تنصيص النبي السابق على نبوة اللاحق

إذا ثبتت نبوة نبي بدلائل مفيدة للعلم بنبوته ، ثم نصّ هذا النبي على نبوة نبي لاحق يأتي من بعده ، كان ذلك حجة قطعية على نبوة اللاحق ، لا تقل في دلالتها عن المعجزة.

وذلك لأنّ النبي الأول ، إذا ثبتت نبوته ، يثبت كونه معصوماً عن الخطأ والزلل ، لا يكذب ولا يسهو ، فإذا قال ـ والحال هذه ـ : سيأتي بعدي نبي اسمه كذا ، وأوصافه كذا وكذا ، ثم ادّعى النبوّة بعده شخص يحمل عين تلك الأوصاف والسمات ، يحصل القطع بنبوته.

ولا بدّ أن يكون الإستدلال بعد كون التنصيص واصلاً من طريق قطعي ، وكون الأمارات والسمات واضحة ، منطبقة تمام الإنطباق على النبي اللاحق ، وإلا يكون الدليل عقيماً غير منتج.

ومن هذا الباب تنصيص المسيح على نبوة النبي الخاتم صلّى الله عليه وآله ، كما يحكيه سبحانه بقوله : ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) (1).

ويظهر من الذكر الحكيم أنّ السلف من الأنبياء وصفوا النبي الأكرم بشكل واضح ، وأنّ أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي كمعرفتهم لأبنائهم . قال سبحانه : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ، وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (2).

بناءً على رجوع الضمير إلى النبي ، المعلوم من القرائن ، لا إلى الكتاب.

وقال سبحانه : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ ، يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ ) (3).

وقد آمن كثير من اليهود والنصارى بنبوة النبي الخاتم في حياته وبعد مماته ، لصراحة التباشير الواردة في العهدين.

هذا ، وإنّ الإعتماد على هذا الطريق في مجال نبوة النبي الخاتم ، في عصرنا هذا ، يتوقف على جمع البشائر الواردة في العهدين وضمّها إلى بعضها ، حتى يخرج الإنسان بنتيجة قطعية على أنّ المراد من النبي المُبَشِّر به فيهما هو النبي الخاتم : وقد قام بهذا المجهود لفيف من العلماء وأَلَّفوا فيه كتباً (4) ، وسيوافيك بحثه في النبوّة الخاصّة ، بإذنه تعالى.

الهوامش

1. سورة الصف : الآية 6 .

2. سورة البقرة : الآية 146.

3. سورة الأعراف : الآية 157.

4. لاحظ منها كتاب « أنيس الأعلام » ، ومؤلفه كان قسيساً محيطاً بالعهدين وغيرهما وقد تشرّف بالإسلام ، وألف كتباً كثيرة ، منها ذاك الكتاب وقد طبع في ستة أجزاء.

مقتبس من كتاب : الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل / المجلّد : 3 / الصفحة : 115 ـ 118

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة