(151)
تاريخ النظرية الرجالية
في المدرسة الإمامية
(1)
السـيّد زهير الأعرجي
بسـم الله الرحمن الرحـيم
مقدّمة :
ابتدأ علم الرجال بإدراج أسماء الرواة ، وتطوّر خلال السنين الطويلة ليصبح علماً يبحث عن شخصية الراوي ، وصفاته في الصدق أو الكذب ، وطبيعة محيطه الاجتماعي والعقائدي ، ومدى صلته بالإمام المعصوم (عليه السلام) . بمعنى أنّ النظرية الرجالية بدأت تبحث عن الراوي من حيث شخصيته في الصدق والكذب ، ومنشأه الاجتماعي ، ومنزلته العلمية أكثر من كونه اسماً مجرّداً في قائمة أسماء .
وفي ما يلي عدد من المباني الأساسية في علم الرجال :
1 ـ إنّ القاعدة العامّة في علم الرجال ، هي أنّ الراوي الممدوح يُعمل بروايته ، بينما تُهمل رواية الراوي الذي ورد فيه ذمّ أو قدح .
2 ـ فساد المذهب لا يتعارض مع التوثيق . فالأصل أن يكون الراوي صادقاً في نقل الحديث بأمانة . ولذلك أخذ الفقهاء بالرواة من مذاهب مختلفة فاسدة كالواقفية والفطحية ، بشرط لم يثبت عليهم الكذب ، وأنّهم
(152)
رووا الحديث وقت استقامتهم . أي أنّ الأصل في علم الرجال هو : قبول الخبر ، لا قبول الشهادة .
3 ـ فرّق علماء الرجال بين المجهولين والمهملين .
فالمراد من (المجهول) هو : من صرّح أئمة الرجال فيه بالمجهولية ، وهو : أحد الفاظ الجرح .
والمراد من (المهمل) هو : من عنونه أئمّة الرجال ولم يضعّفوه ، بل لم يذكر فيه مدح ولا قدح .
وقد بدأ الاهتمام بأسماء المهملين عند الفقهاء المتأخّرين إلى درجة أنّ ابن داوُد الحلّي (ت 707 هـ) كان يعمل بخبرهم كالممدوحين .
4 ـ إنّ النظرية الحديثة في علم الرجال ، هي : الاجتهاد في التوثيقات بناءً على الأُسس العلمية المتّفق عليها بين الفقهاء .
(153)
الفصل الأوّل
طبيعة نقل الحديث والسنّة
مقدّمة :
كانت جامعة علوم أهل البيت (عليهم السلام) قاعدة ثابتة للعلم الرجالي . فمن حوزتها انطلقت الشرارة التأسيسية لبناء علم الحديث رواية ودراية على أيادي الشيخ النجاشي (ت 450 هـ) ، وشيخ الطائفة الطوسي (ت 460 هـ) . وبقي فقهاء الشيعة يتدارسون الحديث تدقيقاً وتحقيقاً ، ويتكلّمون فيه سنداً ودلالة . ومن أجل ذلك وغيره ، اختلف الفقهاء المجتهدون في الفتيا ; لاختلافهم في مدلول الروايات ، أو صحّة سندها .
فالفقيه لا يستطيع ـ عند ممارسته عملية استنباط الحكم الشرعي ـ الاعتماد على مطلق الأخبار الواردة في الكتب الروائية ، خصوصاً بعد ابتعاده عن عصر النصوص الشرعية . فكان عليه انتقاء ما يعتبره حجّة شرعية وما يفيد الاطمئنان بصدوره عن المعصوم (عليه السلام) ; ولذلك ألزم المجتهد نفسه في عصر الاستدلال على التمييز بين الثقات العدول من الرواة عن غيرهم من الضعفاء والمجاهيل .
فكان علم الرجال أحد الأدوات الرئيسية في الاستدلال على صحّة الرواية عن طريق استقصاء القرائن والأمارات ، على كون الراوي أو الذي يروي عنه ثقة ، مؤتمن على حمل الرواية ، ونقلها للأجيال المتعاقبة ، دون التورّط في الكذب ، أو التغيير ، أو التحوير ، أو كلّ ما يمسّ جوهر الحديث من سوء .
(154)
وتنبع أهمّية علم الرجال من نكتة مفادها : إنّ أغلب الأحكام التي بين أيدينا إنّما وصلت إلينا عبر روايات مسندة بأسانيد غير مقطوعة الصحّة ولا الاعتبار . بل يحتاج الصحيح منها إلى : نظر ، وتنقيح ، ودقّة في معرفة صحة الطريق إلى الرواية ، حتّى نستطيع ـ شرعاً ـ العمل بمقتضاها ، وأداء وظيفتنا الشرعية ، التي كُلفنا بها من قبل المولى عزّ وجلّ .
طبيعة نقل الحديث والسنّة على ضوء متغيّرات الزمان والمكان :
لم تكن عملية نقل الحديث خلال القرون العديدة الماضية بالعمل الميسور ، بل إنّها واجهت اضطراباً خطيراً بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإصرار الخلفاء الثلاثة على منع كتابة الحديث ; مخافة اختلاطه بالقرآن . وهذا الزعم كان مجرّد تبرير ; لحذف الأحاديث المساندة للولاية الشرعية لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .
العقبات التي وقفت بوجه نقل الحديث الصحيح :
ونظرة معمّقة إلى التاريخ واستقراءً لمعانيه ، نلحظ أنّ عملية نقل السنّة المطهّرة قد واجهت مشاكل جمّة تمثّلت في ثلاثة أبعاد مهمّة وهي :
أ ـ البعد الاجتماعي : ونبحث فيه شخصية الراوي وصدقه أو كذبه .
ب ـ البعد الثقافي : ونبحث فيه اختلاف العقائد المذهبية للرواة ووجود العوام بينهم .
ج ـ البعد السياسي : ونبحث فيه المنع المتعمّد لتدوين الحديث الشريف .
وما لم تتوفّر إحاطة تامّة بتلك الأبعاد فإنّنا لا نستطيع ، وبعد أكثر من
(155)
أحد عشر قرناً على انتهاء عصر النصّ ، من الاطمئنان على صحّة الروايات التي وردتنا من يد إلى يد خلال تلك الحقبة الطويلة من الزمن ، وطالما كان الابتعاد عن زمن النصّ كبيراً ، كان توثيق رجال الرواية صعباً . فهناك من وُثِقَ بهم واعتُمِدَ عليهم في النقل ، وهناك من طُعن فيهم ولم يعتمد عليهم ، وهناك من لم يعلم حالهم ، وهم المجاهيل الذين لا بدّ من النظر في أمرهم من حيث التوثيق أو عدمه .
أ ـ البعد الاجتماعي :
ونتناول هنا شخصية الراوي ، فشخصية الراوي مهمّة في نقل الحديث ، والصدق والكذب صفتان تطرءان على الإنسان ، تبعاً للمصالح والميول . وقد تنبّأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بتغيّر المصالح والميول ، فتتغيّر عندها طبيعة النقل ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « ستكثر بعدي القالة علىَّ »
ولا شكّ أنّ البحر الاجتماعي تتلاطم على سطحه الكثير من المفاهيم والمصالح المتضاربة ، وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) ، عندما سئل عن طبيعة الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأجاب : « إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعامّاً وخاصّاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً ووهماً . وقد كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على عهده ، حتّى قام خطيباً فقال : أيّها الناس ، قد كثرت عليّ الكذّابة . فمن كُذِبَ علىّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار . ثمّ كذب عليه من بعده . . . »(2) .
فكان أبو هريرة الدوسي « أكذب الناس على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) » ، كما
(1) المعتبر 1 / 29 المقدمة .
(2) أُصول الكافي 1 / 50 ح 1 باب اختلاف الحديث .
(156)
روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(1) .
وكان من الكذّابين : سمرة بن جندب ، ومحمّـد بن عكاشة الكرماني ، وأحمد بن عبدالجوبياري . بل إنّ عبـد الكريم بن أبي العوجاء عندما أمر أمير البصرة (محمّـد بن سليمان) بقتله ، وأيقن بالموت ، قال : « والله لقد وضعتُ فيكم أربعة آلاف حديث ، أحرّم فيها الحلال ، وأحلّ فيها الحرام ، ولقد فطّرتكم في يوم صومكم ، وصوّمتكم في يوم فطركم »(2) .
ومع أنّ ابن أبي العوجاء قد بالغ في قضية وضع الحديث ، وهو الذي كذّب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكيف نصدّق حديثه هذا ؟ ! إلاّ أنّ هناك دلالة نستفيدها من كلامه وهي ضخامة مشكلة الوضع في الروايات .
ولا شكّ أنّ الوضع الاجتماعي لبعض الرواة يتطلّب دراسة أدقّ وأعمق لميولهم وأهدافهم الاجتماعية ، ويتطلّب أيضاً دراسة أكثر عمقاً للأسباب التي أدّت بالمدرسة السنّية إلى الأخذ بعدالة الصحابة جميعاً ، مع العلم بفسق البعض منهم .
فأعلن ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) اتفاق أهل السنّة « على أنّ الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة »(3) .
وذهب الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) إلى أنّ « عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم ، وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم في نصّ القرآن »(4) .
(1) شرح نهج البلاغة 4 / 68 .
(2) الموضوعات 1 / 37 .
(3) الاصابة 1 / 9 .
(4) الكفاية في علم الدراية : 46 ، باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة .
(157)
بينما زعم ابن الصلاح (ت 643 هـ) بأنّ « للصحابة بأسرهم خصّيصة ، وهي أنّه لا يسأل عن عدالة أحد منهم ، بل ذلك أمر مفروغ منه ; لكونهم على الإطلاق معدَّلين بنصوص الكتاب والسنّة وإجماع من يعتدّ به في الإجماع من الأمّة »(1) .
إلاّ أنّ هذا التظاهر بعدالة جميع الأصحاب في المدرسة السنية لم يكن لينطلي على جميع العلماء والمحقّقين ، فقد برز من الفقهاء في المدرسة السنّية من قام بالتمييز بين المجروحين والمعدَّلين ، وبين الضعفاء والمتروكين ، وبين الأحاديث الموضوعة والصحيحة ، كالسيوطي (ت 911 هـ) الذي صنّف كتاب اللآلى المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ، وأبو فضل المقدسي (ت 507 هـ) مصنّف كتاب تذكرة الموضوعات ، وابن الجوزي (ت 597 هـ) مصنّف كتاب الضعفاء والمتروكين ، والرازي (القرن الرابع الهجري) مصنّف كتاب الجرح والتعديل .
مواجهة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لظاهرة الكذب في الرواية :
واجه أئمّة أهل بيت الهدى (عليهم السلام) ظاهرة الكذب ، ووضعوا لمعالجتها الضوابط الشرعية ، التي ألزمتنا بأخذ الروايات من الثقات ، فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تنبّأ بظهور الدسّ والوضع في الحديث ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم)محذِّراً : « . . .فمن كذب علىَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار . . . »(2) .
بينما وضع أمير المؤمنين (عليه السلام) منهجاً في الإسناد ، فقال : « إذا حدّثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم ، فإن كان حقّاً فلكم ، وإن كان كذباً
(1) مقدّمة ابن الصلاح : 174 .
(2) أُصول الكافي 1 / 50 ح 1 باب اختلاق الحديث .
(158)
فعليه »(1) .
في حين وصف الإمام الصادق (عليه السلام) طبيعة المصاعب التي تعتري نقل الحديث فقال (عليه السلام) : « إنّا أهل بيت صدّيقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا ، ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس . . . »(2) .
وقد فصّل الإمام الكاظم (عليه السلام) هؤلاء الكذّابين وعصورهم ، فقال : « ما أحد اجترأ أن يتعمد الكذب علينا إلاّ أذاقه الله حرّ الحديد ، وإنّ (بياناً) كذب على (علي بن الحسين) (عليه السلام) ، فأذاقه الله حرّ الحديد ، وإنّ (المغيرة بن سعيد) كذب على (أبي جعفر) (عليه السلام) ، فأذاقه الله حرّ الحديد ، وإنّ (أبا الخطّاب) كذب على أبي جعفر الصادق (عليه السلام) فأذاقه الله حرّ الحديد ، وإنّ (محمّـد بن بشير) لعنه الله يكذب علىَّ ، برئت إلى الله منه . . . »(3) .
وينقل محمّـد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس بن عبـد الرحمن : إنّ يونس قد سأله بعض الأصحاب : « يا أبا محمّـد ، ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا ، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث ؟ ! فقال : حدّثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبـد الله (عليه السلام) يقول : لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة ، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة . فإنّ (المغيرة بن سعيد) لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي ، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فإنّا إذا حدّثنا قلنا : قال الله عزّ وجلّ ، وقال
(1) أُصول الكافي 1 / 42 ح 7 باب رواية الكتب والحديث .
(2) رجال الكشي رقم 174 .
(3) رجال الكشي رقم 909 .
(159)
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال يونس : وافيت العراق ، فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) ، ووجدت أصحاب أبي عبـد الله (عليه السلام) متوافرين ، فسمعت منهم ، وأخذت كتبهم ، فعرضتها من بعد على (أبي الحسن الرضا) (عليه السلام) ، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون أحاديث أبي عبـد الله (عليه السلام) ، وقال لي : إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبـد الله (عليه السلام) ، لعن الله أبا الخطاب ، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبـد الله (عليه السلام) ; فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن ، فإنّا إن تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن ، وموافقة السنّة ، إنّا عن الله وعن رسوله نحدّث ، ولا نقول : قال فلان وفلان ; فيتناقض كلامنا . إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا ، وكلام أوّلنا مصادق لكلام آخرنا . فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه ، وقولوا : أنت أعلم وما جئت به ، فإنّ مع كلِّ قول منّا حقيقة وعليه نوراً ، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان »(1) .
الدلالات :
ويمكننا استخلاص بعض الدلالات المهمّة :
1 ـ إنّ للكذب أسباباً اجتماعية يغرق في بحرها الراوي الكاذب ، منها :
أ ـ الحصول على المال والجاه من قبل السلطة خصوصاً زمن معاوية بن أبي سفيان ، حيث أصبح وضع الحديث ـ بهدف تقوية سلطان
(1) رجال الكشي رقم 401 .
(160)
بني أُميّة ـ يدرُّ مالاً وفيراً لم يحلم به أحد من قبل .
ب ـ الحصول على المنـزلة والقبول الاجتماعي ، فلو ادّعى شخص أنّه سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حديثاً فرواه ، كان له مقعد اجتماعي متميّز في التاريخ أو هكذا يعتقد ، وهكذا كان الأمر مع أبي هريرة الدوسي وغيره من الوضّاعين .
ج ـ الانحراف في العقيدة ، وما يريده الراوي الكاذب هو تخريب عقائد الناس عبر بثّ الأحاديث الكاذبة بينهم ، كما قال عبـد الكريم بن أبي العوجاء قبل مقتله ، وكما كان يعمل أبو الخطاب ، والمغيرة بن سعيد ، ومحمّـد بن بشير ونحوهم .
2 ـ إنّ نظرية عدالة جميع من صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون التمييز بين المجروحين والمعدَّلين ، وبين الضعفاء والمتروكين ; تركت آثارها السلبية على مدرسة المذاهب الأربعة .
والحقّ أنّ وقوف فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) بوجه تلك النظرية يعدُّ من أعظم الإنجازات العلمية التي تحقّقت في غربلة الأحاديث الصحيحة من الموضوعة في تاريخنا الإسلامي .
3 ـ إنّ صفة الكذب وعلاقتها ببعض الرواة قد استشرى في جميع المذاهب الإسلامية ، فكان لا بدّ من نشوء علم الرجال ; لدراسة طبيعة الرواة وشخصيّاتهم من حيث الصدق والكذب ، وميزان الوثاقة .
ب ـ البعد الثقافي :
كان الوضع الثقافي في القرنين الثاني والثالث الهجريّين محكوماً ـ على الأغلب ـ بالقرآن المجيد والحديث الشريف ، وكان عدد المؤمنين
(161)
بولاية أهل البيت (عليهم السلام) كبيراً . فإذا كان عدد أصحاب الامام الصادق (عليه السلام) ، ممّن رووا عنه ، أكثر من أربعة آلاف راو ، ذكرها الشيخ الطوسي في رجاله ، عندها نعلم بأنّ الوضع الاجتماعي الحاكم ، كان وضعاً إسلاميّاً متشرّعاً على الأغلب .
ومع ذلك كان هناك عدد من الناس ممّن كان يستمع إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ولكنّهم كانوا يعتقدون بمذاهب العامّة أو مذاهب أُخرى فاسدة ، كالفطحية ، والواقفية ، والناووسية ، ونحوها . وكان هناك عدد من العوام ممّن رووا الرواية .
فكان وهب بن وهب عامّياً ، ضعيفاً ، متروك الحديث(1) . وكان عمّار الساباطي ضعيفاً ، فاسد المذهب(2) . وكان أحمد بن هلال ضعيفاً ، فاسد المذهب(3) . وتلك الأسماء نماذج حملها لنا التاريخ للحكاية عن الوضع الاجتماعي العام في أمّة المسلمين .
