(7)
الفوائـد البديـعة
مـن
( 4 )
السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني
(19)
اُغدُ إلى عزّك
هكذا يقول الأئمّة عليهم السلام لشيعتهم من أهل التجارة والكسب :
فعن المعلّى بن خنيس ، قال : « رآني أبو عبد الله عليه السلام وقد تأخّرت عن السوق ، فقال : اُغدُ إلى عزّك »(1) .
وعن علي بن عقبة ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام لمولىً له : « يا عبد الله ، احفظ عزّك .
قال : وما عزّي جعلت فداك ؟ قال : غدوّك إلى سوقك ، وإكرامك نفسك .
وقال لآخر مولىً له : « ما لي أراك تركت غدوّك إلى عزّك ؟ !
قال : جنازة أردت أن أحضرها .
(1) وسائل الشيعة 17/10 ح 21844 .
(8)
قال : فلا تدع الرواح إلى عزّك »(1) .
وعن هشام بن أحمر ، قال : « كان أبو الحسن عليه السلام يقول لمصادف : اغد إلى عزّك . يعني : السّوق »(2) .
فهكذا كانوا يحرّضون شيعتهم على طلب الدنيا بالتجارة والعمل وكسب المال ، كما كانوا يحرّضون أهل العلم على التعلّم والتقدّم فيه ، حتّى قالوا : « ليس منّا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه »(3) .
إنّهم لم يهملوا هذا الجانب أبداً ، بل لقد اهتمّوا وأمروا به وحثّوا عليه ورغّبوا فيه بشتّى الأساليب .
ففي الأخبار المذكورة أمرٌ بالمبادرة إلى السوق ، والحضور في محلّ الكسب في أوّل الصبح .
وأيضاً ، فقد عبّروا عن التجارة والكسب وطلب المال الحلال بـ : « العزّ » وما أجمله من تعبير ، ففي الوقت الذي يحرّضون على العمل من أجل الحصول على الدنيا ، يشيرون إلى أنّ الغرض الأقصى من ذلك هو الآخرة والمزايا المعنويّة ، ولذلك نرى أنّ الإمام عليه السلام يضيف كلمة : « وإكرامك نفسك » .
بل في رواية عن أبي عبد الله عليه السلام : « لاتدع طلب الرزق من حلّه ، فإنّه عون لك على دينك »(4) .
وفي أُخرى : قال له رجل : « والله إنّا لنطلب الدنيا ، ونحبّ أن نؤتاها ، فقال عليه السلام : تُحبُّ أن تصنع بها ماذا ؟ قال : أعود بها على نفسي وعيالي وأصل بها ، وأتصدّق بها ، وأحجّ واعتمر ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : ليس هذا طلب الدنيا ، هذا طلب الآخرة »(5) .
وفي ثالثة : « نعم العون الدنيا على الآخرة »(6) .
وفي رابعة : « فنعم المطيّة الدنيا للمؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر . . . »(7) .
وقد كان من اهتمام الإمام عليه السلام بأمر الخروج إلى الكسب أن سأل أحدهم ـ وكأنّه معترض عليه ـ : « مالي أراك تركت غدوّك إلى عزّك ؟ !» ، ثمّ لمّا اعتذر بالحضور في جنازة أكّد عليه الإمام عليه السلام قائلاً : « فلا تدع الرواح إلى عزّك » ، منبّهاً على أنّ الحضور في الجنازة ونحو ذلك لا ينبغي أن يتجاوز حدّ الضّرورة .
هذا ، وقد أوضح في رواية اُخرى معنى « العزّ » ، بقوله عليه السلام : « تعرّضوا للتجارات ، فإنّ لكم فيها غنىً عمّا في أيدي النّاس »(8) ، فإنّهم عليهم السلام يريدون استغناء المؤمنين عمّا في أيدي النّاس ، ولو أنّهم أطاعوا الأئمّة عليهم السلام في تعاليمهم وإرشاداتهم لكان الأمر بالعكس ، وكان الآخرون محتاجين إلى المؤمنين ، ولما كان الحال كما هو الآن كائن ! !
بل لقد اشتدّ الإمام عليه السلام على بعض الأصحاب :
فعن الفضيل بن يسار ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : « أيّ شيء تعالج ؟ فقلت : ما أُعالج اليوم شيئاً ، فقال : كذلك تذهب أموالكم ، واشتدّ عليه »(9) .
فهو يسأل عمّا يفعل ويزاول ، ونفس السؤال يكشف عن الاهتمام بأمر المؤمنين وحبّ الاطّلاع على أحوالهم ، فلمّا أخبره بكونه عاطلاً عن العمل ، اشتدّ عليه وغضب ; لأنّ الأئمّة عليهم السلام يبغضون القادر على العمل والعاطل التارك له ، فإنّه سيصرف أمواله ويأكلها ، ثمّ يفقد عزّه بين الناس .
بل لقد نهى بشدّة عن ترك العمل حتّى مع الإيسار :
فعن الفضيل الأعور ، قال : « شهدت معاذ بن كثير وقال لأبي عبد الله عليه السلام : إنّي قد أيسرت فأدع التجارة ؟ فقال : إنّك إن فعلت قلّ عقلك »(10) .
وعن معاذ ، قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : « يا معاذ ، أضعفت عن التجارة ؟ أو زهدت فيها ؟ قلت : ما ضعفت عنها ، ولا زهدت فيها ، قال : فما لك ؟ قال : كنّا ننتظر أمراً ، وذلك حين قتل الوليد ، وعندي مال كثير ، وهو في يدي ، وليس لأحد عليَّ شيء ، ولا أراني آكله حتّى أموت ، فقال : لا تتركها ، فإنّ تركها مذهبة للعقل ، اسع على عيالك ، وإيّاك أن يكونوا هم السّعاة عليك »(11) .
وفي خبر ثالث يقول : « قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إنّي قد هممت أن أدع السّوق وفي يدي شيء ، فقال : إذاً يسقط رأيك ، ولا يستعان بك على شيء »(12) .
فانظر ، كيف يذمُّ الإمام عليه السلام العطل ، وينبّه على أنّ الإنسان العاطل باختياره ساقط الرأي في المجتمع ، لا يعبأ به ولا يعتنى بكلامه ، ولا يكون له شأن بين الناس ، ولا يستعان به على شيء ، ولا يُرجع إليه في أمر !
ومن جهة أُخرى ، يرى الإمام عليه السلام من المهانة للمؤمن أن يكون عياله هم السّعاة عليه ـ مع قدرته على أن يكون هو الساعي ـ والسبب في التوسعة عليهم ; لأنّ في ذلك ذلّةً ، له وهم لا يريدون لأصحابهم الذلّة حتّى بين أفراد عائلتهم .
وأمّا قول الإمام عليه السلام بأنّه إن ترك التجارة قلّ عقله ، وفي خبر : « تركها مذهبة للعقل » ، فلعلَّ المراد أنّ الإنسان الفارغ الجالس في بيته سينعزل عن المجتمع ويبقى وحده ، وحينئذ يوسوس له الشيطان ويتلاعب بعقله وفكره ويشوّش عليه العيش ، وكأنّ قوله لمّا سأل عن أحد المؤمنين فقيل له : « قد ترك التجارة » إنّه « عمل الشيطان »(13) ، إشارة إلى ما ذكرناه .
ثمّ إنّ جملةً من الروايات قد أضافت آثاراً سيئةً على ترك الكسب والتجارة عن اختيار وقدرة :
كقوله عليه السلام : « هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم »(14) .
وقوله عليه السلام لمن طلب منه أن يدعو الله لأنْ يرزقه في دعة : « لا أدعو لك ، اطلب كما أمرك الله عزّ وجلّ »(15) .
وقوله عليه السلام : « من طلب هذا الرزق من حلّه ، ليعود به على نفسه وعياله ، كان كالمجاهد في سبيل الله »(16) .
ثمّ إنّهم بيّنوا آداب طلب الرزق ، ومن ذلك قولهم :
« وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله »(17) .
وذكّروا ببعض الآثار الوضعيّة ، كقولهم :
« كسب الحرام يبين في الذرّيّة »(18) .
( 20 )
جلساء الرّجل شركاؤه في الهديّة
هكذا في رواية(19) ، وهو من محاسن كلامهم عليهم السلام ; لأنّهم حريصون على أن يراعي شيعتهم الآداب الاجتماعية ويحافظوا على مروّتهم بين النّاس ، فمن كان منهم وجيهاً في قومه وله جلساء ، فقدّمت له هديّةٌ بمحضر منهم ، قبح له أن يأخذها ولا يعطيهم شيئاً منها ، بل مقتضى مروّته أن يشاركهم فيها ، بل يوزّعها عليهم ، فلا يُبقى لنفسه منها شيئاً . . .
فانظر ، كيف يهتمّون بشؤون شيعتهم !
وأيضاً ، فإنّهم عليهم السلام يهمّهم أن يكون شيعتهم متحابّين فى ما بينهم ، فذكروا أنّ من جملة أسباب التحابب هو : التهادي ، بل أمروا بذلك فقالوا :
« تهادوا تحابّوا »(20) .
وإنّهم لا يريدون حدوث أيّة ضغينة بين مواليهم ، ولو حدثت يؤكّدون على رفعها ، فيأمرون بالهديّة ويقولون :
« تهادوا ، فإن الهديّة تسلّ السخائم وتجلي ضغائن العداوة والأحقاد »(21) .
ثمّ إنّهم يعلّمون شيعتهم أنواع الهدية والغرض منها فيقولون :
« الهديّة على ثلاثة وجوه : هديّة مكافأة ، وهديّة مصانعة ، وهديّة لله عزّ وجلّ »(22) .
فمن الهديّة ما يكون مكافأةً أو مصانعةً ، فهم يأمرون بتبادل الهدايا ، لوجهين : أحدهما : إنّ ذلك في نفسه موجب للتحابب ، كما تقدّم . والآخر : إنّه من مصاديق قوله تعالى : ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ )(23) .
مضافاً إلى أنّ ذلك يقتضي الاستمرار على التهادي والتحابب ، وأيضاً ، فإنّ الهديّة من جانب واحد ، خاصةً لو تكرّرت ، ربّما تنتهي إلى حالات مذمومة كالمنّ ونحوه .
ومن الهديّة ما لا يكون الغرض منه إلاّ رضا الله تعالى . . . ومن الواضح أنّ رضا الله يستتبع رضا المخلوقين ، ومن أصلح بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين النّاس .
ثمّ إنّهم عليهم السلام ينبّهون على أمرين :
أحدهما :
حسن قبول الهديّة وأنّ ردّها قبيح ، وقد ينتزع من ذلك الاستهانة ، ويورث الضغينة ، بل القطيعة .
والآخر :
إنّه وإنْ أمروا بالتهادي والمقابلة بالجميل ، فقد نهوا عن التكلّف .
ففي الخبر : « من تكرمة الرجل لأخيه المسلم أن يقبل تحفته ، ويتحفه بما عنده ، ولا يتكلّف له شيئاً »(24) .
( 21 )
ويلٌ لمن غلبت آحاده أعشاره
عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : « كان عليّ بن الحسين عليه السلام يقول : ويلٌ لمن غلبت آحاده أعشاره .
فقلت له : وكيف هذا ؟
قال : أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول : ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا )(25) ، فالحسنة الواحدة إذا عملها كتبت له عشراً ، والسيئة الواحدة إذا عملها كتبت له واحدة ، فنعوذ بالله ممّن يرتكب في يوم واحد عشر سيئّات ، ولا يكون له حسنة واحدة فتغلب حسناته سيّئاته »(26) .
هذا كلام إمام ينقله إمام قائلاً : « كان يقول » ، وهو ظاهر في الاستمرار ، أي طالما كان يعظ به ، وما أبلغها من موعظة مستنبطة من كلام الله عزّ من قائل !
لكن ذلك يتوقّف على محاسبة المؤمن نفسه ومراقبته لها ، وبالمبالاة لكلّ ما يكون منه فعلاً أو تركاً ، فتلك هي الأساس .
ولذا قال مولانا الإمام الكاظم عليه السلام : « ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم ، فإنْ عمل حسناً استزاد الله ، وإنْ عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه »(27) .
وقد سأل رجلٌ أمير المؤمنين عليه السلام : « كيف يحاسب نفسه ؟ » .
قال : « إذا أصبح ثمّ أمسى رجع إلى نفسه ، وقال : يا نفسي ، إنّ هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبداً ، والله يسألك عنه بما أفنيته . . . فيذكر ما كان منه ، فإنْ ذكر أنّه جرى منه خير حمد الله وكبّره على توفيقه ، وإنْ ذكر معصيةً أو تقصيراً استغفر الله وعزم على ترك معاودته »(28) .
ومن هنا ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : « من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر »(29) ; لأنّه إذا حاسب فسوف لا تزيد سيئاته على حسناته ، بل بالعكس ; لأنّ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، فيكون رابحاً غير خاسر ، بل إنّه سيزداد في كلّ يوم خيراً فيكون من خير النّاس وأقربهم إلى الله عزّ وجلّ .
ولذا كان الإمام علي بن الحسين عليه السلام يقول : « ابن آدم ، إنّك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك ، وما كانت المحاسبة من همّك . . . »(30) .
هذا ، ومن النّاس من يقضي شطراً من عمره في اللاّمبالاة على أمل أنْ يصلح حاله في مستقبل أيّامه ، إلاّ أنّ الإمام عليه السلام يحذّره من هذا التفكير ، فيقول : « إذا أتت على الرجل أربعون سنة قيل له : خذ حذرك فإنّك غير معذور ، وليس ابن الأربعين أحقّ بالحذر من ابن العشرين ، فإنّ الذي يطلبهما واحد وليس براقد ، فاعمل لما أمامك من الهول ، ودع عنك فضول القول »(31) .
لكنْ قد يصل الإنسان ـ معاذ الله ـ إلى حالة لا يُرجى خيره أبداً :
عن الصّادق جعفر بن محمّـد عليهما السلام ، قال : « ثلاث من لم تكن فيه فلا يرجى خيره أبداً : من لم يخش الله في الغيب ، ولم يرع في الشيب ، ولم يستح من العيب »(32) .
( 22 )
أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر
عن أبي عبد الله عليه السلام : « ثلاث لا عذر لأحد فيها : أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر ، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر ، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين »(33) .
هكذا يؤدّبون شيعتهم !
قد تتوهّم أنّه إذا كان الشخص فاجراً فأنت في سعة بالنسبة إليه ، وأنّك مرخّص في الخيانة في ماله إذا استأمنك أو الخلف لوعده إذا وعدته . . كلاّ ، ليس الأمر كذلك ، وكونه فاجراً ليس بعذر لك .
بل الإمام عليه السلام يضرب لك مثلاً ، ويقول : « فلو أنَّ قاتل علي عليه السلامائتمنني على أمانة لأدّيتها إليه »(34) . وهل فوق قاتل أمير المؤمنين عليه السلامفاجراً ؟
إنّ أداء الأمانة صفةٌ حسنةٌ في نفسها ، والمؤمن يجب أن يتحلّى بالصفات الحسنة ، والخيانة في نفسها صفة قبيحة على المؤمن الاجتناب عنها بغضّ النظر عن صاحب المال الذي استأمنك . . .
والأخبار في خصوص أداء الأمانة كثيرة .
ومن ذلك ما عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر : « فاتّقوا الله وأدّوا الأمانة إلى الأسود والأبيض ، وإن كان حروريّاً ، وإن كان شاميّاً »(35) .
وعنه عليه السلام : « إنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث نبيّاً إلاّ بصدق الحديث ، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر »(36) .
بل لقد جعل أداء الأمانة ممّا يختبر به المؤمن .
فعن أبي عبد الله عليه السلام : « لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده ، فإنّ ذلك شيء اعتاده ، فلو تركه استوحش لذلك ، ولكنْ انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته »(37) .
وفوق ذلك كلّه ، ما ورد عن أبي كهمس ، قال : « قلت لأبي عبد الله عليه السلام : عبد الله بن أبي يعفور يقرؤك السلام .
قال : وعليك وعليه السلام ، إذا أتيت عبد الله فاقرأه السّلام ، وقل له :
إنّ جعفر بن محمّـد يقول لك : انظر ما بلغ به عليّ عليه السلام عند رسول الله صلّى الله عليه وآله فالزمه ، فإنّ عليّاً عليه السلام إنّما بلغ ما بلغ عند رسول الله صلّى الله عليه وآله بصدق الحديث وأداء الأمانة »(38) .
ثمّ إنّهم عليهم السلام ذكروا لحفظ الأمانة وأدائها فوائد وآثاراً دنيوية :
عن عبـد الرحمن بن سيّابة عن أبي عبد الله عليه السلام ـ في حديث ـ قال : « ألا أُوصيك ؟ قلت : بلى ، قال : عليك بصدق الحديث وأداء الأمانة تشرك النّاس في أموالهم هكذا ، وجمع بين أصابعه .
قال : فحفظت ذلك عنه فزكّيت ثلاثمائة ألف درهم »(39) .
وعنه عليه السلام قال : « قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : ليس منّا من أخلف بالأمانة .
قال : وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : أداء الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر »(40) .
( 23 )
ما أحبّ الله قوماً إلاّ ابتلاهم
عن أبي عبد الله عليه السلام : « إنّ عظيم الأجر لمع عظيم البلاء ، وما أحبّ الله قوماً إلاّ ابتلاهم »(41) .
وهل من شكٍّ في أنّ أحبّ النّاس إلى الله هم الأنبياء والرسل ؟ !
« سئل رسول الله صلّى الله عليه وآله : من أشدّ النّاس بلاءً في الدنيا ؟
فقال : النبيّون ثمّ الأمثل فالأمثل ، ويبتلى المؤمن بعدُ على قدر أيمانه وحسن أعماله ، فمن صحّ إيمانه وحسن عمله اشتدّ بلاؤه ، ومن سخف إيمانه وضعف عمله قلّ بلاؤه »(42) .
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : « إنّ في كتاب علي عليه السلام : إنّ أشدّ النّاس بلاءً النبيّون ، ثمّ الوصيّون ، ثمّ الأمثل فالأمثل ، وإنّما يبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسنة ، فمن صحّ دينه وحسن عمله اشتدّ بلاؤه ، وذلك أنّ الله عزّ وجلّ لم يجعل الدنيا ثواباً لمؤمن ولا عقوبةً لكافر ، ومن سخف دينه وضعف عمله قلّ بلاؤه ، وإنّ البلاء أسرع إلى المؤمن التقيّ من المطر إلى قرار الأرض »(43) .
وقد يسأل بعض المؤمنين عن الحكمة في ما يلاقونه من البلاء ، ومنهم من يشتكي ويجزع ، وهم في غفلة عن معنى البلاء وكأنّهم يشتبهون ويخلطون بين « البلاء » و« العذاب » ; لأنّ البلاء يكون عن « حبّ ورضا » والعذاب إنّما يكون عن « سخط وغضب » ، ولذا قال عليه السلام : « ما أحبّ الله قوماً إلاّ ابتلاهم » ، بل في غير واحد من الأخبار أنّ البلاء كالهديّة التي يأتي بها الرجل لأهله بعد أنْ غاب عنهم مدّةً :
عن أبي جعفر عليه السلام : « إنّ الله ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهديّة من الغيبة ، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض »(44) .
ويستفاد من الأخبار ، أنّه كلّما ازداد العبد إيماناً زيد في بلائه ، وكلّما كان بلاؤه أعظم كان أجره أعظم . . . .
قال عليه السلام : « إنّما المؤمن بمنزلة كفّة الميزان ، كلّما زيد في إيمانه زيد في بلائه »(45) .
وقال : « إنّ عظيم الأجر لمع عظيم البلاء »(46) .
وربّما تعجّب بعض النّاس إذا قرأ الخبر :
« عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : إنّ الله إذا أحبّ عبداً غتّه بالبلاء غتّاً ، وثجّه(47) بالبلاء ثجّاً ، فإذا دعاه قال : لبيّك عبدي ، لئن عجّلت لك ما سألت إنّي على ذلك لقادر ، ولئن ادّخَرت لك فما ادّخرت لك خير لك »(48) .
فمفاد الخبر أنّ الله يسمع دعاء المؤمن رفع البلاء ويجيبه بأنّ بقاء البلاء واستمراره خير له من رفعه وقطعه . . . فكان الأفضل له أنْ يتحمّل ويصبر :
قال أبو عبد الله عليه السلام : « من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد »(49) .
وعنه أنّه قال : « لا تكونون مؤمنين حتّى تكونوا مؤتمنين وحتّى تعدّوا النعمة والرخاء مصيبةً ، وذلك أنّ الصبر على البلاء أفضل من العافية عند الرخاء »(50) .
وعن أبي جعفر عليه السلام ، قال : « من صبر على مصيبة زاده الله عزّاً إلى عزّه ، وأدخله الجنّة مع محمّـد وأهل بيته »(51) .
وعن أبي عبد الله عليه السلام : « إنّ الحرّ حرٌّ على جميع أحواله ، إن نابته نائبة صبر لها ، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره ، وإن اُسر وقهر واستبدل باليسر عسراً ، كما كان يوسف الصدّيق الأمين ، لم يضرر حريّته أن استعبد أو قُهر واُسر ، ولم تضرره ظلمة الجبّ ووحشته ، وما ناله أنْ منّ الله عليه فجعل الجبّار العاتي له عبداً بعد إذ كان له مالكاً ، فأرسله ورحم به اُمّةً ، وكذلك الصبر يعقب خيراً ، فاصبروا ووطّنوا أنفسكم على الصبر تؤجروا »(52) .
وعنه عليه السلام : « إنّ أهل الحقّ لم يزالوا منذ كانوا في شدّة ، أمّا إنّ ذلك إلى مدّة قليلة وعافية طويلة »(53) .
( 24 )
رحم الله جعفراً ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه
وفي كلّ باب أدّبوا شيعتهم وأرادوا منهم أن يكونوا مؤدّبين . . .
ومن ذلك . . . المعاشرة مع أبناء المذاهب الأُخرى من المسلمين .
فعن معاوية بن وهب ، قال : « قلت لأبي عبد الله عليه السلام : كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا ، وفيما بيننا وبين خلطائنا من النّاس ؟ قال : فقال : تؤدّون الأمانة إليهم ، وتقيمون الشهادة لهم وعليهم ، وتعودون مرضاهم ، وتشهدون جنائزهم »(54) .
وعن زيد الشحّام ، قال : « قال لي أبو عبد الله عليه السلام : اقرأ على من ترى أنّه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام ، وأُوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ ، والورع في دينكم ، والاجتهاد لله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وطول السجود ، وحسن الجوار ، فبهذا جاء محمّـد صلّى الله عليه وآله ، أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برّاً أو فاجراً ، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يأمر بأداء الخيط والمخيط ، صلوا عشائركم ، واشهدوا جنائزهم ، وعودوا مرضاهم ، وأدّوا حقوقهم ، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدّى الأمانة وحسن خلقه مع النّاس قيل : هذا جعفريّ ، فيسرّني ذلك ويدخل عليَّ منه السرور ، وقيل : هذا أدب جعفر ، وإذا كان غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعاره ، وقيل : هذا أدب جعفر ، والله ، لحدّثني أبي عليه السلام : إنّ الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي عليه السلام فيكون زينها . . . »(55) .
وعن زيد الشحّام ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، أنّه قال : « يا زيد ، خالقوا النّاس بأخلاقهم ، صلّوا في مساجدهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمّة والمؤذّنين فافعلوا ، فإنّكم إذا فعلتم ذلك قالوا : هؤلاء الجعفريّة ، رحم الله جعفراً ، ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه ، وإذا تركتم ذلك قالوا : هؤلاء الجعفريّة ، فعل الله بجعفر ، ما كان أسوء ما يؤدّب أصحابه »(56) .
وعنه عليه السلام : « أوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ ، ولا تحملوا النّاس على أكتافكم فتذلّوا . . . عودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، واشهدوا لهم وعليهم ، وصلّوا معهم في مساجدهم »(57) .
والذي يظهر من التأمّل في مجموع الأخبار الواردة عنهم في هذا الباب اُمور :
الأمر الأوّل :
إنّهم عليهم السلام يؤكّدون على شيعتهم أن يعاشروا النّاس لا أن يجانبوهم ، فهم يحبّون المعاشرة والمراودة والمواصلة ، ويكرهون مجانبة النّاس ومقاطعتهم .
