المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج3 ، ص 61 ـ 62


( 61 )


الدليل الثالث:
قد دلّ العقل على أن للعالم صانعاً حكيماً ، والحكيم لا يتعبدّ الخلق بما
يَقْبُح في عقولهم . وقد وردت أصحاب الشرائع بمستقبحات من حيث
العقول ، كالتوجه إلى بيت مخصوص في العبادة ، والطواف حوله ، والسعي ،
ورمي الجمار ، والإِحرام ، والتلبية ، وتقبيل الحجر الأصمّ ، وكذلك ذبح
الحيوان ، وتحريم ما يكون غذاءً للإنسان ، وتحليل ما يُنقص من بنيته.


والجواب:
إنّ هذا الدليل مبني على الجهل بمصالح الأحكام ومفاسدها ؛ ولذلك
زعم هذا المنكر أن ما جاء في شريعة الإسلام من حج بيت الله الحرام بآدابه
الكثيرة ، أمر على خلاف العقل ، ولكن الدارس لفلسفة الحج ، يقف على
عظيم المصالح والمنافع الّتي يتضمنها ، والمجال لا يسمح باستقصائها ، إلاّ انا
نشير بايجاز إلى بعضها.
فالتوجه إلى البيت ، رمز الوحدة بين المسلمين في جميع أقطار
المعمورة ، ولو تعددت وجهاتهم في أداء مراسمهم العبادية ، لسادت الفوضى
فيهم ، ووقع الإِنشقاق بينهم في القطر الواحد فضلاً عن سائر الأقطار.
والسعي بين الصفا والمروة تجسيد لعمل تلك المرأة البارّة الّتي سعت بين
الجبلين سبع مرات طلباً للماء لطفلها الظمآن ، حتى حصّلته ، فجعل الباري
سبحانه مواطيء أقدامها محلاً للعبادة.
ورمي الجمار تجسيد لرمي الشيطان ، فبما أنّ الشيطان لا يقع في أُفق
الحسّ حتى نرجمه ، فنجسد وجوده في نقاط خاصة تمثّل فيها لإبراهيم ـ عليه
 السَّلام ـ ، فنرجمها ظاهراً ، ولكن الهدف رمي الشيطان باطناً ، وإبعاده عن حريم
النفس والروح.
واستلام الحجر الأسود ، تعاهدٌ مع إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ في السعي على
خطاه لإقامة التوحيد ، وهدم أركان الوثنية . فبما أنَّ إبراهيم قد لبّى دعوة ربّه ،
________________________________________


( 62 )


وليس بين ظهرانينا حتى نبايعه على ذلك مباشرة ، نبايعه بآثاره . وهذا أشبه ما
يكون بتقبيل الجيوش راية بلادها ـ مع أنّه ليس إلاّ كسائر الأقمشة ـ وما هو الاّ
إبرازٌ للتعهد على حفظ البلاد ، وضمان أمنها واستقلالها.
وهكذا الحال في بقية المراسم العبادية ، والواجبات والمنهيات الشرعية.
وقد كشف العلم الحديث عن الفوائد العظيمة الّتي تشتمل عليها بعض الواجبات
الشرعية كالصوم ، والمضار الكبيرة الّتي تشتمل عليها بعض المنهيات الشرعية
 كأكل لحم الخنزير وشرب الخمر وغيرهما.
قال القاضي عبد الجبار في ردّ هذا الدليل : « إن مجرد الفعل لا يمكن
أن يُحكم عليه بالقبح والحسن ، حتى لو سألنا سائلٌ عن القيام هل يقبح أم لا ،
فإنّه ممّا لا يمكننا إطلاق القول في الجواب عن ذلك ، والجواب أن نقيّد ،
 فنقول : إنْ حصل فيه غرض وتعرّى عن سائر وجوه القبح ، حَسُنَ ، وإلاّ كان
قبيحاً ، هذا.
وإذا كان هكذا ، وكنا قد علمنا بقول الرسول المصدَّق بالمعجز أنّ لنا في
هذه الأفعال مصالح وألطافاً ، فكيف يجوز أن يحكم فيها بالقبح؟
ويبين ذلك ويوضحه أنا نستحسن القيام في كثير من الحالات ، نحو أن
يكون تعظيماً لصديق ، أو يتضمن غرضاً من الأغراض ، وكذلك القعود إذا تضمّن
انتظار الرفيق ، وكذالك الركوع ، والسجود ، والمشي ، والكلام ، والطواف ،
وغير ذلك، فما من شيء من هذه الأفاعيل إلاّ ولها وجه في الحسن إذا تعلّق به
أدنى غرض»(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- شرح الأصول الخمسة : ص 566.

 

 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة