نعي - مقتل الحسين عليه السلام

نعي - مقتل الحسين عليه السلام

السيد جاسم الطويرجاوي

00:0000:00

نعي - مقتل الحسين عليه السلام(مکتوبة)

السيد جاسم الطويرجاوي

 

المقدمة والاستهلال
السلام عليك يا مولاي يا أبا عبد الله.
صلى الله عليك يا مولاي يا ابن رسول الله.
يا عبرة المؤمنين، يا رحمة الله الواسعة، ويا باب نجاة الأمة، ما خاب من تمسك بكم، وآمن من لجأ إليكم. يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.

 

أبيات رثاء في الإمام الحسين (ع)
تلافي مولاي الحسين وقد غدا ... وحيداً فريداً في وطيس الملاحمِ
ولا قومه صرعى وينظر نسوةً ... تجلببن جلباب البكاء والمآتمِ
هناك انثنى عضداً من العزم قاطعاً ... وتلك خطوبٌ لم تدع عظم عازمِ
أبوه عليٌّ أثبت الناس في اللقا ... وأشجع من يخطو بأدهم حائمِ

هاي الخيل شدّ وشدّ يا مهرها ... أسد يا حسين يا سدة إسكندرها.
هاي الخيل شدّ وشدّ يا مهرها ... أسد يا حسين يا سدة إسكندرها.
يا سدة إسكندر يا بعد الخيل ... يا ويلي الخصيم من الماي نشبك ويل.
بلي الحيل بعد الماي تضمّ الحيل ... فدوة تروح لك يا حسين الخنصرها.
قلها تروح إلكم الخدر ... وتنوح الدار ... أشب النار وأطفي النار نار بنار.
وأسوي اليوم حملة ... حملة الكرار ... وأخلي الخيل تنظرها.
قلها يريدونك تمايع لا يروح بعيد ... وجت تنزل على النيل يا بويا بيا إيد.
طفل رابي بروحي يلوق للوريد ... يسل يا حسين بالجلاد يعبرها.
قلها شيل الجيش كله وما كفر ... والماي ذلّه وتراخص.
بين الموت والويل يا حياتي ... أخوتك الموت بالعز التخيرها.
قلها يا واعد زمانك يا فتاك ... وموت الموت ... شو اختك يا خويا على النسا تنخاك ... تروح لشاطئ الفرات تعبرها.
يقول ناهض وشد المهر ... وحزام الحملة تجلّى ... وزينب تنظر بدموع تجري على الخد ... وتلوح له.

 

وقائع يوم عاشوراء واستشهاد الأصحاب
فلما أصبح الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) في يوم عاشوراء، صفّ أصحابه ودعاهم للجهاد.
وخطب أبو عبد الله (عليه السلام) ذلك اليوم عدّة خطب، بها وعظ القوم وأنذرهم وحذّرهم، ولكن بدون جدوى. وما كان يملكون رداً على خطابه إلا السيوف والرماح والسهام والنبال.
هذا وقد أخذ أصحابه يتوافدون إلى المعركة واحداً بعد واحد، وقاتلوا قتال الأبطال، وصاروا يتفانون للمنيّة دونه (صلوات الله وسلامه عليه).
وآخر من قُتل منهم حبيب بن مظاهر الأسدي (رضوان الله عليه).
ولما قُتل حبيب بان الانكسار بوجه الحسين، وتأثر حزناً متألماً.
وبعدها وقف بحومة الميدان ونادى بأعلى صوته: واغربتاه، واوحدتاه، أما من معين يعينني؟ أما من ناصر ينصرني؟ أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله؟

 

بروز علي الأكبر (ع) واستشهاده
فابتدر إليه ولده علي الأكبر وقال: يا أبه لبيك، داعي الله لبيك. فاستأذن أباه ومضى إلى القتال وهو يقول:
أنا علي بن الحسين بن علي ... نحن وبيت الله أولى بالنبي
أضربكم بالسيف حتى يلتوي ... ضرب غلام هاشمي علوي
والله لا يحكم فينا ابن الدعي
فقاتل قتال الأبطال، وبعد أن قتل عدداً كبيراً من فرسانهم، رجع إلى أبيه الحسين وهو يقول: يا أبه، هل من شربة ماء أروي بها كبدي؟ إن ثقل الحديد قد أجهدني والعطش قد قتلني.
فقال له الحسين: بني علي، يعزّ على أبيك أنك تطلب منه الماء فلا يجيب.
يقول: ففتح الحسين فمه وأخرج لسانه وإذا هو كالخشبة اليابسة من شدة العطش.
قال: بني ارجع إلى الميدان، وتوسل بجدك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكأسه الأوفى، بشربة لا تظمأ بعدها أبداً.
ورجع الأكبر إلى القتال وأخذ يقاتل والكتائب مدبرة بين يديه، وهو يضربهم يميناً وشمالاً ويصيح: أين تفرون؟
لهفي على الأكبر في بسالة حمزةٍ ... في شجاعة حيدرٍ بمهجة الحسينِ ... وفي مهابة أحمدِ.
حتى قتل منهم مقتلة عظيمة. وبينما هو يقاتل، إذ أقبل إليه منقذ بن مرة العبدي واغتاله من ورائه بضربة أوقعتْه على رأسه، فصاح: يا أبا عبد الله، عليك مني السلام.
أقبل إليه الحسين (عليه السلام) وانحنى عليه وقد وضع رأسه في حجره، ونادى بدموع تجري:
بني علي ... على الدنيا بعدك العفا.
يا ابني يا فجعة الروح ... يا بويا المصاب كسرني ... آه يا ليت القبر قبل قبرك يلمني.

 

بروز القاسم بن الحسن (ع) واستشهاده
ثم حمله إلى المخيم وأقبلت إليه العلويات واجتمعن عليه، وهناك صار العويل والبكاء. اليوم أعظم يوم جرى في تاريخ الدنيا، اليوم يوم عاشوراء، يوم مأساة الحسين الكبرى. هذا اليوم الذي ضجت ملائكة السماء باكية، فما من ملك في السماء إلا وبكى على الحسين. الجن ناحت على الحسين، الإنس ناحت على الحسين، والأعداء بكوا على الحسين (سلام الله عليه).
الحسين في مثل هذا اليوم وقف في كربلاء، ونادى بهذه الصيحة التي نقلها الأثير إلى العالم قائلاً: واغربتاه، واوحدتاه، وقلة ناصراه.
وهذا التجمع من قبلكم أيها المؤمنون في هذا المكان وفي مثل هذا اليوم، هو استجابة لذلك النداء الذي ناداه الحسين يوم الطف: واغربتاه واوحدتاه.
ومثله كمثل إبراهيم الخليل، فإبراهيم الخليل في مكة، الله أمره أن ينادي الناس للحج، فقال: يا رب ومن يسمعني؟ قال: أنت نادِ وعلينا التبليغ. وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر من كل فج عميق.
ووقف إبراهيم بين تلك الجبال ونادى بالحج، فاستجابت الناس له وهي في الأصلاب والأرحام. وكذلك الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، استجابت له النفوس المؤمنة في الأرحام وفي الأصلاب وكلها لبّت وقالت: لبيك داعي الله.
الحسين (عليه السلام) لما عاد بولده علي الأكبر إلى المخيم، اجتمعت عليه العلويات وأقبلت أمه ليلى، انحنت عليه باكية ناعية وهي تصرخ والنساء معها.

صاحب البنات يا علي يمه ... والله الموت ياخذني بمكانك ... اتمنيت الموت يا بعد عيني ... ولا أشوف وساد القبر يضمك.

وبعد أن قُتل علي الأكبر (عليه أفضل الصلاة والسلام)، وقف الحسين ونادى: واغربتاه واوحدتاه، وإذا بشاب قد خرج من المخيم أسمر اللون يتمايل بمشيته ودلالاً وهو يصيح: لبيك داعي الله لبيك يا بن رسول الله. فأقبل إلى الحسين واستقبله الحسين وإذا هو ابن أخيه القاسم.
قال: إلى أين تريد يا بن أخي؟ يعزّ على عمك أن يراك قتيلاً، ارجع إلى المخيم. قال: كيف أرجع وأسمع بكاء عيالاتك وأنين أطفالك؟ والله لا أرجع حتى ألقى حمامي بين يديك.
وفعلاً أذن له وبرز نحو الأعداء وهو يقول:
إن تنكروني فأنا نجل الحسن ... سبط النبي المصطفى والمؤتمن
هذا حسين كالأسير المرتهن ... بين أناس لا سقوا صوب المزن
فقاتل قتال الأبطال، وجاهد جهاد الرجال، قلب الميمنة على الميسرة والقلب على الجناحين، وكبّر في الأعداء الموت. بينما هو يقاتل، انقطع شسع نعلِه، فأقبل إليه عمر الأزدي بضربة سيف أوقعتْه صريعاً، فصاح: أدركني يا عم يا حسين.
فأقبل إليه الحسين وحمله إلى المخيم ووضعه هناك، وأقبلت إليه أمه رملة انحنت عليه باكية:
يا ولدي يا قاسم ... يا ليت الموت آخذني دونك.

يا ابني شقول عليك يا ابني ... دهري رماني بيك يا سلوتي ... شلون أنساك وأنسى أيامك الحلوة ... يا بلوتي.

 

بروز إخوة العباس (ع) وتقديمهم للشهادة
وبعد أن قُتل القاسم (عليه أفضل الصلاة والسلام)، تقدم أبو الفضل العباس وجاء بإخوته من أبناء أمه، ووقف أمام الحسين وقال: سيدي، هؤلاء إخوتي، أبناء أمهاتي وإخوتك، يريدون الجهاد والقتال والشهادة بين يديك.
لما سمع الحسين ذلك، أرخى دموع عينيه وبكى على إخوته، ثم أذن لهم بالقتال. فحملوا حملة واحدة وقاتل أولاد علي (وهم عثمان وعبد الله وجعفر) وجاهدوا جهاداً مراً حتى صُرعوا جميعاً (صلوات الله عليهم) واستشهدوا.
ثم تقدم أولاد عقيل وهم خمسة عشر رجلاً، وقالوا: يا أبا عبد الله، أتأذن لنا في القتال؟ فأرخى الحسين دموع عينيه وقال: يعزّ عليّ فراقكم يا بني عمي، حسبكم القتل بأخيكم مسلم، لو ذهبتم إلى بيوتكم.
قالوا: وكيف نذهب إلى بيوتنا ونتركك؟ والله لا نفارقك حتى نُقتل جميعاً بين يديك. فشكرهم الحسين (سلام الله عليه)، وتقدم أولاد عقيل وإخوة مسلم وقاتلوا حتى قُتلوا عن بكر أبي دلالهم (صلوات الله عليهم).
قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): كلما مررت على دور آل عقيل تخنقني العبرة، حيث أراها دوراً خالية من الرجال ليس فيها إلا الأرامل واليتامى.

 

بروز العباس بن علي (ع) وطلب الإذن
وبعد أن قُتل أولاد عقيل ولم يبقَ منهم أحد، تقدم أبو الفضل العباس (سلام الله عليه) وقال: سيدي يا أبا عبد الله، لقد ضاق صدري من الحياة، أتأذن لي بالقتال؟
فقال الحسين: يا أخي، أنت الكبش الحامي، وأنت ذخري وذخيرتي لمثل هذه الأيام. يا أبا الفضل، يعزّ عليّ أن آذن لك وتمضي إلى القتال.
ونادى العباس: أبا عبد الله، إن كان ولابد، فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء.
تذكر بعض الروايات أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه أفضل الصلاة والسلام) كان يخطب في مسجد الكوفة وكان الحسين جالساً إلى جنب أبيه، فقال الحسين: أنا عطشان. وكان العباس طفلاً، فقال: نور عيني أبا عبد الله أنا آتيك بالماء.
فخرج العباس من المسجد وراح إلى البيت وجاء بالماء، وكان شايله بين كفيه فقدمه إلى الحسين. فشرب الحسين، فعلي بكى وقال: هذا ساقي العطاشى.
ثم أخذ السيف والراية وقال: هذا السيف وهذا الراية هدية مني لك يا أبا الفضل. ثم أعطاها للحسين وقال له: أبو علي، هذا السيف والراية أمانة عندك فاعطها للعباس يوم كربلاء، لما يظلّ وحيداً بلا ناصر ولا معين.

 

مسير العباس للفرات وقصة استشهاده
يقول: فتوجه العباس إلى الفرات وجلب الماء، وكان يحمل السيف والراية.

بدوا يشدّون من ذاك الأسد ... بدوا يشدّون من ذاك الأسد ... على الكرار فارس الفرسان.
بقى العباس بس صاير وبس حسين ... وبقى ينادي عليهم: جيش الكوفة، اتقوا الله فينا، نحن ذرية نبيكم.
جاب السيف والراية مشهور ... إلك يا والدي مظلوم يلوق ... هدمت هدمت حق أبو الفضل العشور ... هذا السيف هذي رايتك هاك.
يقول: جرد السيف أبو الفضل، لقاه مجذم مصدي، ما ركب عليه زمان. فحلفت بالحسين (عليه السلام).
يقول هنا في هذه الحالة: أبو الفضل قال: يا حسين، اليوم إلا أن أجلي هذا السيف من رقاب الأعداء. وفعلاً فعل، أبو الفضل نزل بذاك الميدان وقاتل ذاك القتال.

وراح ينادي بكربلاء بيها يشوف ... شلون أبو الفضل لقاها على الصفوف
من لقاها صار يقطف للرؤوس ... أرض ما تنشاف بس منثورة رؤوس
صار العريف والكون العروس ... وهي تتبختر له بمشهد النفوس
تبخترت لأم الحرب لدْها تلوذ ... كربلاء كلها لأبو الفضل تلوذ
الشرف منها والمنارة والصوب ... ظل يفوت بفرسانهم وجاء الطفوف ... الطفوف تسيل من سيفه المخيف ... والوجه كأنه الهلال لاح من ركب فرسان صار اللوف.
كأن حيدر من رمى يومهم معروف ... كلهم يعرفون بأس الله سُلط ... ويا رمشة عين عاد ما بطا.
حومة اللوف لحت على رقاب الملا ... فرت بجيحان الأعداء كالرفوف.
الرفوف صارت هجة ابن ابن الفحل ... وهيب ثار الموت بالدْوي النحال.
فرح ذاك المحل ... مطرب وباسم على النسيج ... مطرب على السيوف هذي الرعاد ... والسباع صاعق لمن زلزل وصعد.
اليوم عزرائيل بوقوف له عدّ ... وأبو الفضل خطف الأرواح بشغل العاب ... وحرب أبو الفضل مثل يوم العذاب.
من وصلهم هدم هام الرقاب ... ولولا إسكندر ما قدر لهم يثوب.
من يروي الدم وأبو الفضل فجع ... وسيفه بالكون لمع وزلزل زلزال.
أشعل قلب الحسين حين اللي وقع ... بعد أن وقع وشاف مقطوعة الكفوف ... الكفوف مقطوعات والرأس الفجار ... وباقي الحسين يشبه المحتار.
فصاح: يا أخوي انكسر ظهري ... انكسر ظهري يا أبو الفضل ... شلون أرجع للمخيم والحريم بانتظاري.