والأمر الثاني :
أنْ يعاشروا ويخالقوا كلّ قوم بأخلاقهم ولا يخالفوهم فيها ، فلكلّ قوم أخلاقهم الاجتماعية وآدابهم العرفيّة ، فمن عاش في بلد وعاشر قوماً فلا ينبغي أن يشذّ عنهم في أخلاقه وسلوكه .
والأمر الثالث :
في خصوص الصّلاة ، مع كونها من التكاليف الإلهية بل هي عمود الدين ، إن قبلت قبل ما سواها وإنْ ردّت ردّ ما سواها ، ومع أنّهم يقولون : « لا تصلِّ إلاّ خلف من تثق بدينه »(58) .
يأمر الأئمّة عليهم السلام بالصّلاة في مساجد المسلمين ، من باب حسن المعاشرة والتعايش السليم معهم ، وحفظاً للنفوس والأعراض من أنْ تتعرّض للأخطار :
عن أبي علي ـ في حديث ـ قال : « قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إنّ لنا إماماً مخالفاً وهو يبغض أصحابنا كلّهم ؟ فقال : ما عليك من قوله ، والله لئن كنت صادقاً لأنت أحقّ بالمسجد منه ، فكن أوّل داخل وآخر خارج ، وأحسن خلقك مع النّاس وقل خيراً »(59) .
ففي هذا الخبر ، يسأل الراوي الإمام عليه السلام عن إمام الجماعة في محلّته المخالف لأهل البيت والمبغض لأصحابهم كلّهم ، ماذا يفعل ، وكيف يتعامل معه ؟ فأجاب الإمام : « ما عليك من قوله » ، أي : لا تهتمّ بما يقوله في الشيعة والتشيّع من السبّ والطعن ، ثمّ يأمره بلزوم المسجد والحضور فيه ، حتّى يكون أوّل داخل فيه وآخر خارج منه ، ويأمره بحسن الخلق مع النّاس وأنْ لا يقول إلاّ الخير .
بل يأمر عليه السلام ـ كما في عدّة من الأخبار ـ بأنْ يكون في الصفّ الأوّل من المصلّين :
عن أبي عبد الله عليه السلام : « من صلّى معهم في الصفّ الأوّل كان كمن صلّى خلف رسول الله صلّى الله عليه وآله في الصفّ الأوّل »(60) .
وعن إسحاق بن عمّار قال : « قال لي أبو عبد الله عليه السلام : يا إسحاق ، أتصلّي معهم في المسجد ؟ قلت : نعم ، قال : صلِّ معهم ، فإنّ المصلِّي معهم في الصفّ الأوّل كالشاهر سيفه في سبيل الله »(61) .
كلّ ذلك . . حتّى يقال « رحم الله جعفراً ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه » ، وحتّى : « لا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلّوا » ، ولولا ذلك فالصلاة خلفهم غير جائزة ، ويشهد بذلك :
1 ـ تصريحهم بهذا المعنى في الأخبار الكثيرة جدّاً ، وذلك ما استفاده منها علماؤنا الكبار :
فعن إسماعيل الجعفي قال : « قلت لأبي جعفر عليه السلام : رجل يحبُّ أمير المؤمنين عليه السلام ولا يتبرّأ من عدوّه ويقول : هو أحبّ إليَّ ممّن خالفه ، فقال : هذا مخلط وهو عدوّ ، فلا تصلِّ خلفه ولا كرامة إلاّ أنْ تتّقيه »(62) .
ولا يخفى ما في هذا الخبر من الفائدة ، فإنّها تدلّ ـ كغيرها من الأخبار التي لا تحصى ـ على أنّ من لا يتبرّأ من أعدائهم فهو عدوّ لهم وإن كان محبّاً لهم !
2 ـ صلاة الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام خلف مروان :
عن علي بن جعفر في كتابه ، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام ، قال : « صلّى حسن وحسينٌ خلف مروان ، ونحن نصلّي معهم »(63) .
وعن سماعة ، قال : « سألته عن مناكحتهم والصلاة خلفهم ؟ فقال : هذا أمر شديد ، لن تستطيعوا ذاك ، قد أنكح رسول الله صلّى الله عليه وآله وصلّى عليٌّ وراءهم »(64) .
فإن كان أمير المؤمنين عليه السلام قد صلّى خلفهم ; فلشدّة الأمر كان ذلك ، وإلاّ فمن يصدّق أنّ الحسنين عليهما السلام قد صلّيا خلف مروان من دون ضرورة ، والكلُّ يدري من هو مروان بن الحكم ؟ !
أخرج الحاكم وصحّحه عن عبد الله بن الزبير ، قال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لعن الحكم وولده(65) .
وأخرج عن عائشة : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله : لعن أبا مروان ومروان في صلبه ، فمروان فضض من لعنة الله(66) .
وأخرج عن عبـد الرحمن بن عوف وصحّحه ، أنّه قال : كان لا يولد لأحد بالمدينة ولد إلاّ اُتي به إلى النبي صلّى الله عليه وآله فدعا له ، فأدخل عليه مروان ابن الحكم فقال : « هو الوزغ ابن الوزغ الملعون بن الملعون »(67) .
وأخرج ابن عبد البرّ : « نظر عليّ يوماً إلى مروان فقال له : ويل لك ، وويل اُمّة محمّـد منك ومن بنيك إذا ساءت درعك »(68) .
وقد اشتهر عن مروان أنّه كان يسبُّ أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر كلّ جمعة ، وقد صحَّ عن النبي صلّى الله عليه وآله : « من سبّ عليّاً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله »(69) .
3 ـ عدم حضورهم الجماعة والجمعة كلّما أمكنهم ، دلَّ على ذلك كثير من الأخبار وفيها ما هو صحيح الإسناد بلا كلام :
فعن أبي بصير ، قال : « دخلت على أبي عبد الله عليه السلام في يوم جمعة وقد صلّيت الجمعة والعصر ، فوجدته قد باهى ـ يعني من الباه أي جامع ـ فخرج إليَّ في ملحفة ، ثمّ دعا جاريته فأمرها أن تضع له ماءً يصبّه عليه ، فقلت له : أصلحك الله ، ما اغتسلت ؟ فقال : ما اغتسلت بعد ولا صلّيت ، فقلت له : قد صلَّيت الظهر والعصر جميعاً ؟ قال : لا بأس » .
قال صاحب الوسائل : « حمله الشيخ على وجود العذر ، ولا يخفى أنّ وجه ترك الإمام للجمعة كون إمامها مخالفاً فاسقاً ، وقد تقدّم ما يدلّ على المقصود في المواقيت »(70) .
4 ـ بل إنّهم عليهم السلام كانوا يأمرون شيعتهم بالصّلاة فرادى أو جماعة في البيوت فيأتمّون بواحد منهم . . ثمّ بالحضور في المسجد للصلاة مع النّاس :
عن أبي عبد الله عليه السلام : « ما من عبد يصلّي في الوقت ويفرغ ثمّ يأتيهم ويصلّي معهم ، وهو على وضوء ، إلاّ كتب الله له خمساً وعشرين درجةً »(71) .
وعنه عليه السلام أنّه سأل عن الإمام : إنْ لم أكن أثق به أُصلّي خلفه وأقرأ ؟ قال : « لا ، صلّ قبله أو بعده ، قيل له : أفأُصلّي خلفه وأجعلها تطوّعاً ؟ قال : لو قُبل التطوّع لقبلت الفريضة ، ولكنْ اجعلها سبحةً »(72) .
وعنه عليه السلام ، قال : « من صلّى في منزله ثمّ أتى مسجداً من مساجدهم فصلّى فيه خرج بحسناتهم »(73) .
وعن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله ، قال : « قلت : إنّي أدخل المسجد وقد صلّيت ، فأُصلّي معهم ، ولا أحتسب بتلك الصلاة ؟ قال : لا بأس ، وأمّا أنا فأُصلّي معهم وأُريهم أنّي أسجد وما أسجد »(74) .
5 ـ بل إنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يقيمون الصّلاة بأصحابهم الحاضرين عندهم في بيوتهم أو في المسجد ، ومن ذلك :
عن إسماعيل بن الفضل ، قال : « صلّى بنا أبو عبد الله عليه السلام أو أبو جعفر عليه السلام فقرأ بفاتحة الكتاب . . . »(75) .
وعن سليمان بن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : « صلّيت خلف أبي جعفر عليه السلام فقرأ بفاتحة الكتاب . . . »(76) .
وعن زيد الشحّام ، قال : « صلّى بنا أبو عبد الله عليه السلام الفجر ، فقرأ . . . »(77) .
وعن صفوان ، قال : « صلّيت خلف أبي عبد الله عليه السلام أيّاماً ، فكان يقرأ في فاتحة الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم . . . »(78) .
وعن الكاهلي ، قال : « صلّى بنا أبو عبد الله عليه السلام في مسجد بني كاهل ، فجهر مرّتين ببسم الله الرحمن الرحيم . . . »(79) .
وعن مسمع البصري ، قال : « صلّيت مع أبي عبد الله عليه السلام فقرأ . . »(80) .
وعن أبي حفص الصائغ ، قال : « صلّيت خلف جعفر بن محمّـد عليه السلام فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم »(81) .
وعن صفوان ، قال : « صلّى بنا أبو عبد الله عليه السلام المغرب ، فقرأ بالمعوّذتين في الركعتين »(82) .
وعن صابر مولى بسّام ، قال : « أمّنا أبو عبد الله عليه السلام في صلاة المغرب . . . »(83) .
وعن صفوان ، قال : « صلّيت خلف أبي عبد الله عليه السلام أيّاماً ، فكان يقنت . . . »(84) .
وعن حمزة بن حمران والحسن بن زياد ، قالا : « دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام وعنده قوم فصلّى بهم العصر . . . »(85) .
وعن حفص الجوهري ، قال : « صلّى بنا أبو الحسن علي بن محمّـد عليه السلام صلاة المغرب فسجد سجدة الشكر . . . »(86) .
وعن الثمالي ، قال : « صلّيت مع علي بن الحسين عليه السلام الفجر بالمدينة في يوم جمعة . . . »(87) .
وتلخّص :
إنّ الأئمّة عليهم السلام يأمرون أصحابهم بحسن المعاشرة والأخلاق مع أبناء سائر الفرق من المسلمين ، خاصّةً في المراسم والمواسم والمناسبات الاجتماعيّة ، حتّى تحفظ كرامتهم وكرامة شيعتهم بين النّاس ، أمّا في خصوص الصلاة ونحوها من الفرائض ، فلا بدّ من لحاظ الملاك المذكور .
( 25 )
إنّ الحسن بن علي كفّن أُسامة بن زيد في برد أحمر حبرة
هكذا في خبر عن أبي جعفر عليه السلام(88) .
وللكفن والتكفين أحكام شرعية يستنبطها الفقهاء من هذه الأخبار .
وفي أخبار الباب فوائد لا بأس بالتعرّض لواحدة منها :
قال أبو عبد الله عليه السلام : « إنّ أبي أوصاني عند الموت : يا جعفر ، كفّنّي في ثوب كذا وكذا ، واشتر لي برداً واحداً وعمامة ، وأجدهما ، فإنّ الموتى يتباهون بأكفانهم »(89) .
وعنه قال عليه السلام : « تنوّقوا(90) في الأكفان فإنّهم يبعثون بها »(91) .
وعنه قال عليه السلام : « أجيدوا أكفان موتاكم فإنّها زينتهم »(92) .
وقد لا نفهم معنى أنّهم يتباهون بأكفانهم ، وأنّها زينتهم لمّا يبعثون بها . . .
إلاّ أنّ في خبر تكفين الإمام الحسن عليه السلام أُسامة بن زيد فائدةً تربويّة عاليةً ينبغي بيانها بشيء من التفصيل :
وذلك أنّ أُسامة بن زيد مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وهو ابن زيد بن حارثة ، واُمّه أُمّ أيمن مولاة رسول الله . . . وقد روى أهل السنّة في حقّه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال : « أُسامة بن زيد لأحبّ الناس إليَّ ، أو من أحبّ الناس إليَّ ، وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم ، فاستوصوا به خيراً »(93) .
وهو الذي أمّره رسول الله صلّى الله عليه وآله على جيش فيه كبار الصحابة أبو بكر وعمر بن الخطّاب وسعد وسعيد وغيرهم من المهاجرين والأنصار ، ولعن من تخلَّف عنه . . . في قضيّة مشهورة .
لكن المهمَّ أنّ أُسـامة قد ذُكر في الأفراد المعدودين من الصحابة الذين لم يبايعوا أمير المؤمنين عليه السلام بعد عثمان واعتزلوا ، وأشهرهم سعد بن أبي وقّاص وعبد الله بن عمر بن الخطّاب وأُسامة بن زيد . . .
ثمّ إنّ أُسامة لم يكن مع الإمام الحسن بعد أمير المؤمنين عليهما السلام أيضاً .
وتوفّي سنة 54 أو 58 أو 59 ، فكان وفاته بعد الإمام الحسن عليه السلام ; لأنّ وفاة الإمام سنة 49 أو 50(94) .
فإذا كان الإمام عليه السلام قد كفَّن أُسامة ـ والحال هذه ـ فإنّ هذا من مكارم أخلاق أهل البيت عليهم السلام ، وهذا هو المقصود هنا ، فإنّ في هذه القضية عبرةً لمن يريد الاعتبار ، وتبصرةً لمن طلب البصيرة في حقِّ أهل البيت عليهم السلام ، وأنّهم لم يكونوا بصدد الرئاسة للأغراض الدنيوية ، حتّى لو أنّ أحداً خالفهم يتحيّنون الفرص للانتقام منه !
نعم ، قد ورد عندنا في الأخبار أنَّ أُسامة قد نَدِمَ من تخلّفه عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد روى سليم أنّه قد سلّم بعد ذلك ورضي ، ودعا لعليّ ، وتبرّأ من عدوّه ، وشهد أنّه عليه السلام على الحقّ ، ومن خالفه ملعون حلال الدم(95) .
وروى الكليني بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : « ألا اُخبركم أهل الوقوف ؟ قلنا : بلى . قال : أُسامة بن زيد وقد رجع فلا تقولوا إلاّ خيراً ، ومحمّـد بن مسلمة وابن عمر مات منكوباً »(96) .
قلت :
بل لقد ندم سعد بن أبي وقّاص أيضاً ، كما في رواية أهل السنّة :
ففي المستدرك على الصحيحين بإسناده عن خيثمة بن عبـد الرحمن ، قال : « سمعت سعد بن مالك ـ وقال له رجل : إنّ عليّاً يقع فيك أنّك تخلّفت عنه ـ فقال سعد : والله إنّه لرأي رأيته وأخطأ رأيي ، إنّ علي بن أبي طالب أُعطي ثلاثاً لأنْ أكون أُعطيت إحداهنَّ أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها : لقد قال له رسول الله يوم غدير خمّ . . . وجيء به يوم خيبر وهو أرمد . . . وأخرج رسول الله عمّه العبّاس وغيره من المسجد . . . »(97) .
وكذلك ندم عبـد الله بن عمر . . . .
ففي المستدرك أيضاً ، بإسناده عن شعيب بن أبي حمزة القرشي ، عن الزهري ، عن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب : « أنّه بينما هو جالس مع عبـد الله بن عمر ، إذ جاءه رجلٌ من أهل العراق فقال : يا أبا عبـد الرحمن : إنّي والله لقد حرصت أن أتسمَّت بسمتك وأقتدي بك في أمر فرقة النّاس واعتزال الشرّ ما استطعت ، وإنّي أقرأ آية في كتاب الله محكمة قد أخذت بقلبي ، فأخبرني عنها . أرأيت قول الله عزّ وجلّ : ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) ، أخبرني عن هذه الآية ؟
فقال عبد الله : مالك ولذلك ؟ ! انصرف عنّي . فانطلق حتّى توارى عنّا سواده .
وأقبل علينا عبد الله بن عمر ، فقال : ما وجدت في نفسي من شيء من أمر هذه الآية ما وجدت في نفسي أنّي لم أُقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله عزّ وجلّ .
قال الحاكم : هذا باب كبير ، رواه عن عبد الله بن عمر جماعة من كبار التابعين ، و إنّما قدّمت حديث شعيب بن أبي حمزة عن الزهري واقتصرت عليه ; لأنّه صحيح على شرط الشيخين »(98) .
وإنّما قال الإمام أبو جعفر عليه السلام : « إنّه مات منكوباً » ; فلأنّه قد بايع يزيد ابن معاوية ، ثمّ بايع عبـد الملك بن مروان . .
فسواء ثبتت توبة هؤلاء أو لا ، وسواء قبلت توبتهم أو لا ، فإنّ تكفين الإمام عليه السلام أُسامة بن زيد يدلّ على عظمة أهل البيت عليهم السلام وسموّ أخلاقهم ، وعظمة شأنهم . . .
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا للاقتداء بهم والاهتداء بهديهم .
( 26 )
العمائم تيجان العرب
عن أبي عبد الله عليه السلام ، عن آبائه ، قال : « قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : العمائم تيجان العرب ، إذا وضعوا العمائم وضع الله عزّهم »(99) .
يظهر من الخبر أنّ للعمامة أثراً معنويّاً لمن يلبسها ، وهي عزّ له وزينةٌ ، ولذا عبّر عنها بالتاج . وفي خبر آخر :
عن أبي عبد الله عليه السلام : « اعتمّوا تزدادوا حلماً »(100) ، ولا يخفى فضل الحلم .
وفي الخبر عنه : « كفى بالحلم ناصراً »(101) .
وفي آخر : « لا أعزّ الله بجهل قطّ ولا أذلّ بحلم قطّ »(102) .
بل في بعض الأخبار أنّ العمامة تيجان الملائكة :
فعن أبي عبد الله عليه السلام قال : « عمّم رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّاً عليه السلام بيده فسدلها من بين يديه ، وقصّرها من خلفه قدر أربع أصابع ، ثمّ قال : أدبر فأدبر ، ثمّ قال : أقبل فأقبل ، ثمّ قال : هكذا تيجان الملائكة »(103) .
وفي بعض الأخبار أنّ ذلك كان يوم الغدير ، وأنّ الملائكة الذين نصروا رسول الله صلّى الله عليه وآله في بدر وحنين كانت عمائمهم كذلك .
وقد ورد هذا الخبر في كتب الفريقين :
قال صاحب الوسائل :
« علي بن موسى بن طاووس في ( أمان الأخطار ) ، نقلاً من ( كتاب الولاية ) تأليف أحمد بن محمّـد بن سعيد بن عقدة ، في حديث نصّ النبي صلّى الله عليه وآله على عليّ يوم الغدير .
بإسناده ، في ترجمة عبد الله بن بشر صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قال : بعث رسول الله يوم غدير خمّ إلى علي فعمّمه وأسدل العمامة بين كتفيه ، وقال : هكذا أيّدني ربّي يوم حنين بالملائكة ، معمّمين وقد أسدلوا العمائم ، وذلك حجز بين المسلمين وبين المشركين .
قال : وفي حديث آخر بإسناده : عمّم رسول الله عليّاً يوم غدير عمامةً سدلها بين كتفيه ، وقال : هكذا أيّدني ربّي بالملائكة ، ثمّ أخذ بيده فقال : يا أيّها النّاس ، من كنت مولاه فهذا مولاه ، والى الله من والاه وعادى من عاداه »(104) .
وهنا مطالب :
الأوّل : في كيفيّة العمامة :
ففي هذه الروايات : « فسدلها من بين يديه ومن خلفه » ، وقد أوضح ذلك خبر تعمّم الإمام الرضا عليه السلام لدى خروجه لصلاة العيد : « ألقى طرفاً منها على صدره ، وطرفاً بين كتفيه »(105) .
وقد روى أهل السنّة تعمّم رسول الله صلّى الله عليه وآله بهذه الكيفيّة في كتبهم الحديثيّة ، فقال بعضهم : « وصار اليوم شعار الفقهاء الإماميّة ، فينبغي تجنّبه ; لترك التشبّه بهم »(106) .
فكان هذا المورد من جملة موارد مخالفتهم للسنّة النبوية الثابتة ، لأنّها قد أصبحت شعاراً للإماميّة كالتختّم باليمين ، وتسطيح القبور وغير ذلك . . .
نعم ، إنّهم نقلوا عن ابن تيميّة أنّ السبب في لفّه صلّى الله عليه وآله العمامة بهذه الكيفية : هو أنّ الله تعالى قد وضع يده على كتف النبيّ ، فمن ذلك الوقت جعل عمامته بالكيفية المذكورة ; إكراماً لموضع يد الله عزّ وجلّ . . وقد استحسن تلميذه ابن القيّم هذا الكلام ، لكن غير واحد من علمائهم قالوا : بأنّ كلامهما هذا مبني على قولهما بالتجسيم ، نعوذ بالله منه(107) .
الثاني : في أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله عمّم أمير المؤمنين يوم غدير خمّ :
وقد روى هذا الحديث غير واحد من كبار علماء أهل السنّة في القرون المختلفة ، نذكر بعضهم :
1 ـ سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الطيالسي .
2 ـ عبد الله بن محمّـد بن أبي شيبة العبسي .
3 ـ أحمد بن منيع البغوي .
4 ـ أحمد بن الحسين بن علي البيهقي .
5 ـ محبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري .
6 ـ إبراهيم بن محمّـد الحمويني .
7 ـ محمّـد بن يوسف الزرندي .
8 ـ علي بن محمّـد المعروف بابن الصبّاغ .
9 ـ جلال الدين عبـد الرحمن بن أبي بكر السّيوطي .
10 ـ جمال الدين عطاء الله بن فضل الله المحدّث الشيرازي .
11 ـ علاء الدين علي بن حسام الدين الشهير بالمتّقي .
12 ـ محمود بن علي الشيخاني القادري .
13 ـ أحمد بن محمّـد القشاشي .
قال علي المتّقي :
« عن علي ، قال : عمّمني رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم غدير خمّ بعمامة فسدلها خلفي ، وفي لفظ : فسدل طرفيها على منكبي ، ثمّ قال : إنّ الله أمدّني يوم بدر وحنين بملائكة يعتمّون هذه العمّة ، وقال : إن العمامة حاجزة بين الكفر والإيمان ، وفي لفظ : بين المسلمين والمشركين ، ورأى رجلاً يرمي بقوس فارسية فقال : ارم بها . ثمّ نظر إلى قوس عربية فقال : عليكم بهذه وأمثالها ورماح القنا ، فإنّ بهذه يمكّن الله لكم في البلاد ويؤيّد لكم . ( ش . ط وابن منيع ق ) »(108) .
وقال محبّ الدين الطبري :
« ذكر تعميمه إيّاه بيده ، عن عبـد الأعلى بن عدي البهراني : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله دعا عليّاً يوم غدير خمّ فعمّمه وأرخى عذبه من خلفه »(109) .
وقال شهاب الدين أحمد :
« عن جعفر بن محمّـد ، عن أبيه ، عن جدّه رضي الله تعالى عنهم : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وبارك وسلّم : عمّم علي بن أبي طالب كرّم الله تعالى وجهه عمامته السحابة ، وأرخاها من بين يديه ومن خلفه ، ثمّ قال : أقبل فأقبل . ثمّ قال : أدبر فأدبر . فقال صلّى الله عليه وآله وبارك وسلّم : هكذا جائتني الملائكة ، ثمّ قال : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه . اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله »(110) .
وقال الحمويني :
« أخبرنا القاضـي جلال الدين أبو المناقب محمود بن مسعود بن أسعد بن العراقي الطاووس القزويني إجازةً ، بروايته عن الشيخ إمام الدين عبد الكريم بن محمّـد بن عبـد الكريم إجازة ، قال : أنبأنا أبو منصور شهردار ابن شيرويه ابن شهردار الحافظ إجازة ، قال : أنبأنا أبو زكريّا يحيى بن عبد الوهّاب ابن الإمام أبي عبد الله محمّـد بن إسحاق بن محمّـد بن يحيى ابن مندة الحافظ بقراءتي عليه بإصفهان في داره ، أنبأنا أبو عمر عثمان بن محمّـد بن أحمد بن سعيد الخلاّل ، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن جميل ، أنبأنا جدّي إسحاق ، أخبرنا أحمد بن منيع ، عن عليّ بن هاشم ، عن أشعث بن سعيد ، عن عبد الله بن بشر عن أبي راشد ، عن عليّ بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّ الله عزّ وجلّ أيّدني يوم بدر وحنيـن بملائكة معتمّين هذه العمّة ، والعمّة الحاجز بين المسلمين والمشركين ، قاله لعليّ لمّا عمّمه يوم غدير خمّ بعمامة سدل طرفها على منكبيه »(111) .
وقال أيضاً :
« . . . عن جعفر بن محمّـد ، قال : حدّثني أبي ، عن جدّي : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله عمّم علي بن أبي طالب رضي الله عنه عمامته السحاب ، فأدخلها من بين يديه ومن خلفه ، ثمّ قال : أقبل فأقبل ، ثمّ قال : أدبر فأدبر ، قال : هكذا جاءتني الملائكة »(112) .
وقال أيضاً :
« . . . عن عليّ بن أبي طالب ، قال : عمّمني رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم غدير خمّ بعمامة فسدل طرفها على منكبي ، وقال : إنّ الله أمدّني يوم بدر بملائكة معتمّين بهذه العمامة »(113) .
روى محمّـد بن يوسف الزرندي ، الحديث الثاني المذكور ، عن جعفر ابن محمّـد ، عن أبيه ، عن جدّه وأضاف :
« ثمّ قال : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ، اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله . . . »(114) .
الثالث : في أنّ العمامة حجزٌ ـ أي مميّز بين المسلمين والمشركين ـ:
وهذا أيضاً موجود في كتب أهل السنّة ، قالوا : لأنّ المسلمين يتعمّمون وأنّ المشركين لا عمائم لهم(115) .
وأتذكّر أني رأيت في بعض كتبهم أنّ عمر غضب على بعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله فأمره بأن ينزع عمامته ، مشيراً بذلك إلى خروجه عن الإسلام وكونه في عداد المشركين ! !
( 27 )
بين أبي ذرّ وعثمان في معنى الآية المباركة :
( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا )
عن زرارة ، قال : « كنت قاعداً عند أبي جعفر عليه السلام ـ وليس عنده غير ابنه جعفر ـ فقال : يا زرارة ، إنّ أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فقال عثمان : كلّ مال من ذهب أو فضة يُدار ويُعمل به ويتّجر به ففيه زكاة إذا حال عليه الحول ، فقال أبو ذرّ : أمّا ما يتّجر به أو دير وعمل به فليس فيه زكاة ، إنّما الزكاة فيه إذا كان ركازاً كنزاً موضوعاً ، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة ، فاختصما في ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، قال : فقال : القول ما قال أبو ذرّ .
فقال أبو عبد الله لأبيه : ما تريد إلاّ أنْ يخرج مثل هذا فيكفّ النّاس أنْ يعطوا فقراءهم ومساكينهم ؟
فقال أبوه : إليك عنّي ، لا أجد منها بُدّاً »(116) .
وعن أبي عبد الله عليه السلام : « ليس في المال المضطرب به زكاة ، فقال له إسماعيل ابنه : يا أبة ، جعلت فداك ، أهلكت فقراء أصحابك ! فقال : أيْ بنيّ ، حقٌ أراد الله أن يخرجه فخرج »(117) .
أقول :
في هذا الخبر فوائد :
1 ـ إنّ الحكم الشرعي يجب أن يبلَّغ إلى الناس بلغ ما بلغ .
2 ـ إنّ ما يقوله الأئمّة عليهم السلام إنّما هو حكم الله سبحانه يخرج إلى النّاس بواسطتهم .
3 ـ إنّ ما أجاب به أبو عبد الله نفس ما أجاب به والده عليهما السلام ، لكنّ المطلب الذي نريد أنْ نؤكّد عليه على ضوء الخبر هو :
إنّ عثمان كان يرى الزكاة في المال الذي يتّجر به ، فيكون قائلاً بوجوبها في ما لا يتّجر به بالأولويّة ، وكان أبو ذرّ رضي الله عنه يرى العكس ، أي عدم وجوب الزكاة في ما يتّجر به ، وكان هذا هو الحكم الشرعي كما في الخبر ، إذ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله القول ما قال أبو ذرّ .
لكنّ أبا ذرّ وعثمان قد تنازعا مرةً اُخرى ، وذلك في زمان حكومة عثمان . . . واشتهر أنّ نزاعهما كان في وجوب الزكاة ، ومعنى قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم )(118) ، فنسبوا إلى أبي ذرّ أنّه كان يستشهد بالآية المباركة ، ويقول بوجوب إنفاق كلّ المال الزائد عن القوت . وهذا إفك مفترىً ، وإنّما أذاعوه من أجل الدفاع عن عثمان ومعاوية ومن لفّ لفّهم ، قلباً للحقائق وكتماناً للواقعيّات . . .
يقول ابن كثير الدمشقي :
« كان أبو ذرّ ينكر على من يقتني مالاً من الأغنياء ، ويمنع أنْ يدّخر فوق القوت ، ويوجب أن يتصدّق بالفضل ، ويتأوّل قول الله سبحانه وتعالى : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم ) ، فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع ، فبعث يشكوه إلى عثمان ، فكتب عثمان إلى أبي ذرّ أن يقدم عليه المدينة ، فقدمها ، فلامه عثمان على بعض ما صدر منه واسترجعه فلم يرجع ، فأمره بالمقام بالربذة ـ وهي شرقي المدينة ـ . ويقال : إنّه سأل عثمان أن يقيم بها ، وقال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال لي : إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها ، وقد بلغ البناء سلعاً ، فأذن له عثمان بالمقام بالربذة ، وأمره أن يتعاهد المدينة في بعض الأحيان حتّى لا يرتدّ أعرابياً بعد هجرته ، ففعل ، فلم يزل مقيماً بها حتّى مات »(119) .
وتجد مثل هذا الكلام في كتب غيره من المؤرّخين . . .
ومن أين جاء بهذه المزعمة أنّ أبا ذرّ كان ينكر على من يقتني مالاً من الأغنياء ؟ !
لقد كشف أئمّتنا النقاب عن هذه الأفائك والمفتريات ، وبالله عليك ، إنّ من يرى عدم وجوب الزكاة في المال الذي يتّجر به ، كيف يقول بعدم ملكيّة الإنسان لما زاد عن قوته وضروريّاته ؟ ! وهل أنّه كان يفعل منكراً فينهاه مثل معاوية الذي هو أساس كثير من المنكرات والمشيع لها بين المسلمين ؟
بل لقد كان نكير أبي ذرّ موجّهاً إلى عثمان من جهة تسليطه الفسقة والفجرة من بني اُميّة وبني العاص على رقاب المسلمين . . .
لقد كان نكيره موجّهاً إلى عطاءات عثمان لمروان وأمثاله . . . فقد أعطى مروان وحده خمسمائة ألف دينار ، وهذه إحدى عطاءاته له . . .
لقد كان نكيره موجّهاً إلى معاوية وتصرّفه في أموال المسلمين في الشام ، ولمّا بنى معاوية الخضراء بدمشق قال له أبو ذرّ : يا معاوية ، إنْ كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف ، فسكت معاوية .
يقول ابن كثير : فبعث يشكوه إلى عثمان .
لكنّ المسعودي يروي أنّه كتب إليه قائلاً :
« إنّ أبا ذر تجتمع إليه الجموع ولا آمن أن يفسدهم عليك ، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك » .
فروى غير واحد من المؤرّخين أنّه حمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتّى أتوا به المدينة قد تسلّخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف . . . وهذا لفظ المسعودي(120) ، ونحوه لفظ غيره منهم .
لكن ابن كثير يقول : فكتب عثمان إلى أبي ذرّ أن يقدم عليه المدينة فقدمها !
ثم يقول : فلامه عثمان . . .
لكن الواقدي وغيره من أئمّة التأريخ والسير منهم يروون ـ واللفظ له ـ إنّ عثمان قال لأبي ذرّ ـ لمّا أدخل به عليه ـ : أنت الذي فعلت ما فعلت ؟ فقال له أبو ذرّ : نصحتك فاستغششتني ، ونصحت صاحبك فاستغشّني ، فقال عثمان : كذبت ، ولكنّك تريد الفتنة وتحبّها ، قد أنغلت الشام علينا ، فقال أبو ذرّ : اتّبع سنة صاحبيك ، لا يكن لأحد عليك كلام ، قال عثمان : مالك وذلك لا اُمّ لك ؟ قال أبو ذرّ : والله ما وجدت لي عذراً إلاّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فغضب عثمان ، وقال : أشيروا عليَّ في هذا الشيخ الكذّاب ، إمّا أن أضربه أو أحبسه أو أقتله ـ فإنّه قد فرّق جماعة المسلمين ـ أو أنفيه من أرض الإسلام . . .
فنفاه إلى الربذة .
لكنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام يكشفون النقاب عن حقائق الأُمور مهما أمكنهم .
ففي نهج البلاغة إنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال لأبي ذرّ لمّا اُخرج :
« يا أبا ذرّ ، إنّك غضبت لله فارجُ من غضبت له ، إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك . . . »(121) .
للموضوع صلة . . .
(1) وسائل الشيعة 17/13 ح 21855 .
(2) وسائل الشيعة 17/12 ح 21852 .
(3) وسائل الشيعة 17/76 ح 22025 .
(4) وسائل الشيعة 17/34 ح 21912 .
(5) وسائل الشيعة 17/34 ح 21910 .
(6) وسائل الشيعة 17/29 ح 21899 .
(7) وسائل الشيعة 7/509 ح 9987 .
(8) وسائل الشيعة 17/11 ح 21848 .
(9) وسائل الشيعة 17/14 ح 21857 .
(10) وسائل الشيعة 17/14 ح 21858 .
(11) وسائل الشيعة 17/14 ح 21859 .
(12) وسائل الشيعة 17/15 ح 21862 .
(13) وسائل الشيعة 17/17 ح 21865 .
(14) وسائل الشيعة 7/125 ح 8910 .
(15) وسائل الشيعة 17/20 ح 21874 .
(16) وسائل الشيعة 17/20 ح 21875 .
(17) وسائل الشيعة 17/45 ح 21938 .
(18) وسائل الشيعة 17/82 ح 22043 .
(19) وسائل الشيعة 17/293 ح 22564 .
(20) وسائل الشيعة 17/286 ح 22544 .
(21) وسائل الشيعة 17/287 ح 22540 .
(22) وسائل الشيعة 17/285 ح 22535 .
(23) سورة الرحمن 55 : 60 .
(24) وسائل الشيعة 17/286 ح 22536 .
(25) سورة الأنعام 6/160 .
(26) وسائل الشيعة 16/103 ح 21095 .
(27) وسائل الشيعة 16/95 ح 21074 .
(28) وسائل الشيعة 16/98 ح 21081 .
(29) وسائل الشيعة 16/97 ح 21079 .
(30) وسائل الشيعة 16/96 ح 21076 .
(31) وسائل الشيعة 16/101 ح 21088 .
(32) وسائل الشيعة 16/102 ح 21092 .
(33) وسائل الشيعة 19/71 ح 241176 .
(34) وسائل الشيعة 19/72 ح 241177 .
(35) وسائل الشيعة 19/73 ح 241178 .
(36) وسائل الشيعة 19/73 ح 24182 .
(37) وسائل الشيعة 19/68 ح 24168 .
(38) وسائل الشيعة 19/67 ح 24166 .
(39) وسائل الشيعة 19/68 ح 24171 .
(40) وسائل الشيعة 19/76 ح 24190 .
(41) وسائل الشيعة 3/263 ح 3593 .
(42) وسائل الشيعة 3/261 ح 3584 .
(43) وسائل الشيعة 3/262 ح 3591 .
(44) وسائل الشيعة 3/263 ح 3592 .
(45) وسائل الشيعة 3/264 ح 3595 .
(46) وسائل الشيعة 3/263 ح 3593 .
(47) الثَّجّ: الصبّ الكثير. المحكم والمحيط الأعظم 7/194 «ثجج».
(48) وسائل الشيعة 3/264 ح 3598 .
(49) وسائل الشيعة 3/255 ح 3560 .
(50) وسائل الشيعة 3/260 ح 3582 .
(51) وسائل الشيعة 3/259 ح 3579 .
(52) وسائل الشيعة 3/257 ح 3566 .
(53) وسائل الشيعة 3/262 ح 3586 .
(54) وسائل الشيعة 12/5 ح 15495.
(55) وسائل الشيعة 12/5 ح 15496 .
(56) وسائل الشيعة 8/431 ح 11092 .
(57) وسائل الشيعة 8/301 ح 10724 .
(58) وسائل الشيعة 8/319 ح 10778 .
(59) وسائل الشيعة 8/300 ح 10722 .
(60) وسائل الشيعة 8/299 ح 10717 .
(61) وسائل الشيعة 8/301 ح 10723 .
(62) وسائل الشيعة 8/310 ح 10751 .
(63) وسائل الشيعة 8/301 ح 10725 .
(64) وسائل الشيعة 8/301 ح 10726 .
(65) المستدرك على الصحيحين 4/481 .
(66) المستدرك على الصحيحين 4/481 .
(67) المستدرك على الصحيحين 4/479 .
(68) الاستيعاب 3/1388 .
(69) مسند أحمد 6/323 ، المستدرك 3/121 وغيرهما .
(70) وسائل الشيعة 7/321 ح 9471 .
(71) وسائل الشيعة 8/302 ح 10729 .
(72) وسائل الشيعة 8/303 ح 10732 .
(73) وسائل الشيعة 8/304 ح 10736 .
(74) وسائل الشيعة 8/304 ح 10735 .
(75) وسائل الشيعة 6/46 ح 7301 .
(76) وسائل الشيعة 6/46 ح 7303 .
(77) وسائل الشيعة 6/54 ح 7326 .
(78) وسائل الشيعة 6/57 ح 7336 .
(79) وسائل الشيعة 6/57 ح 7339 .
(80) وسائل الشيعة 6/62 ح 7351 .
(81) وسائل الشيعة 6/76 ح 7391 .
(82) وسائل الشيعة 6/114 ح 7488 .
(83) وسائل الشيعة 6/115 ح 7489 .
(84) وسائل الشيعة 6/261 ح 7903 .
(85) وسائل الشيعة 6/304 ح 8034 .
(86) وسائل الشيعة 6/489 ح 8512 .
(87) وسائل الشيعة 7/412 ح 9726 .
(88) وسائل الشيعة 3/7 ، الباب 2 من أبواب التكفين ج 3 .
(89) وسائل الشيعة 3/39 ح 2969 .
(90) تنوّق فلان في مطعمه وملبسه وأُموره إذا تجوّد وبالغ . . . لسان العرب 10/364 .
(91) وسائل الشيعة 3/39 ح 2970 .
(92) هذه الأخبار في الباب 18 من أبواب التكفين .
(93) اسد الغابة 1/195 عن عبد الله بن عمر .
(94) ومن هنا كان الصحيح هو : إنّ الحسين بن علي كفّن اُسامة ، فما في الوسائل وبعض الكتب تصحيف ، وقد نبّه على ذلك غير واحد من العلماء .
(95) كتاب سليم بن قيس الهلالي 2/797 .
(96) رجال الكشي : 39 .
(97) المستدرك 2/151 .
(98) المستدرك 3/115 .
(99) وسائل الشيعة 5/57 ح 5892 .
(100) وسائل الشيعة 7/57 ح 5893 .
(101) الكافي 2/112 .
(102) الكافي 2/112 .
(103) وسائل الشيعة 5/55 ح 5889 .
(104) وسائل الشيعة 5/58 ح 5898 .
(105) وسائل الشيعة 5/56 ح 5891 .
(106) شرح المواهب اللدنّية بالمنح المحمّـدية 5/13 .
(107) شرح المواهب اللدنية بالمنح المحمّـدية 5/12 .
(108) كنز العمّال للملاّ علي المتّقي . والمراد من « ش » هو ابن أبي شيبة . ومن « ط » أبو داود الطيالسي . ومن « ق » البيهقي .
(109) الرياض النضرة 2/289 .
(110) توضيح الدلائل ـ مخطوط .
(111) فرائد السمطين 1/75 .
(112) فرائد السمطين 1/76 .
(113) فرائد السمطين 1/76 .
(114) نظم درر السمطين : 112 .
(115) شرح المواهب اللدنية بالمنح المحمّـدية 5/13 .
(116) وسائل الشيعة 9/74 ح 11555 .
(117) وسائل الشيعة 9/75 ح 11559 .
(118) سورة التوبة 9 : 34 .
(119) تاريخ ابن كثير 7/185 حوادث السنة 32 .
(120) مروج الذهب 1/438 ، وانظر البلاذري في أنساب الأشراف 2/52 .
(121) انظر شرح نهج البلاغة 8/255 .
|