام في القيام بوجه الظالمين والكافرين ، ونجاهد في سبيل الله تعالى ، ونضحى بأنفسنا وأولادنا ، كما جاهد الحسين عليه السلام وضحّى بنفسه وأهل بيته عليهم السلام في سبيل الله ؛ فهذه الجملة في الحقيقة اعلان حرب ضدّ الطواغيت في جميع الاعصار والأزمنة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لو كان عمر قد شرب من ذلك اللبن لم يكن جاهلاً بالأحكام الالهيّة ، ولم يحتجّ الى علم أمير المؤمنين علي عليه السلام في مواطن كثيرة ، حتّى قال مراراً وكراراً : « لولا علي لهلك عمر » ، « لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن » ، ولم يقل : « كلّ الناس أفقه من عمر حتّى المخدّرات في الحجال » . راجع ـ ان كنت منصفاً ـ كتاب الغدير ، المجلّد : 6 ، الصفحة : 83 إلى 324. فقد أخرج من كتب علماء أهل السنّة ما يدلّ على مبلغ علم عمر ، وقد سمّى ذلك « نوادر الأثر في علم عمر ». أوّلا : هذه الأحاديث كلّها موضوعة ومكذوبة ، قد صرّح علماء أهل السنّة بضعف رواتها وكذبهم وعدم وثاقتهم. وبعض مضامينها مخالف للعقل والمنطق ، بل يكون مدحاً لعمر بن الخطاب ، وقدحاً لرسول الله صلّى الله عليه وآله واساءة الى مقامه العظيم. امّا ما ورد عن بلال بن رباح مرفوعاً ... عن رسول الله صلّى الله عليه وآله : « لو لم ابعث فيكم لبعث عمر ». فقد اخرجه ابن عدي بطريقين ، وقال : لا يصح زكريا « الوكار » كذاب يضع وابن واقد ـ عبدالله ـ متروك ومشرح بن عاهان لا يحتجّ به. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ، فقال : هذان حديثان لا يصحّان عن رسول الله صلّى الله عليه وآله. أمّا الأوّل فلانّ زكريّا بن يحيى كان من الكذّابين الكبار. قال ابن عدي : كان يضع الحديث. وأمّا الثاني فقال أحمد ويحيى : عبدالله بن واقد ليس بشيء. وقال النسائي متروك الحديث. وقال ابن حبان : انقلبت على مشرح صحائفه فبطل الاحتجاج به. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 3 / 287 ، من طريق مشرح بن عاهان بلفظ : لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب. وقد عرفت انه لا يحتج بحديثه. وفي الحديث ان يحيى بن اكثم قال للامام محمّد بن علي الجواد عليه السلام في ضمن كلام له بمحضر الخليفة المأمون العبّاسي : ... فقال يحيى : قد روى انّ النبي صلّى الله عليه وآله قال : لو لم ابعث لبعث عمر. فقال عليه السلام : كتاب الله أصدق من هذا الحديث ، يقول الله في كتابه : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ ) ، فقد أخذ الله ميثاق النبيين ؛ فكيف يمكن ان يبدل ميثاقه وكان الأنبياء عليهم السلام لم يشركوا طرفة عين ، فكيف يبعث بالنبوّة من أشرك وكان أكثر أيّامه مع الشرك بالله ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « نبئتُ وآدم بين الروح والجسد » [ بحار الأنوار ج 50 / 82 ]. ثانياً : وامّا انّه وافقه القرآن الكريم ثلاث مرّات ، فهو مجرّد ادّعاء. مضافاً الى انّ الكافر والمشرك ان قال كلاماً صحيحاً ولو صدفة واتّفاقاً ، فيوافقه القرآن اذا كان صدقاً وصحيحاً في الواقع ، ولذا نرى ان القرآن الكريم وافق عزيز مصر ، ونقل كلامه مع التقرير والقبول. قال الله تعالى : ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) [ يوسف : 26 ـ 27 ]. فلمّا رأى قميصه قدّ من دبر قال : ( إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) [ يوسف : 28 ]. وهذا الكلام صدر من كافر ، لكنّه قرّره القرآن بنحو يظنّ أكثر الناس أنّه قول الله عزّ وجلّ. ثالثاً : وامّا ما نقلته من مرسول بلاد فارس ، فلعمري انّ الغريق يتشبّث بكلّ حشيش. أولم لعمر فضيلة اُخرى حتّى تستشهد لفضله بقول كافر مجوسي ؟! نعم مثل عمر لابدّ ان يمدحه الكفّار والمشركون ويشهدون له بالعدل ، ولكن شهادة الكفّار غير مسموعة شرعاً ، ولابدّ في الشاهد الاسلام والعدالة. رابعاً : وأمّا قولك افتراءً على الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم : « لو وزن ايمان أبوبكر وايمان جميع الخلق لرجح ايمان أبي بكر » ، فمن المعلوم انّه كذب ودجل ومخالف للواقع ، حيث انّ ايمان الأنبياء والرسل على رأسهم رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الأرجح حتّى عند علماء أهل السنّة. وعلى الإجمال نقول : ذكر العجلوني في كتابه كشف الخفاء ، الصفحة : 419 ، فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه أشهر المشهورات من الموضوعات كحديث : انّ الله يتجلّى للناس عامّة ولأبي بكر خاصّة. وحديث : ما صبّ الله في صدري شيئاً الّا وصبّه في صدر أبي بكر. وحديث : ... ـ إلى أن قال : ـ وأمثال هذا المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل. وذكر ذلك الفيروزآبادي في خاتمة كتابه « سفر السعادة ».
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لابدّ من توجيه هذه الآيات وتفسيرها بنحو لا يتنافي مع عصمة الأنبياء عليهم السلام. مثلاً بالنسبة لآدم عليه السلام نقول : انّه ترك الأولى ، فسمّي ذلك عصياناً. أو نقول بانّ قوله تعالى : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) (1) ، يراد به مخالفة الأمر الارشادي ، لا الأمر المولوي ؛ فانّ الله تعالى أوحى لآدم انّك إذا أردت البقاء في الجنّة فلا تأكل من هذه الشجرة ، وهذا النهي ارشادي ، كنهي الطبيب المريض عن أكل الحامض مثلاً ، ومثل هذا النهي لا يكون مخالفته قادحاً في العصمة ، بل غاية ما هنالك انّه يترتّب عليه الأثر ، وهو الخروج من الجنّة والابتلاء بالاستقرار في الأرض. وأمّا بالنسبة للنبي الأعظم محمّد صلّى الله عليه وآله ، فأكثر الآيات الموهمة لوقوع الخطأ أو الذنب يراد بها غير النبي صلّى الله عليه وآله ، كقوله : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (2) ، فان الشرك مستحيل في حقّ النبي المعصوم ، لكن الخطاب متوجّه ظاهراً إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، لكنّه واقعاً متوجّه إلى سائر المسلمين من باب « اياك اعني واسمعي يا جارة ». وهناك رواية مفصّلة عن الإمام الرضا عليه السلام ذكر تأويل الآيات التي تكون ظاهرها متنافية مع عصمة الأنبياء في مجلس المأمون ، نذكر بعض أجوبته : فقال المأمون : لله درّك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) . قال الرضا عليه السلام : « هذا ممّا نزل بإيّاك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب الله عزّ وجلّ نبيّه صلّى الله عليه وآله وأراد به اُمّته ، وكذلك قوله عزّ وجلّ : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) وقوله عزّ وجلّ : ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) » . قال : صدقت يابن رسول الله ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّـهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّـهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) . قال الرضا عليه السلام : « إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمرٍ أراده ، فرأى امرأته تغتسل ، فقال لها : سبحان الذي خلقك ! وإنّما أراد بذلك تنزيه الباري عزّ وجلّ عن قول من زعم أنّ الملائكة بنات الله ، فقال الله عزّ وجلّ : ( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ) . فقال النبي صلّى الله عليه وآله : لمّا رآها تغتسل : سبحان الذي خلقك أن يتّخذ ولداً ، يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال ، فلمّا عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وقوله لها : سبحان الذي خلقك ! فلم يعلم زيد ما أراد بذلك ، وظنّ أنّه قال ذلك لما أعجبه من حسنها ، فجاء إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، وقال له : يا رسول الله ، إنّ امرأتي في خلقها سوء ، وإنّي اُريد طلاقها. فقال له النبي صلّى الله عليه وآله : أمسك عليك زوجك واتّق الله ، وقد كان الله عزّ وجلّ عرّفه عدد أزواجه ؛ وأنَّ تلك المرأة منهنّ ، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيدٍ ، وخشي الناس أن يقولوا : إنّ محمّداً يقول لمولاه : إنّ امرأتك ستكون لي زوجة ، فيعيبونه بذلك ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ ) يعني بالإسلام ( وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ) يعني بالعتق ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّـهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّـهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) . ثمّ إنّ زيد بن حارثة طلّقها واعتدّت منه ، فزوّجها الله عزّ وجلّ من نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وأنزل بذلك قرآناً ، فقال عزّ وجلّ : ( فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا ) . ثمّ علم الله عزّ وجلّ أنّ المنافقين سيعيبونه بتزويجها ، فأنزل الله تعالى : ( مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ) . (3) الهوامش 1. طه : 121. 2. الزمر : 65. 3. عيون أخبار الرضا عليه السلام « للصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 262 ـ 264 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم / الطبعة : 1. راجع : بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 11 / الصفحة : 83 ـ 84 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. راجع : الاحتجاج « للطبرسي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 434 ـ 436 / الناشر : انتشارات أسوة / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: بعد التحقيق والتتبّع التامّ يظهر انّ أصل قضيّة زواج عمر بن الخطاب من اُمّ كلثوم بنت علي عليه السلام وفاطمة عليها السلام كذب محض ، وصنعه واخترعه الزبير بن بكار ، وهو من أعداء أهل البيت عليهم السلام. قال الشيخ المفيد ـ وهو من أعظم علماء الإماميّة ـ في المسائل السرويّة : إنّ الخَبَرَ الوارِدَ بتَزْويجِ أَميرِ المُؤْمنينَ عَليهِ السَّلامُ ابْنَتَهُ مِنْ عُمَرَ غيرُ ثابتٍ ، وطريقُهُ مِنَ الزُّبَيْر بن بَكّار ، ولَمْ يكُن مَوْثُوقاً بهِ في النَّقْلِ ، وكانَ متَّهَماً فِيما يَذْكُره ، وكانَ يبْغضُ أميرَ المُؤْمنينَ عَليهِ السَّلامُ ، وَغَيْر مَأْمُونٍ فِيما يدَّعِيهِ على بَني هاشِم. وإِنّما نَشَرَ الحَديثَ إثْباتُ أبي مُحمّدٍ الحَسَن بن يَحْيَى صاحِب النَّسَب ذلكَ في كِتابه ، فَظّنَّ كثيرٌ مِنَ النَّاس أنَّه حَقٌّ لرواية رَجُلٍ عَلَويٍّ لَهُ ، وهو إنَّما رواه عن الزُّبَيْرِ بنِ بكّار. والحَديثُ بنَفْسِهِ مُختَلِفٌ ، فتارةٌ يُروى : أَنَّ أَميرَ المُؤمنينَ عَليهِ السَّلامُ تولَّى العَقْدَ لَهُ على ابنته. وتارةٌ يُروى أنَّ العبّاس انّه تولّى ذلك عنه. وتارةً يُروى : أنَّه لَمْ يَقَعِ العَقْدُ إِلّا بعد وَعِيد مِن عُمَرَ وتَهْديدٍ لِبَني هاشِم. وتارةُ يُروى أنَّهُ كان عن اخْتيارٍ وإيثار. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الرُّواةِ يَذْكُرُ أنَّ عُمَرَ أوْلَدَها ولداً أسماهُ زَيْداً. وبَعْضُهُمْ يَقولُ : إنَّهُ قُتلَ قَبْلَ دُخولهِ بهَا. وبعْضُهُمْ يقولُ : إِنَّ لِزَيْد بن عُمَرَ عَقِباً. ومِنْهُم مَن يَقُولُ : إنَّّهُ قُتِلَ ولا عَقِبَ لَهُ. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ : إنَّه وأُمَّهُ قُتِلا. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ : إنَّ أُمَّهُ بَقِيَت بَعده. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ : إنَّ عُمَرَ أمْهَرَ أُمَّ كُلثوم أربعينَ أَلْفَ دِرْهَم. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ : مَهَرَها أربعةَ آلاف دِرْهَم. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ :كانَ مَهْرُها خَمسمائة دِرْهَم. وبُدُوّ هذا الاخْتِلافِ فِيه يُبْطِل الحَديث ، فلا يكونُ لَهُ تأْثِيرٌ على حال. فصل : [ تَأْوِيلُ الخَبَر ] ثُمَّ إنَّه لو صَحَّ لَكَانَ له وَجْهان لا يُنافيان مَذْهَبَ الشِّيعةِ في ضَلالِ المُتَقَدِّمينَ على أميرِ المُؤْمِنينَ عَليهِ السَّلامُ : أحدهما : أنَّ النِكاحَ إنَّما هُوَ على ظاهِر الإِسلامِ الذي هُوَ : الشَّهادَتان ، والصَّلاةُ إلى الكَعْبَةِ ، والإِقْرارُ بجُملَةِ الشَّريعةِ. وإن كان الْأَفْضَل مُناكَحةُ مَنْ يَعتَقِد الإِيمانَ ، وتَرْكُ مُناكَحةِ مَن ضَمَّ إلى ظاهِرِ الإِسلامِ ضَلالاً لا يُخْرِجُهُ عَنِ الإِسلامِ ، إلّا أنَّ الضَرورَةَ متى قادَت مُناكَحَة الضَالّ مع إظْهَارِهِ كَلِمة الإِسلامِ زالتِ الكراهةُ مِن ذلكَ ، وَسَاغَ ما لَمْ يكُن بِمُسْتَحَبّ مع الاخْتِيار. وأَميرُ المُؤمنينَ عَليهِ السَّلامُ كانَ مُحتاجاً إلى التَأْليفِ وحَقْنِ الدِماء ، ورأَى أنَّه إنْ بَلَغ مَبلغ عُمَر عمّا رَغِبَ فيهِ مِن مُناكحتِهِ ابنته أثَّر ذلك الفَسادَ في الدِّين والدُنيا ، وأَنَّه إنْ أجابَ إليهِ أعْقَبَ صَلاحاً في الْأَمْرَينِ ، فأجابَهُ إلى مُلْتَمَسِهِ لِما ذكرناه. والوَجْهُ الآخَر : أنَّ مُناكَحَة الضَالِّ ـ كَجَحْدِ الإِمامة ، وادِّعائها لِمَن لا يستَحِقُّها ـ حرامٌ ، إِلّا أَنْ يَخافَ الإِنسانُ على دِينه وَدَمِه ، فيجوزُ لَهُ ذلك ، كما يجوزُ لَهُ إظْهارُ كَلِمة الكُفْرِ المُضَادَّة لِكَلِمةِ الإِيمانِ ، وكما يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ الميتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ عِنْدَ الضَّروراتِ ، وإِنْ كانَ ذلكَ مُحَرَّماً معَ الاخْتِيار. وأَميرُ المُؤمنينَ عَليهِ السَّلامُ كانَ مُضْطَرّاً إلى مُناكَحَةِ الرَّجُل لأنَّه يُهَدِّدُه ويُواعِدُه ، فَلَمْ يَأْمَنْهُ وأَميرُ المُؤمنينَ عَليهِ السَّلامُ على نَفْسِه وشِيْعَتِهِ ، فأَجابَهُ إلى ذلكَ ضَرورةً كما قُلنا إنَّ الضَّرورةَ تُشَرِّعُ إظْهارَ كَلِمَةِ الكُفْرِ ، قالَ تعالى : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) . فصل : [ زواجُ بَناتِ الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ ] ولَيسَ ذلكَ بأَعْجَبَ مِنْ قَولِ لُوطٍ عَليهِ السَّلامُ ـ كما حَكى الله تَعالى عنه ـ ( هَـٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) فَدَعاهُمْ إلى العَقد عليهم لِبَناتِه وهُم كُفّارٌ ضُلَّالٌ قد أذِن اللهُ تعالى في هلاكِهم. وقد زَوَّج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ ابْنَتَيهِ قَبْلَ البِعْثَةِ كافِرَينِ كانا يَعْبُدانِ الْأَصنامَ ، أحَدهُما : عُتْبَة بن أبي لَهَبٍ ، والآخَر : أبو العاصِ بن الرَّبيع. فَلمَّا بُعِث صلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ فَرَّق بَيْنَهُما وبَيْنَ ابْنَتَيْهِ. فَماتَ عُتْبَةُ على الكُفْرِ ، وأَسْلَمَ أَبو العاصِ بَعْدَ إِبانةِ الإِسْلام ، فَرَدَّها علَيهِ بالنكاحِ الْأَوَّل. ولَمْ يَكُنْ صلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ في حالٍ مِنَ الْأَحْوالِ مُوالِياً لأهْلِ الكُفْر ، وَقَدْ زَوَّجَ مَن تبرَّأ مِنْ دِينهِ ، وَهُوَ مُعادٍ لَهُ في اللهِ عزَّ وجلَّ. (1) أقول : وقد استفاد المخترعون لهذه الاُكذوبة من التشابه الاسمي بين اُمّ كلثوم بنت علي وفاطمة عليها السلام وبين اُمّ كلثوم بنت أبي بكر ، وهي اُخت محمّد بن أبي بكر واُمّهما أسماء بنت عميس ، وقد تكفّل أمير المؤمنين علي عليه السلام بتربيتهما بعد وفاة أبي بكر ، وكانا تحت رعايته وتربيته وحضانته وبمنزلة ولديه. وقد خطب عمر بن الخطاب اُمّ كلثوم بنت أبي بكر من أمير المؤمنين علي عليه السلام ، لأنّه كان وليّها ، وأصرّ على ذلك حتّى وقع كلام بينه وبين اُختها عائشة في ذلك. فإذا كان هناك زواج كُرهاً أو طوعاً فقد كان بين عمر واُمّ كلثوم بنت أبي بكر ، لكن القوم اشتبهوا أو تعمّدوا وذكروا انّ الزواج كان بين عمر واُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام. وممّا ينفي هذا الزواج ، انّ فاطمة الزهراء عليها السلام حينما خطبها عمر بن الخطاب ، ردّه النبي صلّى الله عليه وآله وقال : « انّها صغيرة » (2) ، والمراد انّها صغيرة بالنسبة الى عمر بن الخطاب ؛ فكيف يتزوّج عمر بابنتها اُمّ كلثوم ولا تكون صغيرة بالنسبة إليه ؟! الهوامش 1. مصنّفات الشيخ المفيد / المجلّد : 7 / الصفحة : 86 ـ 93 / الناشر : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد / الطبعة : 1. 2. راجع سنن النسائي / المجلّد : 6 / الصفحة : 62 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت / الطبعة : 1. راجع المستدرك على الصحيحين « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 2 / الصفحة : 518 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت / الطبعة : 1. راجع صحيح ابن حبان / المجلّد : 15 / الصفحة : 399 / الناشر : مؤسسة الرسالة ـ بيروت / الطبعة : 3.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الكتب المعروفة أي « الكافي والاستبصار والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه » بل وغيرها من الكتب المعتبرة ، هي مجاميع متّخذة من كتب أصحاب الأئمّة عليهم السلام التي كانت معروفة بالأصول الأربعمائة ؛ وقد كانت الروايات غالباً مبعثرة وغير مبوّبة ، حيث انّ الراوي كان يكتب كلّ ما يسمعه من الإمام المعصوم عليه السلام وهو في مقام الإجابة عن الأسئلة أو التدريس ؛ وقد كان يحضر مجلس الإمام أو درسه جماعات كثيرين من فقهاء العامّة ، ومن الطبيعي ان يراعي الإمام التقيّة حفظاً لدماء الشيعة ، ولذلك عمد المشايخ الثلاثة الى تهذيب هذه الكتب ودفع معارضاتها حسب المستطاع ، واسقاط ما دسّ فيها وعرضها على الكتاب والسنّة القطعيّة ، وبعد تهذيبها وتمحيصها أوردوها في كتبهم. وكان أكثر اهتمامهم بدرج الروايات والأحاديث الواردة في بيان الأحكام الشرعيّة ، ولأجل ذلك لم يهتمّوا بادراج جميع الأدعية والزيارات ونحوها في مجاميعهم الحديثيّة. نعم الى جانب ذلك ألّف بعض القدماء كتباً تختصّ بالدعاء والزيارة ونحو ذلك ، كالشيخ وابن طاووس وابن قولويه والمفيد ، وأوردوا في كتبهم ما يختصّ بهذه الأمور ، ولعلّهم نقلوها من بعض الأصول الأربعمائة أو مؤلّفات أصحابنا القدامى التي ثبت عندهم صحّتها واعتبارها. ودعاء التوسّل أخرجه العلّامة المجلسي عن بعض الكتب الصحيحة والمعتبرة ، وفيه انّ محمّد بن بابويه روى هذا الدعاء عن الأئمّة عليهم السلام ، وقال : ما دعوت به في أمر إلّا وجدت أثر الإجابة فوراً. وقد ورد التوسّل بمحمّد صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام في روايات وزيارات كثيرة ، بل حتّى عند العامّة : ففي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد / المجلّد : 4 / خطبة مفصلة لفاطمة الزهراء عليها السلام ، تقول فيه : واحمد الله الذي لعظمته ونوره يبتغي من في السماوات والأرض اليه الوسيلة ونحن وسيلته في خلقه. وفي صحيح البخاري / باب مناقب علي بن أبي طالب « كتاب الفضائل » / الصفحة : 25 / نقل عن عمر استسقائه بالعبّاس وقوله : اللهمّ انّا كنّا نتوسّل اليك بنبيّنا فتسقينا وانّا نتوسّل اليك بعمّ نبيّك فاسقنا ؟! وفي الزيارات المأثورة لأمير المؤمنين عليه السلام : أنت وسيلتي الى الله وبك أتوسّل الى ربّي. وفي دعاء صفوان المعروف بدعاء علقمة بعد زيارة عاشوراء نقول : فانّي بهما أتوجّه اليك في مقامي هذا وبهم أتوسّل وبهم أتشفّع ... وفي زيارة الإمام العسكري عليه السلام كما في المفاتيح الجنان ، نقول : واتوسّل اليك يا ربّ بامامنا ... وفي زيارة الإمام المهدي عليه السلام : فانّي اتوسّل بك وبآبائك الطاهرين الى الله تعالى. وفي دعاء طلب الرزق [ الكافي ج 3 باب الصلاة في طلب الرزق ص 473 ] عن أبي حمزة عن الباقر : يا محمّد يا رسول الله انّي اتوجّه بك الى الله ... وفيه باب صلاة الحوائج عن الصادق عليه السلام في دعاء : يا محمّد يا رسول الله أشكوا الى الله واليك حاجتي والى أهل بيتك الراشدين حاجتي وبكم اتوجّه الى الله في حاجتي. وفي البحار / ج 26 / باب فيه روايات متعدّدة ، انّ دعاء الأنبياء استجيب بالتوسّل والاستشفاع بمحمّد صلّى الله عليه وآله واهل بيته عليهم السلام. وفي التوقيع المقدّس المرويّ في البحار كتاب الدعاء عن احتجاج الطبرسي ، الى أن قال : اذا اردتم التوجّه بنا الى الله تعالى والينا فقولوا كما قال الله تعالى : ( سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ ) ... وفي البحار ج 17 / ص 335 و 336 : توسّل آدم ونوح وابراهيم وموسى عليهم السلام بقولهم : اللهمّ انّي اسألك بحقّ محمّد وآل محمّد فاستجاب لهم.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: إذا كان المقصود ورود مثل هذا الحديث في الروايات التي يرويها علماء أهل السنّة في كتبهم ، فمن المعلوم أنّهم لا يذكرون مثل ذلك ، إمّا خوفاً من الحكومات التي كانت تمنع من ذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام ، أو لأجل انّ ذلك يتنافي مع معتقداتهم. مضافاً الى أنّ الكتب الحديثيّة التي ألّفها علماء أهل السنّة هي متأخّرة عن عصر النبي صلّى الله عليه وآله ، بخلاف أحاديث الشيعة ، فانّها مرويّة عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام عن علي عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ؛ كما قال القائل : إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهباً ينجّيك يوم البعث من ألم النار فدع عنك قول الشافعيّ ومالك وأحمد والنعمان أو كعب الأحبار ووال اُناساً قولهم وحديثهم روى جدُّنا عن جبرئيل عن الباري (1) والمسلم المؤمن لابدّ أن يأخذ معالم دينه من القرآن والعترة الطاهرة من ذريّة النبي صلّى الله عليه وآله ، حيث أمرنا الرسول الأعظم بذلك في حديث الثقلين المعروف والمشهور بين الفريقين. قال النبي صلّى الله عليه وآله : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. (2) وقال صلّى الله عليه وآله : أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق. (3) وهناك روايات عديدة من طرق أهل البيت عليهم السلام ، تدلّ على نزول جبرئيل على فاطمة بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، يحدّثها ويسلّيها ويخبرها بما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وكان علي يكتب ذلك ، فجمع وسمّي مصحف فاطمة ، ليس قرآناً ، وليس شيء من القرآن ، وهو من مصادر علوم أئمّة أهل البيت عليهم السلام. ففي بصائر الدرجات بسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن الصادق عليه السلام ، في حديث : قال له : فمصحف فاطمة ؟ فسكت طويلاً ثمّ قال : انّكم لتبحثون عمّا تريدون وعمّا لا تريدون ، انّ فاطمة مكثت بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله خمسة وسبعون يوماً وقد كان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبريل يأتيها فيحسن غراءها على أبيها ويظيب نفسها يخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها وكان عليّ يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة. . (4) وفي الكافي روى بسنده عن حماد بن عثمان ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة ، وذلك انّي نظرت في مصحف فاطمة عليها السلام. قلت : وما مصحف فاطمة ؟ قال : انّ الله تعالى لما قبض نبيّه دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ فارسل اليها ملكاً يسلّي غمّها ويسلّيها ـ إلى أن قال : ـ فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يكتب كلّ ما سمع حتّى أثبت من ذلك مصحفاً ـ ثمّ قال : ـ امّا انّه ليس في شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون. (5) الهوامش 1. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 105 / الصفحة : 117 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. 2. راجع : مسند أحمد / المجلّد : 3 / الصفحة : 14 و 17 و 26 و 59 / الناشر : دار الفكر . راجع : مسند أحمد / المجلّد : 4 / الصفحة : 376 / الناشر : دار الفكر. حلية الأولياء « للاصبهاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 335 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت / الطبعة : 2. مستدرك الصحيحين « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 3 / الصفحة : 109 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت. صحيح الترمذي / المجلّد : 5 / الصفحة : 663 / الناشر : دار إحياء التراث العربي ـ بيروت. صحيح مسلم / المجلّد : 4 / الصفحة : 1873. 3. الحدائق الناظرة « للبحراني » / المجلّد : 9 / الصفحة : 360 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوز العلميّة في قم المقدسة. 4. بصائر الدرجات « لابن فروخ صفار القمي » / راجع : الكافي « للكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 187 ـ 188 / الناشر : منشورات المكتبة الإسلامية ـ طهران. 5. الكافي « للكليني » / المجلّد : 1 الصفحة : 186 ـ 187 / الناشر : منشورات المكتبة الإسلامية ـ طهران.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لا يدلّ قلّة العدد على بطلان المعتقدات ، كما لا يدلّ كثرة العدد على انّ الحقّ معهم. وإذا كان الأمر كما قلت ، لقال النصارى أو اليهود أو المشركين : لو كان الإسلام حقّاً فلماذا يمثل المسلمون الأقليّة في العالم ؟! والظاهر أنّك لا تقرأ القرآن الكريم ، حيث انّ القرآن يصف المؤمنين بقلّة العدد ، ويصف الكفّار والفاسقين بكثرة العدد. قال الله تعالى : ( وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) (1). وقال تعالى : ( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (2). وقال تعالى : ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ) (3). وقال تعالى : ( ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ ) (4). وقال تعالى : ( فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (5). وقال تعالى : ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (6). وقال تعالى : ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ) (7). وقال تعالى : ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) (8). وقال تعالى : ( وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (9). وقال تعالى : ( إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ) (10). وقال تعالى : ( ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (11). وقال تعالى : ( فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ) (12). وقال تعالى : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) (13). وقال تعالى : ( مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) (14). وقال تعالى : ( يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) (15). وقال تعالى : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّـهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) (16). وقال تعالى : ( وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (17). وقال تعالى : ( وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ) (18). وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ) (19). إلى غير ذلك. الهوامش 1. هود : 40. 2. سبأ : 13. 3. ص : 24. 4. الواقعة : 13 ـ 14. 5. الحديد : 26. 6. الحديد : 27. 7. المائدة : 49. 8. يونس : 92. 9. الأعراف : 187 ، يوسف : 21 ، يوسف : 40 ، يوسف : 68 ، النحل : 38 ، الروم : 6 ، الروم : 30 ، سبأ : 28 ، سبأ : 36 ، غافر : 57. 10. هود : 17. 11. يوسف : 40 ، الروم : 30. 12. الإسراء : 89 ، الفرقان : 50. 13. البقرة : 100. 14. آل عمران : 110. 15. المائدة : 103. 16. يوسف : 106. 17. المؤمنون : 70. 18. يونس : 60 ، النمل : 73. 19. الشعراء : 8 ، الشعراء : 67 ، الشعراء : 103 ، الشعراء : 121 ، الشعراء : 139 ، الشعراء : 158 ، الشعراء : 174 ، الشعراء : 190.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء ، فالقرآن يقول بصراحة : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (1). ويقول : ( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) (2). و ( الْوَسِيلَةَ ) في هذه الآية هم الأشخاص والأفراد ولا الأعمال الصالحة ، لأنّه عبّر عنها بقوله ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) . وضمير الجمع المذكّر لا يطلق على الأعمال أو الأشياء. ثمّ المراد من ( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ) المؤمنون الذين يدعون الله ، لأنّ الله تعالى وصفهم في ذيل الآية : ( يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) . وعليه فقد مدح الله تعالى المؤمنون الذين يدعونه ويتوسّلون إليه بالنبي صلّى الله عليه وآله الذين هم أقرب الناس إلى الله تعالى. ثانياً : قال الله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (3) ، فالله الذي هو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أمر المؤمنين بالمجيء إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وطلب الاستغفار منه ، وجعل قبول توبتهم استغفارهم مع استغفار النبي صلّى الله عليه وآله لهم ، فهل تعترض على القرآن ؟ هل تقول للقرآن لماذا يجيب على من ظلم نفسه ان يأتي الى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ويطلب منه الاستغفار له ، فإنّ الله قريب يسمع دعاءه واستغفاره ، ولا حاجة إلى التوسّل بالنبي صلّى الله عليه وآله. ثالثاً : هل كان عمر بن الخطاب ضالّاً منحرفاً حينما توسّل بالعبّاس عمّ النبي صلّى الله عليه وآله لأجل نزول المطر. كما ورد في صحيح البخاري ونحوه وقال : اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل بنبيّك فتمطرنا وها نحن نتوسّل بعمّ نبيّك فأمطرنا (4). لماذا لا تقول له ولأمثاله من الصحابة الذين كانوا يتوسّلون بالنبي صلّى الله عليه وآله : انّ الله قريب يجيب دعوة الداعي فلا حاجة الى التوسّل ؟ رابعاً : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : الأئمة من ولد الحسين من أطاعهم فقد أطاع الله ، ومن عصاهم فقد عصى الله عز وجل ؛ وهم العروة الوثقى ، وهم الوسيلة إلى الله عز وجل. (5) خامساً : روي توسّل الأعمى بالنبي صلّى الله عليه وآله كما في حديث عثمان بن حنيف الأنصاري ، قال الأعمى : اللهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبي الرحمة يا محمّد انّي أتوجّه بك إلى ربّك أن يكشف لي بصري فردّ الله تعالى عليه بصره (6). سادساً : القرآن الكريم يحدّثنا انّ أولاد يعقوب ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ) (7) ، فلماذا لم يقولوا : اللهمّ اغفر لنا ، بل قالوا يا أبانا استغفر لنا أيّ اطلب لنا من الله المغفرة. فهذا توسّل بأبيهم يعقوب ولم ينههم أبوهم بل وعدهم وقال : ( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ) (8) ، مع انّ الله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه. سابعاً : ورد عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لما اقترف آدم الخطيئة قال يا ربّ اسألك بحق محمد ما غفرت لي. (9). ثامناً : ذكر ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة ، توسّل الامام الشافعي بآل البيت عليهم السلام : آل النبي ذريعتي وهم إليه وسيلتي أرجو بهم أعطى غداً بيدي اليمين صحيفتي (10) والحاصل انّ الله تعالى قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، لكن قد تكون هناك بين العبد وربّه موانع تحجب الدعاء وتمنع من استجابة الدعاء ، فإنّ الله تعالى يقول : ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) (11) ، ولذا نحتاج في رفع هذه الموانع ان نتوسّل بمن اختارهم الله تعالى وجعلهم وسائل ووسائط بينه وبين خلقه ، فيسمع دعاءنا ويستجيب لنا كرامة لهم وتعظيماً لمقامهم العظيم ومنزلتهم عند الله تعالى. الهوامش 1. المائدة : 35. 