 

رثاء العباس بن علي (ع)
يا خويا انكسر ظهري ... وقلّت حيلتي ... وضاق صدري ... يا غياثي وسندي.

أبا الفضل يا من أسس الفضل والوفا ... وصاحب اللواء والشهامة والتقى.

يا كفيل الضعينة يا عباس ... طاح اللواء وعميت العيون ... شلون أرجع للمخيم والنساء ينتظرون.

 

وداع الإمام الحسين (ع) الأخير لنسائه
أما الحسين (عليه السلام)، بعد مقتل أبي الفضل، رجع إلى المخيم، أول من استقبله زينب، قالت له: أبا عبد الله، أين أخي العباس؟ قال: أختاه عظم الله لكِ الأجر، لقد قُتل العباس وذهب الحمى. فضجت النساء بالبكاء والنحيب.
أما الحسين (عليه السلام) فصاح: يا بنات رسول الله، هل منكن إلى الوداع؟ هذا آخر الاجتماع، وقد قرب منكن الافتجاع. فأقبلن بنات علي من كل مكان، من كل جانب، يصرخن بدموع جارية: واأخاه، واحسيناه. واجتمعن بنات علي وساعة الوداع الساعة الرهيبة.
هنا الحسين قال: أريد كل بناتي، كل عيالي، كل أطفالي يجتمعون. فما بقى أحد إلا حضر ينظر الحسين يميناً وشمالاً، وإذا به يفتقد سكينة. أين سكينة عزيزته؟ أكبر بناته، ما موجودة تودع أبوها.
التفت يمين شمال، وإذا يراها جالسة في زاوية من زوايا الخيمة، واضعة رأسها بين ركبتيها وهي تبكي.
قام الحسين إليها، وقف عند رأسها وقال:
سَيطولُ بَعدي يا سُكينَةُ فاعلمي ... مِنكِ البُكاءُ إِذا الحِمامُ دَهاني
لا تُحرِقي قَلبي بِدَمعِكِ حَسرَةً ... ما دامَ مِنّي الروحُ في جُثماني
فَإِذا قُتِلتُ فَأَنتِ أَولى بِالَّذي ... تَأتينَهُ يا خَيرَةَ النِسوانِ
تقول له: يا بويا، لا تخفي عليّ ... يا عازة الروح يوم المغيب ... يا بويا النشامى راحوا ... وما بقى لنا كفيل بعدك.

 

 الوصية الأخيرة وحملة الإمام الحسين (ع)
هنا الحسين (عليه السلام) بعدما ودع عياله، وقف في وسط المخيم وصاح بأعلى صوته: أين أبو الفضل العباس؟ أين ولدي علي الأكبر؟ أقبلت زينب إليه قالت: نور عيني، أنت تناديهم وتعلم أنهم قد قُتلوا، لمن تنادي؟
قال: زينب، أنتِ تدرين لما أريد أركب، يقوم أبو الفضل ويقدم لي الفرس. أنا لما أريد أركب، يقوم علي الأكبر ويقدم لي الفرس. الآن من يقدم لي الجواد؟
والصحب صرعى والنصير قليل ... وأخت الحسين بالجواد تقوده ... وبدموع عبرات تسيل.
قالت له: أنا أقدم لك الجواد يا نور عيني. وقدمت الفرس لزينب، ولزمت الشكيمة للحسين ووقعت منبرة عليها. انحنت عليها وقد أغمي عليها، قال لها الحسين: أختاه زينب، لِمَ يغمى عليكِ وأنتِ فيكِ العافية؟
قالت: والله ما رأيت أختاً هي أقسى قلباً مني، حيث تقدم لأخيها جواد الموت وهي عالمة بأنه ذاهب إلى المنية.

 

استشهاد الإمام الحسين (ع) ورثاء زينب (ع)
يقول: الحسين ودع العيال وخرج. لما خرج ومشى قليلاً، وإذا يسمع صوت من ورائه يقول: أخي يا حسين، حبيبي، نور عيني، أبا علي، ثانية يا أخوي. التفت وإذا هي زينب طالعة حافية من المخيم تركض، والتراب يطأ قدميها من شدة حرارته.
لما رآها الحسين نزل، زينب طالعة بنت الزهراء، قال لها: خوية ليش طالعتي؟ قالت له: عندي وصية، أمنا وصتني بوصية يا خوية لما أشوفك وحيد بلا ناصر ولا معين.
أوصتني يا بنيّ بوصية أن أقبلكِ وداعاً، أقبلكِ على صدركِ وأقبلكِ بين عينيكِ. ليش هالمواضع الثلاثة؟ لأن بين عينيكِ يضربونك بحجر، وصدركِ يطأونه بحوافر الخيول.
يقول: كشف الحسين عن صدره وقبلته زينب في هذه المواضع الثلاثة، ثم رجعت. والحسين واصل طريقه، وهتف في القوم وحمل تلك الحملات المنكرة وهو يقول:
سَأَموتُ وَما بِالمَوتِ عارٌ عَلى الفَتى ... إِذا ما نَوى حَقّاً وَجاهَدَ مُسلِما
وَأواسي الرِجالَ الصالِحينَ بِنَفسي ... وَخالَفَ مَثبوراً وَقاتَلَ مُجرِما
وَقَدَّمتُ نَفسي لا أُريدُ بَقاءَها ... لِتَلقى خَميساً في الوَقائِعِ مَعرَما
إِن عِشتُ لَم أَندَم وَإِن مُتُّ لَم أُلَم ... كَفى بِكَ ذُلّاً أَن تَعيشَ وَتُرغَما
ثم قال: أمضي على دين النبي، أحمي عيالات أبي. وقاتل الحسين قتال الأبطال، وتذكر الروايات أن الملائكة نزلت لنصرته، فامتنع من ذلك وقال: اتركوني وإياه.
هذا والحسين (عليه السلام) خطب خطباً كثيرة ولكن دون جدوى، إلا أن أبا عبد الله حمل عليهم فبدد جمعهم وقتل أبطالهم. وقيل إن الحسين وصل مركز قيادة ابن سعد ففر الجيش حتى ملأ النخيلة هاربين.
على أي حال، هنا صاح عمر بن سعد: ويلكم هذا ابن قتّال العرب، إنكم والله لا تقدرون عليه، ولكن اقتسموا على الحسين، أي انقسموا عليه فرقاً أيها المؤمنون.
كما قال الحسين: ليتكم يوم عاشوراء جميعاً تنظرون جثة الحسين. افترقوا على إمامنا الحسين أربعة فرق: فرقة بالسهام، وأخرى بالنبال، وأخرى بالسيوف، وأخرى بالحجارة، وصاروا يرشقونه بذلك حتى أثخنته الجراح.
يقولون هنا: أخذ دمه ينزف، وقف ليستريح ساعة وإذا بالحجر صكّ وجهه الشريف، وا إماماه واحسيناه.
الحسين (عليه السلام) وقف بالميدان وقد أخذ دمه ينزف من وجهه الشريف، ثم جلس الحسين ليستريح.
يقولون: وبينما هو جالس يمسح الدم، وإذا بسهم محدّد مسموم وقع في قلبه الشريف، وا إماماه واحسيناه.
وسقط الحسين من على ظهر جواده، هنا صاح ابن سعد: ويلكم اختطفوا الجواد فإنه جواد رسول الله. فهجم القوم على جواد الحسين، فأخذ الجواد يضربهم برجليه ويَعضهم بأسنانه. فصاح ابن سعد: اتركوه لنرى ما يصنع. فتركوا الجواد، فلما هدأ وامتنع الناس عنه، أقبل وبرك عند رأس الحسين.
وأخذ يلطخ ناصيته بدم الحسين، وكان يقول: القوم أبا عبد الله قتلوك وا ذبّاحاه. وإذا بدون إجابة، يقول: مرغ ناصيته بدم الحسين واستدار حاملاً جسمه ومضى إلى المخيم.
الله يساعد زينب، تقول: أنا أبكي وأطوف وأدور، وألطم على صدري. خوية يا خوية يا خوية ما جاني رجاء، ما أدري شراح يصير، ويلي على المهرة لمن عاد الحسين صريعاً.