وكان الأصل في الأخذ بالحديث ، هو : أن يكون الراوي صادقاً ، مهما كان مذهبه أو عقيدته أو درجة علمه .
قال الشيخ الطوسي : « وأمّا العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الآخر ، فهو أن يكون الراوي معتقداً للحقّ ، مستبصراً ، ثقة في دينه ، متحرّجاً عن الكذب ، غير متّهم فيما يرويه »(4) .
كان فقهاء الشيعة في القرون الهجرية الأُولى على درجة عظيمة من
(1) الاستبصار 1/48 ح 134 .
(2) الاستبصار 1/372 ح 1413 .
(3) الاستبصار 3/28 ح 90 .
(4) عدّة الاصول 1 / 379 .
(162)
الوعي لوضع الرواة ، وقد لخّص الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) ذلك في عُدّة الأُصول ، فقال : « إنّا وجدنا الطائفة ميّزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار ، فوثّقت الثقات منهم ، وضعّفت الضعفاء ، وفرّقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته ومن لا يعتمد على خبره ، ومدحوا الممدوح منهم ، وذمّوا المذموم ، وقالوا : فلان متّهم في حديثه ، وفلان كذّاب ، وفلان مخلّط ، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد ، وفلان واقفي ، وفلان فطحي ، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها ، وصنّفوا في ذلك الكتب واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم ، حتّى أنّ واحداً منهم إذا أنكر حديثاً نظر في إسناده وضعفه بروايته ، هذه عادتهم على قديم الوقت وحديثه ، لا تنخرم »(1) .
وكان الفقهاء عند توثيقهم أحد الرواة يستخدمون اللغة الجميلة الواضحة ، مثلاً : يقول الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في توثيق الشيخ الصدوق (ت 329 هـ) : « كان جليلاً ، حافظاً للأحاديث ، بصيراً بالرجال ، ناقداً للأخبار »(2) .
ومع أنّ أتباع أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لم يكونوا قلّة ، بل كانوا من الكثرة بحيث كانت ثقافة آل البيت (عليهم السلام) هي الحاكمة في المجتمع ، إلاّ أنّ الحرّية الفكرية التي جاء بها الإسلام ، استغلّتها شريحة من الناس ; فتمذهبت بمذاهب شتّى ، واتّبعت نحل وأفكار مختلفة .
فمنهم من آمن بإمامة محمّـد بن الحنفية (الكيسانية)(3) ، ومنهم من
(1) عدّة الأُصول 1 / 366 .
(2) الفهرست ـ الشيخ الطوسي ـ : 495 .
(3) الملل والنحل 1 / 147 ، والفرق بين الفِرق : 23 .
(163)
آمن بإمامة زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) (الزيدية والجارودية والسليمانية)(1) ، ومنهم من آمن بأنّ الإمام الصادق (عليه السلام) هو مهدي هذه الأمّة (الناووسية)(2) ، ومنهم من آمن بإمامة إسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام)(الإسماعيلية)(3) ، ومنهم من آمن بإمامة عبـد الله الأفطح بن الإمام الصادق (عليه السلام) (الفطحية)(4) ، ومنهم من زعم بأنّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)هو المهدي (الواقفية)(5) ، ومنهم من زعم بإلوهية الإمام الصادق (عليه السلام)(الخطابية)(6) ، ومنهم من زعم بإمامة محمّـد بن عبـد الله بن الحسن (المغيرية)(7) ، وكثير غيرهم ممّن ادّعى ما ليس له ، وانحرف عن الجادّة ، وزاغ عن شريعة سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقد ورد ذمّ أبي الجارود في روايات رجال الكشي(8) .
وورد لعن أبي الخطاب على لسان الإمام الصادق (عليه السلام) وقال : « اللّهمّ أذقه حرّ الحديد »(9) .
قال الشهرستاني : « إنّ أبا الخطاب عزى نفسه إلى أبي عبـد الله جعفر بن محمّـد الصادق (عليهما السلام) ، ولمّا وقف الصادق على غلوّه الباطل في حقّه ، تبرّأ منه ولعنه وأمر أصحابه بالبراءة منه ، وشدّد القول في ذلك ، وبالغ
(1) رجال الكشي رقم 104 ، والملل والنحل 1 / 154 ـ 161 .
(2) فرق الشيعة : 78 .
(3) الملل والنحل 1 / 167 ـ 168 .
(4) الملل والنحل 1 / 167 ، وفرق الشيعة : 88 ـ 89 .
(5) الملل والنحل 1 / 168 ـ 169 .
(6) رجال الكشي رقم 135 .
(7) فرق الشيعة : 71 ـ 72 .
(8) رجال الكشي رقم 104 .
(9) رجال الكشي رقم 509 .
(164)
في التبرّي منه واللّعن عليه فلمّا اعتزل عنه ، ادّعى الإمامة لنفسه »(1) .
وورد لعن المغيرة بن سعيد . فقد روى الكشّي عن الإمام الرضا (عليه السلام) : « كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر فأذاقه الله حرّ الحديد . وروى عن ابن مسكان ، عمّن حدّثه من أصحابنا ، عن أبي عبـد الله عليه السلام قال : سمعته يقول : لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا »(2) .
وهذا الاضطراب من أولئك الرواة في قضايا الاعتقاد يرجع في منشئه إلى خلفية ثقافية ونفسية ضعيفة ، فكان من الرواة من هو عامّي من الذين لا حظّ لهم في القراءة أو الكتابة فضلاً عن العلم بالأحكام أو بأصول المذهب .
فليث بن أبي سليم كان من العوامّ ، قيل فيه : « روى في فضل الصلاة في مسجد الكوفة ، وهو عامّي بلا إشكال »(3) . ووهب بن وهب من العوام أيضاً وغيرهم .
والمدار في صحّة نقل الحديث ، هو : الوثاقة ، حتّى لو كان عامّياً ، ولكن الأغلب أنّ العوامّ لا يدركون خطورة التلاعب بنصّ الحديث ; ولذلك لا يؤخذ بروايتهم .
والرواة كان منهم الغلاة ومنهم أصحاب المذاهب الفاسدة ، التي تحكي ضيق أفق إدراكهم وحبّهم لذاتهم ، فما أن اختلف مع المعصوم (عليه السلام)
(1) الملل والنحل 1 / 179 ـ 181 .
(2) رجال الكشي رقم 103 .
(3) كامل الزيارات : 31 باب 8 .
(165)
حتّى ادّعى الإمامة لنفسه ، ومنهم من جمع الحقوق الشرعية كـ : (حيّان السراج) واشترى بها العقار والدار ، فلمّا توفّي الإمام (عليه السلام) أنكر موته وأسّس مذهباً لنفسه ; حرصاً على المال(1) .
وهذا الوضع الصعب سبب مشكلة جديدة ، وهي أنّه جعل بعض الأصحاب والفقهاء يتشدّدون في تدقيق سجلّ الرواة وتوثيقهم ، بحيث أصبح من ينسب الغلوّ إلى الراوي لمجرّد سماع رواية قد لا يدرك معناها ، وهذا تجريح بالثقات من الرواة ، وهو أمر خطير في علم الرجال . وإلى ذلك أشار العلاّمة المامقاني : « إنّه لا بدّ من التأمّل في جرحهم بأمثال هذه الأُمور ومن لحظ مواضع قدحهم في كثير من المشاهير كيونس بن عبـد الرحمن ، ومحمّـد بن سنان ، والفضل بن عمر ، وأمثالهم ، عرف الوجه في ذلك ، وكفاك شاهداً إخراج أحمد بن محمّـد بن عيسى ، وأحمد بن محمّـد بن خالد البرقي من قم . بل عن المجلسي الأوّل : إنّه أخرج جماعة من قم . بل عن المحقّق الشيخ محمّـد بن صاحب المعالم : إنّ أهل قم كانوا يخرجون الراوي بمجرّد توهّم الريب فيه .
فإذا كانت هذه حالتهم وذا ديدنهم ، فكيف يعوّل على جرحهم وقدحهم بمجرّده ؟ ! بل لا بدّ من التروّي والبحث عن سببه والحمل على الصحّة مهما أمكن »(2) .
الدلالات :
1 ـ إنّ أجلاّء الطائفة كانوا على درجة كبيرة من الوعي لوضع الرواة
(1) راجع رجال الكشي رقم 871 .
(2) مقباس الهداية : 49 .
(166)
من ناحية العلم أو الجهل ، صحّة المعتقد أو بطلانه ، الاستقامة أو الفساد ، وكانوا يشيعون ذلك الوعي بين الناس ، فأصبح المجتمع في إطار ثقافة عامّة تميّز الصادق من الكاذب ، إلى درجة أنّ أهل قم كانوا يخرجون الراوي الكاذب أو من يتوّهمون أنّه كاذب من ديارهم ، وكانت تلك قمّة الثقافة الرجالية للمتقدّمين من أهل العلم .
2 ـ إنّ الخلفية الثقافية للراوي قد تكون سبباً في انحرافه عن الجادّة ، فإذا كان الراوي لا يعي حرمة تزوير الحديث عن المعصوم (عليه السلام) ، ولا يدرك عظمة إثم الوضع ; أصبح الكذب عنده أمراً مستساغاً ، خصوصاً وأنّ بين الرواة من كان عامّياً أو ادّعى لنفسه الإمامة أو أنكر موت الإمام (عليه السلام) ; حرصاً على المال .
3 ـ إنّ مشكلة الكذب والتزوير خلقت مشكلة جديدة ، وهي التشدّد العظيم في سجلّ الرواة ، ممّا أدّى إلى تجريح عدد من الثقات ، وهذا الأمر بحاجة الى مراجعة علمية وتروٍّ ; من أجل الوصول إلى الأسباب الداعية إلى التجريح وتصحيحها .
ج ـ البعد السياسي :
وبالتأكيد فإنّ الوضع السياسي بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ليسمح بازدهار نقل الحديث الصحيح ، فقد أحرق الخليفة الأوّل بعض كتب الحديث ، وبضمنها خمسمائة حديث كان قد جمعها هو من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(1) . بينما أحرق الخليفة الثاني جميع كتب الحديث
(1) تذكرة الحفاظ 1 / 5 ، النصّ والاجتهاد : 51 .
(167)
المتداولة بحجّة اختلاطها بالقرآن . وهي من أوهن الحجج ; لاختلاف أُسلوب كلام الخالق عن كلام المخلوق (صلى الله عليه وآله وسلم) .
و« هو سبب لا يقتنع به عاقل عالم ، ولا يقبله محقّق دارس . اللّهم إلاّ إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة ، وأنّ أُسلوبها في الإعجاز من أُسلوبه ! هذا ممّا لا يقرّه أحد حتّى ولا الذين جاؤوا بهذا الرأي . إذ معناه إبطال معجزة القرآن وهدم أُصولها من القواعد . على أنّ الأحاديث لو كانت قد كتبت فإنّما ذلك على أنّها أحاديث للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبين الحديث والقرآن ـ ولا ريب ـ فروق كثيرة يعرفها كلّ من له بصر بالبلاغة وذوق في البيان . . فيكون ذلك على أنّها أحاديث ، ويتلقّاها المسلمون على أنّها كلام النبي ، ويظلّ أمرها على ذلك جيلاً بعد جيل ، فلا يدخلها الشوب ، ولا يعتريها التغيير ، ولا ينالها الوضع . . وما لهم يذهبون إلى اختراع الأسباب وابتداع العلل »(1) .
وكان من نتائج تلك السياسة أن طالت يد التحريف بعض جوانب السنّة الشريفة . ولولا تصدّي أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لحفظ السنّة ; لآل المصير إلى انهدام الركن الثاني من أركان الشريعة السماوية .
روى البيهقي في سننه عن عبـد الرزاق ، وابن أبي شيبة : إنّ عمران بن الحصين صلّى خلف علي (عليه السلام) فأخذ بيد مطرّف بن عبـد الله ، وقال : لقد صلّى صلاة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولقد ذكرني صلاة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم)(2) . وكان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يجهر بالبسملة في الصلاة ، وهي من سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فبالغ بنو أُمية في المنع عن الجهر
(1) أضواء على السنّة المحمّـدية : 27 ـ 28 .
(2) سنن البيهقي 2 / 68 ، وأنساب الأشراف 2 / 18 ، وكنـز العمّال 8 / 143 .
(168)
بها ; سعياً في إبطال آثار أمير المؤمنين (عليه السلام)(1) .
روى النسائي والبيهقي في سننهما عن ابن عبّاس أنّه كان يقول : اللّهمّ العنهم فقد تركوا السُنن ببغض علي(2) .
وهكذا تبدّلت الأحكام ، حتّى تجرّأ ابن الزبير على تقديم الصلاة قبل الخطبة يوم الجمعة .
يقول الإمام عليّ بن الحسين (عليهما السلام) في دعاء يومي الجمعة والأضحى : « اللّهمّ إنّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ، ومواضع أُمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها ، قد ابتزّوها . حتّى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين ، يرون حكمك مبدّلاً وكتابك منبوذاً ، وفرائضك محرّفة عن جهات شرعك ، وسنن نبيّك متروكة »(3) .
وقد آمن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر بكتابة سنّته ، إلاّ أنّه ندب إلى ذلك كثيراً ، وأملى على علي (عليه السلام) أحاديث كتبها وجمعها في كتاب مُدرج كان عنده ، ثمّ انتقل إلى أولاده الأئمّة (عليهم السلام) .
فقد روى (الحكم بن عيينة) أنّه اختلف مع الإمام الباقر (عليه السلام) في حكم ، فأخرج الإمام (عليه السلام) كتاباً مدروجاً عظيماً ، ففتحه وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة منها ، وقال للحكم : « هذا خطّ علي وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) »(4) .
وذكر السيّد شرف الدين (قدس سره) : إنّ في كتاب الفرائض من الجزء الرابع
(1) تفسير النيشابوري بهامش تفسير الطبري 1 / 79 .
(2) نقلاً عن تعليقة السندي بهامش سنن النسائي 5 / 253 .
(3) الصحيفة السجادية دعاء 48 .
(4) رجال النجاشي رقم 966 .
(169)
في باب (إثم من تبرّأ من مواليه) : « حدّثنا قتيبة ، حدّثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التميمي ، عن أبيه ، قال : قال علي (عليه السلام) : ما عندنا كتاب نقرؤه إلاّ كتاب الله ، غير هذه الصحيفة . قال : فأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات » .
ثمّ قال السيّد شرف الدين : « وتراه صريحاً بأن ليس للمسلمين آنئذ كتاب يتلى إلاّ كتاب الله عزّ وجلّ وتلك الصحيفة .
وقد ذكرها صاحب (المشكاة) في (باب الصيد والذبائح) وفي (باب حرم المدينة) فراجع »(1) .
ويستقرأ من بعض المصادر أنّ فتاوى أئمّة المذاهب الاجتهادية السنّية قد اختلطت بأحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكأنّها نسبت إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض موارد الاحتجاج التي يعجز فيها صاحب الفتوى من إبراز الدليل .
يقول ابن قدامة في المغني : « يعلم من أدلّة المذاهب : إنّ جلّ الأحاديث التي يحتجّ بها أهل الحديث على أهل الرأي وعلى القياسيّين من علماء الرواية ، هي من أحاديث الآحاد ، التي لم تكن مستفيضة في العصر الأوّل ، أو نُقل عن الصحابة والتابعين خلاف في موضوعها . فعلم بذلك أنّها ليست من التشريع العام ـ الذي جرى عليه عمل النبي وأصحابه ، وليست ممّا أمر النبي أن يبلّغ الشاهد فيه الغائب ـ ، بل كانت ممّا يرد كثيراً في استفتاء مستفت عرضت له المسألة فسأل عنها فأُجيب . ولعلّه لو لم يسأل لكان في سعة من العمل باجتهاده فيها ، ولكان خيراً له وللناس ; إذ لو كانت
(1) مؤلّفو الشيعة : 15 . وفتح الباري 7 / 83 . ومسند أحمد 3 / 35 ، 44 ، 121 ، 122 ، 131 .
(170)
من مهمّات الدين ـ التي أراد الله تكليف عباده إيّاها ـ لبيّنها لهم من غير سؤال ، فإنّ الله تعالى أعلم بما هو خيرٌ لهم . . وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يكره كثرة السؤال ونهى عنها ; لئلاّ تكون سبباً لكثرة التكاليف فتعجز الأُمّة عن القيام بها . . . »(1) .
نقل السيوطي في تنوير الحوالك عن القاضي أبي بكر بن العربي : « إنّ مالكاً روى مائة ألف حديث ، جمع منه في الموطّأ عشرة آلاف ، ثمّ لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويخبرها بالآثار والأخبار حتّى رجعت إلى خمسمائة »(2) .
ثمّ نقل السيوطي أيضاً في تقريبه عن ابن حزم : إنّه أحصى سبعين حديثاً قد ترك مالك نفسه العمل بها(3) .
وقال الليث بن سعد : أحصيتُ على مالك سبعين مسألة وكلّها مخالفة لسنّة الرسول(4) .
وألّف الدارقطني جزءً فيما خالف فيه مالك من الأحاديث في موطّأه(5) .
وكان من آثار تأخير تدوين الحديث إلى ما بعد المائة الأُولى من الهجرة وصدر كبير من المائة الثانية : أن اتسعت أبواب الوضع بغير ضابط ولا قيد ، واختلط الصحيح بالموضوع من الحديث الشريف .
(1) مقدمة كتاب المغني 1 / 18 ـ 19 .
(2) تنوير الحوالك : 6 .
(3) تنوير الحوالك : 8 .
(4) جامع بيان العلم وفضله 2 / 148 .
(5) أضواء على السنة المحمّـدية : 298 .
(171)
الدلالات :
1 ـ إنّ عدم كتابة السنّة النبوية الشريفة كان لها مدلولان :
الأوّل : ظاهري ، وهو الزعم باحتمال اختلاط أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالقرآن الكريم . وهذا الاحتمال ضعيف عقلاً وشرعاً ; فأُسلوب القرآن الكريم يختلف عن أسلوب الحديث النبوي الشريف ، ومجرّد عرض الاحتمال يعكس عدم التدبّر بكتاب الله المجيد ذاته الذي تحدّى العرب بإعجازه ووعد المرسِل عزّ وجلّ بحفظه إلى يوم القيامة ، بقوله : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )(1) .
الثاني : واقعي ، وهو خشية القوم من ذكر فضائل علي (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) ; لأنّ في التدوين تثبيت لتلك الفضائل دون شكّ ; فينفضح عندها من اغتصب الخلافة من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .
2 ـ إنّ عدم كتابة الحديث قد أدّى ـ لاحقاً ، وبعد فترة وجيزة ـ إلى التجرّؤ على الأحكام الشرعية وتبديلها ، كما عمد عبـد الله بن الزبير على تقديم الصلاة على الخطبة يوم الجمعة ، أو ما كان من المبالغة في المنع عن الجهر بالبسملة في الصلاة عند بني أُمية وغيرها .
3 ـ اختلاط أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بفتاوى أئمّة المذاهب الأربعة إلى حدّ أنّ أحدهم (وهو مالك) روى مائة ألف حديث ، ولم يعمل إلا بخمسمائة منها . وفي ذلك تشويش عظيم على شريعة سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) .
(1) سورة الحجر 15 : 9 .
(172)
وبالنتيجة :
فإنّ علم الرجال من أشرف العلوم الشرعية ، وإلى ذلك أشار العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) بأنّ (العلم بحال الرواة من أساس الأحكام الشرعية ، وعليه تبنى القواعد السمعية ، يجب على كلّ مجتهد معرفته وعلمه ، ولا يسوغ له تركه وجهله ، إذ أكثر الأحكام تستفاد من الأخبار النبوية ، والروايات عن الأئمّة المهدية ـ عليهم أفضل الصلاة وأكرم التحيّات ـ فلا بدّ من معرفة الطريق إليهم ، حيث روى مشايخنا ـ رحمهم الله ـ عن الثقة وغيره ، ومن يُعمل بروايته ، ومن لا يجوز الاعتماد على نقله)(1) .
الفصل الثاني
المدارس الرجالية في التأريخ الإمامي
مقدّمة :
لا شكّ أنّ التحسّس بضرورة تدوين أسماء الرجال ـ الذين نقلوا أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ـ كان قويّاً ، حتّى في عصر أئمّة الهدى (عليهم السلام) ; لئلاّ تضيع على الأجيال القادمة مقاييس التوثيق وتختلط عليهم صفات الرواة . فكان علم الرجال من أوائل العلوم الإسلامية التي اهتمّ بها الأصحاب بشكل استثنائي ، وتشير المصادر الإمامية إلى أنّ « أوّل من أسّس علم الرجال وصنّف فيه هو : أبو محمّـد عبـد الله بن حيّان بن أبجر الكناني (ت 219 هـ) ، صنّف كتاب الرجال كما في فهرس أسماء المصنّفين من الشيعة للنجاشي ، قال : وبيت جبلة بيت مشهور بالكوفة ، وكان عبـد الله واقفاً ، وكان فقيهاً ، ثقة ، مشهوراً ، له كتب منها : كتاب الرجال إلى آخر ما ذكر من أسماء مصنّفاته . ثمّ قال : ومات عبد الله سنة تسع عشرة ومائتين »(2) .
وفي ضوء تلك الأفكار ، فإنّنا سنعتبر بداية نشوء علم الرجال في المدرسة الإمامية : القرن الثالث الهجري ، وسوف نتناول الآثار العلمية الرجالية لكلّ قرن ، مع تحليل مقتضب لنتائج كلّ مرحلة تأريخية من تلك المراحل الطويلة .
1 ـ القرن الثالث الهجري :
وفي هذه الفترة المبكّرة بدأ التحسّس الأوّلي بأهمّية درج أسماء الرواة ، والاطمئنان إلى أنّ ما سينقل إلى الأحفاد لا بدّ وأن يستند إلى قواعد كلّية في التوثيق . وأهمّ كتب هذه المرحلة هو كتاب أحمد بن عبـد الله بن أحمد البرقي (من أعلام القرن الثالث الهجري) ، المسمّى بـ : رجال البرقي ولكن الكتاب ينسب أحياناً إلى أحمد بن محمّـد البرقي صاحب المحاسن (ت 274 هـ)(3) . وعلى أيّ تقدير فإنّ رجال البرقي يعدّ من أهمّ كتب هذه المرحلة ، حيث وفّق المصنّف فيه إلى ذكر طبقات الرواة من زاوية صحبتهم لكلّ إمام ، ولكنّه لم يتعرّض لتوثيقهم أو تضعيفهم .
ومن ثمار هذه المرحلة كتب رجالية أقلّ أهمّية ، مثل :
1 ـ كتاب الرجال لعبـد الله بن أبجر الكناني (ت 219 هـ) ، المذكور آنفاً .
2 ـ معرفة رواة الأخبار والمشيخة للحسن بن محبوب السرّاد (ت 224 هـ) .
3 ـ كتاب الرجال لأبي محمّـد الحسن بن علي بن فضّال الكوفي (ت 224 هـ) من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) .
4 ـ كتاب الرجال لابنه أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن فضّال الكوفي (من أعلام القرن الثالث الهجري) .
5 ـ كتاب المشيخة لأبي محمّـد جعفر بن بشير البجلي الوشّاء (ت 280 هـ) .
6 ـ كتاب تاريخ الرجال لأحمد بن علي العلوي العقيقي (ت 280 هـ) .
7 ـ كتاب رجال الشيعة لعلي بن الحكم النخعي الأنباري (من أعلام القرن الثالث الهجري) .
ولأسباب تأريخية فُقدت جميع تلك الكتب ، ولم يصلنا منها إلاّ كتاب رجال البرقي المطبوع مع رجال أبي داود الحلّي . وحتّى رجال البرقي اُختلف في نسبته ، فنسبه البعض إلى البرقي الابن ، وهو : أحمد بن محمّـد بن خالد البرقي . ونسبه آخرون إلى البرقي الأب ، وهو : محمّـد بن خالد البرقي ، كما سنبحثه لاحقاً .
وتكمن أهمّية مصنّفات هذه المرحلة بأنّها صُنّفت أما في زمان حياة الأئمّة (عليهم السلام) ، أو بعد وفاتهم (عليهم السلام) بفترة قصيرة جدّاً . وهذا مهمّ للغاية ; لأنّ الجوّ الاجتماعي الحاكم على التوثيق أو التضعيف يجعل من عملية الجرح والتعديل أقرب إلى الواقع الموضوعي من أيّ فترة زمنية أُخرى ، وقد هيّأت هذه المرحلة لفقهاء القرنين الرابع والخامس الهجريّين مادّة علمية هائلة ; لتطوير علم الرجال ، وتمحيص ما تمّ تثبيته من جرح وتعديل ، أو تضعيف وتوثيق لرواة الأحاديث .
2 ـ القرن الرابع الهجري :
وقد حمل لنا هذا القرن عدداً محدوداً من الكتب الرجالية إلاّ أنّها على درجة كبيرة في الأهمّية ، منها :
1 ـ كتاب الرجال لحميد بن زياد الدهقان (ت 310 هـ)(4) .
2 ـ كتاب الرجال للشيخ أبو العبّاس أحمد بن محمّـد بن سعيد المعروف بابن عقدة (ت 333 هـ) . وقد جمع المصنّف فيه أسماء من روى عن الامام جعفر بن محمّـد الصادق (عليهما السلام) وعددهم أربعة آلاف رجل ، أوردهم الشيخ الطوسي في رجاله .
3 ـ كتاب الطبقات لأحمد بن محمّـد القمّي (ت 350 هـ) .
ولكن أهمّ الكتب الرجالية المؤلّفة في هذه الفترة كتاب رجال الكشي الموسوم بـ : معرفة الناقلين عن الأئمّة الصادقين (عليهم السلام) لأبي عمرو محمّـد بن عمر بن عبـد العزيز الكشّي (ت 328 هـ) المعاصر لابن قولويه (ت 367 هـ) ومن علماء عصر الغيبة الصغرى ، وكان ذلك الكتاب مثقلاً بالأخطاء ، فقام الشيخ الطوسي بتهذيبه وتجريده من الزيادات وسمّاه بـ : اختيار الرجال ، ثمّ أملاه على تلاميذه في النجف الأشرف سنة 456 هـ(5) .
وامتاز كتاب اختيار الرجال بذكره للروايات بأسانيدها الدالّة على أحوال الرواة ، وطبيعتهم ، وما ورد فيهم من قدح أو مدح . إلاّ أنّ كتاب رجال الكشي الأصل لم يصل إلينا ، وما وصل إلينا هو كتاب اختيار الرجال للكشّي للشيخ الطوسي (قدس سره) .
ومن روّاد هذه الفترة أيضاً الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّـد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (ت 381 هـ) . فقد ألّف كتاب المشيخة حيث ذكر فيه مشايخه من الرجال ، وصل عددهم إلى أكثر من مائتي شيخ ، وكتاب المشيخة مطبوع في القسم الأخير من كتاب من لا يحضره الفقيه . وله كتاب آخر في الرجال اسمه كتاب المصابيح فيمن روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام)(6) ، وقد بوّبه في خمسة عشر باباً فيمن روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الرجال والنساء ، وفيمن روى عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وبضمنهم سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، وأسماء الرجال الذين خرجت إليهم التوقيعات من صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) .
ولا شكّ أنّ تلك الفترة التأريخية في علم الرجال كانت مثقلة بهموم الغيبة والترقّب لظهور الامام القائم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ، فكان ذلك الترقّب مدعاة لركود التصنيف والتأليف . إلاّ أنّ ذلك الجمود النسبي كان كالهدوء الذي سبق العاصفة . فما أن انتهى هدوء القرن الرابع الهجري ، حتّى هبّت عاصفة القرن الخامس العلمية بما حملته من روح تأسيسية علمية لمباني المدرسة الإمامية . فكان القرن الخامس الهجري من أنشط القرون على الصعيدين العلمي والتأسيسي لمباني المذهب في علوم الفقه والأُصول والرجال .
3 ـ القرن الخامس الهجري :
ويمكن اعتبار هذه الفترة الحاسمة في تاريخ الإمامية بفترة التأسيس العلمي للمدرسة الرجالية ، فقد ألّفت فيها الأُصول الرجالية للطّائفة الإمامية (وهي رجال النجاشي ، واختيار الكشي ، والرجال ، والفهرس للشيخ الطوسي ، والضعفاء المنسوب إلى ابن الغضائري) . ومن اعمدة هذه المدرسة شيخان جليلان من مشايخ الطائفة هما : الشيخ أبو العبّاس أحمد بن علي بن العبّاس النجاشي (ت 450 هـ) ، والشيخ أبو جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ) .
فقد ألّف النجاشي (قدس سره) فهرسُ أسماءِ مصنّفي الشيعة المشتهر بـ : رجال النجاشي ، ويتّسم الكتاب بالشمولية والتفصيل في كنى الرواة وألقابهم ومنازلهم وأنسابهم ، وقد ذكر المصنّف ترجمة (1269) راوياً مع مصنّفاتهم ، ولمحاً عن حياتهم ، ودرجة وثاقتهم أو ضعفهم ، حسبما اقتضته الإحاطة العلمية بشؤونهم ، والمعروف عند فقهاء الطائفة أنّ كتاب رجال النجاشي كان قد اُلِفَّ بعد تأليف الشيخ لكتابيه رجال الطوسي والفهرست . وفي ضوء ذلك ، نستطيع القول بأنّ رجال النجاشي استدرك النواقص التي وقعت في كتاب الفهرست للشيخ الطوسي .
أمّا الشيخ الطوسي (قدس سره) فقد قام بتحرير ثلاثة كتب رجالية رئيسية ، وهي :
أ ـ الفهرست : وهو كتاب حاول فيه المصنّف ذكر أسماء المؤلّفين الذي اتصل إليهم إسناده ، مع التصريح بثقتهم أو الاكتفاء بذكر مؤلّفاتهم ، وهو يحتوي على ما يزيد من تسعمائة اسم من أسماء المصنّفين أصحاب الكتب والأُصول ، حيث أورد لكلّ من ترجم له كتاباً أو أصلاً ، مصرّحاً في الوقت نفسه بدرجة وثاقة الكتاب أو الأصل .
ب ـ رجال الطوسي : ويسمّى أيضاً بـ : الأبواب ; لأنّه رتّب على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ورجال أصحاب كلّ إمام من أئمّة الهدى (عليهم السلام) ، ورجال من لم يروِ عنهم إلاّ بواسطة ، ويتضمّن الكتاب حوالي (8900) اسم على قسمين :
1 ـ من روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أحد الأئمّة (عليهم السلام) .
2 ـ من لم يروِ عنهم (عليهم السلام) .
وكان الهدف من التأليف : جمع شتاتهم وتمييز طبقاتهم ، لا تمييز الممدوح منهم من المذموم .
ج ـ اختيار معرفة الرجال : ويعدّ هذا الكتاب نسخة منقّحة ومختصرة لكتاب رجال الكشي ، وميزته : هو ربط الروايات بأسانيدها الدالّة على وثاقة الرواة أو عدم وثاقتهم .
وقد أثمرت تلك الفترة عن كتب رجالية أُخرى أقلّ أهمّية من تصنيفات النجاشي والطوسي ، نذكرها لاهمّيتها التأريخية ، وهي :
1 ـ كتاب الاشتمال في معرفة الرجال لأحمد بن محمّـد الجوهري البغدادي (ت 401 هـ) .
2 ـ كتاب الفهرس(7) للشيخ أبو عبـد الله أحمد بن عبـد الواحد البزّاز المعروف بابن عبدون (ت 423 هـ) ، وهو من مشايخ النجاشي والطوسي .
3 ـ كتاب رجال ابن الغضائري ، الذي يعدّ من كتب هذه المرحلة ، وقد تضاربت الأقوال على ثبوته وصحّته ; وهو مردّد النسبة بين كونه لأحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري كما هو المشهور ، وكونه لوالده الحسين بن عبيد الله (ت 411 هـ) الذي كان أحد مشايخ النجاشي وشيخ الطائفة .
والكتاب خاص في أسماء الرواة الذين لا يؤخذ بروايتهم ، ولذلك كان الاسم دالاًّ على المسمّى ، فسُمّي بـ : كتاب الضعفاء ، وافتقد هذا الكتاب حوالي قرنين ونصف من الزمان ، حتّى عثر عليه السيّد أحمد بن طاووس (ت 673 هـ) ، وبعدها كثر النقل عنه لدى الرجاليّين المتأخّرين وبضمنهم السيّد ابن طاووس وتلميذيه : ابن داوُد الحلّي ، والعلاّمة الحلّي . وكان إعجاب السيّد ابن طاووس بـ : كتاب الضعفاء مدعاة لإدراجه ضمن كتابه حلّ الإشكال في معرفة الرجال ، وبقي وضع الكتاب على هذا الشكل مدّة تزيد على ثلاثة قرون حتّى قام الشيخ عبـد الله التستري (ت 1021 هـ) باستخراج جميع عبارات ابن الغضائري في كتاب حلّ الإشكال في معرفة الرجال وفهرسه ضمن ترتيب الحروف الهجائية ، وسمّاه بـ : رجال ابن الغضائري . وهو الكتاب المتداول اليوم .
ولكن عناية القهبائي (من أعلام القرن الحادي عشر الهجري) كرّر ما قام به السيّد ابن طاووس قبل أربعة قرون ، فعمل على إدراج ما كتبه أستاذه الشيخ التستري بما سمّي بـ : رجال ابن الغضائري ضمن موسوعته الرجالية الموسومة بـ : مجمع الرجال .
وهذا الاندفاع ـ في إدراج أو استخراج كتاب ابن الغضائري من الموسوعات الرجالية خلال أربعة قرون من الزمان ـ فيه دلالة على أنّ طبيعة تقوية نسبة الكتاب أو تضعيفها إلى مصنّفها كانت قضية اجتهادية بحتة .
ويبدو من كلام الشيخ الطوسي في مقدّمة كتابه الفهرست أنّ لابن الغضائري كتب رجالية أُخرى بالإضافة إلى كتاب الضعفاء ، فقال شيخ الطائفة في معرض تبريره سبب تأليف كتاب الفهرست : « إنّي لمّا رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرس كتب أصحابنا . . . ولم أجد أحداً منهم استوفى ذلك . . . إلاّ ما كان قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد ـ رحمه الله ـ فإنّه عمل كتابين ، أحدهما في المصنّفات ، والآخر ذكر فيه الأُصول واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه . غير أنّ هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا ، واخترم(8) هو ـ رحمه الله ـ وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنهم »(9) .
ولا شكّ أنّ ذكر المصنّفات أو الأُصول يرتبط بدرجة ما من درجات وثاقة الراوي ، وهذا التقريب يقوّي الرأي القائل : بأنّ لابن الغضائري كتاباً في أسماء الثقات ، لكنّه تلف مع غيره من الكتب التي تلفت بعد موته رضوان الله عليه .
4 ـ القرن السادس الهجري :
وهذا القرن يمثّل امتداداً لعصر الشيخ الطوسي ونشاطه الدائب في تصنيف الرواة . إلاّ أنّه لم يثمر إلاّ بمصنَّفين ، وهما :
الأوّل : كتاب الفهرست للشيخ منتجب الدين علي بن موفّق الدين عبيد الله بن بابويه القمّي (ت بعد سنة 585 هـ) . وهذا الكتاب كان متمّماً لفهرست الشيخ الطوسي ، حيث أورد المصنّف فيه ما فات الشيخ الطوسي من أسماء معاصريه من مصنّفي الإمامية ، وأضاف إليه أسماء المصنّفين الذين صنّفوا بعد وفاة الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) ولحد أكثر من قرن كامل بعد وفاة شيخ الطائفة .
وقد « أدرجه المجلسي في آخر مجلّدات البحار بتمامه .
وعمد إليه الشيخ الحرّ العاملي وفرقه في كتابه أمل الآمل مع ضمّ تراجم أُخر استفادها من سائر الاجازات ، كما صرّح بذلك في الأمل .
والسيّد البروجردي رتّبه على الحروف ، وعدّ تراجمه بثلاث وثلاثين وخمسمائة ، وذيلهم بستين ترجمة فاتت المؤلّف »(10) .
وقد كان الباعث على تصنيف هذا الكتاب أنّ السيّد الجليل أبي القاسم يحيى بن الصدر المرتضى استدعى المصنّف مخاطباً : « إنّ شيخنا الموّفق السعيد أبا جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي ـ رفع الله منـزلته ـ قد صنّف كتاباً في أسامي الشيعة ومصنّفيهم ، ولم يصنّف بعده شيء من ذلك ؟
فأجابه الشيخ منتجب الدين بقوله : لو أخّر الله أجلي وحقّق أملي ; لأضفتُ إليه ما عندي من أسماء مشايخ الشيعة ومصنّفيهم ، الذين تأخّر زمانهم عن زمان الشيخ أبي جعفر ـ رحمه الله ـ وعاصروه »(11) .
وهكذا كان ، فقد حقّق الله تعالى أمل الشيخ ومدّ في عمره فكتب الفهرست .
ولكن ، يظهر من هذه الوثيقة أنّ فهرست الشيخ منتجب الدين لم يعكس طموحاً علمياً راود المؤلّف نفسه ، بل كان يعبّر عن حاجة اجتماعية ماسّة دعت السيّد أبو القاسم لالتماس الشيخ منتجب الدين للكتابة الرجالية ، وهذا يعكس الفارق العلمي الشاسع بين عصري الشيخ الطوسي والشيخ منتجب الدين .
الثاني : كتاب معالم العلماء لرشيد الدين محمّـد بن علي السروي الشهير بابن شهراشوب (ت 588 هـ) . وقد « ألّفه تتميماً لفهرست شيخ الطائفة ، وذكر فيه أنّه زاد عليه نحواً من ثلاثمائة مصنّف »(12) .
ويتضمّن الكتاب (1021) ترجمة ، وفي آخرها (فصل فيما جهل مصنّفه) و(باب في بعض شعراء أهل البيت (عليهم السلام)) .
ولا شكّ أنّ القرن السادس الهجري عاش تحت مظلّة أفكار شيخ الطائفة وما أسّسه من منابع للفكر الإمامي في حوزة أهل البيت (عليهم السلام) العلمية في النجف الأشرف ، وكانت هيمنة الشيخ العلمية وقدرته الهائلة على استرجاع ما فقد من مصادر عبر كتابات جديدة في علوم الشريعة ، أحد الأسباب التي جعلت الفقهاء الذين جاءوا من بعده ـ ولفترة طويلة ـ لا يتجرّأون على مناقشة آرائه أو تفنيدها .
5 ـ القرن السابع الهجري :
وكان من ثمار هذه الفترة كتابان مهمّان لفقيهين جليلين من فقهاء الحلّة ، حيث أفلت شمس المعرفة قليلاً عن النجف ، وهما : ابن البطريق (ت 600 هـ) ، وابن طاووس (ت 673 هـ) . والكتابان هما :
الأوّل : كتاب رجال الشيعة لشمس الدين أبو الحسين يحيى بن الحسن الأسدي الحلّي المعروف بابن البطريق (ت 600 هـ) . ويعدّ هذا الكتاب من مصادر ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) في كتاب لسان الميزان ، وجلال الدين السيوطي (ت 911 هـ) في كتابه بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة .
الثاني : كتاب حلّ الإشكال في معرفة الرجال لجمال الدين أبو الفضائل أحمد بن موسى بن طاووس الحلّي (ت 673 هـ) ، حيث أدرج فيه كتاب الضعفاء المنسوب لابن الغضائري .
وتنبع أهمّية حلّ الإشكال من أنّه جمع فيه أسماء الرجال المذكورة في المصادر التالية :
1 ـ اختيار رجال الكشي للشيخ الطوسي .
2 ـ الفهرست للشيخ الطوسي .
3 ـ رجال الطوسي .
4 ـ رجال النجاشي .
5 ـ كتاب الضعفاء لابن الغضائري .
6 ـ رجال البرقي .
7 ـ معالم العلماء لابن شهراشوب .
ونستقرئ من مقدّمة الكتاب : إنّ تجربة المصنّف كانت من التجارب الرائدة في حقل تصنيف الرجال .
يقول (رضوان الله عليه) : « وما أعرف أحداً سبقني إلى هذا على مرّ الدهر وسالف العصر ، وقد يكون عذر من ترك أوضح من عذر من فعل ، ووجه عذري ما نبّهت عليه أن الكتاب ملتبس جدّاً ، وفي تدبيره على ما خطر لي بعدٌ عن طعن عدوٍّ ، أو شكُّ وليٍّ ، أو طعنٌ في وليّ ، أو مدح لعدوّ . وذلك مظنّة الاستيناس في موضع التهمة ، والتهمة في موضع الاستيناس ، وبناء الأحكام وإهمالها على غير الوجه ، وهو ردم لباب رحمة ، وفتح لباب هلكة »(13) .
ولا شكّ أنّ محاولة ابن طاووس هذه تعتبر أوّل محاولة للكتابة الموسوعية في علم الرجال عند الشيعة الإمامية .
6 ـ القرن الثامن الهجري :
وقد حظي هذا القرن بعملاقين من عمالقة الفقه الشيعي في الحلّة وهما :
ابن داوُد الحلّي ، تقي الدين الحسن بن علي بن داوُد (ت 707 هـ) وكتابه الرجالي المعروف بـ : رجال ابن داوُد .
والعلاّمة الحلّي ، جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن محمّـد بن المطهّر الأسدي (ت 726 هـ) وكتابه الرجالي الرئيسي المعروف بـ : خلاصة الأقوال في معرفة الرجال ، إضافة إلى كتب رجالية أُخرى .
أ ـ كتاب رجال ابن داوُد :
وقد أثار هذا الكتاب الكثير من الجدل بين الفقهاء ; بسبب ما اعتبر فيه من أخطاء وهفوات ، ذكرها كتاب نقد الرجال للسيّد مصطفى التفرشي ، وأحصاها كتاب سماء المقال في تحقيق علم الرجال للشيخ أبو الهدى الكلباسي .
و« المراد بالأغلاط : إنّه كثيراً ما يذكر الكشّي ، ويكون الصواب النجاشي ، أو ينقل عن كتاب ما ليس فيه ، واشتباه رجلين بواحد ، وجعل الواحد رجلين ، أو نحو ذلك من الأغلاط في ضبط الأسماء ، وغير ذلك »(14) .
وقد لخّص الميرزا النوري موقف الفقهاء من الكتاب بالصورة التالية :
« هو أوّل كتاب رتّب فيه الآباء والأبناء على ترتيب الحروف ، وأوّل من جعل لأُصول الكتب الرجالية والحجج : رموزاً تلقّاها الأصحاب بالأخذ والعمل بهما في كتبهم الرجالية ، إلاّ أنّهم في الاعتماد والمراجعة إلى كتابه هذا بين غال ومفرط ومقتصد .
فمن الأوّل : العالم الصمداني الشيخ حسين (ت 984 هـ) والد شيخنا البهائي ، فقال في درايته الموسومة بـ : وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار : وكتاب ابن داوُد رحمه الله في الرجال مغن لنا عن جميع ما صنّف في هذا الفنّ ، وإنّما اعتمادنا الآن في ذلك .
ومن الثاني : شيخنا الأجلّ المولى عبـد الله التستري فقال ـ في شرحه على التهذيب في شرح سند الحديث الأوّل منه في جملة كلام له ـ : ولا يعتمد على ما ذكره ابن داوُد في باب محمّـد بن أُورمة ; لأنّ كتاب ابن داوُد ممّا لم أجده صالحاً للاعتماد ; لما ظفرنا عليه من الخلل الكثيرة في النقل عن المتقدّمين وفي تنقيد الرجال والتمييز بينهم ، ويظهر ذلك بأدنى تتبّع للموارد التي نقل ما في كتابه منها .
ومن الثالث : جلّ الأصحاب ، فتراهم يسلكون بكتابه سلوكهم بنظائره ، ووصفوا مؤلّفه بمدائح جليلة ] كالمحقّق الكركي في إجازته للقاضي الحلّي ، والشهيد في إجازته الكبيرة . . . [ »(15) .
والحقّ ، أنّ ترتيب الكتاب وإدخال عنصر الرموز ولغة الاختزال إلى علم الرجال ممّن لم يسبق ابن داود أحد من علماء الرجال ، وقد كان على إدراك ووعي من حجم إنجازه ، فقال في المقدّمة : « . . .فصنّفت هذا المختصر ، جامعاً لنخب كتاب الرجال للشيخ أبي جعفر ـ رحمه الله ـ والفهرست له ، وما حقّقه الكشّي ، والنجاشي ، وما حقّقه البرقي والغضائري وغيرهم . وبدأت بالموثّقين وأخّرت المجروحين ; ليكون الموضع بحسب الاستحقاق والترتيب بالقصد لا بالاتفاق .
ورتّبته على حروف المعجم في الأوائل والثواني فالآباء ، على قاعدة تقود الطالب إلى بغيته ، وتسوقه الى عنايته ، من غير طول وتصفّح للأبواب ، ولا خبط في الكتاب .
وضمّنته رموزاً تغني عن التطويل ، وتنوب عن الكثير بالقليل .
وبيّنتُ فيها المظان التي أخذتُ منها ، واستخرجت عنها . فالكشي : (كش) ، والنجاشي : (جش) ، وكتاب الرجال للشيخ : (جخ) ، والفهرست : (ست) ، والبرقي : (قي) ، وعلي بن أحمد العقيقي : (عق) ، وابن عقدة : (قد) ، والفضل بن شاذان : (فش) ، وابن عبدون : (عب) ، والغضائري : (غض) ، ومحمّـد بن بابويه : (يه) ، وابن فضّال : (فض) .
وبيّنت رجال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) ، فكلّ ما أعلمت عليه برمز واحد منهم فهو من رجاله ، ومن روى عن أكثر من واحد ، ذكرت الرمز بعددهم . فالرسول : (ل) ، وعلي : (ي) ، والحسن : (ن) ، والحسين : (سين) ، وعلي بن الحسين : (ين) ، ومحمّـد بن علي الباقر : (قر) ، وجعفر بن محمّـد الصادق : (ق) ، وموسى بن جعفر الكاظم : (م) ، وعلي بن موسى الرضا : (ضا) ، ومحمّـد بن علي الجواد : (د) ، وعلي بن محمّـد الهادي : (دي) ، والحسن بن علي العسكري : (كر) ، ومن لم يروِ عن واحد منهم : (لم) .
وهذه لجّة لم يسبقني أحد من أصحابنا ـ رضي الله عنهم ـ إلى خوض غمرها ، وقاعدة أنا أبو عذرها »(16) .
وكان رجال ابن داوُد متميّزاً في المنهجية والترتيب العلمي ، فقد رتبه مصنّفه على أساس الحروف الهجائية ، الأوّل فالأوّل من الأسماء وأسماء الآباء والأجداد ، وجمع ما وصل إليه من كتب الرجال في ذلك العصر ، فجعل لكلّ كتاب علامة مميّزة . ولم يتطرّق إلى ذكر المتأخّرين عن الشيخ الطوسي إلاّ نادراً .
وصمّم كتابه على جزئين :
الأوّل : اختصّ بذكر الموثّقين والمهملين .
الثاني : بالمجروحين والمجهولين .
ومن أهمّ ميّزات الجزء الأوّل : إنّه وضع في آخره عنوان خاصّ لجماعة وصفهم النجاشي بقوله : « ثقة ثقة » مرّتين ، عددهم أربعة وثلاثون رجلاً ، رتّبهم على الحروف الهجائية ، وأضاف إلى ذلك خمسة رجال وصفهم ابن الغضائري بأنّهم « ثقة ثقة » مرّتين .
ومن ميّزات الجزء الثاني : إنّه أورد فيه تسعة تنبيهات مفيدة خاصّة بالمفاهيم الرجالية .
ب ـ كتب العلاّمة الحلّي في الرجال :
وهي أربعة كتب قيّمة في علم الرجال ، إلاّ أنّ أهمّ ما وصلنا هو الكتاب الأوّل فقط ، بينما فُقدت البقية . وهذه الكتب هي :
1 ـ خلاصة الأقوال في معرفة الرجال : وهو من المصادر الرجالية المهمّة عند الطائفة ، ونستلهم من مقدّمته أنّ علم الرجال أصبح جزءً لا يتجزّأ من أركان الاستنباط .
ولذلك فهو لا يكتم ذلك ، بل يصرّح به في مقدّمة الكتاب قائلاً : « إنّ العلم بحال الرواة من أساس الأحكام الشرعية ، وعليه تبنى القواعد السمعية . . . إذ أكثر الأحكام تستفاد من الأخبار النبوية والروايات عن الأئمة المهدية (عليهم أفضل الصلاة وأكرم التحيّات) ، فلا بدّ من معرفة الطريق إليهم ، حيث روى مشايخنا (رحمهم الله) عن الثقة وغيره ، ومن يعمل بروايته ، ومن لا يجوز الاعتماد على نقله ; فدعانا ذلك إلى تصنيف مختصر في بيان حال الرواة ومن يعتمد عليه ، ومن تترك روايته .
مع أنّ مشايخنا السابقين (رضوان الله عليهم أجمعين) صنّفوا كتباً متعدّدة في هذا الفنّ ، إلاّ أنّ بعضهم طوّل غاية التطويل مع إجمال الحال فيما نقله ، وبعضهم اختصر غاية الاختصار ، ولم يسلك أحد النهج الذي سلكناه في هذا الكتاب . ومن وقف عليه عرف منـزلته وقدره ، وتميّزه عمّا صنّفه المتقدّمون ، ولم يطل الكتاب بذكر جميع الرواة ، بل اقتصرنا على قسمين منهم ، وهم :
1 ـ الذين اعتمد على روايتهم .
2 ـ والذين اتوقّف عن العمل بنقلهم ، أما لضعفه أو لاختلاف الجماعة في توثيقه وضعفه ، أو لكونه مجهولاً عندي .
ولم نذكر كلّ مصنّفات الرواة ، ولا طوّلنا في نقل سيرتهم ، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الكبير المسمّى بـ : كشف المقال في معرفة الرجال »(17) .
وأهمّ ميزة تميّز بها كتاب خلاصة الأقوال للعلاّمة الحلّي إنّه : نقل أسانيداً من رجال العقيقي ، وابن عقدة ، وثقات ابن الغضائري وكتب أُخرى لم تصل إلينا ، فكان جسراً أوصلنا إلى كتب القدماء التي اندثرت لسبب من الأسباب ، وإلى ذلك أشار المحقّق التستري بالقول :
« إنّ ما ينقله العلاّمة من رجال الكشي والشيخ وفهرس النجاشي مع وجود المنقول في هذه الكتب غير مفيد ، وإنّما يفيد في ما لم نقف على مستنده كما في ما ينقل جزء من رجال العقيقي ، وجزء من رجال ابن عقدة ، وجزء من ثقات كتاب ابن الغضائري ، ومن كتاب آخر له في المذمومين لم يصل إلينا ، كما يظهر منه في سليمان النخعي .
كما يفيد أيضاً في ما ينقله من النجاشي في ما لم يكن في نسختنا ، فكان عنده النسخة الكاملة من النجاشي ، وأكمل من الموجود من ابن الغضائري . كما في ليث البختري ، وهشام بن ابراهيم العبّاسي ، ومحمّـد بن نصير ، ومحمّـد بن أحمد بن محمّـد بن سنان ، ومحمّـد بن أحمد بن قضاعة ، ومحمّـد بن الوليد الصيرفي ، والمغيرة بن سعيد ، ونقيع بن الحارث . وكما ينقل في بعضهم أخباراً لم نقف على مأخذها ، كما في إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، وفي ما أخذه من مطاوي الكتب كمحمّـد بن أحمد النطنـزي »(18) .
2 ـ كشف المقال في معرفة الرجال : وهذا الكتاب أكثر تفصيلاً من كتاب خلاصة الأقوال ، حيث نقل فيه عن الرواة والمصنّفين ممّا وصل إليه عن المتقدّمين ، وذكر فيه أحوال المتأخّرين والمعاصرين له . إلاّ أنّ الكتاب لم يصلنا .
3 ـ إيضاح الاشتباه في أسماء الرواة : وقد ترجم له الشيخ آغا بزرك (قدس سره) في الذريعة فقال : إنّ هذا الكتاب « في ضبط تراجم الرجال على ترتيب حروف أوائل الأسماء ببيان الحروف المركّبة منها : أسماؤهم ، وأسماء آبائهم ، وبلادهم ، وذكر حركات تلك الحروف . . . ورتّبه جدّ صاحب الروضات ] السيّد جعفر الخوانساري ت 1158 هـ [ على النحو المألوف من مراعاة الترتيب في الحرف الثاني والثالث أيضاً ، وسمّاه تتميم الإفصاح في ترتيب الإيضاح ، وتمّمه بإلحاق جملة ممّا فات العلاّمة ، مع رعاية تمام الترتيب ، الشيخ علم الهدى ابن المحقّق الفيض الكاشاني ، وسمّاه نضد الإيضاح وهو مطبوع »(19) .
4 ـ تلخيص فهرست الشيخ الطوسي : وهو ملخّص كتاب الفهرست لشيخ الطائفة (قدس سره) ، حيث قام المصنّف بحذف الكتب والأسانيد الموجودة في الفهرست .
والتحقيق :
إنّ هذا القرن حظي بترتيب ومنهجة أسماء الرواة بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ الشيعي ، حيث بدأ فقهاء الإمامية بالتأكيد على كون الاعتناء بالنظرية الرجالية ركن مهمّ من أركان الاستنباط الفقهي ، وكانت منهجة علم الرجال واستخدام الشفرات والرموز وأساليب الاختزال الأُخرى فيها محاولة جديدة لتيسيير مطالب هذا العلم للجيل الجديد من الفقهاء والمجتهدين .
وقبل أن نغلق ملفّ هذا القرن ، لا بدّ من معالجة الفروق المنهجية بين كتابي الخلاصة للعلاّمة الحلّي ورجال ابن داوُد ومناقشتها .
ولا شكّ أنّ الكتابين قد كتبا في وقت متقارب ، ولذلك فإنّ نقاط الالتقاء والابتعاد تُلحظ من زاوية معاصرة المؤلّفين أحدهما الآخر . بمعنى أنّ المنهج العلمي في كلا الكتابين قد فرضته الظروف الإجتماعية والأجواء العلمية في ذلك القرن ، خصوصاً الجوّ العلمي التنقيحي الذي فرضه استاذهما السيّد ابن طاووس (ت 673 هـ) على الحوزة العلمية الإمامية آنذلك . والمعاصرة بطبيعتها تفرض التقاءً في الأفكار والمناهج ، إلاّ أنّها تفرز فوارق ثانوية أيضاً ، ومن تلك الفوارق بين الكتابين :
أوّلاً : قسّم ابن داوُد كتابه الى قسمين : الأوّل : اختصّ بذكر الموثّقين والمهملين ، بينما اختصّ الثاني : بالمجروحين والمجهولين . ثمّ ختم بحثه بتسعة تنبيهات مفيدة .
بينما قسّم العلاّمة كتابه إلى قسمين أيضاً : الأوّل : فيمن اعتمد عليه من الرجال ، والثاني : اختصّ بذكر الضعفاء ومن ردّ قوله أو وقف فيه . وختم بحثه بعشر فوائد مهمّة .
فليس من فارق جوهري يذكر في منهجية الكتابين ، عدا أنّ ابن داوُد أدرج في آخر القسم الأوّل أسماء الرجال الذين وصفهم النجاشي بقوله : « ثقة ثقة » مرّتين ، والذين وصفهم ابن الغضائري بنفس الوصف .
ثانياً : اختصّ القسم الأوّل من رجال ابن داوُد : فيمن ورد فيه أدنى مدح ، حتّى لو اقترن مع ذمٍّ كثير ولم يُعمل بخبره . والثاني : فيمن ورد فيه أدنى ذمٍّ ، ولو كان ثقة وعُمل بخبره .
فقد ورد اسم بريد العجلي ، وهو الثقة الجليل ، في القسم الثاني ; لأنّ فيه رواية ذمّ ربّما رويت تقيّةً . وورد اسم هشام بن الحكم ، وهو ثقة ، في القسم الثاني ; لأنّ استاذه كان فاسد المذهب .
بينما اختصّ القسم الأوّل من الخلاصة : بمن عمل بروايته ورجح عند المصنّف قبول قوله ، فذكر الممدوح لعمله بروايته ، وذكر أيضاً الراوي الذي فسد مذهبه إذا عمل بروايته ، كابن بكير ، وعلي بن فضّال . والقسم الثاني : اختصّ : بمن لا يعمل بروايته أو توقّف فيه كالموثّقين غير الممدوحين .
ثالثاً : إنّ ابن داوُد أدرج في القسم الأوّل من كتابه الممدوحين والمهملين أيضاً . والمراد بالمهمل : من عنونه الأصحاب ولم يضعّفوه .
بينما اقتصر العلاّمة في القسم الأوّل من الخلاصة على الممدوحين ، ولم يذكر المهملين .
رابعاً : اعتاد ابن داوُد على ذكر الراوي ـ الذي اختلف في وثاقته علماء الرجال ـ فيذكره في القسم الاول على أساس مدحه ، وفي القسم الثاني على أساس جرحه .
بينما اختط العلاّمة طريقاً آخر وهو : إنّه لا يعنون الراوي المختَلَف فيه بين الرجاليّين في القسمين ، بل أنّه إذا رجّح المدح ذكره في القسم الأوّل وإن رجح الذمّ أو توقّف فيه ; ذكره في القسم الثاني .
خامساً : التزم ابن داوُد بذكر سند كلّ من أخذ عنه من كتب الرجال ، ولكن أحياناً قليلة نرى أنّه لم يرمز للمستند . والمرجّح أنّه تصحيف .
بينما كان للعلاّمة في الخلاصة منهج آخر وهو : إنّه إذا أخذ من الكشّي أو النجاشي أو فهرست الشيخ أو رجال ابن الغضائري فإنّه لا يذكر المستند ، بل ينقل نفس العبارة ، وإذا نقل من كتاب الغيبة للشيخ الطوسي أو من رجال ابن عقدة أو رجال العقيقي ; فإنّه يصرّح بالمستند .
7 ـ القرنين التاسع والعاشر الهجريين :
وقد كانت تلك المنهجة الجديدة لعلم الرجال ـ والتي لاحظنا نشوءها في القرن الثامن الهجري على يدي ابن داود والعلاّمة الحلّي ـ مؤونة مستمرّة لعلماء القرنين التاسع والعاشر الهجريّين . فلم يرَ هذين القرنين أيّ مصنّف رجالي يستحقّ الذكر ، عدا كتاب رجال النيلي للسيّد علي بن عبـد الحميد النيلي (ت 841 هـ)(20) .
ولا شكّ أنّ هيمنة العلاّمة الحلّي العلمية ، ودقّته في تثبيت مباني علم الرجال كانت قد أثرت الطائفة بما يناسب حجم النشاط الفقهي والأُصولي الضخم خلال ثلاثة قرون من عمر النشاط العلمي للطائفة ، ولكن تبدّل الزمان ، والابتعاد الشديد عن عصر النصّ ، وتطوّر الفكر الفقهي والأصولي الشيعي بما يتناسب وحاجات المكلّفين الشرعية ، قد أوجد حاجة ملّحة جديدة للكتابة مرّة أُخرى في علم الرجال ، وقد كان القرن الحادي عشر نموذجاً من نماذج النشاط المتجدّد لدراسة علم الرجال .
8 ـ القرن الحادي عشر الهجري :
وقد شهدت هذه الفترة نشاطاً ملحوظاً في تبويب علم الرجال وإِلباسه ثوباً جديداً ، فكانت من ملامحها إعادة توبيب أسماء الرواة على أساس : الصحيح ، والحسن ، والموثق ، والضعيف ، كما هو المعمول به في علم الحديث ، ولم يكن هذا اللون من الترتيب معمولاً به في السابق .
ومن فقهاء هذه الفترة الذين كتبوا في علم الرجال :
أ ـ الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن بن الشيخ زين الدين العاملي (ت 1011 هـ) ، والمشهور بـ : صاحب المعالم . وكتبه الرجالية هي :
1 ـ التحرير الطاووسي لكتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشّي .
2 ـ ترتيب مشيخة من لا يحضره الفقيه .
3 ـ التعليقات على خلاصة الأقوال .
وأهمّ هذه الكتب الثلاثة : كتاب التحرير الطاووسي ، وهو كتاب استخرجه المصنّف صاحب المعالم من كتاب حلّ الإشكال في معرفة الرجال للسيد ابن طاووس (ت 673 هـ) ، وكتاب التحرير الطاووسي مطابق لكتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشّي في الرجال ، إلاّ أنّ صاحب المعالم قام بتحريره وتحقيقه وتبويبه ; خشية تلفه ; لقلّة النسخ المعتمدة في ذلك القرن .
ب ـ الشيخ عبـد النبي بن سعد الدين الجزائري (ت 1021 هـ) ، وكتابه حاوي الأقوال في معرفة الرجال . و« هو أوّل كتاب رتّب الرجال فيه على أربعة أقسام ـ بحسب القسمة الأصلية للحديث ـ : الصحيح ، والحسن ، والموثّق ، والضعيف »(21) .
ونلمس في الكتاب اقتباساً من منهج ابن الغضائري في تضعيف جملة من الرواة الذين لا يستحقّون التضعيف .
ج ـ المولى عناية الله بن علي القهبائي (ت بعد سنة 1026 هـ) ، وكتابه الرجالي الكبير : مجمع الرجال ، والقهبائي أحد تلاميذ المقدّس الأردبيلي (ت 993 هـ) ، والمولى عبـد الله التستري (ت 1021 هـ) ، والشيخ البهائي (ت 1031 هـ) ، وقد توفّي في حياة أُستاذه الشيخ البهائي (قدس سره) .
ومجمع الرجال موسوعة رجالية جمعت الكتب التالية : الإختيار من رجال الكشّي ، ورجال الطوسي ، وفهرست الطوسي ، ورجال النجاشي ، وكتاب الضعفاء المنسوب لابن الغضائري .
وللقهبائي كتب رجالية أُخرى منها :
1 ـ ترتيب رجال الكشّي .
2 ـ ترتيب رجال النجاشي .
3 ـ حاشية على كتاب نقد الرجال للتفرشي .
4 ـ حاشية على كتاب منهج المقال للاسترابادي .
5 ـ حاشية على كتابي الكشّي والنجاشي في الرجال .
وهذه الوفرة في الإنتاج الفكري لعلم الرجال عند القهبائي وعمقه الفكري في تحليل أحوال الرواة ; دليل على تضلّعه (قدس سره) في هذا الحقل الحسّاس من حقول المعرفة الإسلامية .
د ـ الميرزا محمّـد بن علي الأسترابادي (ت 1028 هـ) ، وكتبه الثلاثة في أسماء الرجال :
1 ـ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال (كبير) .
2 ـ تلخيص الأقوال في معرفة الرجال (وسيط) .
3 ـ الوجيز ] في علم الرجال [ .
هـ ـ مصطفى بن الحسين التفرشي (لم نعثر على تاريخ وفاته ، إلاّ أنّه كان حيّاً سنة 1044 هـ فاعتبرناه من فقهاء هذه المرحلة) ، وكتابه نقد الرجال المؤلَّف سنة 1015 هـ . وهو كتاب « يشتمل على جميع أسماء الرجال الممدوحين والمذمومين والمهملين ، يخلو من تكرار أو غلط ، ينطوي على أحسن الترتيب ، يحتوي على جميع أقوال القوم ـ قدّس الله أرواحهم ـ من المدح والذمّ إلاّ شاذاً شديد الشذوذ »(22) .
وكتابه ، كما وصفه الأردبيلي في جامع الرواة : « في كمال النفاسة ، ونهاية الدقة ، وكثرة الفائدة »(23) .
و ـ فخر الدين بن محمّـد علي الطريحي النجفي (ت 1085 هـ) ، وكتابيه : جامع المقال فيما يتعلّق بالحديث والرجال ، وترتيب مشيخة الفقيه .
وهذا النشاط في تنقيح المنهج التبويبي لعلم الرجال كان نابعاً ـ بلا شكّ ـ من حاجة ملحّة أملاها تبدّل الزمان والمكان ، وكان الهدف منه تسليط عين فاحصة على طبيعة الرجال الذين نقلوا الحديث وصدقهم في عملهم .
9 ـ القرن الثاني عشر الهجري :
وأهمّ ميزات تطوّر علم الرجال في هذا القرن ، هو : التطوّر في تمييز المشتركات في الأسماء والكنى والألقاب ، والاستمرار في عمليّات الاختزال ، واستخدام الرموز ، وترتيب الطبقات .
ولا شكّ أنّ البحث في (المشترك) مهمّ للغاية في علم الرجال ; فإنّه يعني أنّ الاسم قد يشترك أحياناً بين الراوي الثقة والراوي الضعيف ، فكان لا بدّ من التمييز بين المشتركات ; لتوقّف معرفة قيمة السند عليه .
وكان من روّاد التصدّي لمعالجة تلك المشكلة الشيخ محمّـد أمين الكاظمي ، الذي سنذكره باعتباره من أعلام هذه الفترة الزمنية . فمن أهمّ علماء هذه الفترة :
أ ـ الشيخ محمّـد أمين بن محمّـد علي الكاظمي (من فقهاء القرن الثاني عشر) ، وكتابه هداية المحدّثين إلى طريقة المحمّـدين ـ في تمييز المشتركات ـ ويعرف الكتاب أيضاً بـ : مشتركات الكاظمي الذي ألّفه سنة 1085 هـ .
وقد ذكر المحقّق آغا بزرك الطهراني (قدس سره) : إنّه كان حيّاً إلى سنة 1118 هـ(24) ، فعُدّ من فقهاء هذه المرحلة . وقد رتّب الكتاب على ثلاثة أقسام :
1 ـ المشتركون في الاسم الأوّل فقط .
2 ـ المشتركون في الاسم واسم الأب .
3 ـ المشتركون في الكنى والنسب والألقاب .
وكان من أكثر المتمسّكين بالكتاب وقيمته العلمية ، الشيخ أبو علي الحائري المازندراني (ت 1216 هـ) ، الذي واظب في كتابه منتهى المقال في أحوال الرجال بالنقل عنه في كلّ ترجمة ، رامزاً لمستندها بـ : مشكا .
ب ـ الشيخ محمّـد بن الحسن الحرّ العاملي (ت 1104 هـ) ، وكتابه : رسالة الرجال . وكان الشيخ الحرّ العاملي قد جعل الفائدة الثانية عشرة في خاتمة كتابه وسائل الشيعة خاصّة بأسماء الرجال(25) .
ج ـ الشيخ محمّـد باقر بن محمّـد تقي المجلسي (ت 1111 هـ) ، وكتابه : الوجيزة ، حيث قال صاحب الذريعة : « اقتصر فيه على بيان ما اتّضح له من أحوال الرواة ، وجعل لها رموزاً : ق = الثقة . ح = الممدوح . ض = الضعيف . م = المجهول . وفي خاتمته ذكر مشيخة الفقيه أيضاً مرمزاً : صح = الصحيح . ح = الحسن . ق = الموثّق . م = المجهول . ض = الضعيف . ل = المرسل »(26) .
والملاحظ أنّ الوجيزة لم تتعرّض لأسانيد مشيخة الطوسي التي أوردها في آخر كتابيه التهذيب والاستبصار .
د ـ الشيخ محمّـد بن علي الأردبيلي (وهو من فقهاء القرن الثاني عشر الهجري) ، وكتابه الرجالي : جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والإسناد .
وهذا الكتاب متمّم لكتاب تلخيص الأقوال في معرفة الرجال للميرزا محمّـد الأسترابادي (ت 1028 هـ) من حيث الاستدراكات والشروح والتصحيحات . وله كتاب آخر هو تصحيح الأسانيد ، أدرجه الشيخ النوري في الفائدة الخامسة من فوائد خاتمة مستدرك الوسائل .
وكتاب جامع الرواة من الكتب الرجالية المهمّة في تلك الفترة ; لأنّ المصنّف (قدس سره) ، وبعد بذل جهود كبيرة ، استملك قدرة فائقة على تمييز الرواة ، كتمييز التلميذ عن الشيخ ، والراوي عن المروي عنه . وهذه قاعدة تحتاج إلى ضوابط دقيقة ، وكأنّه أدرك (قدس سره) قيمة إنجازه فقال : « ومن فوائد هذا الكتاب ، أنّه بعد التعرّف على الراوي والمروي عنه ، لو وقع في بعض الكتب اشتباه في عدم ثبت الراوي في موقعه يعلم أنّه غلط وواقع غير موقعه . ومن فوائده أيضاً ، أنّ رواية جمع كثير من الثقات وغيرهم عن شخص واحد تفيد أنّه كان حسن الحال أو كان من مشايخ الإجازة »(27) .
هـ ـ السيد صدر الدين علي بن أحمد المعروف بالسيّد علي خان (ت 1118 هـ) ، وكتابه : الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة .
حيث رتّب أسماء الرجال على اثنتي عشرة طبقة : الصحابة ، والتابعين ، والمحدّثين الرواة ، والعلماء ، والحكماء ، والمتكلّمين ، وعلماء العربية ، والسادة الصوفية ، والملوك والسلاطين ، والأُمراء ، والوزراء ، والشعراء ، والنساء . إلاّ أنّ هذا الكتاب ، عدا الأقسام الثلاثة الأُولى ، يخرج عن طبيعة علم الرجال الذي نحن بصدده ، والذي يتناول الرواة قدحاً أو مدحاً .
و ـ الشيخ سليمان بن عبـد الله البحراني الماحوزي (ت 1121 هـ) ، وكتابه الكبير : معراج أهل الكمال إلى معرفة الرجال ، ومختصره : بلغة المحدّثين .
ويعدّ كتاب معراج أهل الكمال ، من الشروح المعتبرة على فهرست الشيخ الطوسي تهذيباً وتنقيحاً وترتيباً ، والذي دعاه إلى كتابة الشرح هو كثرة التصحيف وحوادث الغلط والتحريف التي كانت ملحوظة في زمان المصنّف .
أمّا كتاب بلغة المحدّثين فهو رسالة مختصرة وجيزة في تحقيق أحوال الرجال ، كتبها تذكرة لنفسه ومرجعاً يسيراً يرجع إليه من غير تعرّض لاختلافات الأصحاب وأقوالهم ، ومن غير تعرّض للمجاهيل والضعفاء .
10 ـ القرن الثالث عشر الهجري :
ومن أهمّ فقهاء هذه الفترة فقيهان كتبا في علم الرجال ، هما : الوحيد البهبهاني ، والشيخ أبو علي الحائري .
فكتب الشيخ محمّـد باقر بن محمّـد أكمل المعروف بالوحيد البهبهاني (ت 1205 هـ) كتابه الرجالي : التعليقة ، وهي حواش كتبها تعليقاً على كتاب منهج المقال للميرزا الاسترابادي ، وقد طبعت فوائد الوحيد البهبهاني (وهي مقدّمة التعليقة) مع رجال الخاقاني .
أمّا الشيخ أبو علي محمّـد بن إسماعيل الحائري (ت 1216 هـ) ، أحد تلامذة الوحيد البهبهاني ، فقد كتب كتابه الكبير منتهى المقال في أحوال الرجال المعروف بـ : رجال أبي علي .
وأُسلوب الكتاب ذو منهجة علمية دقيقة فقد « ابتدأ في كلّ ترجمة بكلام الميرزا الأسترابادي في الرجال الكبير منهج المقال ، ثمّ بما ذكره الوحيد البهبهاني في التعليقة عليه ، ثم بكلمات أُخرى على ما شرحها في أوّل الكتاب . وقد ترجم نفسه في باب الكنى ، وترك ذكر جماعة بزعم أنّهم من المجاهيل ، وبزعم عدم الفائدة في ذكرهم . وسبقه في إسقاط المجاهيل المولى عبـد النبي الجزائري في الحاوي ، وكذلك المولى خداويردي الأفشار .
وليتهم ما أسقطوهم ; لأنّهم غير منصوصين بالجهالة من علماء الرجال .
وصرّح المحقّق الداماد في الرواشح بلزوم الفحص عن حالهم .
ولنعم ما فعله تلميذه المولى درويش علي الحائري حيث أفرد رسالة في ذكر من أسقطه الشيخ أبو علي من رجاله ، بعنوان : تكملة رجال أبي علي .
وقد كتب الشيخ محمّـد آل كشكول كتاب إكمال منتهى المقال ، ذكر في أوّله وجه الحاجة إلى ذكر من عدّوهم مجاهيل ; ردّاً على التاركين لذكرهم ، ثمّ ذكرهم جميعاً »(28) .
وهذا الاشتباه في حذف أسماء بعض الرواة ـ بزعم أنّهم من المجاهيل ـ نشأ من الخلط بين فكرتي (المجهول) و(المهمل) في علم الرجال .
فالمراد من (المجهول) هو : من صرّح أئمّة الرجال فيه بالمجهولية ، وهو أحد ألفاظ الجرح . ولذا عنون العلاّمة الحلّي وابن داود المجاهيل في الجزء الثاني من كتابيهما ، وهو الجزء المختصّ بالمجروحين .
والمراد من (المهمل) هو : من عنونه أئمّة الرجال ولم يضعّفوه ، بل لم يذكر فيه مدح ولا قدح .
وكان ابن داود يعنون المهملين ; لأنّه يعمل بخبرهم كالممدوحين ، كما أنّه لا يصرّح بالإهمال فيمن يعنون منهم إلاّ فيمن توهّم فيه مدح ، كما في آدم بن المتوكّل ، فقال : ] جش [ مهمل . وكما في الحسين بن أبي الخطّاب ، فقال : ] كش [مهمل(29) .
وذهب المحقّق الداماد الى أبعد من ذلك ، فادّعى أنّ من أهمله النجاشي يكون حسناً ، حيث قال في الرواشح : « فإذاً قد استبان لك أنّ من يذكره النجاشي من غير ذمٍّ ومدح . . . فيكون بحسب ذلك طريق الحديث من جهته قويّاً ، لا حسناً ولا موثّقاً . . . »(30) .
ولكن لفظي (المجهول) و(المهمل) عاشا في منطقة رمادية عند بعض أجلّة المتأخّرين (كالشهيد الثاني ، والمجلسي ، والمامقاني) ; فاختلط عليهم الفرق بين اللفظين . فحسبوا أنّ (المهمل) مجهول الحال . ولذلك فإنّهم اسقطوا المجاهيل من رجالهم .
ولكن نظرة فاحصة إلى هؤلاء المجاهيل ، يتبيّن لنا أنّهم ليسوا بمجاهيل ، بل أكثرهم كانوا مهملين في علم الرجال . ومع أنّ هذا القرن قد اكتنفه الغموض في بعض المصطلحات الأساسية لعلم الرجال ، إلاّ أنّه كان عصراً مثمراً بالفكر الرجالي .
وكان من ثمار هذا القرن أيضاً كتاب لبّ الألباب في الدراية وعلم الرجال للشيخ محمّـد جعفر الأسترابادي (ت 1263 هـ) ، ومنظومة في أسماء الرجال للسيّد حسين بن محمّـد رضا البروجردي (ت 1276 هـ) بعنوان : نخبة المقال في علم الرجال .
11 ـ القرن الرابع عشر الهجري :
ويمكن عدّ هذه المرحلة من أنشط المراحل في تنقيح علم الرجال ، وإعادة ترتيبه ، وتدوينه في المدرسة الإمامية .
فكان الشيخ عبـد الله بن محمّـد حسن المامقاني (ت 1351 هـ) رائد هذا القرن في الكتابة الموسوعية لعلم الرجال ، وكتابه تنقيح المقال في أحوال الرجال من أكبر الموسوعات الرجالية المدونة عند الطائفة . فقد ترجم في تلك الموسوعة لعدد كبير من الأفراد قدّر بحوالي (16307) اسماً ، منها : 13368 من الأسماء ، 1444 من الكنى ، 1343 من الألقاب ، 152 من النساء .
ولكن ، ومع موسوعية هذا العمل الرجالي الجليل ، إلاّ أنّه اُخذ عليه : إنّ المصنّف كان يخلط بين المهمل والمجهول .
وقد راج هذا الخلط في عصر الشهيد الثاني والمجلسي إلى عصر المامقاني ، إلاّ أنّ فكرة الخلط أثارت جدلاً بين الفقهاء .
قال المحقّق الداماد في الرواشح : « لا يجوز إطلاق المجهول الاصطلاحي إلاّ على من حكم بجهالته أئمّة الرجال »(31) .
إلاّ أنّ العلاّمة آغا بزرك الطهراني لم يتردّد في ردّ المحقّق الداماد ، مفسّراً موقف المتأخّرين من وصفهم الراوي بالمجهولية : « . . .ومن هذا التصريح يلزم الجزم بأنّ مراده من قوله (مجهول) ليس أنّه محكوم بالجهالة عند علماء الرجال ، حتّى يصير هو السبب في صيرورة الحديث من جهته ضعيفاً ، بل مراده أنّه مجهول عندي ، ولم أظفر بترجمة مبيّنة لأحواله »(32) .
ولكن الحقّ أنّ علم الرجال لا يحتمل هذا التفسير ، فعندما يصرّح عالم الرجال بمجهولية راو لا بدّ أن يكون صريحاً في مجهولية ذلك الراوي عنده ، لا أن يطلق اللفظ بحيث يتبادر إلى الذهن مجهوليته على الإطلاق . وقد كان العلاّمة الحلّي صريحاً غاية الصراحة في ذلك ، فيقول ـ عن المجهول الذي يتوقّف عن العمل بنقله ـ : « . . .لكونه مجهولاً عندي »(33) . فيكون موقف المحقّق الداماد في محلّه .
أمّا بقية التصنيفات في هذا القرن فهي كالتالي :
أ ـ كتاب توضيح المقال في علم الدراية والرجال للشيخ علي بن قربان علي الكني (ت 1306 هـ) . مطبوع مع رجال أبي علي .
ب ـ كتاب طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال للسيّد علي أصغر بن محمّـد شفيع الجابلقي البروجردي (ت 1313 هـ) .
ج ـ كتاب شعب المقال للميرزا نجم الدين أبو القاسم بن محمّـد بن أحمد بن مهدي بن أبي ذر النراقي (ت 1319 هـ) .
د ـ كتاب إتقان المقال في أحوال الرجال للشيخ محمّـد مهدي نجف (ت 1323 هـ) .
هـ ـ كتاب ملخّص المقال للميرزا إبراهيم بن الحسن الدنبلي (ت 1325 هـ) .
و ـ كتاب بهجة الآمال في شرح زبدة المقال في علم الرجال للشيخ علي بن عبـد الله بن محبّ الله بن محمّـد جعفر العلياري التبريزي (ت 1327 هـ) .
والكتاب من خمسة مجلّدات بالطبعة الحجرية ، ثلاثة منها شرح مزجي لكتاب زبدة المقال في معرفة الرجال تأليف العلامة السيد حسين البروجردي (ت 1380 هـ) ، وهو منظومة في علم الرجال جاء فيها :
سمّيته بزبدة المقال *** في البحث عن معرفة الرجال
ناظمه الفقير في الكونين *** هو الحسين بن رضا الحسيني
والمجلّدان الآخران منها شرح لـ : منتهى المقال ، وهو منظومة للشارح نظمت من أجل تكميل منظومة البروجردي ، ولم يذكر السيد البروجردي (قدس سره) المتأخّرين ولا المجاهيل من الرواة . فاستدرك الشارح (العلياري) ذلك النقص وأتمه بالنظم والشرح في المجلّدين الأخيرين . وتركيبة الكتاب مؤلّفة من : مقدّمة وعشرة فصول . أمّا الفصل الحادي عشر فهو في أصحاب الإجماع .
ز ـ كتاب رجال الخاقاني للشيخ علي الخاقاني (ت 1334 هـ) ، وفيه فوائد رجالية قيمة مع تعريف للمذاهب والفرق المنحرفة .
ح ـ كتاب عين الغزال في فهرس أسماء الرجال للميرزا فضل الله بن شمس الدين اللواساني (ت 1353 هـ) . وهو « كتاب لطيف اقتصر فيه على الرواة إلى الطبقة السابعة ، وهي طبقة الكليني ، ورتّبهم في جدولين لطيفين ، أحدهما : فيمن تحقّق له أصل أو كتاب أو راو معيّن عنه . والثاني : فيمن لم يتحقّق فيه ذلك »(34) .
ط ـ مجموعة كتب رجالية للسيد أبو محمّـد الحسن بن هادي الصدر (ت 1354 هـ) وهي : تكملة أمل الآمل ، ونكت الرجال ، ومختلف الرجال ، وعيون الرجال ، وبغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات .
ي ـ مجموعة كتب رجالية للشيخ أبو الهدى كمال الدين ابن الميرزا أبي المعالي الكلباسي الأصفهاني (ت 1356 هـ) ، وهي : سماء المقال في تحقيق علم الرجال ، والدرّ الثمين في المصنّفات والمصنّفين ، والفوائد الرجالية .
ك ـ مجموعة رجالية للسيّد هبة الدين محمّـد علي بن حسين الشهرستاني (ت 1386 هـ) وهي : ثقات الرواة ، والشجرة الطيّبة في سلسلة مشايخ الإجازات ، وطبقات أصحاب الروايات .
ل ـ كتاب مصفى المقال في مصنّفي علم الرجال للشيخ المحقّق آغا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ) . وهو كتاب شامل يتناول التصنيفات الرجالية عند الطائفة منذ البداية وحتّى زمان تصنيفه .
12 ـ القرن الخامس عشر الهجري :
وهي مرحلة النقد الذاتي لعلم الرجال ، ومن أهمّ أعمال هذه المرحلة لحد الآن ، ونحن لا نزال في الربع الأوّل من القرن الخامس عشر ، كتاب معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة للسيّد أبو القاسم بن علي أكبر الخوئي (ت 1413 هـ) ، حيث ترجم فيه لـ (15676) راوياً وراوية في أربعة وعشرين مجلّداً .
وقد حاول السيّد الخوئي (قدس سره) تثبيت المفاهيم الرجالية التي آمن بها ، وجعلها مقاييس عامة للتوثيق والتعديل ، أو التجريح والإسقاط . فقد كان الفقهاء يوثّقون من يجدونه وكيلاً للإمام (عليه السلام) على قاعدة : إنّ الوكالة عبارة عن توثيق المعصوم (عليه السلام) للوكيل .
بينما ينتهي السيّد الخوئي على خلاف المشهور ، من أنّ الوكالة من الإمام (عليه السلام) أمر لا يوجب التوثيق ـ وإن أوجب الاعتماد فيما يوكّل إليه ـ وإنّ ما لها من مداليل لا يشعر جميعها بأمانة الحديث بأيّ حال من الأحوال .
وقد سلك (قدس سره) طريقاً جديداً في التعرّض للرواة من كتب الرجال والحديث معاً ، وفي عدم الاكتفاء بتوثيقات المتأخّرين للرواة إن كان للقدماء فيهم رأي ، بل التدقيق على وجه علمي عن سبل وثاقتهم وحسنهم .
فقد ضعّف من الرجال من مضى على توثيقه عدّة قرون ، أو وثّق من مشى تضعيفه في أكثر الكتب الرجالية وأخطرها ، ثم قد وجد اتحاداً بين كثير من الرجال الذين تعدّدت أسماؤهم وعناوينهم ، أو وجد في كثير ممّن رأوا اتّحادهم تعدّداً واضحاً أغفله القدامى والمحدّثون(35) .
وبكلمة ، فقد كانت نظرية السيّد الخوئي في علم الرجال هو : الاجتهاد في التوثيقات بناءً على الأُسس العلمية المتّفق عليها بين الفقهاء .
ويتميّز كتاب معجم رجال الحديث بميزة علمية فريدة وهي : الاستدلال على إثبات مستوى الراوي من حيث الوثاقة والحسن ، عن طريق الاستقصاء لجميع ما ذُكر في تقييم حال الراوي من روايات وأقوال ، وذكر أسماء جميع الرواة الذين روى عنهم وذكر أسماء جميع الرواة الذين رووا عنه .
وهذا التوجّه يمثّل مصداقاً لنظرية السيّد الخوئي المتمثّلة بالاجتهاد في توثيق الرواة .
ومن الكتب الرجالية النقدية كتاب قاموس الرجال للشيخ المحقّق محمّـد تقي التستري . وهو دراسة نقدية رجالية موسّعة لكتاب تنقيح المقال للشيخ المامقاني (قدس سره) . ومن انتقادات المصنّف على الشيخ المامقاني :
1 ـ كثرة التطويل عند المامقاني ، كضميمة توثيق جمع من المتأخّرين إلى ما وثّقه القدماء . إلاّ أنّ المحقّق التستري يرى أنّه لا أثر له بعد وجود الأصل الواضح .
2 ـ اشتباهات وردت في تنقيح المقال ، لاسيّما فيما ينقله عن كتاب جامع الرواة ، فيذكر الراوي مرويّاً عنه والمروي عنه راوياً ، والرجل المترجم راوياً ومرويّاً عنه ، والواحد المعبر عنه بتعبيرات مختلفة في الأحاديث متعدّداً .
3 ـ التسوية بين من أهملوا حاله ولم يذكروا فيه قدحاً ولا مدحاً ومن جرحوه بالمجهولية .
هذه أهمّ المصنّفات الرجالية الرئيسية في المدرسة الإمامية .
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هناك مصنفات عديدة أُخرى أحجمنا عن ذكرها بغية الاختصار ، وإنّ ما ذكرناه كاف للتدليل على المراد ، وقد كانت الحوزة العلمية الأرض الخصبة للتطوّر الرجالي عند الشيعة الإمامية .
الفصل الثالث
الأُصول الأربعمائة والمجاميع الحديثية الأربع
مقدّمة :
لا شكّ أنّ الحديث عن الأُصول الأربعمائة في المدرسة الإمامية ، يعكس مصداقاً من مصاديق تبدّل الزمان والمكان . وقد عبّر الشهيد الثاني عن ذلك بالقول : « وكان قد استقرّ أمرُ المتقدّمين : على أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف سمّوها : الأُصول ، وكان عليها اعتمادهم ، ثمّ تداعت الحال إلى ذهاب معظم تلك الأُصول ، ولخّصها جماعة في كتب خاصّة ، تقريباً على المتناول »(36) . فكانت أحسن الكتب التي جمعت تلك الأُصول المفقودة ، هي : الكافي ، والتهذيب ، والاستبصار ، ومن لا يحضره الفقيه .
وقد اختلف الفقهاء المتأخّرين في استظهار معنى الأُصول ، خصوصاً وأنّ المتقدّمين ـ كالشيخ المفيد والنجاشي والشيخ الطوسي ـ لم يقدّموا تعريفاً للمصطلح ، بل أرسلوه إرسال المسلّمات .
والتحقيق ، أنّ ما اصطلح على أنّ فلان له أصل ، أو له أصل وكتاب ، اُريد منه أنّه كتب ما سمعه عن الأئمّة (عليهم السلام) عموماً ، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) بالخصوص مباشرة ، وجمعه بين دفّتي مخطوط سُمّي أصلاً .
أمّا إذا كان بينه وبين الإمام (عليه السلام) واسطة ـ بمعنى أنّه لم يكن موجوداً زمن الإمام (عليه السلام) أو أنّه لم يستطع مقابلة الإمام (عليه السلام) والسماع منه مباشرة بل سمع من أفراد آخرين بعيدين زمنيّاً عن الإمام (عليه السلام) ـ فإنّ ما كتبه كان كتاباً وليس أصلاً .
وهذا التمييز بين الأصل والكتاب دقيق ومهم للغاية ، ويظهر ـ فيما يظهر ـ اعتناء الأصحاب (رضوان الله عليهم) بدقّة نقل الحديث ، وتنبع أهمّية التمييز بين الأصل والكتاب من خلال دراسة الظواهر الاجتماعية التي كان يعيشها عصر النصّ ، خصوصاً محاولات السلطة السياسية اختلاق أحاديث مزوّرة كان هدفها تزوير الأحكام الشرعية ومحو حقائق الدين .
فكان الأصحاب يعتنون بالأُصول باعتبار أنّ وجودها وجود أصلي واقعي بدوي غير متفرّع من وجود آخر ، ولذلك أطلق عليه بالأصل .
قال الوحيد البهبهاني (ت 1205 هـ) أنّ : « الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنّفه الأحاديث التي رواها عن المعصوم (عليه السلام) أو عن الراوي عنه »(37) .
وهو الصحيح ; لأنّ الأصل من كتب الحديث تعكس حقيقة تأريخية ، وهي أنّ الراوي إنّما كتب الرواية التي سمعها عن المعصوم (عليه السلام) مباشرة أو عمّن سمع منه ولم ينقلها عن كتاب أو عن مكتوب آخر .
ومقتضى صيرورة تلك المؤلّفات أُصولاً : إنّ تأليفها كان في عصر الإمام المعصوم (عليه السلام) .
الأُصول الأربعمائة :
ولا شكّ أنّ للأصل ميزة علمية ، وهي أنّ احتمال الخطأ أو السهو في الأصل المسموع بالمشافهة عن المعصوم (عليه السلام) أقلّ منها في الكتاب المنقول ، وبذلك فإنّنا نطمئنّ بالمطابقة بين الألفاظ الصادرة عن المعصوم (عليه السلام) وبين عين الألفاظ المندرجة في الأُصول ، خصوصاً إذا كان مؤلّف الأصل من المعتمدين عند الطائفة ، فإنّ حديثه المنقول عن المعصوم (عليه السلام) يكون حجّة شرعية بالنسبة لنا ، وقد أخذ بذلك الكثير من فقهائنا الأعلام .
فقد صرّح الشيخ البهائي (ت 1031 هـ) في مشرق الشمسين : بأنّ من الأُمور الموجبة لصحّة الحديث عند القدماء ، هو وجود الحديث في كثير من الأُصول الأربعمائة المشهورة المتداولة عندهم ، وتكرّر الحديث في أصل أو أصلين منها بأسانيد مختلفة متعدّدة ، ووجوده في أصل رجل واحد معدود من أصحاب الإجماع(38) .
بينما كان المحقّق الداماد ، وبعد أن تطرّق إلى الأُصول الأربعمائة ، قد تمّم رأي الشيخ البهائي بالقول : « وليعلم أنّ الأخذ من الأُصول المصحّحة المعتمدة أحد أركان تصحيح الرواية »(39) .
ونظرة فاحصة إلى أُسلوب كتابة تلك الأُصول يمنحنا بعداً تأريخيّاً ; لفهم طبيعة نقل الحديث ودقّة اتّباع أهل البيت (عليهم السلام) في نقل النصوص إلى الأجيال الجديدة المبتعدة عن زمن النصّ ، وفي ذلك ثلاثة أدلّة :
1 ـ روى السيّد ابن طاووس (ت 673 هـ) بإسناده عن أبي الوضّاح محمّـد بن عبـد الله بن زيد النهشلي ، عن أبيه ، أنّه قال : « كان جماعة من أصحاب أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) من أهل بيعته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال فإذا نطق أبو الحسن بكلمة ، أو أفتى في نازلة ; أثبت القوم ما سمعوه منه في ذلك »(40) .
2 ـ ما ذكره الشيخ البهائي (ت 1031 هـ) من أنّه : « قد بلغنا عن مشايخنا (قدس سرهم) أنّه كان دأب أصحاب الأُصول أنّهم إذا سمعوا عن أحد من الأئمّة (عليهم السلام) حديثاً بادروا إلى إثباته في أُصولهم ; لئلاّ يعرض لهم نسيان لبعضه أو كلّه بتمادي الأيّام »(41) .
3 ـ ما ذكره المحقّق الداماد (ت 1040 هـ) من أنّه : « يقال : قد كان من دأب أصحاب الأُصول أنّهم إذا سمعوا من أحدهم (عليهم السلام) حديثاً ; بادروا إلى ضبطه في أُصولهم من غير تأخير »(42) .
ويبدو من هذه النصوص : إنّ بعض الأصحاب كانت لديه ألواحاً يكتب عليها ما كان يقوله الإمام (عليه السلام) ، وكانت تلك الألواح الخشبية المصنوعة من الآبنوس الناعم شخصية الطابع ، حيث يرجع إليها الراوي للتأكّد من دقّة ألفاظ الحديث ، وتلك الألواح كانت دائماً عرضة للتلف ، فأخذ الفقهاء يجمعون الأحاديث الشريفة من تلك الألواح في مجاميع حديثية أربعة نتناولها اليوم ، وهي : الكافي ، والتهذيب ، والاستبصار ، ومن لا يحضره الفقيه .
والمشهور بين فقهاء الطائفة : إنّ عدد الأُصول كان أربعمائة ; ولذلك أُطلق عليها الاسم .
وإلى ذلك أشار الشيخ أمين الإسلام الطبرسي (ت 548 هـ) إلى أنّه : « روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) ـ من مشهوري أهل العلم ـ اربعة آلاف ، وصنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب تُسمّى : الأُصول ، رواها أصحابه ، وأصحاب ابنه موسى الكاظم (عليه السلام) »(43) .
وكتب المحقّق الحلّي (ت 676 هـ) قائلاً : « إنّه كتبت من أجوبة مسائل جعفر بن محمّـد أربعمائة مصنَّف لاربعمائة مصنِّف سمّوها أُصولاً »(44) .
وذكر الشهيد الأوّل (ت 786 هـ) أنّه قد : « كتبت من أجوبة الإمام الصادق (عليه السلام) أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف ، ودوّن من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل »(45) .
وذكر ذلك أيضاً الشيخ الحسين بن عبـد الصمد (ت 984 هـ) في درايته(46) ، والمحقّق الداماد (ت 1040 هـ) في رواشحه(47) .
والتحقيق :
إنّ تلك الأُصول الأربعمائة قد كتبت في عصر أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) ، سواء كانوا مختصّين به ، أو ممّن كانوا قد أدركوا أباه الإمام الباقر (عليه السلام) أو أدركوا ابنه الإمام الكاظم (عليه السلام) .
وقد نشطت في تلك الفترة ، وهي فترة ضعف الدولتين الأُموية والعباسية من سنة 95 إلى سنة 170 للهجرة ، حركة العلم والكتابة والتأليف ، وكان عميد جامعة أهل البيت (عليهم السلام) في تلك الفترة الإمام جعفر بن محمّـد الصادق (عليه السلام) ، الذي أحيى سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن أراد الأُمويّون إبادتها ومحوها من الوجود .
ومن الجدير ذكره :
إنّ الأُصول الأربعمائة لم تكن مرتّبة ترتيباً موضوعياً أو معجمياً ، بل كانت الروايات تكتب حسبما يقتضيه التسلسل الزمني للراوي لا التسلسل الموضوعي للروايات ، ولذلك فإنّ الفقهاء القدامى حاولوا جمع تلك الأُصول الأربعمائة ، وتبويبها ، وتنقيحها بشكل يسهل الانتفاع منها في المجاميع الحديثية الكبرى عند الإمامية ، وعندها ضعف الاندفاع نحو استنساخ الأُصول الأربعمائة ; لمشقّة الاستفادة منها ، وأصبحت المجاميع الحديثية هي البديل الموضوعي لأحاديث أهل بيت النبوّة (عليهم السلام) .
وسوف نعرض نموذجاً مختصراً لهذه الأُصول ، وقد استوفاها بحثاً العلاّمة المحقّق الشيخ آغا بزرك الطهراني (قدس سره) في الذريعة المجلّد الثاني ص 125 ـ 167 . فأدرج أسماء (117) أصلاً ، حسبما أوصله تتبّعه العلمي حول الموضوع .
فمن هذه الأُصول :
1 ـ أصل أبان بن تغلب بن رباح البكري ، وهو : ثقة ، جليل القدر ، عظيم المنزلة في أصحابنا ، خدم ثلاثاً من الأئمّة (عليهم السلام) السجاد ، والباقر ، والصادق (عليهم السلام) .
قال له الباقر (عليه السلام) : « أُجلس في مسجد المدينة وافت الناس ، فإنّي أُحبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلك »(48) .
ومات أبان سنة 141 هـ ، فلمّا أتى الإمام الصادق (عليه السلام) نعيه ، قال (عليه السلام) : « لقد أوجع قلبي موت أبان »(49) .
وذكر الشيخ الطوسي في فهرسه أصلاً لأبان بن تغلب .
2 ـ أصل أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الصيقل ، كنيته أبو جعفر كوفي ، ثقة ، روى عن أبي عبـد الله (عليه السلام) وأبي الحسن الكاظم (عليه السلام) . ترجمه النجاشي ، واستظهر ابن طاووس بأنّ كتبه كانت أُصولاً .
3 ـ أصل إسحاق بن عمّار بن موسى الساباطي ، وكان من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) ، ويرويه عنه محمّـد بن أبي عمير ، ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست ، وقال : إنّه فطحي ، ثقة .
الكتب الحديثية الأربعة :
وهي الكتب التي صنّفها فقهاء الشيعة اعتماداً على الأصول الأربعمائة المندرسة ، وتلك الكتب هي : الكافي ، والتهذيب ، والاستبصار ، ومن لا يحضره الفقيه .
1 ـ الكافي :
وهو من أجلّ الكتب الأربعة في الحديث ، ومن الأُصول المعتمدة في ما نقل عن آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
من تأليف الشيخ محمّـد بن يعقوب الكليني البغدادي (ت 329 هـ) ، كتبه في الغيبة الصغرى مدّة عشرين عاماً .
واشتمل الكافي على أربعة وثلاثين كتاباً ، وثلاثمائة وستّة وعشرين باباً . وينقسم إلى ثلاثة أقسام : الأُصول ، والفروع ، والروضة . مطبوع بثمان مجلّدات . وعدد الأحاديث الموجودة فيه (199 ،16) حديثاً ، منها : (5072) صحيح باصطلاح المتأخّرين ، و(144) حسن ، و(1018) موثّق ، و(302) قويّ ، و(9485) ضعيف(50) .
وتكمن أهمّية كتاب الكافي في أنّه صُنّف زمن الغيبة الصغرى ، وهي فترة حسّاسة في تاريخ الشيعة الإمامية ، حيث أوكل الإمام المهدي (عليه السلام)أربعة أشخاص يكونوا جسراً بينه وبين الأُمّة ، وهم : عثمان بن سعيد العمري ، وولده أبو جعفر محمّـد ، وأبو القاسم الحسين بن روح ، وعلي بن محمّـد السمري .
وقد كان الاتصال بالإمام المعصوم (عليه السلام) عن طريق الوكلاء ـ صمّام أمان ـ لفضح الكتب الحديثية المزوّرة ، فكان الكافي من أضبط الكتب الحديثية وأجمعها ، فهو لم يتعرّض لأيّ لون من ألوان التجريح ، بل كان العكس ، بحيث قال النجاشي في ترجمة الكليني مصنّف الكتاب : « كان من أوثق الناس في الحديث وأثبتهم »(51) .
ولكن ، ومع أنّ الكافي من الكتب الحديثية المعتبرة عند الإمامية وتدور عليه رحى الاستنباط ، إلاّ أنّه احتوى على روايات صحيحة وأُخرى غير صحيحة ; وعليه لا بدّ للمجتهد من التمييز بين الصحيح وغير الصحيح .
إذن نؤكّد على نقطتين هنا في غاية الأهمّية ، وهما :
1 ـ إنّ أسماء ـ الرواة التي وردت في الكتاب ـ ليس كلّها من الثقات . فقد صرّح الكليني بصحّة روايات كتبه ، لا بوثاقة رجال رواياته .
والمراد من صحّة الروايات هو : اقترانها بقرائن موضوعية أو شرعية تفيد الاطمئنان بصدورها عن أئمّة الهدى (عليهم السلام) ، فقد تجتمع قرائن موضوعية عند أحد الفقهاء لتوثيق راو معيّن ، بينما لا تنهض تلك القرائن عند فقيه آخر إلى درجة الوثاقة . مثلاً : وثاقة إبراهيم بن هاشم عند العلاّمة المامقاني ، قال : « . . . ألا ترى أنّهم ذكروا في إبراهيم بن هاشم ، أنّه أوّل من نشر أحاديث الكوفيّين بقم ، وهذا يدلّ على ما هو أقوى من حسن الظاهر بمراتب ; لأنّ أهل قم كان من شأنهم عدم الوثوق بمن يروي عن الضعفاء ، بل كانوا يخرجونه من بلدهم ، فكيف بمن كان هو في نفسه فاسقاً أو على غير الطريقة الحقّة ؟ !
فتحقّق نشر الأخبار بينهم يدلّ على كمال جلالته ، ومع ذلك لم يصرّح فيه أحد بالتوثيق والتعديل »(52) .
فوثاقة إبراهيم بن هاشم عند العلاّمة المامقاني قد لا تجد لها صدىً عند فقيه آخر .