2. الاسراء : 57. 3. النساء : 64. 4. صحيح ابن حبان / المجلّد : 7 / الصفحة : 110 ـ 111 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : أخبرنا عمرُ بن محمد الهمداني ، قالَ حَدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال حَدَّثنا الأنصاريُّ ، قال : حَدَّثني أبي ، عن ثُمامةَ ، عن أنسٍ قالَ : كانوا إذا قَحِطُوا على عَهْدِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ، استسقَوْا بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ، فَيَسْتَسْقي لَهُمْ فَيُسْقَوْنَ ، فَلَمَّا كان بعدَ وفاةِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في إمارةِ عُمَرَ قَحَطُوا على عَهْدِ نبيِّكَ صلّى الله عليه وسلّم واسْتَسْقَيْنا بِهِ فَسَقَيْتَنا ، وإِنَّا نتوسَّلُ إليكَ اليومَ بعمِّ نَبِيِّكَ صلّى الله عليه وسلّم ؛ فَاسْقِنا ، قالَ : فَسُقُوا. راجع : صحيح البخاري / المجلّد : 4 / الصفحة : 209 / الناشر : دار الفكر. المعجم الأوسط « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 49 / الناشر : دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع. المبسوط « للسرخسي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 77 / الناشر : دار المعرفة. 5. إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات « للحر العاملي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 57 / الناشر : أعلمي / الطبعة : 1. 6. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 28 / الصفحة : 480 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : عن عثمان بنِ حُنَيف ، أن رجلاً ضريراً أتى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ، فقال : يا نبيَّ الله ادعُ الله أن يُعافيني ، فقال : « إنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذلِكَ ، فهو أَفْضَلُ لآخِرتكَ ، وإنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَك ». قال : لا بل ادع الله لي. فأمره أن يتوضأ ، وأن يُصَلِّيَ ركعتين ، وأن يدعو بهذا الدعاء : « اللهم إني أسألُكَ وأتوجَّهُ إليك بنبيك محمد صلّى الله عليه وسلّم نبي الرحمة ، يا محمدُ إني أتوجَّه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى ، وتُشَفَّعُني فيه ، وتُشَفِّعُهُ فيَّ ». قال : فكان يقولُ هذا مراراً. ثم قال بعد : أحسب أن فيها : أن تشفعني فيه. قال : ففعل الرجلُ ، فَبَرأ. راجع : السنن الكبرى « للنسائي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 169 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 9 / الصفحة : 31 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 7. يوسف : 97. 8. يوسف : 98. 9. المستدرك على الصحيحين « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : : 2 / الصفحة : 615 / الناشر : دار المعرفة. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 7 / الصفحة : 437 / الناشر : دار الفكر. البداية والنهاية « لابن كثير » / المجلّد : 1 / الصفحة : 91 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 1. 10. ينابيع المودة لذوي القربى « للقندوزي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 463 / الناشر : دار الأسوة / الطبعة : 1. 11. البقرة : 40.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: قال الله تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (1). كيف يكون طلب العون من غير الله تعالى شركاً مع انّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ سليمان النبي عليه السلام طلب من ملائه أن يأتوا بعرش بلقيس ، فقال عفريت من الجنّ : أنا آتيك بعرشها في قبل ان تقوم من مقامك ، وقال آصف بن برخيا : أنا آتيك به في طرفة عين ، وقد أتى به بطريق إعجازي. (2) فهل كان سليمان مشركاً ؟ ولماذا لم يطلب من الله تعالى وطلب من المخلوقين ؟ ثمّ ماذا تقول عن إخوة يوسف حيث قالوا لأبيهم يعقوب النبي عليه السلام : ( يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ) (3) ؛ فلم يقل لهم أبوهم يعقوب طلبكم هذا شرك فاطلبوا من الله تعالى أن يغفر لكم ، بل قرّرهم ووعدهم بأن يستغفر لهم (4). فهل كان طلبهم العون من أبيهم وشركاً ؟ وهل قرّرهم النبي يعقوب عليه السلام على الشرك ؟! وإذا كان طلب العون من غير الله تعالى ـ مع العلم بأنّ الله تعالى هو مسبّب الأسباب ـ شركاً ، فكيف تفسير قول الله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (5) ، كيف صار المجيء إلى الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله شرطاً لقبول توبتهم ؟ وهل هذا إلّا طلب العون من الرسول لكي يتوسّط بينهم وبين الله تعالى ليغفر لهم ؟!! وإذا كان طلب العون من المخلوق شركاً ، فذهاب المريض إلى الطبيب وطلب العلاج منه شرك ، لأنّه طلب العون من غير الله تعالى. ثمّ ماذا تصنع بالحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه وغيره من المحدّثين : انّ عمر بن الخطاب توسّل بالعبّاس عمّ النبي صلّى الله عليه وآله في الإستسقاء ، وقال : اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل بنبيّك فتمطرنا وها نحن نتوسّل بعمّ نبيّك فأمطرنا. (6) وهل كان عمر مشركاً حيث طلب من العبّاس ان يدعو الله لأجل الإستسقاء ؟! إن قلت انّ هؤلاء توسّلوا بالأحياء وطلبوا العون من الأحياء ، قلنا هل الطلب من غير الله شرك أم لا ؟ فإذا كان شركاً فلا فرق بين الطلب من الحيّ أو الميّت ، ولا بين الطلب من الإنسان أو الجماد ، وإذا لم يكن شركاً فلا فرق أيضاً بين الطلب من الحيّ أو من الميّت ، غاية الأمر يكون الطلب من الميّت لغواً وعبثاً لا أنّه شرك ، لأنّه لو كان شركاً فلأجل كونه طلباً من غير الله وهذا يصدق في الطلب من الحيّ. فالصحيح هو انّ الله تعالى مسبّب الأسباب وعلّة العلل ولا مؤثّر في الوجود إلّا الله تعالى ، غاية الأمر أبى الله تعالى إلّا أن يجري الأمور بأسبابها ، فحينما نطلب العون من السبب التكويني أو السبب العيني ففي الحقيقة نطلب من الله تعالى الذي هو مسبّب الأسباب ، فالله تعالى أراد أن يبيّن ويوضح للأمّة مقام رسول الله صلّى الله عليه وآله ومنزلته الشريفة ، فأمر الناس بالتوجّه إلى النبي صلّى الله عليه وآله وجعله واسطة بينه وبين خلقه ليقضي حوائجهم ويغفر لهم ذنوبهم ، فقال : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ ) (7). فالمسلم كان بإمكانه أن يستغفر بنفسه ويطلب المغفرة من الله تعالى ، لكن الله أمره أن يأتي إلى النبي ويطلب منه الإستغفار له ، كما انّ المسلمين كانوا يتمكّنون من الدعاء والاستسقاء بأنفسهم ، لكنّ الله تعالى أمرهم بالتوسّل إلى النبي وجعله واسطة بينهم وبين الله تعالى لينزل عليهم المطر ، كما يظهر من قول عمر : اللهم إنّا كنّا نتوسّل بنبيّك فتمطرنا. هذا مضافاً إلى قوله تعالى : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (8). بل حتّى الأموات قد يكون أحياء في عالم البرزخ والقبر. قال علي بن الحسين عليهما السلام : ان القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. (9) وورد في الحديث : النّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. (10) وتكلّم النبي صلّى الله عليه وآله مع موتى المشركين في قليب بدر معروف ومشهور ولما اعترض بعض الصحابة : كيف تكلّم الموتى ؟ قال : انّهم أسمع منكم. (11) الهوامش 1. محمّد : 24. 2. النمل : 38 ـ 40 : قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ 3. يوسف : 97. 4. يوسف : 97 : قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 5. النساء : 64. 6. صحيح البخاري / المجلّد : 4 / الصفحة : 209 / الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : اَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ اِذا قَحِطُوا اسْتَسْقى بِالْعبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقالَ اللّهُمَّ اِنّا كُنّا نَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِنَبِيِّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَسْقينا وَاِنّا نَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فَاسْقِنا قالَ فَيُسْقَوْنَ. 7. النساء : 64. 8. آل عمران : 169. 9. تفسير القمي « لعلي بن ابراهيم القمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 94 / الناشر : دار الكتاب. 10. خصائص الأئمّة « للشريف الرضي » / الصفحة : 112 / الناشر : مجمع البحوث الإسلاميّة. 11. صحيح البخاري / المجلّد : 2 / الصفحة : 101 / الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلى اَهْلِ الْقَليبِ فَقالَ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً فَقيلَ لَهُ اَتَدْعُو اَمْواتاً فَقالَ ما اَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لا يُجيبُونَ .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: « لبّيك يا حسين » معناه انّنا نستجيب لاستغاثته حينما قال : أما مِن مغيث يغيثنا لوجه الله أما مِن ذاب يذب عن حرم رسول الله (1) . ويستلزم ذلك ان نقوم بواجباتنا تجاه نهضة الإمام الحسين عليه السلام ، ونسير على هديه ونهجه ، ونقوم بنصرة الدين الحنيف الذي استشهد في سبيل حفظه ؛ فكما انّ الحسين عليه السلام بذل كلّ ما لديه من جهود وطاقات في سبيل اعلاء كلمة الإسلام وحفظ كيانه ، نكون على استعداد تامّ لنصرة الدين والسير على نهج الإمام الحسين عليه السلام في التضحية والفداء. وعلى أساس ذلك يتضمّن قولنا « لبّيك يا حسين » ، ان نقول « لبّيك اللهم لبّيك » بالمعنى العامّ ، لا ما يقوله الحاجّ عند إحرامه ، فانّه استجابة لخصوص ما أمرنا الله تعالى به من مناسك الحجّ ، وانّما « لبّيك يا حسين » معناه « لبّيك يا الله » ، في كلّ ما تأمر وتنهى سواء في الحجّ والجهاد وغيرهما. الهوامش 1. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 61 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « للموفق الخوارزمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 12 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2. الفتوح « لأحمد بن أعثم الكوفي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 101 / الناشر : دار الأضواء / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 45 / الصفحة : 12 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2.