 

 اللحظات الأخيرة والشهادة
كشفت زينب عن صدر الحسين وقبلته، ثم رجعت والحسين واصل طريقه وهتف في القوم وحمل تلك الحملات المنكرة.
ونادت: يا حسين يا حسين، أحرقوا خيامنا، سلبوا عيالنا، أين الكفيل يا بن أمي؟ فنهض بسيفك واردد القوم عن رحلك. وإن كنت ميتاً فامركِ وأمرنا إلى الله.
يا خوية يا خوية، العيال تشتكي من حرارة الشمس أيها المؤمنون. وبينما زينب عند الحسين تظلل له من حرارة الشمس، إذ أقبل الشمر الضبابي الشقي، وا إماماه واحسيناه.
أقبل الشمر وجلس على صدر الحسين، وقبض على شيبته المقدسة.
وا إماماه، واحسيناه، وا شهيداه، وأما الحسين فنادى وقد ملأ الوادي صيحة، فما الصخور إلا وتتألم: يا خوي العلام كلمني.
يا نور عيني كلمني، انحنت عليه وقبلته على نحره الشريف، وا إماماه واحسيناه.
هذا والحسين بعد مقتل أبي الفضل رجع إلى المخيم، أول من استقبله زينب، قالت له: عظم الله لك الأجر، لقد قُتل أبو الفضل وذهب الحمى. فضجت النساء بالبكاء والنحيب.

خوية يا حسين يا حسين يا حسين، وا عباساه وا شهيداه.
أما الحسين نادى وقد ملأ الوادي صيحة: يا خوي العلام كلمني يا نور عيني كلمني.
انحنت عليه وقبلته على نحره الشريف، وقالت له: خوية الشمر خلاّك ساعة وخلاّك من غير غطاء ولا لباس ولا ماء، وأنا الوداع الوداع يا بن الأكرمين.
أقبل الشمر، دفعها، يقول لها: يا شمر خلّي الساعة، خليه يودع عياله وأطفاله. فصاح الشمر الشقي ونحره من القفا، وا إماماه واحسيناه.
وا إماماه واحسيناه واحسيناه.
واحسيناه واحسيناه واحسيناه.
زينب زينب، واحسيناه واحسيناه واحسيناه.
الحسين يا غريب يا حسين يا حسين.
شلون كان هالمصاب ما ينمحي؟ ما ينمحي بك يا بن أبوي يا وجعتي.
وأرتجي من الإله كفوف هادي، الشيعة خوية يرحمون السبي، يا حسين يا حسين.

 

 الختام والدعاء
أسألك اللهم وندعوك يا الله، بسم الله الرحمن الرحيم.
ارفعوا أيديكم بالدعاء، الدعاء مستجاب اليوم، ومجلسنا مستمر إلى ليلة عشرين بالشهر، وهاليلة هاي ليلة الوحشة القادمة، إن شاء الله كلكم تحضرون وتواسون زينب.
بسم الله الرحمن الرحيم: **(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)**، **أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)**، **أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)** يا الله.
اللهم إني أقسم عليك بمصيبة الحسين، ادفع عنا كل مصيبة، وكل بلاء، ويسر أمورنا واقض حوائجنا، وأعد علينا هذا اليوم من العام القادم ونحن نتمتع بالعافية والأمان والإيمان وعز الإسلام.
إخواني الحاضرين والسامعين، اقض حوائجهم، واشف مرضاهم، وارحم أمواتهم، وإلى من مات على الإيمان الفاتحة قبلها صلوات.

التعليقات

Loading...
venuse١٣yr ago
٠
thanks for that
reply