وبالنتيجة أنّ التوثيق أمر اجتهادي ، يخضع لضوابط مثل : تعارف الفقهاء على صدق الراوي ، وشياع ذلك ، وإمارات وقرائن تحفُّ به خلال روايته بما يفيد القطع واليقين والاطمئنان .
وتصريح الكليني بصحّة روايات كتبه ، تدلّ على تمام القرائن الموضوعية للرواة عنده ، ومن تلك القرائن :
« 1 ـ وجود ] الحديث [ في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة المتداولة بينهم التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة سلام الله عليهم .
2 ـ وكتكرره في أصل أو أصلين منها فصاعداً ، بطرق مختلفة أو أسانيد عديدة معتبرة .
3 ـ وكوجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة ، الذين أجمعوا على تصديقهم ، كزرارة ، ومحمّـد بن مسلم ، والفضيل بن يسار .
4 ـ أو على تصحيح ما يصحّ عنهم ، كصفوان بن يحيى ، ويونس بن عبـد الرحمن ، وأحمد بن محمّـد بن أبي نصر البزنطي .
5 ـ أو العمل بروايتهم كعمّار الساباطي ونظرائه .
6 ـ وكاندراجه في أحد الكتب التي عرضت على أحد الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) فأثنوا على مؤلّفيها ، ككتاب عبيد الله الحلبي الذي عرض على الصادق (عليهم السلام) ، وكتابي يونس بن عبـد الرحمن والفضل بن شاذان ، المعروضين على الإمام العسكري (عليه السلام) .
7 ـ وكأخذه من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها ، سواء كان مؤلّفوها من الإمامية ، ككتاب الصلاة لحريز بن عبـد الله السجستاني ، وكتب بني سعيد ، وعلي بن مهزيار ، أو من غير الإمامية ، ككتاب حفص بن غياث القاضي ، والحسين بن عبيد الله السعدي ، وكتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري »(53) .
2 ـ إنّ الروايات الواردة في الكتاب ليست كلّها صحيحة أو معتبرة ، وقد لاحظنا الأرقام التي أعدّها المحدّث البحراني في كتابه لؤلؤة البحرين ، فكان الصحيح منها ـ باصطلاح المتأخّرين ـ (5072) حديثاً من مجموع (19916) حديثاً (أي بنسبة 31 %) ، وهذه النسبة تغطّي معظم الأحكام الشرعية ؟ لأنّ هناك الكثير من الأحاديث المكرّرة في ذات الموضوع . ومع ذلك فقد زُعِمَ بأنّ الاحتفاء الذي تمتّع به الكتاب يقتضي استغناء الفقيه عن التتبّع في آحاد رواته .
فقد وصفه الشيخ المفيد (ت413 هـ) : بأنّه من أعظم كتب الشيعة .
وقال فيه الشهيد الأوّل (ت 786 هـ) : إنّه لم يعمل للإمامية مثله .
وقال فيه العلامة المجلسي (ت 1111 هـ) : بأنّه أضبط الأُصول وأجمعها .
ولكن مجرّد الاحتفاء بالكتاب لا يعبّر عن عصمته في جمع الأحاديث المعتبرة ; والضبط في الجمع والتبويب لا يحرز ضمّ الأحاديث الصحيحة بمعناها الواقعي . فهو (قدس سره) وإن لم يروِ في كتابه بلا واسطة إلاّ عن الثقات ، إلاّ أنّه مع الواسطة روى عن الثقات وغير الثقات ، وهذا المورد يستدعي التدقيق في الروايات من قبل أجيال الفقهاء التي لحقت بعصر الكليني (قدس سره) .
ووثاقة الكليني ، وضبطه ، وتحرّزه لا تضمن تماماً الوقوع في خطأ النقل عن الضعفاء . فقد يحصل ذلك استثناءً . وهذا ـ بحدّ ذاته ـ يستدعي التدقيق أيضاً . وقريب من ذلك ما فعله النجاشي ، فقد كان النجاشي ، إذا تعلّق الأمر بلا واسطة ، لا يروي إلاّ عن ثقة . إمّا مع الواسطة فهو يروي عن الثقة وغير الثقة .
يقول النجاشي في ترجمة أبي الفضل محمّـد بن عبـد الله بن محمّـد : « كان ] قد أفنى [ في طلب الحديث عمره ، أصله كوفي ، وكان في أوّل أمره ثبتاً ثمّ خلط ، ورأيت جلّ أصحابنا يغمزونه ويضعّفونه ، له كتب . . . رأيت هذا الشيخ ، وسمعتُ منه كثيراً ، ثمّ توقّفت عن الرواية عنه إلاّ بواسطة بيني وبينه »(54) .
ولم يعتقد الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) بصحّة جميع روايات الكافي ، فنقل روايات من الكافي في كتابيه التهذيب والاستبصار ، وناقش في أسنادها وحكم بضعفها .
قال العلاّمة المجلسي : « أمّا جزم بعض المجازفين بكون جميع الكافي معروضاً على القائم (عليه السلام) ; لكونه في بلد السفراء ] بغداد [ ، فلا يخفى ما فيه .
نعم ، عدم إنكار القائم وآبائه : عليه وعلى أمثاله من تأليفاتهم ورواياتهم ممّا يورث الظنّ المتاخم للعلم بكونهم : راضين بفعلهم ومجوّزين للعمل بأخبارهم »(55) .
و« الحقّ عندي أنّ وجود الخبر في أمثال تلك الأُصول المفيدة ، ممّا يورث جواز العمل به ، ولكن لا بدّ من الرجوع إلى الأسانيد ; لترجيح بعضها على بعض عند التعارض »(56) .
ويؤيّد ذلك ما ورد في مقدّمة كتاب الكافي ذاته من عدم الجزم بقطعية صحّة جميع الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) ، فيقول : « فاعلم يا أخي ـ أرشدك الله ـ أنّه لا يسع أحداً تمييز شيء ممّا اختلف الرواية فيه عن العلماء : برأيه ، إلاّ على ما أطلقه العالم بقوله (عليه السلام) : اعرضوها على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله عزّ وجلّ فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردّوه ، وقوله (عليه السلام) : دعوا ما وافق القوم فإنّ الرشد في خلافهم ، وقوله (عليه السلام) : خذوا بالمجمع عليه ، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه . ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقلّه ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم (عليه السلام) وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله (عليه السلام) : بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم »(57) .
2 ـ من لا يحضره الفقيه :
وهو الكتاب الثاني في الحديث ، من تأليف الشيخ محمّـد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (ت 381 هـ) ، المعروف بالشيخ الصدوق .
اقتبس المصنّف اسم كتابه من كتاب من لا يحضره الطبيب لمحمّـد بن زكريا الرازي .
ويعتبر الكتاب من الكتب الدقيقة في الحديث ، بل إنّ « من الأصحاب من يذهب إلى ترجيح أحاديث من لا يحضره الفقيه على غيره من الكتب الأربعة ; نظراً إلى زيادة حفظ الصدوق ، وحسن ضبطه ، وتثبّته في الرواية ، وتأخّر كتابه عن الكافي ، وضمانه فيه بصحّة مايورده ، وإن لم يقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووا ، وإنّما يورد فيه ما يفتي به ويحكم بصحّته ، ويعتقد أنّه حجّة بينه وبين ربّه »(58) .
ومجموع أحاديث الكتاب (5963) حديثاً في (446) باباً في أربعة مجلّدات . المسانيد فيه (3913) حديثاً ، والمراسيل (2050) حديثاً(59) .
واتخذ الشيخ الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه منهجاً جديداً مغايراً لمنهج الشيخ الكليني ، فاختصر الصدوق أسانيد الروايات ، وحذف أوائل السند ، ووضع المشيخة في خاتمة من لا يحضره الفقيه ; من أجل معرفة طريقه إلى من روى عنه .
بينما كان منهج الكليني في الكافي هو سرد السند بالكامل على الأغلب .
ولا شكّ أنّ كتاب من لا يحضره الفقيه لم يفلت من النقاش الدائر حول مدى حجّية جميع الروايات الواردة فيه :
1 ـ فقد زُعم بأنّ كتاب من لا يحضره الفقيه كتاب فتوى ، ولا بدّ أن تكون الروايات الواردة فيه صحيحة . فقد قال المصنّف (قدس سره) في مقدّمته : « بل قصدتُ إلى إيراد ما أُفتي به وأُحكم بصحّته »(60) .
وبطبيعة الحال ، فإنّ وثوق الخبر عند المتقدّمين كان نابعاً من كونه من المعصوم(عليه السلام) ، لا كون الراوي من الثقات .
وقد أشار إلى ذلك المحقّق البهبهاني ، فقال : « إنّ الصحيح عند القدماء هو ما وثقوا بكونه من المعصوم أعمّ من أن يكون منشأ وثوقهم كون الراوي من الثقات ، أو أمارات أُخر ، ويكونوا يقطعون بصدوره عنهم أو يظنّون »(61) .
فبلحاظ تغيّر الزمان والمكان ، فإنّ أُصول البحث عن صحّة الروايات قد تبدّل ، فقد كان القدماء ، كالصدوق والطوسي وغيرهم يطمئنّون إلى صحّة الحديث ; لوجود قرائن خارجية ملموسة في ذلك الزمان ، كوجود الحديث في الأُصول الأربعمائة ، أو وجوده في الكتب المعروضة على أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)ككتاب (يونس بن عبـد الرحمن) و(فضل بن شاذان) اللذين عرضا على الإمام العسكري (عليه السلام) مثلاً . وهذا لا يقطع بوثوق الرواة ، بقدر ما يكشف صحّة الروايات في تلك الأُصول والكتب .
2 ـ إنّ مراسيل من لا يحضره الفقيه التي بلغت حوالي نصف حجم الأحاديث الكلّية في الكتاب ، بحاجة إلى بحث وتمحيص ، فهل يمكن الاعتماد على مراسيل الصدوق كما هو الحال مع أسانيده ؟
قال جماعة من الفقهاء : بحجّية مراسيل الصدوق .
فقال السيّد بحر العلوم في رجاله : « إنّ مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل ابن أبي عمير في الحجّية والاعتبار ، وإنّ هذه المزيّة من خواصّ هذا الكتاب لا توجد في غيره من كتب الأصحاب »(62) .
وقال المحقّق الداماد في الرواشح : « إذا كان الإرسال بالإسقاط رأساً جزماً ، كما قال المرسل (قال النبي ، أو قال الإمام) فهو يتمّ فيه ، وذلك مثل قول الصدوق في الفقيه (قال الصادق (عليه السلام) : الماء يطهر ولا يطهر) ، إذ مفاده الجزم أو الظنّ بصدور الحديث عن المعصوم ، فيجب أن تكون الوسائط عدولاً في ظنّه ، والاّ كان الحكم الجازم بالإسناد هادماً لجلالته وعدالته »(63) .
ولا شكّ أنّ قضية المراسيل تبقى قضية معلّقة ، فحتّى لو وثق الشيخ الصدوق من صدور الرواية عن الإمام (عليه السلام) ، يبقى وثوقه حدساً لا يكشف لنا عدالة الراوي أو وثاقته .
3 ـ إنّ وجود الكتب المعتبرة ـ التي كان معوّلاً عليها زمن النصّ ـ ككتب (الفضيل بن يسار) ، و(محمّـد بن مسلم) ، و(حريز بن عبـد الله السجستاني) ، و(عبيد الله بن علي الحلبي) وغيرها ، والتي ذكرها الصدوق في كتابه ، يقتضي تكثيف البحث حولها وحول طرقها إلى المعصوم(عليه السلام) ، وقد قال الشيخ الصدوق : إنّ جميع ما في من لا يحضره الفقيه : « مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع »(64) . إلاّ أنّ بعض تلك الكتب « هي كتب غيرهم من الأعلام المشهورين ، كرسالة والده إليه ، وكتاب شيخه محمّـد بن الحسن بن الوليد . فالروايات المودعة في الفقيه مستخرجة من هذه الكتب معتقداً أنّها كتب معروفة ومعتبرة ، وأمّا كونها صحيحة أو غير صحيحة ، فهو أمر أجنبي عن ذلك »(65) .
3 ـ تهذيب الأحكام :
لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ) .
ألّفه شرحاً لرسالة المقنعة في الفقه ، لشيخه محمّـد بن محمّـد بن النعمان المفيد (ت 413 هـ) . وهو « أحد الكتب الأربعة ، المجاميع القديمة ، المعوّل عليها عند الأصحاب من لدن تأليفها حتّى اليوم . ألّفه شيخ الطائفة ، استخرجه من الأُصول المعتمدة للقدماء التي هيّأها الله له ، وكانت تحت يده من لدن وروده إلى بغداد سنة 408 هـ ، إلى مهاجرته منها إلى النجف الأشرف »(66) .
والكتاب مؤلّف من أبواب عددها 93 باباً ، وعدد أحاديثه (12590) حديثاً(67) ، مطبوع بعشرة مجلّدات .
قال الشيخ الطوسي في عدّة الأُصول ـ على ما حكاه الفيض الكاشاني ـ : « إنّ ما أورده في كتابي الأخبار إنّما أخذه من الأُصول المعتمد عليها »(68) .
وبعد أن ذكر الشيخ (قدس سره) مختاره في حجّية خبر الواحد ، إذا كان راويه إماميّاً ، ولم يطعن في روايته ، وكان سديداً في نقله ، قال : « والذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة المحقّة ، فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ، ودوّنوها في أُصولهم ، لا يتناكرون ذلك ، ولا يتدافعونه حتّى أنّ واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه : من أين قلت هذا ؟ فإذا أحالهم إلى كتاب معروف ، أو أصل مشهور ، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه ، سكتوا وسلّموا الأمر في ذلك ، وقبلوا قوله . . .
وممّا يدلّ أيضاً على جواز العمل بهذه الأخبار ـ التي أشرنا إليها ـ ما ظهر من الفرقة المحقّة من الاختلاف الصادر عن العمل بها ، فإنّي وجدتها مختلفة المذاهب في الأحكام ، يفتي أحدهم بما لا يفتي به صاحبه في جميع أبواب الفقه ، من الطهارة إلى باب الديّات من العبادات ، والأحكام والمعاملات ، والفرائض وغير ذلك ، مثل اختلافهم في العدد والرؤية في الصوم . . .
وقد ذكرت ما ورد عنهم (عليهم السلام) من الأحاديث المختلفة ـ التي تختص بالفقه ـ في كتابي المعروف بـ : الاستبصار ، وفي كتاب تهذيب الأحكام ما يزيد على خمسة آلاف حديث ، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها ، وذلك أشهر من أن يخفى »(69) .
وهذا ما أكّده المحقّق الحلّي (ت 676 هـ) في معارج الأُصول ، فقال : « وذهب شيخنا أبو جعفر إلى العمل بخبر العدل من رواة أصحابنا ، لكن لفظه ـ وإن كان مطلقاً ـ فعند التحقيق يتبيّن أنّه لا يعمل بالخبر مطلقاً ، بل بهذه الأخبار التي رويت عن الأئمّة (عليهم السلام) ودوّنها الأصحاب ، لا أنّ كلّ خبر يرويه الإمامي يجب العمل به ، هذا الذي تبيّن لي من كلامه ، ويدّعي إجماع الأصحاب على العمل بهذه الأخبار . . . »(70) .
4 ـ الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار :
وهو من تأليف الشيخ الطوسي (قدس سره) .
وهو أحد الكتب الحديثية الأربعة التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الإمامية ، ويتكوّن من ثلاثة أجزاء : الأوّل والثاني يشتملان على العبادات ، والثالث يتعلّق بالمعاملات وغيرها من أبواب الفقه ، وقد حصر أحاديثه بالشكل التالي :
الجزء الأوّل في (300) باباً ، فيه (1899) حديثاً .
الجزء الثاني في (217) باباً ، فيه (1177) حديثاً .
والجزء الثالث في (398) باباً ، فيه (2455) حديثاً .
فمجموع الأبواب (915) باباً ، تتضمّن (5521) حديثاً ، وهو مطبوع في أربعة مجلّدات .
وطريقة الشيخ في كتابي التهذيب والاستبصار : إنّه قد يذكر جميع السند ، كما في الكافي ، وقد يقتصر على البعض بحذف المصدر ، كما في الفقيه . و« لكنّه استدرك المتروك في آخر الكتابين ، فوضع له مشيخته المعروفة ، وهي فيهما واحدة غير مختلفة ، قد ذكر فيهما جملة من الطرق إلى أصحاب الأُصول والكتب ، ممّن صدر الحديث بذكرهم ، وابتدأ بأسمائهم ، ولم يستوفِ الطرق كلّها ، ولا ذكر الطريق إلى كلّ من روى عنه بصورة التعليق ، بل ترك الأكثر ; لقلّة روايته عنهم ، وأحال التفصيل إلى فهارس الشيوخ المصنّفة في هذا الباب ، وزاد في التهذيب الحوالة على كتاب الفهرست الذي صنّفه في هذا المعنى »(71) .
< |